المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

سياسة الانفاق العام للدول المسلمة في ضوء الشريعة الاسلامية

د ليث حسن علوان

صفحة ١ من ٣

(0) وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجامعة العراقية سياسة الانفاق العام للدول المسلمة في ضوء الشريعة الاسلامية الباحث د. ليث حسن علوان Public spending policy of Muslim countries in the light of Islamic law researcher layth hassan alwan

عدد الصفحات ١

(1) المحتويات الموضوع الصفحة المقدمة 2 المطلبالأول:- تمهيد . 3------ 7 المطلب الثاني- سياسة الانفاق في عهد الرسول والخلافة الراشدة 8----- 15 المطلب الثالث- سياسة الانفاق عند الفقهاء . 16----- 20 المطلب الرابع- سياسة الانفاق في النظام الاقتصادي العالمي . 21----- 25 المطلب الخامس- سياسة الانفاق للدول المسلمة في ضوء الشريعة الاسلامية . 26----- 31 الخاتمة 32---- 33 المصادر 34----- 37

عدد الصفحات ٢

(2) بسم الله الرحمن الرحيم  المقدمة الحمد لله رب العالمين، و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين و على آله و صحبه أجمعين. يعد الانفاق العام للدول، من اهم الامور التي تواجه الدول المسلمة وغير المسلمة، لان هذه الدول تريد ان تحقق التنمية الاقتصادية، والقضاء على الفقر والتخلف، وتطوير الدولة على كافة الاصعدة، التعليمية والصحية والبنية التحتية والامن الغذائي والدفاعي ،وهذه الامور بحاجة الى نفقات كبيرة تعجز غالب الدول عن توفيرها بشكل كامل، لذلك تلجئ الدول لتحقيق ذلك الى سياسات إنفاقية متنوعة ، بطبيعة الحال هذه السياسات الانفاقية ممكن ان تبني الدولة او تهدم ،بحسب اليد التي تمسك السلطة. وسبب كتابة هذا البحث هو التوصل الى سياسة إنفاقية واضحة تتفق مع احكام الشريعة الاسلامية، وتبعد الدول المسلمة عن السياسات الإنفاقية المح رمة، وتحقق اهداف الانفاق العام، فسنبدأ في المطلب الاول بالتعريف بسياسة الإ نفاق العام وبيان المقصود بها والاسس الشرعية للإنفاق العام في الشريعة الا سلامية، وفي المطلب الثاني سنتكلم عن سياسة الإنفاق على عهد الرسول والخلافة الراشدة . وفي المطلب الثالث سنتكلم عن اقوال الفقهاء عن الإنفاق العام، وفي المطلب الرابع سنتكلم عن سياسة الانفاق في النظام الاقتصادي العالمي، وفي المطلب الخامس سنتكلم عن سياسة الانفاق للدول المسلمة في ضوء الشريعة الاسلامية، وسنختم البحث إن شاء الله بخاتمة تتضمن النتائج .

عدد الصفحات ٣

(3) المطلب الاول- (تمهيد ) ﭧ ﭨ ﭽ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﭼ 1. لقد أعلن الإسلام في صريح آيات القرآن الكريم أن المال مال الله وأن الخلق جميعا مستخلفون فيه -أي في إنفاقه- وفق الضوابط الشرعية التي قررها الإسلام2. وقوله{ :كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم}أي: جعلنا هذه المصارف لمال الفيء لئلا يبقى مأكلة يتغلب عليها الأغنياء ويتصرفون فيها، بمحض الشهوات والآراء، ولا يصرفون منه شيئا إلى الفقراء3. وفي بداية هذا البحث نمهد له بالتعريف بمفردات البحث ، ثم نتكلم عن الاساس الشرعي الذي يجب ان تبنى عليه سياسة الانفاق العام للدول المسلمة وهو تحقيق المصلحة العامة لجميع المسلمين الاغنياء والفقراء . تعريف السياسة الشرعية :- السياسة لغة: والسوس: الرياسة، يقال ساسوهم سوسا، وإذا رأسوه قيل: سوسوه ، وساس الأمر سياسة: قام به، و ساس الأمر سياسة، أي: قام به ، وسوسه القوم جعلوه يسوسهم. ويقال: سوس فلان أمر بني فلان أي كلف سياستهم. و سست الرعية سياسة. وسوس الرجل أمور الناس، إذا ملك أمرهم 4. والسياسةالقيام على الشيء بما يصلحه5. الشريعة لغة مشرعة الماء، وهو مورد الشاربة. والشريعة: ما شرع الله لعباده من الدين6. 1 - سورة الحشر ، اية7. 2 - ينظر الإسلام والتوازن الاقتصادي بين الأفراد والدول ،المؤلف: محمد شوقى الفنجرى (المتوفى: 1431هـ) ،الناشر: وزارة الأوقاف ،ص6 . 3 - ينظر تفسير القرآن العظيم، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)، المحقق: سامي بن محمد سلامة ، دار طيبة للنشر ط2، 1111 م ، 8 /67. 4 -ينظر: لسان العرب، تأليف: محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، بيروت، الطبعة: الأولى،6 /108، 5 -ينظرتاج العروس من جواهر القاموس،تأليف:محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، تحقيق: مجموعة من المحققين، دار الهداية، 16 / 157. 6 - الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، المؤلف: أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي (المتوفى: 313هـ)، أحمد عبد الغفور عطار ، دار العلم للملايين – بيروت ، ط4، 1187 م ، 3/1236.

عدد الصفحات ٤

(4) السياسة الشرعية اصطلاحا( بصفته لفظ مركب ) : هي قيام من له السلطة العامة بتدبير شؤون الرعية والدولة بما يصلح حالهما وفقا لما جاء به الشرع 1. تعريف الانفاق لغة :- (نفق) النون والفاء والقاف أصلان صحيحان، يدل أحدهما على انقطاع شيء وذهابه، والآخر على إخفاء شيء وإغماضه ، وأنفقوا: نفقت سوقهم. والنفقة لأنها تمضي لوجهها. ونفق الشيء فني 2. والنفقة: ما أنفقت على العيال وعلى نفسك3. الإنفاق اصطلاحا : هو صرف المال إلى الحاجة4.او صرف المَال فِي الْحَاجة5. او صرف المال في الحاجات الضرورية وغيرها6. تعريف العام لغة- (عم) العين والميم أصل صحيح واحد يدل على الطول والكثرة والعلو7. العام اصطلاحا- لفظ وضع وضع ا واحد ا لكثير غير محصور مستغرق جميع ما يصلح له8. تعريف الانفاق العام اصطلاحا ( بصفته لفظ مركب ) :- هو إخراج المال من الملك1 .او هو مبلغ نقدي يقوم بتنفيذه شخص عام بهدف تحقيق نفع عام (جماعي 10. المقصود بسياسة الانفاق- النفقة واجبة على الدولة كوجوبها على الافراد ، وهي حينما تقوم بذلك انما تعمل على تحقيق مصالح الافراد ، وتيسير الحياة الكريمة لهم 11 . 1 - الحقوق السياسية للمرأة في الإسلام، مجيد محمود أبو حجير، مكتبة الرشد للطبع ،السعودية ، الرياض،ط1 ، 1417هـ ، ص22. 2 - ينظرمعجم مقاييس اللغة المؤلف: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 315هـ) المحقق: عبد السلام محمد هارون ،الناشر: دار الفكر ،عام النشر: 1311هـ - 1171م، 5 /454. 3 -ينظرتهذيب اللغة ،المؤلف: محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (المتوفى: 370هـ) المحقق: محمد عوض مرعب ،الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت الطبعة: الأولى، 2001م ،1 /156. 4 - كتاب التعريفات، علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني (المتوفى: 816هـ) المحقق: ضبطه وصححه جماعة من العلماء بإشراف الناشر الناشر: دار الكتب العلمية بيروت -لبنان الطبعة: الأولى 1403هـ -1183م، ص31. 5 - دستور العلماء = جامع العلوم في اصطلاحات الفنون ،القاضي عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري (المتوفى: ق 12هـ) الناشر: دار الكتب العلمية - لبنان / بيروت ،الطبعة: الأولى، 1421هـ - 2000م 1 /138. 6 - معجم لغة الفقهاء المؤلف: محمد رواس قلعجي - حامد صادق قنيبي الناشر: دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع الطبعة: الثانية، 1408 هـ - 1188 م، ص 13. 7 - ينظرمعجم مقاييس اللغة ،المؤلف: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 315هـ) ،المحقق: عبد السلام محمد هارون ،الناشر: دار الفكر ، 1311هـ - 1171م ،4 /15. 8 - كتاب التعريفات ،الجرجاني ، ص145. 1 - ينظر : معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء ،د نزيه حماد ، دار القلم ، دمشق ،ط1 ، 2008 ، ص 87 . 10 - علم المالية العامة والتشريع المالي ، د طاهر الجنابي، جامعة بغداد ، كلية القانون ، بلا ، ،ص17 . 11 - ينظر: الاقتصاد الاسلامي أسس ومبادىْ واهداف ، د. عبدالله بن عبد المحسن الطريقي ، موسسة الجريسي ، الرياض ،ط 11 ،1430ه-2001م ، كتاب مهم جدا ، ص105 .

عدد الصفحات ٥

(5) والسياسة المالية للدولة هي تدبير مواردها ومصارفها بما يكفل سد النفقات التي تقتضيها المصالح العامة من غير إرهاق للأفراد ولا إضاعة لمصالحهم الخاصة1. " إن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس -وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل"2. وهي الضروريات الخمس المتفق على رعايتها في جميع الشرائع ،لأن مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة عليها بحيث لو انخرمت لم يبق للدنيا وجود من حيث الإنسان المكلف3. وتكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: ضرورية ، حاجية، تحسينية4. والتشريع لا يحقق مصالح الناس إلا إذا كانت تشريعاته تحقق هذه الامور الثلاثة ،وقد عُنيت الشريعة بهذه الامور الثلاثة ، وجاءت بأحكام تحققها5 . لأن الشريعة مبنية على حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينيات6. فالضروريات هي التي لا قيام لحياة الناس بدونها مثل الطعام والشراب والتعليم والعمل والسكن ،والحاجيات هي التي يحتاج اليها الناس ليعيشوا بيسر وسعة واذا فاتتهم لم يختل نظام الحياة لكن يصيب الناس ضيق وحرج مثل الحصول على الطعام الجيد المتنوع والمدارس الواسعة الحديثة والعمل بأجور مجزية والسكن الواسع المريح ، واما التحسينيات فهي التي ترجع الى محاسن العادات واذا فاتت فلا يختل نظام الحياة ولا يصيب الناس حرج ،مثل المطاعم والمقاهي 7 . فيفترض على الحاكم ان يراعي الضروريات الخمس في الانفاق على الناس فيقدم ما هو ضروري ، ثم ينتقل الى ما هو حاجي ، ثم ينتقل الى ما هو تحسيني ، فلا يصح ان يبدا بما هو حاجي او تحسيني ويترك ما هو ضروري . 1 - السياسة الشرعية في الشئون الدستورية والخارجية والمالية ،المؤلف: عبد الوهاب خلاف (المتوفى: 1375هـ)، الناشر: دار القلم، الطبعة: 1408 هـ- 1188م، ص101. 2 - الموافقات ،المؤلف: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (المتوفى: 710هـ) ،المحقق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان الناشر: دار ابن عفان ،ط1، 1417هـ/ 1117م، 1 /31. 3 - ينظر بدائع السلك في طبائع الملك ،المؤلف: محمد بن علي بن محمد الأصبحي الأندلسي، أبو عبد الله، شمس الدين الغرناطي ابن الأزرق (المتوفى: 816هـ)،المحقق: د. علي سامي النشار، العراق، ص115. 4 - الموافقات ،2 /17. 5 - ينظر: المدخل لدراسة الفقه الاسلامي، د. محمود مجيد سعود الكبيسي ، دار الكتب الجامعية ، الامارات /العين ، ط3، 2017،ص30. 6 - الموافقات ،3/338. 7 - ينظر: (بتصرف ) ، المدخل لدراسة الشريعة الاسلامية ،د. عبدالكريم زيدان ،مؤسسة الرسالة، بيروت ،ط16 ،ص41 .

عدد الصفحات ٦

(6) ولان الفقهاء يقولون ان "تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة "1. فهذه القاعدة تضبط الحدود التي يتصرف في نطاقها كل من ولي شيئا من أمور العامة من إمام أو وال أو أمير أو وقاض أو موظف، وتفيد أن أعمال هؤلاء وأمثالهم وتصرفاتهم لكي تنفذ على الرعية وتكون ملزمة لها يجب أن تكون مبنية على مصلحة الجماعة وخيرها2. إن نفاذ تصرف الراعي على الرعية، معلق ومتوقف على وجود الثمرة والمنفعة في ضمن تصرفه، دينية كانت أو دنيوية، فإن تضمن منفعة ما وجب عليهم تنفيذه، وإلا رد، لأن الراعي ناظر، وتصرفه حينئذ متردد بين الضرر والعبث وكلاهما ليس من النظر في شيء3. لأن الولاة والعمال والأمراء والقضاة والقادة وغيرهم ليسوا عمالا لأنفسهم إنما هو وكلاء على الأمة في القيام بشؤونها ، والحرص على الأموال العامة ورعايتها وإنفاقها فقط فيما يعود على الأمة بالخير والنفع، كما لا يجوز لهم أن يحابوا بها أحدا دون أحد لجاه أو لسلطان أو رغبة أو طمع ،كما لا يجوز له أن يضعه إلا في يد تستحق4. لذلك يجب ان يكون الشخص الذي يلي امر الناس والمسؤول عن الانفاق العام قدوة صالحة لهم . وينبغي أن يعرف أن أولي الأمر كالسوق، ما نفق فيه جلب إليه، هكذا قال عمر بن عبد العزيز(رضي الله عنه)5، فإن نفق فيه الصدق والبر والعدل والأمانة، جلب إليه ذلك، وإن نفق فيه الكذب والفجور والجور والخيانة، جلب إليه ذلك. والذي على ولي الأمر، أن يأخذ المال من حله، ويضعه في حقه، ولا يمنعه من مستحقه6. لذلك مُنع الحاكم من العمل في التجارة،ن في ذلك تأثير على مصالح الناس ، وهو مكلف شرعا بالحفاظ عليها7 . 1 - المنثور في القواعد الفقهية، المؤلف: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (المتوفى: 714هـ) ،الناشر: وزارة الأوقاف الكويتية، الطبعة: الثانية، 1405هـ - 1185م ، 1 /310. الأَْشْبَاهُ وَالنَّظَائِرُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِيْ حَنِيْفَةَ النُّعْمَانِ، المؤلف: زين الدين بن إبراهيم بن محمد، المعروف بابن نجيم المصري (المتوفى: 170هـ ، دار الكتب العلمية، بيروت ،ط1، 1111م ، ص104. 2 - ينظرالوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، المؤلف: الشيخ الدكتور محمد صدقي بن أحمد بن محمد آل بورنو الغزي، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت ، ط4، 1116 م ،ص 348. 3 -ينظر القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة، د. محمد مصطفى الزحيلي، دار الفكر ، دمشق، ط1 2006 م، 1 /413. 4 -ينظر: الوجيز في ايضاح القواعد الفقهية ،ال بورنو ،ص341. 5 - عمر بن عبد العزيز بن مروان ابن الحكم، الإمام، الحافظ، العلامة، المجتهد، الزاهد، العابد، السيد، أمير المؤمنين حقا، أبو حفص القرشي، الأموي، المدني، الخليفة، الزاهد، الراشد، ينظر: سير اعلام النبلاء، 5/114. 6 - السياسة الشرعية ،السياسة الشرعية، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)،وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، ط1، 1418هـ ، ص27. 7 - ينظر: مقدمة ابن خلدون، عبدالرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي، دار القلم ،بيروت ،ط11،1112م، ص281.

عدد الصفحات ٧

(7) " فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، فليست من الشريعة ، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه ،وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام"1. وان أية أمة من الأمم تطبق هذا المنهج الرباني الخالد في نظام حياتها واقتصادها وشتى شئون الحياة لاشك أنها ستعيش في سعادة كاملة صراحة تامة، لا تعرف معها الفوضى الأخلاقية ولا الحرمان والظلم ، ولا تشكو من الفائض ولا التضخم المتزايدين اللذين يشكلان الأزمات الاقتصادية لتكدس الثروات بأيد قليلة لها السيطرة التامة على النظام الاقتصادي العام للبلاد2. 1 - ينظرإعلام الموقعين عن رب العالمين، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) ،تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم ،الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، ط1 1111م ، 3/12. 2 - خصائص ومقومات الاقتصاد الإسلامي محمد إبراهيم برناوي ،الناشر: مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة الطبعة: ربيع الآخر - رمضان 1401 هـ ،ص 213.

عدد الصفحات ٨

(8) المطلب الثاني: (سياسة الانفاق في عهد الرسول والخلافة الراشدة). قال تعالى : ﭽ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﭼ 1. أي لا تنفق مالكَ في غير طاعة الله فتكون مبذّرا ، والتبذير الإِنفاق في غير حق، ولو أنفق إنسان ماله كلَّه في الحق لم يكن مبذّرا ، والتبذير النفقة في معصية الله تعالى وفي غير الحق {إِن المبذرين كانوا إِخْوَانَ الشياطين}هذا تعليل للنهي وهو غاية في الذم والتقبيح أي إن المبذرين كانوا أمثال الشياطين وأشباههم في الإِفساد، لأنهم ينفقون في الباطل وينفقون في الشر والمعصية2 . يقرر العهد المكي مبدأ أساسيا في سياسية الإنفاق وهو مبدأ الاعتدال في تصريف الأموال أو الاقتصاد وعدم التبذير، وبذلك يحفظ الإسلام الجماعة الإسلامية من هزة اقتصادية سواء كان ذلك في عهد الرخاء والسراء أو في عهد الحاجة والضراء، وتسبق الدعوة الإسلامية بهذا المبدأ جميع أنظمة الاقتصاد إذ حجم الإنفاق له دخل في المشكلة الاقتصادية، ولقد شاء الله تعالى أن يعلم المسلمين منذ اللحظة الأولى أن التوسط في النفقة يحمى المجتمع3 . وكان الانفاق في عهد الرسول مميز عن غيره من العهود لا سيما في العهد المكي ، لا سباب كثيرة منها ان عدد المسلمين كان محدود لا سيما في مكة لذلك اعتمد الرسول في نفقته الشخصية على ما يملك من مال ، وكذلك على اموال سيدتنا خديجة ( رضي الله عنها ) ،وكان كل مسلم يعمل ويعتمد على نفسه في النفقة مع محاربة قريش لهم بسلاح المقاطعة في شعب ابي طالب4 . واول اموال على حسب علمي تستخدم لصالح الجماعة المسلمة هي اموال ابو بكر الصديق (رضي الله عنه ) عندما استخدم امواله في شراء العبيد المسلمين الذين كانت تعذبهم قريش ، منهم سيدنا بلال ( رضي الله عنه)5 . 1 -سورة الاسراء ،اية ،25 -36. 2 - ينظر صفوة التفاسير ، محمد علي الصابوني ، دار الصابوني للطباعة ،القاهرة، ط1، 1417 هـ - 1117 م ، 2 /146 . 3 -ينظر الدعوة الإسلامية في عهدها المكي ،مناهجها وغاياتها ، دكتور رؤوف شلبي دار القلم ، ط3 ،ص 530. 4 - ينظر الرحيق المختوم ، صفي الرحمن المباركفوري (المتوفى: 1427هـ) دار الهلال - بيروت ، ط1 ،ص 18،104 ، 5 - ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ، عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ) ، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي ،ط2 1375هـ - 1155 م، 1 /311. الرحيق المختوم ، صفي الرحمن المباركفوري (المتوفى: 1427هـ) دار الهلال - بيروت ، ط1 ،ص 80.

عدد الصفحات ٩

(1) فقال النبي  « :إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي مرتين، فما أوذي بعدها»1 . وقال رسول الله  « :إن أمن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر»2. وبعد ان هاجر الرسول الى المدينة وبداء بوضع اسس بناء الدولة المسلمة ،بعد ان هاجر معظم المسلمين من مكة كان الوضع الاقتصادي في المدينة يقوم على الزراعة، بعكس مكة التي كانت تعتمد على التجارة بالدرجة الاساس . وقد واجه المهاجرون من مكة إلى المدينة مشاكل متنوعة، اقتصادية واجتماعية وصحية، فمن المعروف أن المهاجرين تركوا أهليهم ومعظم ثرواتهم بمكة، كما أن مهارتهم كانت في التجارة التي تمرست بها قريش، ولم تكن في الزراعة والصناعة وهما يشكلان أساسين مهمين في اقتصاديات المدينة، وبما أن التجارة تحتاج إلى رأس المال فإن المهاجرين لم يتمكنوا من شق طريقهم في المجتمع الجديد بسهولة، وكانت مشكلة معيشتهم وسكناهم تواجه الدولة الناشئة3. لذلك كان على الرسول ايجاد حل عاجل لهذه المشكلة ، فهو لا يملك المال الكافي للأنفاق على المهاجرين ، والامر لا يقتصر على الطعام فقط بل السكن والعمل والاحتياجات الاخرى . فكان الحل في المؤاخاة ،التي اوجدها الرسول وكانت المؤاخاة ذات صبغة مالية؛ إذ تقضي أن يشترك المتآخون في الأموال؛ لتخفيف المعاناة عن المهاجرين واضطرارهم إلى ترك المال والأهل في مكة4. ورغم بذل الأنصار وكرمهم فإن الحاجة إلى إيجاد نظام يكفل للمهاجرين المعيشة الكريمة ظلت قائمة خاصة أن أنفة "المهاجرين" ومكانتهم تقتضي معالجة أحوالهم بتشريع يبعد عنهم أي شعور بأنهم عالة على "الأنصار" فكان أن شرع نظام 1 - صحيح البخاري ، كتاب اصحاب النبي ، باب قول الرسول لو كنت متخذ خليل ، رقم ( 3661)، 5 /5. 2 - صحيح البخاري ، كتاب اصحاب النبي ، باب قول الرسول سدوا الابواب ، رقم ( 3654)، 5 /4،صحيح مسلم ، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل ابي بكر ، رقم (2382) ،4 /1854 . 3 - ينظر: السيرة النبوية الصحيحة ، د. أكرم ضياء العمري ، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة ، ط6، 1415 هـ - 1114 م 1/242. 4 - الإدارة في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، أحمد عجاج كرمى ،الناشر: دار السلام – القاهرة ، ط1، ص146.

عدد الصفحات ١٠

(10) المؤاخاة، ووقعت المؤاخاة بين طرفين هما المهاجرون والأنصار، وقد شملت المؤاخاة تسعين رجلا خمسة وأربعين من المهاجرين وخمسة وأربعين من الأنصار1. لم يشهد تاريخ البشرية مثل المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في العهد الأول، فلم يتم الأمر من خلال القمع والإرهاب، ولا من خلال الاستيلاء على السلطة، والتأميم للأموال المنقولة وغير المنقولة - كما يعبر عن ذلك لمعاصرون اليوم - لقد كان تشريع المؤاخاة الذي تم بإشراف الرسول ، وبأقصى ما يملك المتآخون من رغبة واندفاع للتنفيذ. هي النموذج الحي للحكم على مستوى الدعاة في الأرض اليوم ومدى قدرتهم2. وكان الرسول ينفق على أهل الصفة ، وهم فقراء المهاجرين فقد استمر تدفق المهاجرين إلى المدينة ، حيث كان الكثير منهم يستقرون في المدينة كما طرقت الوفود الكثيرة المدينة، فكان هؤلاء بحاجة إلى مأوى دائم أو مدة إقامتهم ، وكذلك كان ينزل بها الغرباء من الوفود التي كانت تقدم على النبي  معلنة إسلامها ،كان عددهم يختلف باختلاف الأوقات ،كان النبي ، يتعهد أهل الصفة بنفسه، فيزورهم ويتفقد أحوالهم ويعود مرضاهم3 . وهذا يدل على ان الانفاق على الفقراء والعناية بهم من اهم واجبات الحاكم لأنها من الضروريات التي لا غنى عنها كما ذكرنا في المبحث الاول ، اما المورد الاساس للنفقات في عهد الرسول فكانت اموال الزكاة وصدقات المسلمين وكانت توزع وتنفق على فقراء المسلمين من قبل الرسول . ﭧ ﭨ ﭽ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭼ4 . 1 - ينظر: السيرة النبوية الصحيحة ، اكرم ضياء العمري ،1 /244. 2 - فقه السيرة النبوية ،المؤلف: منير محمد الغضبان (المتوفى: 1435هـ) الناشر: جامعة أم القرى ، ط2، 1413هـ - 1112 م،ص362. 3 -ينظر: (بتصرف ) السيرة النبوية الصحيحة ، اكرم ضياء العمري ،1 /257- 266. 4 - سورة التوبة ، اية 60 .

عدد الصفحات ١١

(11) فقال عز وجل {إنما الصدقات}محصورة في الأصناف الثمانية ،أي هذه الصدقات وقسمتها على هذا النحو جعله الله تعالى فريضة لازمة على عباده المؤمنين1. وقد بين الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم مصارف، الزكاة وخمس الغنائم وسكت عن بيان مصارف باقي الأبواب ليكون ولاة الأمور في سعة من صرفها في سائر مصالح الدولة العامة حسبما يلائم حالهم2. قال معاذ (رضي الله عنه3 :بعثني رسول الله ، قال: " إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب"4. فالزكاة تؤخذ من الاغنياء لتنفق على الفقراء بنص حديث الرسول . واما اموال الاخرى للإنفاق العام في عهد الرسول فهي خمس الغنائم5 والفيء6 والجزية7. وظاهر احاديث الرسول ان اموال خمس الغنائم كان ينفق منها الرسول على نفسه واهل بيته وفقراء المسلمين ، والفيء والجزية ، كانت توزع على جميع المسلمين المهاجرين والانصار،( لم تتوافر هذه الاموال الى بعد سنة سبع للهجرة وما بعدها )8 . 1 - ينظر أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط5 ،2003، 2/386. 2 - ينظر : السياسة الشرعية ، عبدالوهاب خلاف ، ص 134. 3 - معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ، أبو عبد الرحمن الأنصاريّ الخزرجيّ ، وشهد المشاهد كلها مع الرسول وكانت وفاته بالطاعون في الشام سنة سبع عشرة. الإصابة في تمييز الصحابة، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ) تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية – بيروت ، ط1، 1415 هـ،6 /101. 4 - صحيح مسلم ، كتاب الايمان ، باب الدعاء الى الشهادتين ، رقم (11)،1 /50. 5 - الغنيمة: ما نيل من أهل الشرك عنوة أي: قهرا أو غلبة والحرب قائمة وحكمها أن تخمس. وسائرها بعد الخمس للغانمين. أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء، قاسم بن عبد الله بن أمير علي القونوي (المتوفى: 178هـ)، دار الكتب العلمية ، 2004م،ص65. 6- الفيء: ما حصل من الكفار بلا قتال إما بالجلاء، أو بالمصالحة على جزية غيرهما. التوقيف على مهمات التعاريف ، زين الدين محمد بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: 1031هـ)، عالم الكتب ،القاهرة ، ط1 1110م، ص265 . 7- الجزية: ما يؤخذ من أهل الذمة والجمع الجزى مثل لحية ولحى. أنيس الفقهاء ، القونوي ،ص65. 8 - صحيح البخاري ، كتاب المغازي ، باب قصة عمان والبحرين، رقم ( 4383)، 5 /172.صحيح مسلم ، كتاب الفضائل ، باب ما سؤل رسول الله ، رقم (2314 )،4 /1806.

عدد الصفحات ١٢

(12) عن ابي سعيد الخدري1 :" أن أناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسأله أحد منهم إلا أعطاه حتى نفد ما عنده فقال لهم حين نفد كل شيء أنفق بيديه ما يكن عندي من خير لا أدخره عنكم وإنه من يستعف (يستعفف) يعفه الله ومن يتصبر يصبره الله ومن يستغن يغنه الله ولن تعطوا عطاء خيرا وأوسع من الصبر "2 . وعن أبي ذر (رضي الله عنه)3، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أبصر - يعني أحدا - قال: "ما أحب أنه تحول لي ذهبا، يمكث عندي منه دينار فوق ثلاث، إلا دينارا أرصده لدين "4. ويلاحظ أنه لم يكن هناك بيت للمال في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- لكي تودع فيه هذه الأموال؛ إذ كانت الأموال تجمع وتصرف في الحال على مستحقيها؛ فلم يكن هناك داعي ا لإنشاء بيت المال5. فكانت الملوك تدخر الأموال وتحجبها عن الرعية وتعدها اليوم كريهة، وكانت الرسل والخلفاء من بعدهم تبذل الأموال ولا تدخرها وتصطنع الرعية وتوسع عليها، فكانت الرعية هم الأجناد والحماة. وهذه سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم6. واستمر هذا النهج في الانفاق في عهد الخلافة الراشدة بعد وفاة الرسول، سيما في عهد سيدنا ابي بكر الصديق( رضي الله عنه) . ولكن في عهد سيدنا عمر ابن الخطاب (رضي الله عنه)، ومع ازدياد اعداد المسلمين بصورة كبيرة وتوسع الفتوحات الاسلامية في الشام والعراق ومصر ، حدث تغيير اداري ضروري ومهم ، تطلبه الوضع الجديد للدولة ،بعد فتح اراضي شاسعة جدا لا سيما في العراق ،وهو استحداث الاراضي الخراجية ، بدل توزيع الارض على الفاتحين. 1 - الإمام، مفتي المدينة، سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج ،شهد أبو سعيد الخندق، وبيعة الرضوان، وحدث عن النبي -صلى الله عليه وسلم - فأكثر، وأطاب، وعن: أبي بكر، وعمر، وطائفة، وكان أحد الفقهاء المجتهدين. ينظر: سير اعلام النبلاء ، للذهبي ، 3/161. 2 - صحيح البخاري ، كتاب الرقاق ، باب الصبر عن محارم الله ، رقم6105)،5 /2375.صحيح مسلم ، كتاب الزكاة ، باب فضل التعفف والصبر ، رقم (1053)،3 /731. 3 - جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار الغفاري ،أحد السابقين الأولين، من نجباء أصحاب النبي ،فلما أن هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- هاجر إليه أبو ذر -رضي الله عنه- ولازمه، وجاهد معه، سير اعلام النبلاء ، 2 /46. 4 - صحيح البخاري ، كتاب في الاستقراض واداء الديون ، باب اداء الدين ، رقم2388) ،3 /116 . 5 - السياسة الشرعية مناهج جامعة المدينة العالمية ، نشر جامعة المدينة العلمية ،ط1 ، ص 14. 6- سراج الملوك ،المؤلف: أبو بكر محمد بن محمد ابن الوليد الفهري الطرطوشي المالكي (المتوفى: 520هـ) الناشر: من أوائل المطبوعات العربية – مصر ،تاريخ النشر: 1281هـ، 1872م، ص124.

عدد الصفحات ١٣

(13) ووضح سيدنا عمر السبب بعد نقاش طويل مع الصحابة (رضي الله عنهم اجمعين ) "وقد رأيت أن أحبس الأرضين وأضع الخراج، يؤدونها فتكون فيئا للمسلمين: المقاتلة والذرية ولمن يأتي من بعدهم. أرأيتم هذه الثغور لا بد لها من رجال يلزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام -كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر- لا بد لها من أن تشحن بالجيوش، وإدرار العطاء عليهم؛ فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون "1. ولما فتح المسلمون السواد قالوا لعمر: اقسمه بيننا، فإنا افتتحناه عنوة، قال: فأبى، وقال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين ، قال: فأقر أهل السواد في أرضيهم، وضرب على رءوسهم الجزية، وعلى أرضيهم الخراج، ولم يقسم بينهم2. وكذلك الامر في مصر ، فبعد فتح مصر كتب عمرو ابن العاص(رضي عنه)3، الى عمر(رضي الله عنه ) في قسمة ارضها ، فكتب إليه عمر:" أن دعها حتى يغزو منها حبل الحبلة، يعني ولد الولد، أراد أن يكون فيئا موقوفا للمسلمين ما تناسلوا، ليرثه قرن عن قرن ويكون قوة لهم على عدوهم"4. وقد ترتب على فرض الخراج ، تدوين الدواوين لغرض معرفة اعداد المسلمين وتوزيع اموال الخراج عليهم( العطاء )5 ، لا سيما بعد ازدياد اعداد المسلمين، فكان الخراج يدفع لهم سنويا 6. فالحاجة الملموسة لإيجاد الديوان قد نبعت بلا شك من حاجة الدولة الاسلامية ذاتها ، او بعبارة أخرى ، إنها نتيجة لزيادة واردات الدولة 7. 1 - ينظر الخراج ، أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حبتة الأنصاري (المتوفى : 182هـ) ، المكتبة الأزهرية للتراث تحقيق : طه عبد الرءوف سعد ،ص36. 2 - كتاب الأموال ، أبو عُبيد القاسم بن سلاّم بن عبد الله الهروي البغدادي (المتوفى: 224هـ)، خليل محمد هراس، دار الفكر. – بيروت،ص71. سنن سعيد بن منصور ،المؤلف: أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني الجوزجاني (المتوفى: 227هـ) المحقق: حبيب الرحمن الأعظمي ، الدار السلفية – الهند ،ط1، 1403هـ -1182م ، كتاب الجهاد ، باب ما جاء في الفتوح ، رقم (2581 )، 2 /268. فتوح البلدان، أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البَلاَذُري (المتوفى: 271هـ)، دار ومكتبة الهلال- بيروت ، 1188 م ،ص264. 3 - عمرو بن العاص بن وائل السهمي ،داهية قريش، ورجل العالم، ومن يضرب به المثل في الفطنة، والدهاء، والحزم، هاجر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - مسلما في أوائل سنة ثمان. ينظر: سير اعلام النبلاء، 3 /55 . 4 - تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية ، علي بن محمد بن أحمد بن موسى ابن مسعود، أبو الحسن ابن ذي الوزارتين، الخزاعي (المتوفى: 781هـ) المحقق: د. إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي – بيروت ،ط2، 1411 هـ ،ص530. 5- العطاء: ما يعطى وكذا العطية ما يخرج من بيت المال للجندي ،في كل سنة. التعريفات الفقهية ، محمد عميم الإحسان المجددي البركتي، دار الكتب العلمية،ط1، 2003م ، ص148 . 6 - الاحكام السلطانية ، ابو يعلى الفراء ، ص237. المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 517هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ،ط1، 1112م ،4 /114. 7 - ينظر: تأسيس عمر بن الخطاب للديوان، د. مصطفى فايدة، مركز الملك فيصل للبحوث، ط1،1418ه،1117م، ص61.

عدد الصفحات ١٤

(14) فهو يشبه الرواتب الشهرية التي تدفع للموظفين ،وهو المورد الاساس للإنفاق من قبل الدولة على المسلمين ، ومما لا شك فيه ان ذلك يجعله المحرك الاساس للاقتصاد و النمو الاقتصادي . وسياسة فرض الخراج طبقت في جميع الاقاليم المفتوحة ، وعلى ذلك اصبح الخراج المورد الاساس للدولة المسلمة وبقي كذلك طوال عهد الخلافة الراشدة والدولة الاموية والعباسية ، فمنه كانت يدفع العطاء السنوي للجند1 . ويعد ما حدث في عام الرمادة2، في سنة ثمان عشرة للهجرة في خلافة سيدنا عمر(رضي الله عنه)، تطبيق عملي للسياسة الإنفاقية للدولة المسلمة ، فالدولة لم تترك المسلمين لمصيرهم بل وفرت لهم كل شيء، وانفقت عليهم ما تملك من اموال وطعام ، واستنفرت كل اقاليم الدولة لمساعدة الناس في المدن والبوادي ، حتى انقضت هذه المحنة 3. وكذلك ما قام به سيدنا عمر(رضي الله عنه)، من قطع ما كان يدفع منذ عهد الرسول  لبعض زعماء القبائل من اموال ، من سهم ( المؤلفة قلوبهم ) المذكور بنص القران 4. وهذا لا يعني الغاء النص او نسخه ، وانما يعني عدم تطبيقه لعدم توافر شروط التطبيق ، كما لو كان هناك فقراء يعطون من الزكاة ،فان صاروا اغنياء ، فانهم لا يستحقون الزكاة لزوال علة الفقر، وسهم المؤلفة قلوبهم باق الى يوم القيامة ، ويلزم تطبيقه اذا تحققت شروط تطبيقه 5. "وجملة القول أن النصوص الواردة في شأن الموارد المالية الإسلامية ووجهة النظر التي أبانها كبار الصحابة في اجتهادهم وشوراهم يؤخذ منها أن الأساس الذي بنيت عليه هذه الموارد هو توفير ما تتطلبه المصالح العامة من النفقات وتأمين أرباب 1 - ينظر: الخراج ، ابو يوسف ، ص 3. 2 - الرمادة جوعا أصاب الناس بالمدينة وما حولها فأهلكهم ، وذلك أن الناس أصابهم جدب وقحط وجوع شديد حتى جعلت الوحش تأوي إلى الإنس، وكانت الريح تسفي ترابا كالرماد. تاريخ الطبري ، 2 /508، المنتظم ، ابن الجوزي ،4 /250. 3 - تاريخ الأمم والملوك، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ) ، دار الكتب العلمية – بيروت، ط1 ،1407ه ،2 /571. الكامل في التاريخ ، أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، عز الدين ابن الأثير (المتوفى: 630هـ) ،دار الكتاب العربي، بيروت – لبنان، ط1، 1117م،2/375. 4 - السنن الكبرى ،أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ)،دار الكتب العلمية، بيروت،ط3، 2003م،كتاب قسم الصدقات، باب سقوط سهم المؤلفة قلوبهم، رقم (13181)،7 /32. 5 - ينظر: المدخل لدراسة الشريعة الاسلامية ، عبدالكريم زيدان ، ص103. توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية ،عبد الله بن محمد بن سعد آل خنين ،ط1، بلا ، 1423 هـ - 2003م،1 /433.

عدد الصفحات ١٥

(15) الأموال على أنفسهم وأموالهم، وتحقيق ما تقضي به الوحدة الاجتماعية من التضامن والتعاون؛ وهذه أسس تتقبل رعاية كل المصالح وتتفق وقواعد العدل"1. 1 - السياسة الشرعية في الشئون الدستورية والخارجية والمالية، عبد الوهاب خلاف، ص 116.

عدد الصفحات ١٦