- ٕٗ - الدطلب الثالث: الدعوة إلى توحيد الله. حينما خلق الله اب٣لق ببَّْ الغاية من خلقهم بقو لو تعالذ: ﴿ كىمىا خىلىقٍتي اب١ًٍنَّ كى الإًٍنٍسى إًلاَّ لًيػىعٍبيديكفً ﴾(ُ), كمع بياف الشرع ب٥ذه الغاية بأنها التوحيد, فإنو قد أرسل رسلو لدعو ة بٝيع اب٣لق إلذ ىذه الغاية, كذلك بُ قولو تعالذ: ﴿ كىمىا أىرٍسىلٍنىا مًنٍ قػىبٍلًكى مًنٍ رىسيوؿو إًلاَّ نيوحًي إًلىيٍوً أىنَّوي لاى إًلىوى إًلاَّ أىناى فىاعٍبيديكفً ﴾(ِ). ككما جاء بُ اب٢ديث عن عبدالله بن عباس أف أبا سفياف بن حرب (ّ) أخبره أىفَّ ىرقل أرسل إليو, كذكر اب٢ديث إلذ قولو: كب٤ا سألو عن النبي { :قاؿ: مىاذىا يأىٍميريكيمٍ ؟ قلت: يقوؿ اعٍبيديكا اللَّّى كىحٍدىهي كلا تيشٍرًكيوا بًوً شيئا, كىاتػٍريكيوا ما يقوؿ آباىؤيكيمٍ }(ْ). ككما أف الرسل عليهم الصلبة كالسلبـ كاف توحيد الله ىو أكؿ ما يدعوف إليو اب٣لق, كترؾ عبادة ما سواه, فإف إفراده سبحانو كتعالذ بالعبادة كالطاعة كانت ىي الغاية الوحيدة البٍ من أجلها خلق الله اب٣لق, كأرسل الرسل , كأنزؿ الكتب , كب٩ا يدؿ على ىذا ما جاء عن ابن عىبَّاسو رضي الله عنهما قاؿ: قاؿ رسوؿ اللًَّّ ب٤عاذ بن جبل (ٓ) حينما أرسلو إلذ اليمن { :إنك تأبٌ قومان أىل كتاب, فليكن أكؿ ما تدعوىم إليو شهادة أف لا إلو إلا الله. كبُ ركاية: أف يوحدكا الله}(ٔ). (ُ) سورة الذاريات : الآية (ٔٓ). (ِ) سورة الأنبياء: الآية (ِٓ). (ّ) أبو سفياف صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموم ,صحابي جليل أسلم عاـ الفتح , مات سنة(ّْىػ) بُ خلبفة عثماف . انظر: الاستيعاب بُ معرفة الأصحاب ( ْ/ُٕٕٔ) مرجع سابق, كأ سد الغابة (ّ/َُ) مرجع سابق, ك الإصابة بُ بٛييز الصحابة (ّ/ ُِْ) مرجع سابق. (ْ) أخرجو البخارم , باب كيف كاف بدء الوحي إلذ رسوؿ الله برقم : (ٕ) (ُ/ٕ) مرجع سابق. (ٓ) معاذ بن جبل بن عمرك بن أكس الأنصارم اب٣زرجي ,شهد بدران, توبُ بالطاعوف بُ الشاـ سنة(ُٕىػ). انظر: الاستيعاب بُ معرفة الأصحاب (ّ/َُّْ) مرجع سابق, كأ سد الغابة (ٓ/َِْ) مرجع سابق, ك الإصابة بُ بٛييز الصحابة (ٔ/ُّٔ) مرجع سابق . (ٔ) أخرجو البخارم بُ صحيحو, باب أخذ الصدقة من الأغنياء كترد بُ الفقراء (ِ/ ْْٓ) برقم (ُِْٓ) مرجع سابق, كبُ كتاب التوحيد باب ما جاء بُ دعاء النبي أيمتو إلذ توحيد الله تبارؾ كتعا (ٔ/ِٖٓٔ) برقم (ّٕٗٔ) مرجع سابق.
عدد الصفحات ٩٧- ٖٗ - كنقصد بهذا التوحيد , التوحيد الذم شهدت بو اب٤لبئكة ك الأنبياء كالرسل كأكلو الع لم بقولو تعالذ: ﴿ شىهًدى اللَّّي أىنَّوي لاى إًلىوى إًلاَّ ىيوى كىالٍمىلبىئًكىةي كىأيكليو الٍعًلٍمً قىائًمنا باًلٍقًسٍطً لاى إًلىوى إًلاَّ ىيوى الٍعىزًيزي اب٢ٍىكًيمي (ُٖ) إًفَّ الدًٌينى عًنٍدى اللًَّّ الإًٍسٍلبىـي كىمىا اخٍتػىلىفى الَّذًينى أيكتيوا الٍكًتىا بى إًلاَّ مًنٍ بػىعٍدً مىا جىاءىىيمي الٍعًلٍمي بػىغٍينا بػىيػٍنػىهيمٍ كىمىنٍ يىكٍفيرٍ بآًىياىتً اللًَّّ فىإًفَّ اللَّّى سىرًيعي اب٢ًٍسىابً ﴾(ُ). كىذا التوحيد الذم دعا الله إليو رسلو, كأمرىم أف يدعوا أقوامهم إليو سواءن كانوا يهودان أك نصارل أك مسلمبْ أك غبّىم , بقولو تعالذ: ﴿ كىمىا أىرٍسىلٍنىا مًنٍ قػىبٍلًكى مًنٍ رىسيوؿو إًلاَّ نيوحًي إًلىيٍوً أىنَّوي لاى إًلىوى إًلاَّ أىناى فىاعٍبيديكفً ﴾(ِ). الفرع الأول: التوحيد دعوة جميع الأنبياء والدرسلنٌ. ككما أف ىذا التوحيد ىو دعوة يعقوب كما بُ قولو تعالذ: ﴿ أىـٍ كينػٍتيمٍ شيهىدىاءى إًذٍ حىضىرى يػىعٍقيوبى الٍمىوٍتي إًذٍ قىاؿى لًبىنًيوً مىا تػىعٍبيديكفى مًنٍ بػىعٍدًم قىاليوا نػىعٍبيدي إًب٥ىىكى كىإًلىوى آىباىئًكى إًبػٍرىاىًيمى كىإًب٠ٍىاعًيلى كىإًسٍحىاؽى إًب٥ىنا كىاحًدنا كىب٫ىٍني لىوي ميسٍلًميوفى ﴾ (ّ). كىو كذلك دعوة عيسى :قاؿ تعالذ: ﴿ كىلىمَّا جىاءى عًيسىى باًلٍبػىيًٌنىاتً قىاؿى قىدٍ جًئػٍتيكيمٍ باًب٢ًٍكٍمىةً كىلأًيبػىبًٌْى لىكيمٍ بػىعٍ ى الَّذًم بٚىٍتىلًفيوفى فًيوً فىاتػَّقيوا اللَّّى كىأىطًيعيوفً (ّٔ) إًفَّ اللَّّى ىيوى رىبيًٌ كىرىبُّكيمٍ فىاعٍبيديكهي ىىذىا صًرىاطه ميسٍتىقًيمه ﴾(ْ). ك ىو أيضان دعوة نوح :قاؿ تعالذ: ﴿ كىلىقىدٍ أىرٍسىلٍنىا نيوحنا إًلذى قػىوٍمًوً فػىقىاؿى ياى قػىوٍـً اعٍبيديكا اللَّّى مىا لىكيمٍ مًنٍ إًلىوو غىيػٍريهي أىفىلبى تػىتػَّقيوفى ﴾(ٓ). كىو دعوة ىود :قاؿ تعالذ: ﴿ كىإًلذى عىادو أىخىاىيمٍ ىيودنا قىاؿى ياى قػىوٍـً اعٍبيدي كا اللَّّى مىا لىكيمٍ مًنٍ إًلىوو غىيػٍريهي إًفٍ أىنػٍتيمٍ إًلاَّ ميفٍتػىريكفى ﴾(ٔ). (ُ) سورة آؿ عمراف : الآية (ُٖ-ُٗ). (ِ) سورة الأنبياء: الآية (ِٓ). (ّ) سورة البقرة : الآية (ُّّ). (ْ) سورة الزخرؼ الآية: (ّٔ-ْٔ). (ٓ) سورة اب٤ؤمنوف: الآية (ِّ). (ٔ) سورة ىود: الآية (َٓ).
عدد الصفحات ٩٨- ٗٗ - كىو دعوة صالح :قاؿ تعالذ: ﴿ كىإًلذى بٜىيودى أىخىاىيمٍ صىاب٢ًنا قىاؿى ياى قػىوٍـً اعٍبيديكا اللَّّى مىا لىكيمٍ مًنٍ إًلىوو غىيػٍريهي ىيوى أىنٍشىأىكيمٍ مًنى الأٍىرٍضً كىاسٍتػىعٍ مىرىكيمٍ فًيهىا فىاسٍتػىغٍفًريكهي بٍيَّ تيوبيوا إًلىيٍوً إًفَّ رىبيًٌ قىرًيبه ب٦يًيبه ﴾(ُ). كىو دعوة شعيب :قاؿ تعالذ: ﴿ كىإًلذى مىدٍيىنى أىخىاىيمٍ شيعىيػٍبنا قىاؿى ياى قػىوٍـً اعٍبيديكا اللَّّى مىا لىكيمٍ مًنٍ إًلىوو غىيػٍريهي كىلاى تػىنػٍقيصيوا الٍمًكٍيىاؿى كى الٍمًيزىافى إًلشًٌ أىرىاكيمٍ بًٖىبٍّو كىإًلشًٌ أىخىاؼي عىلىيٍكيمٍ عىذىابى يػىوٍـو ب٧يًيطو ﴾(ِ). كىو دعوة خابً الأنبياء كاب٤رسلبْ محمد : قاؿ تعالذ: ﴿ قيلٍ إًب٭َّىا أىناى بىشىره مًثػٍليكيمٍ ييوحىى إًلرىَّ أىب٭َّىا إًب٥ىيكيمٍ إًلىوه كىاحًده فىاسٍتىقًيميوا إً لىيٍوً كىاسٍتػىغٍفًريكهي كىكىيٍله لًلٍميشٍرًكًبْى ﴾(ّ). كمن خلبؿ ىذه الآيات تببْ أف دين الله ىو دين التوحيد, كأف دين بٝيع الأنبياء كاب٤رسلبْ ىو دين التوحيد القائم على ترؾ كل ما سول الله عز كجل. كىذا التوحيد قد جاء أيضان بُ الكتب السابقة ففي التوراة (سفر ال تثنيةٔ: ْ)كبُ إب٪يل (مرقس ُِ:ِٗ:َّ) جاءت ىذه اب١ملة: (اب٠ع يا إسرائيل الرب إب٥نا رب كاحد . فتحب الرب إب٥ك من كل قلبك كمن كل نفسك كمن كل قوتك ) (ْ). ك لد يكن التوحيد ب٦رد أمر ثانوم يدعى إليو اب٣لق, بل كاف ىو الأصل, كىو اب٤يثاؽ الذم أخذه الله من الناس, كما أنو اب٤يثاؽ الذم أخذه الله على ببِ إسرائيل من اليهود كالنصارل بقولو تعالذ: ﴿ كىإًذٍ أىخىذٍناى مًيثىاؽى بىبًِ إًسٍرىائًيلى لاى تػىعٍبيديكفى إًلاَّ اللَّّى... ﴾(ٓ). الفرع الثاني: آيات الخطاب التي تأمر أىل الكتاب بالتوحيد, وأقوال الدفسرين فيها. سنببْ ىنا بإذف الله خطاب القرآف الكرلص لأىل الكتاب من اليهود كالنصارل بدعوتهم إلذ توحيد الله عز كجل, كس نذكر الآيات البٍ تتعلق بذلك , كأقواؿ اب٤فسرين ف يها: الآية الأولى: (ُ) سورة ىود: الآية (ُٔ). (ِ) سورة ىود: الآية (ْٖ). (ّ) سورة فصلت الآية: (ٔ-ٕ). (ْ) انظر: موسوعة الكتاب اب٤قدس, سفر التثنيةٔ: ْ, (ُ/ُُّ) اب٤ؤلف: شحادة بشبّ, الناشر: اب٤كتبة الشاملة, ك إب٪يل (مرقس َّ, ِٗ: ُِ) اب٤رجع السابق (ْ / ُِّ). (ٓ) سورة البقرة: الآية (ّٖ).
عدد الصفحات ٩٩- ََُ - قاؿ الله تعالذ: ﴿ قيلٍ ياى أىىٍلى الٍكًتىابً تػىعىالىوٍاٍ إًلذى كىلىمىةو سىوىاء بػىيػٍنػىنىا كىبػىيػٍنىكيمٍ أى لاَّ نػىعٍبيدى إًلاَّ اللٌّى كىلاى نيشٍرًؾى بًوً شىيٍئان كىلاى يػىتَّخًذى بػىعٍضينىا بػىعٍضان أىرٍباىبان مًٌن ديكفً اللًٌّ فىإًف تػىوىلَّوٍاٍ فػىقيوليواٍ اشٍهىديكاٍ بأًىناَّ ميسٍلًميوفى ﴾(ُ). أما اب٣طاب بُ ىذه الآية فكما قاؿ ابن كثبّ ربٞو الله تعالذ: "ىذا اب٣طاب يعم أىل الكتاب من اليهود كالنصارل كمن جرل ب٦راىم (أف لا نعبد إلا الله كلا نشرؾ بو شيئا) لا كثنان كلا صليبان كلا صنمان كلا طاغوتان كلا ناران كلا شيئان , بل نفرد العبادة ﵁ كحده لا شريك لو؛ ك ىذه ىي دعوة بٝيع الرسل , قاؿ تعالذ: ﴿ كىمىا أىرٍسىلٍنىا مًنٍ قػىبٍلً كى مًنٍ رىسيوؿو إًلاَّ نيوحًي إًلىيٍوً أىنَّوي لاى إًلىوى إًلاَّ أىناى فىاعٍبيديكفً ﴾(ِ)"(ّ). كبُ تفسبّ أبي السعود: "أف ىذه الآية أمر بٖطاب أىل الكتاببْ, كقيل: بٖطاب كفد ب٪راف , كقيل: بٖطاب يهود اب٤دينة. (تعالوا إلذ كلمة سواء بيننا كبينكم) لا بٱتلف فيها الرسل كالكتب, كىي: (ألا نعبد إلا الله) أم: نوحده بالعبادة كب٬لص فيها (كلا نشرؾ بو شيئا) كلا ب٪عل غبّه شريكا لو بُ استحقاؽ العبادة, كلا نراه أىلبن لأف يعبد"(ْ). كىكذا يتفق اب٤فسركف على أف اب٣طاب بُ ىذه الآية موج ة إلذ أىل الكتاب من اليهود كالنصارل , كأنهم مدعوك ف إلذ توحيد الله تعالذ كإلذ شهادة أف لا إلو إلا الله, كنبذ الشرؾ بو.بل إف الآية الكربٲة تنص على أف كلمة التوحيد ىي الكلمة السواء البٍ اتفق الرسل عليها, كنزلت الكتب بها, كأنو لا خلبؼ بينهم عليها كما ذكرنا من قبل؛ لكن أىل الكتاب من اليهود كالنصارل تغَّ بّ موقفهم من التوحيد إلذ الشرؾ حينما طاؿ عليهم الأمد, ك أضاعوا الكتب, كضلوا عن حقيقة دينهم, فأخذكا تعاليم دينهم من الأحبار كالرىباف الذين لد يكونوا حفظة ب٥ا بٕق, فحرفوا كبدلوا الدين, كأدخلوا فيو ما ليس منو, كلد يكن التحريف قاصران على فركع الدينأعبِ: أحكاـ اب٢لبؿ كاب٢راـ بل امتد ذلك التحريف ليطاؿ أصل الدين كجوىره , فأدخلوا الشرؾ كجعلوه من أصوؿ الدين, كقد ب٘لى ذلك بُ تقديس أنبيائهم كابٚاذىم أربابان مع الله تعالذ, بٍ تقديس أحبارىم كرىبانهم كابٚاذىم أربابان من دكف الله, فأحلٌوا ب٥م اب٢راـ, كحرموا عليهم اب٢لبؿ, فتعالذ الله (ُ) سورة آؿ عمراف : الآية (ْٔ). (ِ) سورة الأنبياء الآية: (ِٓ). (ّ) انظر: تفسبّ القرآف العظيم (ُ/ِّٕ) مرجع سابق. (ْ) انظر: إرشاد العقل السليم إلذ مزايا القرآف الكرلص (ِ/ْٕ) مرجع سايق.
عدد الصفحات ١٠٠- َُُ - عما يقولوف علوان كببّان , ك الكلبـ عن التحريف الذم مر بو دينا اليهود كالنصارل لو قصة طويلة, كليس ىذا موضع ذكرىا , فهي معركفة بُ مواطنها, كلعلنا نتطرؽ لذكر طرؼ منها بُ مواطن قادمة من الفصل الرابع ؛ لكن الشاىد أنو بعد ىذا التحريف كالتحوؿ الذم مر بالديانتبْ اليهودية كالنصراني ة من التوحيد إلذ الشرؾ , كمن اب٢ق إلذ الباطل جاء ىذا الدين يدعوىم للعودة إلذ التوحيد من جديد, كيأمرىم بتغبّ موقفهم من عقيدة التثليث إلذ التوحيد كما بُ الآية البٍ ذكرناىا .
عدد الصفحات ١٠١- َُِ - الدبحث الثاني: دعوة أىل الكتاب إلى الابتعاد عن الغلو في الدين, وفيو ثلاثة مطالب: الدطلب الأول: تعريف الغلو لغة واصطلاحاً. الفرع الأول: تعريف الغلو لغة. الفرع الثاني: تعريف الغلو اصطلاحاً. الدطلب الثاني: آيات النهي عن الغلو, وأقوال الدفسرين فيها. الفرع الأول : الدخاطب بالآية. الفرع الثاني : معنى الغلو في الدين. الفرع الثالث : ما يستفاد من النهي عن الغلو في الدين حديثاً. الفرع الرابع : مفاسد الغلو في الدين قديداً وحديثاً. الدطلب الثالث: الغلو في الدين عند أىل الكتاب حديثاً. الفرع الأول: غلو ىم في عيسى. الفرع الثا : غلو ىم في إطلاقهم حرية الرأي والتعبنً. الفرع الثالث : غلو ىم بإلصاق تهمة الغلو بالدسلمنٌ ولزاربتهم لذم بسبب ذلك. الفرع الرابع : غلو ىم بإثارة الحروب والفن على الدسلمنٌ. الفرع الخ امس: غلو ىم بإدعاؤىم أنهم شعب الله الدختار. الفرع السادس : غلو ىم في كسبهم ا﵀رَّم.
عدد الصفحات ١٠٢- َُّ - الدطلب الأول: تعريف الغلو لغة واصطلاحاً. لقد كاف الابتعاد عن الغلو الذم يتنابَ مع أصوؿ الدين من أىم الأمور البٍ حذر الله أىل الكتاب من ب٩ارستها؛ كذلك ب٤ا يبَتب عليو من العقاب, كقد جاء القرآف العظيم بٱاطب أىل الكتاب فيما يتعلق بالغلو بُ الدين, فنهاىم عن ذلك, كحذرىم من الاسبَساؿ فيو بغبّ اب٢ق؛ كذلك لأنو كاف سببان كببّا بُ اب٫رافهم عن التوحيد اب٢ق, ك سنبدأ بتعريف الغلو بُ الدين حبٌ يكوف الكلبـ عليو كاضحان , كىذا اب٤بحث سيكوف بُ ثلبثة مطالب فنقوؿ: الفرع الأول: تعريف الغلو لغة : كردت عدة تعريفات للغلو بُ معاجم اللغة العربية, فمن ىذه التعريف ات ما يلي: قاؿ ابن سيده: الغلو لغةن : مأخوذ من "غلب بُ الأمر غلوان أم:ب٘اكز حده"(ُ) كمن تشدد بُ الدين كجاكز اب٢د كأفرط فهو غاؿ (ِ). كعرفو ابن فارس بقولو ىو: ب٦اكزة اب٢د(ّ). كىذا التعريف اللغوم بأنو ب٦اكزة اب٢د أعم كأشمل؛ لأنو يندرج بٙتو المجاكزة للحد بالتكلف كالتشدد كاب٤بالغة بُ كل أمر, كأيضان بُ الإفراط كالتفريط. الفرع الثاني: تعريف الغلو اصطلاحاً : أما الغلو اصطلبحان فلو تعريفات كثبّة ذكرىا أىل التفسبّ كالأصوؿ, لكننا نكتفي ىنا بٗا عرفو الإماـ الشاطبي(ْ) ربٞو الله تعالذ بقولو: " الغلو: ىو اب٤بالغة بُ الأمر كب٦اكزة اب٢د فيو إلذ حيز الإسراؼ "(ٓ). (ُ) انظر: ا﵀كم كا﵀يط الأعظم, (ٔ/ٕٓ) اب٤ؤلف: أبو اب٢سن علي بن إب٠اعيل بن سيده اب٤رسي, الناشر: دار الكتب العلمية ببّكت َََِـ, الطبعة: الأكلذ, بٙقيق: عبد اب٢ميد ىنداكم. (ِ) انظر: اب٤عجم الوسيط (ِ/َٔٔ) مرجع سابق. (ّ) انظر: معجم مقاييس اللغة (ْ / ّٖٖ) مرجع سابق. (ْ) أبو إسحاؽ إبراىيم بن موسى بن محمد اللخمي, الغرناطي, اب٤الكي الشهبّ بالشاطبي, فقيو أصولر, مات عاـ َٕٗ ىػ, من مؤلفاتو: اب٤وافقات, كالاعتصاـ . انظر: كفاية ا﵀تاج ب٤عرفة من ليس بُ الديباج, ( ُ/ُٗ).اب٤ؤلف: أبٞد بابا التنبكي, بٙقيق د علي عمر, مكتبة الثقافة الدينية القاىرة, الطبعة الأكلذ ُِْٓىػ ََِْـ. (ٓ) انظر: الاعتصاـ (ُ/َّْ), اب٤ؤلف: أبي إسحاؽ الشاطبي, الناشر: اب٤كتبة التجارية الكبرل – مصر, بلب تاريخ.
عدد الصفحات ١٠٣- َُْ - كعليو فالغلو بُ الدين ىو اب٤بالغة فيو كب٦اكزة اب٢د إلذ حيز الإسراؼ , أم: دكف الرجوع إلذ الوحي كاب٥دل الذم يريده الله من عباده, كقد حصلت من أىل الكتاب المجاكزة للحدكد بُ معتقداتهم كبُ أعماب٥م كبُ أشخاصهم, كىذا ىو من الطغياف الذم حذر الله منو بقولو تعالذ: ﴿ كىلاى تىطٍغىوٍا فًيوً فػىيىحًلَّ عىلىيٍكيمٍ غىضىبيً كىمىنٍ بٰىٍلًلٍ عىلىيٍوً غىضىبيً فػىقىدٍ ىىوىل ﴾(ُ), كحذر الله رسولو محمدان كمن معو من ب٨الفتو بقولو تعالذ: ﴿ فىاسٍتىقًمٍ كىمىا أيمًرٍتى كىمىنٍ تاىبى مىعىكى كىلاى تىطٍغىوٍا إًنَّوي بًٗىا تػىعٍمىليوفى بىصًبّه ﴾(ِ). كقد فصل العلماء بُ الكلبـ عن الغلو كالتحذير منو كصفة أساسية لأىل الكتاب, سنذكر بعضو عند نقل كلبـ اب٤فسرين على الآيات بُ اب٤طلب الآبٌ: الدطلب الثاني: آيات النهي عن الغلو, وأقوال الدفسرين فيها. أما الغلو بُ الدين فقد كرد ذمو بُ القرآف الكرلص بُ عدة مواضع, كقد ببْ اب٤فسركف معبُ ىذا الغلو أثناء تفسبّىم لتلك الآيات البٍ تتحدث عن الغلو؛ فمنها: الآية الأولى: قاؿ تعالذ: ﴿ قيلٍ ياى أىىٍلى الٍكًتىابً لاى تػىغٍليوا بًُ دًينًكيمٍ غىيػٍرى اب٢ٍىقًٌ كىلاى تػىتَّبًعيوا أىىٍوىاءى قػىوٍـو قىدٍ ضىلُّوا مًنٍ قػىبٍلي كىأىضىلُّوا كىثًبّنا كىضىلُّوا عىنٍ سىوىاءً السَّبًيلً ﴾(ّ). قد اختلف أىل التفسبّ بُ بياف من ىو اب٤خاطب بهذه الآية, ىل ىم اليهود أك النصارل أك بٝيعهم, كفيما يلي أقواؿ اب٤فسرين: الفرع الأول: الدخاطب بالآية. القوؿ الأكؿ: أنو خطاب لأىل الكتاب من اليهود كالنصارل , كبو قاؿ ب٦موعة من اب٤فسرين منهم الإماـ القرطبي (ْ), كاب٣ازف , كالبيضاكم "(ٓ) كالشيخ القطاف من اب٤عاصرين . (ُ) سورة طو الآية: (ُٖ). (ِ) سورة ىود الآية: (ُُِ). (ّ) سورة اب٤ائدة الآية: (ٕٕ). (ْ) ىو أبو عبد الله محمد بن أبٞد بن أبي بكر بن فرح الأنصارم اب٣زرجي, توبُ سنة( ُٕٔىػ), من مؤلفاتو اب١امع لأحكاـ القرآف. انظر: طبقات اب٤فسرين للسيوطي (ص: ِٗ), كطبقات اب٤فسرين للداككدم ( ِ/ٗٔ), كطبقات اب٤فسرين للؤدنركم (ص: ِْٔ) مرحع سابق. (ٓ) انظر: اب١امع لأحكاـ القرآف (ٔ/ ِِٓ) مرجع سابق , ك لباب التأكيل بُ معالش التنزيل , (ِ/ ُّٖ) مرجع سابق , تفسبّ البيضاكم (ِ/ّٓٓ) مرجع سابق , تفسبّ القطاف (ُ/ِْٓ).
عدد الصفحات ١٠٤- َُٓ - القوؿ الثالش: أنو خطاب للنصارل خاصة؛ كبو قاؿ الطبرم ربٞو الله, كالزب٨شرم , كالسعدم من اب٤عاصرين (ُ). فعلى القوؿ الأكؿ يكوف اب٣طاب بُ الآية من العاـ اب٤راد بو العاـ, كعلى القوؿ الثالش يكوف من العاـ اب٤راد بو اب٣اص. كعند النظر بُ السياؽ ب٪د أف القوؿ الثالش قد يكوف أكلذ؛ كذلك للآبٌ: أكلان: لأف الكلبـ بُ الآيات السابقة ب٥ذه الآية مباشرة كاف عن غلو النصارل بُ سيدنا عيسى ,كذلك ابتداء من قولو تعالذ: ﴿ لىقىدٍ كىفىرى الَّذًينى قىاليوا إًفَّ اللَّّى ىيوى الٍمىسًيحي ابٍني مىرٍلصىى كىقىاؿى الٍمىسًيحي ياى بىبًِ إًسٍرىائًيلى اعٍبيديكا اللَّّى رىبيًٌ كىرىبَّكيمٍ إًنَّوي مىنٍ ييشٍرًؾٍ باًللًَّّ فػىقىدٍ حىرَّـى اللَّّي عىلىيٍوً اب١ٍىنَّةى كىمىأٍكى اهي النَّاري كىمىا لًلظَّالًمًبْى مًنٍ أىنٍصىارو ﴾(ِ), كما زاؿ السياؽ يتحدث عنهم حبٌ ىذه الآية كما بعدىا من الآيات. ثانيان: لقولو تعالذ بُ نفس الآية: (كلا تتبعوا أىواء قوـ قد ضلوا من قبل...) كاب٤قصود بػ (قوـ قد ضلوا من قبل) اليهود؛ لأنهم أكثر الناس اتباعان للهول, فيكوف اب٣طاب موجهان للنصارل بأف لا يتبعوىم, فهذه القرينة ترجح أف اب٣طاب من باب العاـ اب٤راد بو اب٣اص, كلكن ىذا لا يتنابَ ككوف اليهود مشمولبْ باب٣طاب؛ لأف عندىم من الغلو ب٫و ما عند النصارل كأكثر, كما قاؿ تعالذ: ﴿ كىقىالىتً الٍيػىهيودي عيزىيػٍره ابٍني اللًَّّ ﴾(ّ). كمن غلوىم اب٤قابل لغلو النصارل غلوىم بُ اتهاـ عيسى كأمو عليهما السلبـ بالبهتاف كالفرية, كأشد من ذلك ب٧اكلة قتلهم لبع الأنبياء, ككما ىو مذكور بُ آيات أخرل . كلأف السياؽ السابق منذ بداية السورة بٱاطب اليهود كالنصارل بٝيعان , فتارة يذكرىم بلفظ (اليهود كالنصارل ), كتارة بلفظ (أىل الكتاب), كقولو تعالذ: ﴿ ياى أىىٍلى الٍكًتىابً قىدٍ جىاءىكيمٍ رىسيولينىا يػيبػىبًٌْي لىكيمٍ كىثًبّنا ب٩ًَّا كينػٍتيمٍ بٚيٍفيوفى .. ﴾(ْ). (ُ) انظر: جامع البياف بُ تأكيل القرآف (ٔ/ ُّٔ), مرجع سابق, الكشاؼ عن حقائق التنزيل كعيوف الأقاكيل بُ كجوه التأكيل (ُ/ٗٗٔ) مرجع سابق , تفسبّ البيضاكم (ِ/ّٓٓ) مرجع سابق , التفسبّ اب٤يسر (ِ/ ُِٓ) اب٤ؤلف: عدد من أساتذة التفسبّ بٙت إشراؼ الدكتور عبد الله بن عبد ا﵀سن البَكي , الناشر: موقع ب٦مع اب٤لك فهد لطباعة اب٤صحف الشريف. (ِ) سورة اب٤ائدة الآية: (ِٕ). (ّ) سورة التوبة الآية: (َّ-ُّ). (ْ) سورة اب٤ائدة الآية: (ُٓ).
عدد الصفحات ١٠٥- َُٔ - كقولو: ﴿ كىقىالىتً الٍيػىهيودي كىالنَّصىارىل ب٫ىٍني أىبػٍنىاءي اللًَّّ كىأىحًبَّاؤيهي .. ﴾(ُ). كقولو: ﴿ ياى أىىٍلى الٍكًتىابً قىدٍ جىاءىكيمٍ رىسيولينىا يػيبػىبًٌْي لىكيمٍ عىلىى فػىتػٍرىةو مًنى الرُّسيلً ..﴾(ِ). ك قولو: ﴿ ياى أىيػُّهىا الَّذًينى آىمىنيوا لاى تػىتَّخًذيكا الٍيػىهيودى كىالنَّصىارىل أىكٍلًيىاءى ... ﴾(ّ). كقولو: ﴿ قيلٍ ياى أىىٍلى الٍكًتىابً ىىلٍ تػىنٍقًميوفى مًنَّا إًلاَّ أىفٍ آىمىنَّا باًللًَّّ ... ﴾(ْ). كقولو: ﴿ قيلٍ ياى أىىٍلى الٍكًتىابً لىسٍتيمٍ عىلىى شىيٍءو حىبٌَّ تيقًيميوا التػَّوٍرىاةى كىالإًٍب٪ًٍيلى ﴾(ٓ). كىذه الآيات تدؿ دلالة كاضحة على أنهم بٝيعان من أشد الناس غلوان بُ دين الله فهم سواء بُ ب٦اكزتهم اب٢د. الفرع الثاني : معنى الغلو في الدين. أما معبُ الغلو بُ الدين بُ الآية فيبَتب على معرفة اب٤خاطب بها, كقد قدمنا أف الأكلذ اعتبار الآية خطابان للنصارل , كعليو فالغلو اب٤قصود ىو اب٤ذكور بُ الآيات السابقة بُ قولو تعالذ: ﴿ لىقىدٍ كىفىرى الَّ ذًينى قىاليوا إًفَّ اللَّّى ىيوى الٍمىسًيحي ابٍني مىرٍلصىى. .﴾(ٔ), كقولو تعالذ: ﴿ لىقىدٍ كىفىرى الَّذًينى قىاليوا إًفَّ اللَّّى ثاىلًثي ثىلبىثىةو .. ﴾(ٕ). فيكوف الغلو بُ الدين بُ ىذه الآيات السابقة ىو ب٦اكزة اب٢ق إلذ الباطل, كىو بُ الاعتقاد القوؿ بأف اب٤خلوؽ يضاىي اب٣الق, أك أنو جزء من اب٣الق ك بيده النفع كالضر. قاؿ الإماـ الطبرم: "(لا تغلوا بُ دينكم) يقوؿ: لا تفرطوا بُ القوؿ فيما تدينوف بو من أمر اب٤سيح, فتجاكزكا فيو اب٢ق إلذ الباطل, فتقولوا فيو ىو الله أك ىو ابنو, كلكن قولوا ىو عبد الله ككلمتو ألقاىا إلذ مر لص كركح منو, ك قاؿ أيضان بُ تفسبّ قولو تعالذ: (كلا تتبعوا أىواء قوـ قد ضلوا من قبل (ُ) سورة اب٤ائدة الآية: (ُٖ). (ِ) سورة اب٤ائدة الآية: (ُٗ). (ّ) سورة اب٤ائدة الآية: (ُٓ). (ْ) سورة اب٤ائدة الآية: (ٗٓ). (ٓ) سورة اب٤ائدة الآية: (ٖٔ). (ٔ) سورة اب٤ائدة الآية: (ِٕ). (ٕ) سورة اب٤ائدة الآية: (ِٕ-ّٕ).
عدد الصفحات ١٠٦- َُٕ - كأضلوا كثبّا) يقوؿ: فتقولوف فيو كما قالوا _ ىو لغبّ رشد ة, كتبهتوا أمو كما يبهتونها بالفرية , كىي صديقة..." (ُ). فتببْ ب٩ا سبق أف كلب الفريقبْ اليهود كالنصارل كقعا بُ الغلو بُ حق عيسى ؛ ك لكن ذىب كل فريق إلذ طرؼ , فغلب النصارل بُ جانب الإطراء حبٌ جعلوه ندان ﵁, كغلب اليهود بُ جانب اب١فاء حبٌ جعلوه كلد زلس, فبرأه الله ب٩ا قالوا (ِ). قاؿ الإماـ القرطبي ربٞو الله: "( لاتغلوا) أم: لا تفرطوا كما أفرطت اليهود كالنصارل بُ عيسى, فغلو اليهود قوب٥م بُ عيسى: ليس كلد رشدة , كغلو النصارل قوب٥م: إنو إلو, كالغلو ب٦اكزة اب٢د" (ّ). كبهذا القوؿ قاؿ الإماـ البيضاكم, كالإماـ اب٣ازف ربٞة الله عليهما. ككلب الغلوين مذموماف, كذلك لأنهما خالفا اب٢ق بُ دينهم, قاؿ محمد سيد طنطاكم:" كقد غالذ أىل الكتاب بُ شأف عيسى , أما اليهود فقد كفركا بو كنسبوه إلذ الزنا , كافبَكا عليو كعلى أمو افبَاء شديدان , كأما النصارل فقد كصفوه بالألوىية, فوضعوه بُ غبّ موضعو الذم كضعو الله فيو, كىو منصب الرسالة , ككما غالوا بُ شأف عيسى فقد غالوا أيضان بُ بٛسكهم بعقائدىم الزا ئفة, مع أف الدلائل الواضحة قد دلت على بطلبنها كفسادىا "(ْ). الفرع الثالث : ما يستفاد من النهي عن الغلو في الدين حديثاً. أما النهي عن الغلو بُ الدين بُ الآية يعبِ أمور ان : أحدىا: أف على أىل الكتاب أف يبَكوا ىذه الصفة الذميمة, كأف يسلكوا اب٤نهج الوسط, كىو اب٢ق الذم جاء بو الرسل عليهم أكمل الصلبة كأبً التسليم. (ُ) انظر: جامع البياف عن تأكيل آم القرآف (ٔ/ُّٔ) مرجع سابق . (ِ) كيقصدكف بقوب٥م ليس كلد رشدة أم: أنو كلد زنا. اب٤رجع: صفوة التفاسبّ ( ُ/ُّّ), اب٤ؤلف: محمد بن علي الصابولش الأستاذ بكلية الشريعة كالدراسات الإسلبمية مكة اب٤كرمة جامعة اب٤لك عبد العزيز, الناشر: دار الصابولش, الطبعة الأكلذ عاـ ُُْٕىػُٕٗٗـ. (ّ) انظر: اب١امع لأحكاـ القرآف (ٔ/ِِٓ) مرجع سابق , ك تفسبّ البيضاكم (ِ/ّٓٓ) مرجع سابق , ك لباب التأكيل بُ معالش التنزيل (ِ / ُّٖ). (ْ) انظر: التفسبّ الوسيط (ُ / ُّّٔ), اب٤ؤلف: محمد سيد طنطاكم, مصدر الكتا ب: موقع التفاسبّ http: www.altafsir.com.
عدد الصفحات ١٠٧- َُٖ - الثاني: دعوة أىل الكتاب بُ عصرنا اب٢اضر إلذ الإسلبـ, كذلك أف دينهم قد حرؼ كبدؿ كدخلو الغلو كاب٤بالغة, كالإفراط كالتفريط , كلا بٲكنهم التخلص من ذلك إلا بالدخوؿ بُ الإسلبـ الذم جاء بالدين الوسط الكامل, كالإبٲاف بالقرآف اب٤صدؽ ب٤ا سبقو من الكتب كاب٤هيمن عليها . الثالث: تنبيو اب٤سلمبْ ألا يقعوا فيما كقع فيو أىل الكتاب قدبٲان من الغلو الذم نهى النبي عنو, فعن ابن عباس قاؿ: قاؿ لر رسوؿ {:كإياكم كالغلو بُ الدين, فإب٭ا ىلك من كاف قبلكم بالغلو بُ الدين(ُ). ك عن أيضان أف رسوؿ الله قاؿ{ :لا تطرك كما أطرت النصارل ابن مرلص؛ إب٭ا أنا عبد فقولوا: عبد الله كرسولو }(ِ). ك قاؿ رسوؿ الله :{(ّ). ك(اب٤تنطعوف) أم: اب٤تعمقوف الغالوف المجاكزكف اب٢دكد بُ أقواب٥م كأفعاب٥م(ْ). الفرع ال رابع: مفاسد الغلو في الدين قديداً وحديثاً. إف الغلو مذموـ بُ الشرع , ك لا شك أف ذلك دليل على احتوائو على مفاسد تعود على الغالر كاب٤غلو فيو بُ الدين كالدنيا, كقد ببَّْ العلماء بع تلك اب٤فاسد أخذان من النصوص الشرعية اب٤تعلقة باب٣طاب القرآلش بُ النهي عن الغلو, كأخذان ب٩ا كقع فيو أىل الكتاب جراء الغلو, فمن ذلك: ُ- أنو تنزيل للمغلو ف يو فوؽ منزلتو إف كاف مدحان, ك دكنها إف كاف قدحان. ِ- أنو يؤدم إلذ عبادة ىذا اب٤غلو فيو كما ىو الواقع من أىل الكتاب. (ُ) أخرجو أبٞد بن حنبل بُ اب٤سند, (ُ / ُِٓ) برقم: ( ُُٖٓ), اب٤ؤلف: أبي عبدالله أبٞد بن حنبل الشيبالش, الناشر: مؤسسة قرطبة – القاىرة مصر, الأحاديث مذيلة بأحكاـ شعيب الأرنؤكط عليها, ك إسناده صحيح على شرط مسلم رجالو ثقات رجاؿ الشيخبْ غبّ زياد بن اب٢صبْ فمن رجاؿ مسلم. (ِ) أخرجو البخارم , باب قولو تعالذ: ﴿ كى اذٍكيرٍ بُ الٍكًتىابً مىرٍلصىى إًذٍ انػٍتػىبىذىتٍ من ِى أىٍلًهىا﴾ (ّ/ُُِٕ) برقم: ( ُِّٔ) مرجع سابق. (ّ) أخرجو مسلم, باب قولو: ىلك اب٤تنطعوف (ْ /َِٓٓ) برقم: ( َِٕٔ) مرجع سابق. (ْ) انظر: اب٤نهاج شرح صحيح مسلم بن اب٢جاج, (ُٔ/َِِ) اب٤ؤلف: أبو زكريا بٰبٓ بن شرؼ بن مرم النوكم, الناشر: دار إحياء البَاث العربي – ببّكت, الطبعة الطبعة الثانية, ُِّٗىػ. .
عدد الصفحات ١٠٨- َُٗ - ّ- أنو يصد عن تعظيم الله سبحانو كتعالذ؛ لأف النفس إما أف تنشغل بالباطل أك باب٢ق, فإذا انشغلت بالغلو بهذا اب٤خلوؽ كإطرائو كتعظيمو تعلقت بو كنسيت ما بٯب ﵁ تعالذ من حقوؽ. ْ- أف اب٤غلو فيو إف كاف موجودان؛ فإنو قد يزىو بنفسو كيتعاظم كيعجب بها, كىذه مفسدة تفسد اب٤غلو فيو إف كانت مدحان, كتوجب العداكة كالبغضاء كقياـ اب٢ركب كالبلبء ببْ ىذا كىذا إف كانت قدحان (ُ). كقد حصل مثل ىذا الغلو ببْ كثبّ من الطوائف النصرانية بُ العصور الوسطى (ِ). كىذه اب٤فاسد كلها كأكثر منها قد كقع فيها أىل الكتاب قدبٲان ؛ فالنصارل أنزلوا اب٤سيح ابن مرلص كأمو عليهما السلبـ فوؽ منزلتهما , كغالوا فيهما حبٌ عبدكبٮا كابٚذكبٮا آب٥بْ مع الله تعالذ, ككذلك فعل اليهود بُ عزير ,بٍ غالوا بُ اتباع أحبارىم كرىبانهم فابٚذكىم أربابان من دكف الله, ىذا بُ الغلو من جهة اب٤دح. أما من جهة الذـ فإنهم قتلوا أنبياء الله كأىانوىم كصلبوىم, ككذبوا برسالاتهم ككتبهم , ككفركا بهم كاستهزؤ كا بهم كما ىو ثابت بُ القرآف العظيم. كقد نبو العلماء ربٞهم الله على ذلك قدبٲان؛ قاؿ الزب٨شرم ربٞو الله: بُ تفسبّ قو لو تعالذ: ﴿ قيلٍ ياى أىىٍلى الٍكًتىابً لاى تػىغٍليواٍ بًُ دًينًكيمٍ غىيػٍرى اب٢ٍىقًٌ كىلاى تػىتَّبًعيواٍ أىىٍوىاء قػىوٍـو قىدٍ ضىلُّواٍ مًن قػىبٍلي كىأى ضىلُّو اٍ كىثًبّان كىضىلُّواٍ عىن سىوىاء السَّبًيلً ﴾(ّ). قاؿ الزب٨شرم: "الغلو بُ الدين غلواف: غلو حق: كىو أف يفحص عن حقائقو, كيفتش عن أباعد معانيو, كبٯتهد بُ بٙصيل حججو, كما يفعل اب٤تكلموف من أىل العدؿ كالتوحيد رضواف الله عليهم. (ُ) انظر: القوؿ اب٤فيد على كتاب التوحيد (ص: ّٓٔ), اب٤ؤلف: العلبمة محمد بن صالح العثيمبْ , الناشر: دار ابن اب١وزم, اب٤ملكة العربية السعودية , الطبعة : الثانية, ب٧رـ ُِْْىػ. (ِ) كقد زاد غلوىم بُ العصور الأكربية الوسطى بادعائهم اب٢ق الإب٥ي بُ اب٢كم كملكيتهم لصك وؾ الغفراف كمعاداة العلم كالعلماء, ب٩ا ترتب عليو ظهور حركات التمرد, كإحياء اب٤ذاىب اب٤ادية القدبٲة, كإعلبء سلطة العقل. انظر: اب٤ وسوعة اب٤يسرة بُ الأدياف كاب٤ذاىب اب٤عاصرة ( ِ/َُُُ) مرجع سابق. (ّ) سورة اب٤ائدة الآية: (ٕٕ).
عدد الصفحات ١٠٩- َُُ - كغلو باطل: كىو أف يتجاكز اب٢ق ك يتخطاه بالإعراض عن الأدلة كاتباع الشبو, كما يفعل أىل الأىواء كالبدع "(ُ). أقوؿ: كلا بٱفى عليك أف اليهود كالنصارل أكلذ بهذا الباطل من أىل الأىواء البدع. الدطلب الثالث: الغلو في الدين عند أىل الكتاب حديثاً: لا يزاؿ الغلو بُ الدين قائمان ببْ أىل الكتاب من اليهود كالنصارل إلذ اليوـ, كسنذكر ىنا ب٭اذج كصوران يتجلى من غلوىم بُ الدين حديثان, فمن ذلك: الفرع الأول: غلوىم في عيسى : إف أىل الكتابلد يكتفوا بالكفر كالشرؾ , بل كانو ا من اب٤غالبْ جدان , كلا يزالو ف إلذ يومنا ىذا على اعتقاداتهم الفاسدة البٍ لا تنببِ على منطق ك كاقعية, كمقولتهم بُ حقيقة اب٤سيح باللبىوت, كالناسوت(ِ), كمقولتهم بُ التثليث(ّ) الذم ينتج توحيدان كما يزعموف , كالفداء, كغبّىا ب٩ا لا يقبلو عقل بشرم . قاؿ تعالذ: ﴿ قيلٍ ياى أىىٍلى الٍكًتىابً لاى تػىغٍليوا بًُ دًينًكيمٍ غىيػٍرى اب٢ٍىقًٌ كىلاى تػىتَّبًعيوا أىىٍوىا ءى قػىوٍـو قىدٍ ضىلُّوا مًنٍ قػىبٍلي كىأىضىلُّوا كىثًبّنا كىضىلُّوا عىنٍ سىوىاءً السَّبًيلً ﴾(ْ). (ُ) انظر: الكشاؼ عن حقائق التنزيل ك عيوف الأقاكيل بُ كجوه التأكيل, ( ُ / ٗٗٔ) مرجع سابق , كىو يقصد باب٤تكلمبْ من أىل العدؿ كالتوحيد اب٤عتزلة, كالتمثيل بهم غبّ سديد. (ِ) الناسوت كاللبىوت: مصطلحاف يعبراف عن عقيدة أساسية بُ اب٤سيحية, أف للمسيح طبيعة إب٥ية اللبىوت كطبيعة إنسانية الناسوت, كأف الكلمة الإب٥ية اللبىوت ابٙدت بٔسم اب٤سيح كاختلطت بناسوتو(اب١زء الإنسالش منو) كصار طبيعةن كاحدة كأقنومان كاحدان ىو الأقنوـ الثالش من الثالوث الأقدس عندىم. انظر: اب٤وسوعة اب٤يسرة بُ الأدياف كاب٤ذاىب اب٤عاصرة( ِ/ُُٕٓ) مرجع سابق. (ّ)نشأ مصطلح التثليث بُ الديانة النصرانية على يد بولس اب٤تأثر بالفلسفة الإغريقية, كفلسفة أفلبطوف, كيعتقد النصارل بأف الله تعالذ ثلبثة أقانيم كىي: الله الآب, كالله الابن (الذم ىو عيسى ابن مرلص بُ زعمهم) كالله الركح القدس, كأنهم متساككف من حيث الأزلية, كجوىر الإب٥ية كالقدرة, كعلى ذلك فإف التثل يث موضع اتفاؽ ببْ الكنائس كلها. انظر: اب٤وسوعة اب٤يسرة بُ الأدياف كاب٤ذاىب اب٤عاصرة ( ِ/َََُ) مرجع سابق. (ْ) سورة اب٤ائدة الآية: (ٕٕ).
عدد الصفحات ١١٠- ُُُ - الفرع الثاني: غلوىم في إطلاقهم حرية الرأي والتعبنً: إف من أشد غلو أىل الكتاب بُ العصر اب٢ديث ما يسمونو بٕرية الرأم كالرأم الآخر, فتجاكزكا بُ حرية التعببّ عن الرأم, فأصبح كل إنساف يقوؿ ما يشاء ككيف يشاء حبٌ كلو قاؿ رأيو بُ الذات الإب٥ية كبٗا لا يليق بٖالقو, أك ينكر كجوده, أك يستهزئ برسل الله, أك بالكتب السماكية, كيسب الآخرين كيزدرم بهم. فجيعلت حرية الرأم ك التعببّ دكف ضوابط, كىي فكرة تولذ كبرىا ككزرىا اليهود ك النصارل بُ عصرنا اب٢اضر, كلد يكتفوا بأف تكوف بُ بلدانهم بل يريدكف فرضها على العالد بأسره. فمن اب٤قالات البٍ نشرت بُ الولايات اب٤تحدة الأمريكية ما يلي: " نشرت ككالة الأنباء الأمريكية الأسوشيتيد بريس بُ مارس ََِِـ : اقبَاح صحفي أمريكي يدعى ريتش لورم بُ ب٦لة ناشيوناؿ ريفيو القائل بضرب مكة بقنبلة نوكية, كقاؿ : "ضرب مكة بقنبلة نوكية سوؼ يرسل إشارة للمسلمبْ! كقد زعم لورم تأييد عدد كببّ من الأمريكيبْ لضرب مكة بقنبلة نوكية. ككصف صحفي أمريكي ثاف اب٠و ركد درمر فكرة تدمبّ مدينة مكة اب٤كرمة بأنها جيدة " (ُ). كأيضان دعوة توـ تانكريدك العضو اب١مهورم بالكوب٪رس بُ يوـ ْ يوليو من عاـ ََِٓـ إلذ ضرب مكة اب٤كرمة بالقنبلة النوكية ب٤نع ىجوـ إرىابي على أمريكا , ككصفو الأمريكيوف الذين اعتنقوا الإسلبـ (أبرىة ) القرف الواحد كالعشرين , كقالوا: إف إعصار كطوفاف كاترينا بُ نيو اكرلينز, ككذلك إعصار كطوفاف ريتا بُ تكسس كولورادك ىو عقاب الله على التفكبّ بضرب مكة اب٤كرمة نوكيان, كشبهوبٮا بالطبّ الأبابيل البٍ صدت إبرىة كأفعالو عن ىدـ الكعبة (ِ). فكيف يسمح ب٤ثل ىؤلاء القوـ أف يكتبوا كيعبرك ا عن أرائهم بٗثل ىذه الآراء العوجا الفاسدة ك اب٤ثبّة للجدؿ , كالداعية للحذر منهم كمن تعاملبتهم, ككاف الأكلذ كالأجدر بالولايات اب٤تحد ة الأمريكية راعية اب٢وار ببْ اب٢ضارات كما تزعم أف تقود ىؤلاء الناس إلذ السجوف, كتقوـ بٗحاكمتهم كونهم ب٩ن يدعوف إلذ الإرىاب , كيثبّكف اب٢قد ببْ اب٤سلمبْ كغبّىم, ككل ما بٰدث بُ عصرنا اب٢ديث ىو من الكيل بٗكيالبْ, ك ما بٰصل للمسلمات بُ فرنسا كأب٤انيا حينما يردف ارتداء اب٢جاب , (ُ) انظر: الإسلبـ كخرافة السيف (ص: ِْ). الناشر: اب٤كتبة الشاملة الإصدار الرابع. (ِ) انظر: موسوعة الدفاع عن رسوؿ الله (َُ / ْ), اب٤ؤلف: الباحث علي بن نايف الشحود.
عدد الصفحات ١١١- ُُِ - فيمارسوف بُ حقهن التضيي ق كالإيذاء, كما ذلك إلا شاىد على حريتهم اب٤كذكبة البٍ يدعونها, كىم يفرضوف على الضعفاء من الأقليات الإسلبمية بُ بلدانهم مثل ىذه الآراء العوجا, ككذلك اب٤ساجد البٍ ترفع الأذاف بدعوة الناس للصلبة كالعبادة لا تعد عندىم من اب٢رية , إب٭ا اب٢رية أف تسب الدين كتعتدم على النبيبْ كتقتل الأطفاؿ كالنساء, كىذا ىو تاريخ أىل الكتاب بُ كل زمافو كمكاف بُ إتباعهم اب٥ول كالضلبؿ. الفرع الثالث: غلوىم بإلصاق تهمة الغلو بالدس لمنٌ ولزاربتهم لذم بسبب ذلك: كاليوـ يطلق اليهود كالنصارل ألقابان كمصطلحات ىي بُ معبُ الغلو, مثل: التطرؼ , التشدد, الأصولية, الإرىاب , التنطع, اليمبْ, كيريدكف إلصاقها باب٤لتزمبْ بالأكامر الإب٥ية من اب٤سلمبْ , بل جعلوا التمسك بالدين تهمة يداف بها اب٤سلم فيستحق أف يبقى بٙت اب٤راقبة كالتضييق كاب٤لبحقة, كأف يكوف الأصل فيو الشك, بل يصل إلذ التعذيب كالسجن. كبُ اب٤قابل فإف اب٤سلم اب٤تساىل بُ دينو, الذم لا يهتم بأكامر دينو كنواىيو, كلا يبالر بهجر الأكامر كغشياف اب٤ناىي كالفجور, كإبٮاؿ مبادئ الإسلبـ كأصوؿ الولاء كالبراء كالإفراط التفريط؛ ىو اب٤سلم اب٤تسامح الوسطي. كلا تزاؿ مطارقهم تدؽ ىذه الشبهة داخل المجتمعات الإسلبمية, حبٌ تأثر بها بع أبناء اب٤سلمبْ, فصاركا يرددكف شعارات اليهود كالنصارل كأفكارىم , كيكيلوف التهم إلذ الإسلبميبْ كاب٤تمسكبْ بالدين من إخوانهم, كيدعوف الناس لعقد مؤبٛرات كندكات بُ بلبد اب٤سلمبْ حوؿ منهج الوسطية كنبذ التشدد بُ الدين, كىم بُ اب٢قيقة يدعوف الناس إلذ ترؾ الدين أك إلذ بٛييع أحكاـ الشرع, كىدـ أصولو, كابتداعهم لدين يتماشى مع سياسات أعداءىم. كالعجيب بُ ذلك كثرة دعائ هم إلذ الوسطية مع كجودىا داخل البلب د الإسلبمية, كغياب النداء إلذ الالتزاـ بالدين مع انتشار التساىل كالاب٫لبؿ الأخلبقي بُ بع بلبد اب٤سلمبْ, فعلبـ يدؿ ىذا؟ مع أف الأصل بُ ذلك ىو أف ندعو الناس إلذ الدين الوسط اب٢ق الذم لا إفراط فيو كلا تفريط , كإلا فلماذا أصبحت اب٤سلمة البٍ تردم اب٢جاب ب٨الفة للقانوف كيضيق عليها كتعاقب, كالذم يقتل الأطفاؿ كالشيوخ كما بٰصل بُ غزة كالعراؽ كغبّىا موافق للقانوف ؟ فما ىو ىذا اب٤عيار كما ىو ىذا اب٤كياؿ الذم تدعوننا إليو!
عدد الصفحات ١١٢