المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

معالم الدولة الراشدة

غير معروف

صفحة ٢ من ٤

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ معالم الدولة الراشدة 07 الوقت الذي لم يجد النموذج الديمقراطي الأثيني أي صدى في المخيال الشعبي الأوربي؛ بل ظل محصورا في دائرة المفكرين والسياسي في عصر النهضة الأوربية! 2- كما إن النموذج السياسي الراشدي قام كنظام حكم على دولة قارية- امتدت في عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان، من جزيرة العرب إلى حدود الهند في آسيا شرقا، ومنها إلى حدود الملرب الأقصى في أفريقيا غربا - ليسوس أمما وحضارات وشعوبا على اختلاف قومياتها وأديا ها وثقافاتها وللاتها؛ بينما لم تتجاوز ديمقراطية أثينا حدود أسوارها! 1- ثم إن النموذج الراشدي ظل هو المعيار طوال عصورالخلافة الإسلامية، الأموية والعباسية والعثما ية، ولم يست ع أحد أن يتجاوزه كأنموذج للةكم الإسلامي؛ ولهذا تكرر في كثير من العصور ؛ كما في عهد عمر بن عبد العزيز، وعهد المعتضد العباسي الذي كان يعد من الخلفاء الراشدين، وعهد المستضيء العباسي وابن الناصر، وكا وا خلفاء صالح ، وكان صلاح الدين الأيوبي هو السل ان في عصرهما، وكما في عهد ور الدين ز كي، وكما في عهد يوسف بن تاشف المراب ي، ومحمد الفاتح العثما ي، وغيرهم من الخلفاء والأمراء، ممن حاولوا الاقتداء بالخلفاء الراشدين وسننهم في سياسة الأمة، واشتهروا بالعدل والشورى؛ بينما لم تعرف أوربا في تاريخها منذ سقوط أثينا، وقيام الإمبراطورية الروما ية إلا ال ليان السياسي مدة ألفي عام تقريبا! 1- كما إن الانحراف السياسي في عصور الخلافة الإسلامية العامة، لم يتجاوز كل الأصول الق عية للخ اب الراشدي، وإن تراجع عن بعضها كالشورى ورقابة الأمة على الأموال ، إذ ظل عامة الخلفاء والأمراء يلتزمون بالمرجعية القضائية والتشريعية للنظام السياسي الإسلامي؛ وهو أحد أسباب شيوع العدل في عامة العصور، حيث حد القضاء من طليان السل ة، التي كا ت تحرص على

عدد الصفحات ١٧

معالم الدولة الراشدةـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 08 شرعيتها من خلال احترام القضاء، كما لم يفرط الخلفاء سيادة الأمة واستقلالها وحماية بيضتها، ووحدتها، وحافظوا على (الرسالة) والمهمة للأمة والدولة والخلافة وهو إعلاء كلمة الله والدعوة إلى الإسلام والجهاد في سبيل ، حتى في أضعف عصور الخلافة! 1- إن حاجة الأمة إلى بعث الخ اب الراشدي وأصول أشد ما تكون في هذا العصر؛ حيث تعيش الأمة أزمات سياسية أدت إلى ضعفها وسقوطها على نحو غير مسبوق، وقد است اعت شعوب العالم من حولها أن تستلهم تجاربها التاريخية لتعيد بناء فسها من جديد، حتى أعادت أوربا اليوم تشكيل واقعها السياسي على أساس (الديمقراطية اليو ا ية)، و(القوة والوحدة الروما ية)، و(القيم الدينية المسيةية)، فجاء الاتحاد الأوربي اليوم ليستعيد وحدة أوربا التي وحدتها الإمبراطورية الروما ية، واشترط لوحدت أن يقوم على أسس الديمقراطية اليو ا ية، وأن تظل أوربا اديا مسيةيا! بينما لا تزال الأمة الإسلامية اليوم تبةث عن هويتها وذاتها؛ مما يجعل الخ اب الراشدي هو الحل لمشروع سياسي جديد! فالمشللللروع السياسللللي الإسلللللامي يجللللب أن يقللللوم علللللى هللللذا الأصللللل العقائللللدي، وهلللللو الإيملللللان بضلللللرورة الخلافلللللة كأصلللللل ملللللن أصلللللول اللللللدين وللللللزوم سلللللنن الخلفلللاء الراشلللدين - اللللتي كا لللت الت بيلللق البشلللري المحلللض للخ لللاب السياسلللي القرآ لللي والنبلللوي - واتخاذهلللا النملللوذج والمعيلللار للةكلللم الإسللللامي الراشلللد، و بلللذ كلللل ملللا خالفهلللا ملللن سلللنن القياصلللرة والأكاسلللرة، والمحلللدثات السياسلللية عللللى اخللللتلاف ألوا هللللا وأشللللكالها ؛ سللللواء كا للللت دخيلللللة علللللى الأمللللة، أو ممللللا أحدثتلللل الأمة فسها وابتليت ب من محدثات وانحرافات في عصورها المختلفة.

عدد الصفحات ١٨

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ معالم الدولة الراشدة 09 ثا يا: أصول احكام السياسية: وليس المقصود بسنن الخلفاء الراشدين هنا اجتهاداتهم ؛ بل المقصود الأصول والمبادئ والأحكام التي أجمعوا عليها، وأجمع الصةابة معهم عليها، فيما يخص سياسة شهون الأمة والدولة، ومن ذلك إجماعهم على: 2- أن ظام الحكم في الإسلام خلافة راشدة، وإمارة للمؤمن واحدة، يابة عن النبي ﷺ في أمت ، فلا توارث فيها، ولا ملك ولا ملوك، ولا جبروت، ولا كسروية ولا قيصرية. 3- وأن دار الإسلام واحدة، والأمة واحدة، والإمارة والخلافة واحدة ؛ كما قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾، وكما قال ﷺ في الحديث الصةيح: (إذا بويع لخليفت فاقتلوا الثا ي منهما)..إلخ. 2- وأن الخلافة والإمارة شورى ب المسلم ، وأ لا تنازع فيها ولا اغتصاب؛ كما قال تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾، وفي حديث البيعة المتواتر: (وأن لا نازع الأمر أهل )، وكما قال عمر في خ بت بمةضر الصةابة: (الإمارة شورى ب المسلم ، من بايع رجلا دون شورى المسلم ؛ فلا بيعة ل ولا الذي بايع ، تلرة أن يقتلا)، فلا شرعية لكل بيعة صورية، أو بيعة على الإكراه والخوف، أو بيعة بالقوة والسيف! 2- وأن الأمة رقيب على الإمام بعد اختياره بالرضا والشورى؛ فلا يق ع أمرا في شهو ها دون إذ ها، ولا يتصرف في أموالها ومصالحها دون رضاها، كما قال ﷺ في الصةيح: (أيها الناس إلا لا دري من رضي منكم ممن لم يرض؛ فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم)، وقال: (والله ليس لي من هذا المال ولا هذه الوبرة، إلا الخمس، والخمس مردود عليكم)، فالأمة فوق الإمام تراقب

عدد الصفحات ١٩

معالم الدولة الراشدةـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 21 وتحاسب؛ كما في حديث البيعة المتواتر: (وأن قوم أو قول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم). 1- وأن للأمة الاشتراط على الإمام وتقييد صلاحيات بما شاءت من الشروط الصةيةة، كما اشترطوا على عثمان عند البيعة فرضي بذلك، وكما اشترط من أ كر علي من أهل العراق ومصر وكتبوا بينهم وبين عقدا، وشرطوا علي شروطا؛ فرضي، وكان ذلك بمةضر كبار الصةابة. 1- وأن الأمة هي التي تفرض للإمام من بيت المال قدر حاجت ، وأ ليس ل أن يشتلل بالتجارة، ولا أن يستخدم السل ة للإثراء ل أو لأهل بيت . 1- وأن أهم واجبات السل ة وأعظمها: إقامة الدين وأحكام ، والحكم ب الناس بما أ زل الله من العدل والقسط، وأن تكون كلمة الله هي العليا ؛ فيقضي القضاة بحكم الله بالعدل لا سل ان لأحد عليهم، إلا سل ان الله وكتاب ﴿وإذا حكمتم ب الناس أن تحكموا بالعدل﴾. 3- وحفظ البيضة وحماية الدولة ووحدتها الداخلية، والدفاع عنها وحمايتها من الأخ ار الخارجية، وأن تكون الشوكة في دار الإسلام للأمة ظاهرة عزيزة منيعة ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمن سبيلا﴾. 1- وأن تقسم الأموال بالسوية، وتؤخذ الزكاة من الأغنياء وترد إلى الفقراء﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ ﴿كي لا يكون دولة ب الأغنياء منكم﴾، وتوفر الدولة للجميع على حد سواء الفرص للاستثمار، وإحياء الموات، واستخراج المعادن... إلخ.

عدد الصفحات ٢٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ معالم الدولة الراشدة 20 20- وأن تصان الحقوق والحريات الدينية والسياسي ة والفكرية والاقتصادية العامة والخاصة، للأفراد والجماعات؛ فلا إكراه في الدين، ولا إجبار في الرأي، ولا يؤخذ مال إلا عن طيب فس من صاحب ... إلخ. فهذه الأصول والمبادئ للةكم وغيرها من الأصول والأحكام؛ بما في ذلك الأحكام التفصيلية الجزئية كمشروعية التصويت على الآراء عند الاختلاف، والترشح والترشيح للإمارة والخلافة، وحصر الترشيح بعدد، والترجيح بالأصوات، والأخذ برأي الأكثرية، وتحديد مدة فراغ السل ة بثلاثة أيام، وتحديد مدة الولاية على المناطق بأربع سن ، والاستفادة من النظم والوسائل لدى الأمم الأخرى... إلخ؛ كل ذلك مما ثبت عن الخلفاء الراشدين ثبوتا ق عيا كما فصلت في (الحرية أو ال وفان) و(تحرير الإ سان)، و(أهل السنة والجماعة والأزمة السياسية)، و(الفرقان)، فمنها ما هي أصول ق عية بإجماع الخلفاء والأمة معهم؛ فيجب لزومها ويحرم الخروج عنها؛ كةق الأمة في اختيار الإمام بلا إجبار ولا إكراه، وتحريم التوريث في السل ة... إلخ، ومنها ما هو اجتهادات من بعضهم؛ فجائز ومشروع الأخذ بها، وسننهم فيها خير من سنن من جاء بعدهم. وما من سنة من هذه السنن السياسية إلا والأمة اليوم في حاجة إليها بعد فساد أحوالها فسادا لا حل ل إلا بنبذ المحدثات، وتليير هذا الواقع، وإقامة أ ظمة حكم راشدة قائمة على هذه الأصول السياسية، والأحكام الشرعية! وكل ما سبق ذكره هي حقوق سياسية للأمة، لها أحكامها الشرعية، التي يجب إقامتها والمحافظة عليها سواء وجدت الخ لافة أم لم توجد، وسواء أمكن تحقيقها كلها أو بعضها، أما آليات تحقيق ذلك ووسائل ؛ فهو بحسب كل عصر وت وره، وبالإمكان الاستفادة من تجارب الأمم الأخرى، كما استفاد عمر الدواوين والنظم الإدارية من فارس والروم؛ عملا بقول النبي ﷺ: (أ تم أعلم بأمور د ياكم).

عدد الصفحات ٢١

معالم الدولة الراشدةـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 22 ثالثا: معالم الحكومة الراشدة: وإذا كان تحديد الهوية والمرجعية السياسية والعقائدية لمشروع (الدولة الراشدة) أمرا في غاية الأهمية؛ لإقناع الأمة بالمشروعية الدينية والأخلاقية لقيامها وضرورتها، لتتفاعل وتتجاوب معها، من أجل تحقيق التليير المنشود، فإن تحديد معالم السل ة و ( ظام الحكومة الراشدة) لا تقل أهمية وخ ورة؛ إذ لا بد من المواءمة ب المثالية والأهداف النهائية من جهة التي تتمثل في (إقامة أمة واحدة وخلافة راشدة)، والواقعية السياسية حيث الأمة اليوم تقع تحت فوذ الاحتلال الأجنبي، الذي قسمها إلى خمس دولة وشعب، مما يصبح مع تحقيق الشعار والهدف النهائي ضربا من الخيال، ما لم (تكون الدولة الراشدة) و (الحكومة الراشدة) أهدافا مرحلية للمشروع يمكن تحقيقها من جهة، وتحقق الهدف النهائي في آخر الم اف من جهة أخرى؛ فيجب تجزئة المشروع على أساس ظرية (من الحكومات الراشدة إلى الخلافة الراشدة)، فالواجب إقامة الحكومة الراشدة في كل بلد إسلامي، ويكون المعيار للةكم عليها بأ ها حكومة راشدة هو مدى التزامها بأصول الخ اب السياسي الراشدي، ومن ذلك: 2- أن تمثل الحكومة خيار الأمة في ذلك البلد، وأن تقيم ظامها السياسي على أساس حق الأمة في اختيار السل ة التي تحكمها وتسوس شهو ها بالرضا والاختيار؛ بلا إكراه ولا إجبار، وأن تكون خيارا حقيقيا للأمة، لا خيارا صوريا. 3- أن تكون المرجعية الدستورية والتشريعية للدولة هي الشريعة كتابا وسنة، وت بيقها وفق أصول الخ اب الراشدي، فلا تع ل النصوص، ولا تهدر المقاصد؛ فاللاية تحقيق العدل والقسط الذي جاء ب القرآن على أكمل وج ، ورعاية حقوق الإ سان، وصيا ة حريت وكرامت .

عدد الصفحات ٢٢

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ معالم الدولة الراشدة 23 2- المحافظة في ذلك البلد على سيادة الأمة والدولة واستقلالها عن أي فوذ أجنبي، وتعزيز قدراتها الاقتصادية والعسكرية؛ لتتةمل مسهولياتها على مستوى الأمة حسب إمكا اتها. 2- تعزيز التكامل والوحدة والاتحاد مع الدول الإسلامية المجاورة ؛ للوصول إلى توحيد الأمة، وتحقيق الهدف النهائي (أمة واحدة وخلافة راشدة). 1- تحقيق التنمية والنهضة الشاملة في جميع المجالات على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة، وأن تثبت فاعلية سياسية متميزة، وأداء سياسيا اجةا. فكل حكومة تحقق هذه الشروط هي (حكومة راشدة)، والفرق بينها وب (الخلافة الراشدة)، هو أن الحكومة الراشدة خاصة في الق ر الذي تقوم في ، بينما الخلافة الراشدة عامة تشترك الأمة كلها أو أكثر دولها في إقامتها، بعد أن تتةرر أق ارها، وتصل إلى السل ة فيها حكومات راشدة، أو إلى الدول الرئيسة المؤثرة فيها، بحيث تكون قادرة على توحيد الأمة وحمايتها. وح تقوم الحكومات الراشدة التي تمثل خيار الأمة في كل الأق ار، أو في أكثرها، أو في الدول الرئيسة المركزية فيها، فستكون قادرة على الإعلان عن اتحادها ووحدتها، واختيار مجلس رئاسة لدولها، يختار رئيس بشكل دائم أو دوري، بحسب ما يحقق حكم الشارع ومصلةة الأمة، ويكون هذا المجلس الرئاسي هو مؤسسة (الخلافة الراشدة)، التي تشترك الأمة من خلال حكوماتها المنتخبة في اختيارها؛ لتستأ ف الأمة حياتها السياسية من جديد في ظل ( ظام الخلافة الراشدة)؛ كما بشر بذلك النبي ﷺ ح قال: (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة). إن هذه التجزئة للمشروع مع كو ها متوائمة مع الواقعية السياسية التي تفرضها الظروف الموضوعية، فإ ها متوافقة مع الأحكام الشرعية كما قال ﷺ: (ما

عدد الصفحات ٢٣

معالم الدولة الراشدةـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 24 أمرتكم ب فأتوا من مااست عتم)، وكما قال النبي شعيب: ﴿إن أريد إلا الإصلاح ما است عت﴾؛ فعدم قدرة الأمة اليوم على إقامة الخلافة الراشدة، لا يسقط وجوب إقامة الدول والحكومات الراشدة في كل بلد تست يع الأمة في إقامتها، كما إن عدم قدرتها على إقامة حكومة راشدة هنا أو هناك؛ لا يسقط وجوب إصلاح الأوضاع السياسية الحالية، وتقويم أود الحكومات القائمة الآن ؛ إذ الواجب شرعا الإصلاح حسب الإمكان في كل حال، ولا تتع ل الواجبات الشرعية، والفروض الكفائية ؛ بدعوى عدم وجود الخلافة الراشدة، أو عدم وجود حكومة راشدة! طبيعة الدولة الراشدة: وإذا كا ت أصول (الدولة الراشدة)، ومعالم (الحكومة الراشدة) من الوضوح في الخ اب القرآ ي والنبوي إلى هذا الحد الذي تتابع علي الخلفاء الراشدون، وأجمع علي الصةابة المهديون؛ فما طبيعة ظام الحكم في الدولة الراشدة؟ هل هو ظام دستوري أم ظام دكتاتوري؟ هل من يحكم ويتةكم في سل ة الفرد أم مؤسسات الدولة والمجتمع؟ ما حدود صلاحيات السل ة في ظام الدولة الراشدة؛ هل هي م لقة أم مقيدة؟ هل عرف ظام الخلافة الفصل ب السل ات؟ وما حدود كل سل ة؟ ولا يمكن الإجابة عن هذه الأسهلة قبل معرفة التاريخ السياسي لنظام الخلافة الذي هو التجربة التاريخية الوحيدة للةكم في الإسلام، والذي توارى - بسبب طبيعة كتابة التاريخ الإسلامي آ ذاك - خلف الأحداث (الفتوحات الخارجية والصراع السياسي الداخلي)، وخلف الأشخاص (الخلفاء والأمراء)، حتى كادت ت مس معالم النظام السياسي الذي كا ت كل تلك الأحداث تقع في إطاره، وضمن دائرة تأثيره المباشر فيها، فما كان لتلك الفتوحات لتةدث لولا الرسالة والوعد (بالاستخلاف)، وما كان لتلك الصراعات على السل ة لتكون لولا ( ظام الخلافة) فس ، الذي كان

عدد الصفحات ٢٤

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ معالم الدولة الراشدة 25 منظومة فكرية وعقائدية سياسية من جهة، و ُظما دستورية وتشريعية، من جهة أخرى، ومؤسسات وقوى مجتمعية تمارس دورها ب هذه وتلك من جهة أخرى! فإذا كا ت النظم الدستورية اليوم في الدول المعاصرة هي أرقى ما أ تج الفكر الإ سا ي السياسي لمعالجة إشكالية السل ة وإدارة لمجتمع، حيث أصبةت السل ة فيها تخضع لإرادة أقوى، وقا ون أعلى، يحدان من طليا ها، ويمنعان من استبدادها، ويحددان صلاحياتها، وهو ما لم يعرف العالم اللربي إلا بعد الثورة الفر سية، ثم الثورة الأمريكية، قبل قر -ح برزت فكرة (إرادة الشعب) كإرادة أعلى، لتواج استبداد (إرادة الفرد)، وصار (الدستور) هو القا ون الأعلى - وليس رغبات الملك - الذي ينظم علاقة السل ة بالمجتمع، بعد أن كا ت النظم الدكتاتورية والاستبداد الم لق هو السائد قبل ذلك؛ فكا ت إرادة الملك أو الإمبراطور هي القا ون الأعلى، وهو الدولة بكل مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإذا كان ذلك هو واقع الأ ظمة التي كا ت تسود العالم كل على اختلاف أشكالها، فإن ظام الخلافة - الذي ظل يحكم العالم الإسلامي مدة ثلاثة عشر قر ا - كان خارجا عن سياق تلك الأ ظمة، وخارج سقها ؛ إذ تمثل الخلافة ظاما سياسيا فريدا من وع - في منظومت العقائدية والدستورية والتشريعية - است اع أن يحكم تقريبا صف العالم المأهول آ ذاك، في فترات طويلة من التاريخ الإ سا ي، وفي دولة قارية امتدت في ثلاث قارات (آسيا - أفريقيا - أوربا)، وهو ما لم يتهيأ لليره من الأ ظمة السياسية؛ دون أن يعيش تلك الإشكالية التي واجهتها تلك الأ ظمة وا تهت بسقوطها. ولا يمكن قياس ( ظام الخلافة) على أي ظام إمبراطوري آخر عرف العالم، لا في طبيعة ظهوره و شأت ؛ حيث كا ت رسالة النبي محمد ﷺ حجر الأساس الذي بني عليها ظام الخلافة والوعد بالاستخلاف في الأرض، حتى في ظل الخ اب السياسي المؤول، ولا في طبيعة ممارست السياسية؛ حيث ظلت الشريعة والسل ة التشريعية والقضائية خارج دائرة اختصاص السل ة السياسية التنفيذية، حتى يكاد دور السل ة ينةصر في التنفيذ لأحكام الله ﴿إن الحكم إلا لله﴾، ﴿وأن احكم بينهم بما أ زل

عدد الصفحات ٢٥

معالم الدولة الراشدةـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 26 ا﴾، والاجتهاد فيما لا حكم لله في بالرد إلى ﴿أولي الأمر﴾، لاستنباط الحكم في سواء كان الحكم شرعيا يرد الأمر في إلى (الفقهاء)، أو كان الحكم سياسيا شوريا يرد الأمر في إلى الساسة (أهل الحل والعقد)، ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾، وهو ما لم تعرف النظم السياسية إلا حديثا! لقد قامت الدولة في الإسلام بعد عقد البيعة الثا ية ثم بعد صةيفة المدينة على أساس: 2- الأمة الواحدة: وهي أسبق وجودا من الدولة والسل ة، حيث قام المجتمع الإيما ي، ووجدت الأمة الواحدة بالمفهوم العقائدي في مكة، ثم الأمة بالمفهوم السياسي بعد الهجرة في المدينة؛ حيث تزامن وارتبط قيام الدولة النبوية بمفهوم الأمة السياسي الذي تشكل من كل مكو ات المجت مع، كما جاء في صةيفة المدينة التي تُعد أول دستور عرف العالم، حيث حدد فيها النبي ﷺ الحقوق والواجبات التي على المسلم ومن معهم من أهل الكتاب، كما في الملازي والسير: (وكتب رسول الله ﷺ كتابا ب المهاجرين والأ صار، وادع في يهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأم والهم، وشرط لهم واشترط عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي ب المؤمن والمسلم من قريش ويثرب ومن تبعهم فلةق بهم وجاهد معهم: إ هم أمة واحدة من دون الناس.. وأن يهود بني عوف أمة من المؤمن ، لليهود دينهم، وللمسلم دينهم...)(23). (02) رواه محمد ابن إسةاق في السيرة مرسلا - كما عند ابن هشام 2/22 - ومن طريق البيهقي في السنن الكبرى 3/201 عن محمد بن عثمان بن خنيس أخذه من الصةيفة التي عند آل عمر بن الخ اب م ولا، وهذا إسناد كالمتصل، ورواه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال ص321 بإسناد صةيح إلى الزهري، وشهرة هذه الصةيفة تلنيها عن الإسناد، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن صةيفة المدينة في الصارم المسلول ص 12: (هذه الصةيفة معروفة عند أهل العلم) واحتج بها، وقد رواها عبد الرزاق في المصنف ح رقم 23311 في كتاب العقول عن معمر عن الزهري قال وبللنا أن رسول الله صلى الله علي وسلم قال في الكتاب الذي كتب ب قريش والأ صار(لا يتركون مفرحا أن يعينوه في فكاك أو عقل) وهذا إسناد مسلسل بالأئمة الحفاظ إلى إمام أهل الملازي والسير ابن شهاب الزهري وهو شيخ ابن إسةاق، وهذا اللفظ جزء من سياق خبر الصةيفة الم ول وفي قول الزهري (في الكتاب الذي كتب ب قريش والأ صار) دليل على شهرة الكتاب، كما روى خبر الصةيفة أيضا أحمد في المسند من حديث عمرو بن شعيب عن أبي عن جده (أن النبي

عدد الصفحات ٢٦

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ معالم الدولة الراشدة 27 3- المرجعيةالتشريعية: كما جاء في الصةيفة: (وأ كم مهما اختلفتم في من شيء فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد ﷺ...). 2- المرجعية السياسية: كما في الصةيفة (وأ ما كان ب أهل هذه الصةيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله ورسول ﷺ). 2- مسهولية المجتمع: كما وردفي الصةيفة (وإن المؤمن على من بلى منهم أو ابتلى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد ب المؤمن ، وإن أيديهم علي جميعا، ولو كان ولد أحدهم، وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أد اهم). ولوضوح هذه الأصول منذ تأسيس الدولة في الإسلام؛ تحددت طبيعة النظام السياسي الإسلامي، وصلاحيات السل ة في . طبيعة السل ة في ظام الخلافة الراشدة: فالسل ة في الإسلام -على خلاف كل الأ ظمة السياسية الأخرى التي عرفها العالم- هي في الأصل سل ة تنفيذية، وقد أكد النبي ﷺ هذا المفهوم السياسي للسل ة التي يمارسها فقال: (ما أع يكم ولا أمنعكم، إنما أ ا قاسم أضع حيث أُمرت)، وفي رواية: (إنما أ ا قاسم وخازن، والله المع ي)(22). صلى الله علي وسلم كتب كتابا ب المهاجرين والأ صار أن يعقلوا معاقلهم وأن يفدوا عا يهم بالمعروف) وهو جزء من خبر الصةيفة ال ويل، وقد عقد ابن كثير في تاريخ فصلا بعنوان (عقده علي السلام ب المهاجرين والأ صار في الكتاب الذي أمر ب فكتب بينهم وموادعت اليهود الذين كا وا بالمدينة)، وساق خبر الصةيفة م ولا، وللاستزادة يمكن الرجوع لبةثي المحكم (صةيفة المدينة ب الاتصال والإرسال) منشور في موقعي.. (03) صةيح البخاري ح رقم (2221)، ومسلم ح (2021.)

عدد الصفحات ٢٧

معالم الدولة الراشدةـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 28 وفي حديث آخر: (بُعثت قاسما أقسم بينكم (22). وهو ما تتابع الخلفاء الراشدون على تأكيده؛ فالجميع يخضع لحكم الله وكتاب وشرع وقا و ، الحاكم والمحكوم على حد سواء، كما قال أبو بكر في أول خ بة ل بعد تولي الخلافة؛ فةمد الله وأثنى علي ، ثم قال: (أما بعد، أيها الناس، قد وليت أمركم، ولست بخيركم، ولكن زل القرآن، وسن النبي ﷺ السنن، فعلمنا، فعلمنا، اعلموا أن أكيس الكيس التقوى، وأن أحمق الحمق الفجور، وأن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ ل بحق ، وأن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ من الحق، أيها الناس، إنما أ ا متبع، ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينو ي، وإن زغت فقومو ي)(21) ، (أطيعو ي ما أطعت الله فيكم؛ فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم)(21). (... ألا وإ ي قد وليت عليكم ولست بأخيركم، ولوددت أ كفا ي هذا الأمر أحدكم، وإن أ تم أردتمو ي على ما كان الله يقيم بي من الوحي ما ذلك عندي، إنما أ ا بشر فراعو ي)(21). فقرر أبو بكر رضي الله عن أول خ بة ل أصول الحكم والسياسة في ظام الخلافة، وأن سل ت بشرية تنفيذية، فلا عصمة ل ، ولا خيرية، ولا سل ة ل م لقة، وأ خاضع لحكم الله ورسول ، ومتبع ل ، وأن الأمة تعين إن أحسن، وتقوم (04) صةيح البخاري ح 2222، ومسلم ح 3222، وا ظر فتح الباري 1/323. (05) رواه ابن سعد في ال بقات 2/233 من طريق هشام بن عروة عن أبي عروة بن الزبير، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال ص 23 رقم 3 و 1 من طريق هشام بن عروة عن أبي ، ومن طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم كلاهما عن أبي بكر، وقد سمع قيس من أبي بكر، ورواه أبو بكر الدينوري في المجالسة رقم 2310 بإسناد صةيح من طريق هلال الوزان عن عبد الله بن عكيم وقد أدرك عهد النبوة، ورقم 2331 من طريق مجالد عن الشعبي، ورواه أبو القاسم الأصبها ي في الترغيب والترهيب رقم 121 من طريق محمد بن المنكدر عن محمد بن عبد الرحمن بن عوف ب ؛ فهذه الخ بة مشهورة صةيةة. (06) رواه محمد بن إسةاق في السيرة كما عند ابن هشام في 1/33 عن الزهري عن أ س رضي الله عن ، وعبد الرزاق في المصنف 21/221 عن معمر، وقال ابن كثير في البداية والنهاية 1/201 عن إسناد محمد بن إسةاق (وهذا إسناد صةيح)، وهو كما قال. (07) البيهقي في السنن الكبرى 1/212 من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن البصري مرسلا.

عدد الصفحات ٢٨

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ معالم الدولة الراشدة 29 إن زاغ أو أساء، وأ لا سل ة ل إلا في حدود المشروعية التي هي طاعةالله ورسول ، وأ لا طاعة ل ح يخرج عنها. فقد عبر أول خليفة عن طبيعة الخلافة والسل ة في الإسلام بعد النبوة، وأ ها سل ة مقيدة بالكتاب والسنة، وتحت رقابة الأمة وقوامتها، كما بايع النبي ﷺ الأ صار في البيعة الثا ية (وأن قوم بالحق لا نخاف في الله لومة لائم)(23). وكذا أكد هذا الأصل الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان في أول خ بة ل بعد البيعة حيث يقول (أما بعد فإ ي قد حُم ِّلت وقد قبلت، ألا وإ ي متبع، ولست بمبتدع، وإن لكم علي بعد كتاب الله وسنة بي ثلاثا: 2-اتباع من كان قبلي فيما اجتمعتم علي وسننتم 3-وسنُِّ سن ة أهل الخير فيما لم تسنوا عن ملأ منكم. 2-والكف عنكم إلا فيما استوجبتم(21). فالسل ة كما في هذه الخ بة سل ة تنفيذية، تلتزم بالمشروعية والمرجعية التي اجتمعت عليها الأمة فيما سبق من أحكام سياسية، وما يتفق عليها الملأ منهم وهم الأكثرية فيما يستأ ف ويستجد من وازل. وهذا ما قرره الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ح قال في أول خ بة ل بعد تولي الخلافة : (أيها الناس، إ ي لست بقاض؛ ولكني منفذ، ولست بمبتدع؛ ولكني (08) رواه مالك في الموطأ 3/221، ومن طريق البخاري في الصةيح ح رقم 1211 و1300، ومسلم ح رقم 2101. (09) رواه ابن جرير 3/112 من رواية سيف بن عمر التميمي المؤرخ عن القاسم بن محمد - كذا - عن عون بن عبد الله بن عتبة، والظاهر أن في الإسناد سق ا وخللا؛ فإن سيفًا إنما يروي عن القاسم بن محمد بواس ة سهل بن يوسف بن سهل، ويحتمل أن يكون هو القاسم بن محمد بن عبد الرحمن المخزومي وهو ثقة ومن هذه ال بقة، أو يكون هو تصةيف والصواب اللصن بن القاسم من شيوخ سيف بن عمر، كما في التهذيب، ويروي عن عون بن عبد الله كثيرا، كما في تاريخ ابن جرير، ذكره السمعا ي في الأ ساب 2/213 وأ من الأتباع ويروي عن افع وطبقت ، وقد ذكره أبو بكر المالقي في كتاب (التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان) ص 23 (عن الفيض بن محمد عن عون)، فلعل اللصن!

عدد الصفحات ٢٩

معالم الدولة الراشدةـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 31 متبع، وإن من حولكم من الأمصار والمدن إن أطاعوا كما أطعتم؛ فأ ا واليكم، وإن أبوا؛ فلست لكم بوالٍ) (30). وفيتأكيد على طبيعة دور السل ة التنفيذي، وحق الأمة في كافة الأمصار، في اختيار الإمام بلا إكراه ولا إجبار، كما في تجلي لمبدأ الفصل ب السل ة التنفيذية والقضائية (إ ي لست بقاض وإنما منفذ)، فمهمة الخليفة إدارة السل ة التنفيذية، وللقضاة استقلالهم لا سل ان لأحد عليهم. وفي رواية قال: (أيها الناس، إن الله لم يرسل رسولا بعد رسولكم، ولم ينلزل كتابا بعد الكتاب الذي أ زل عليكم، فما أحل الله على لسان رسول فهذا الحلال إلى يوم القيامة، وما حرم الله على لسان رسول فهو حرام إلى يوم القيامة، ألا وإ ي لست بمبتدع، ولكني متبع، ولست بقاض، ولكن منفذ، ولست بخير من واحد منكم، ولكني أثقلكم حملا، ألا وإ ليس لأحد أن ي اع في معصية الله)(32). وهنا تأكيد من عمر بن عبد العزيز على أن السل ة لا دخل لها في التشريع للأحكام، وإنما مسهوليتها تنفيذها، وكذا لا دخل لها في سل ة القضاء، ولا سل ان لها على القضاة. وهذا الأصل السياسي العظيم هو ما ميز ظام الخلافة في الإسلام؛ حيث لا خلاف في كون السل ة ليس لها يد في التشريع، كما لا سل ة لها على القضاء، وإنما تكاد مسهوليتها تنةصر في التنفيذ. (21) تاريخ الذهبي 1/212، وابن كثير 1/212. (20) رواه الدارمي في السنن رقم 222 حدثنا موسى بن خالد ثنا معتمر بن سليمان عن عبيد الله بن عمر أن عمر بن عبد العزيز، وهو إسناد صةيح وفي إرسال، فقد رواه البسوي في المعرفة والتاريخ - (2 /221 )حدثنا ابن بكير قال: حدثني الليث عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبيد الله بن عمر بن حفص عن رجل من أهل واسط يقال ل شيبة بن مساور أ قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يحدثنا، لما استخلف، وجلس على المنبر فةمد الله وأثنى علي وذكره، وشيبة بن مساور واس ي ثقة كما في تعجيل المنفعة رقم 212، فالإسناد صةيح، ومن طريق البسوي البيهقي في المدخل ص30، ورواه ابن سعد في ال بقات 1/313 و 331، من طريق سيار أبي الحكم، ومن طريق مالك بن أ س أن عمر بن عبد العزيز، وسيار أدرك عهد عمر وعاصره كبيرا.

عدد الصفحات ٣٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ معالم الدولة الراشدة 30 شروط مشروعية السل ة ولوضوح هذا الأصل السياسي في ظام الخلافة الإسلامي قال الإمام مالك -إمام أهل السنة في عصره (11 هل- 211 هل-: (إن الإمام لا يكون إماما أبدا إلا على شرط أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عن ، فإ قال: وليتكم ولست بخيركم، ألا وإن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ ل بحق ، ألا وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ من الحق، إنما أ ا متبع ولست بمبتدع، فإن أحسنت؛ فأعينو ي، وإن زغت؛ فقومو ي)(33). فالإمامة والرئاسة العامة على الأمة في ظام الخلافة لا تكون كذلك إلا على وفق شروط أول خليفة وسنن ، وهو أبو بكر الصديق، كما قررها في هذه الخ بة، وأدركت الأمة مضامينها السياسية التي تحد د طبيعة السل ة وصلاحيتها ومسهوليتها وخضوعها لأحكام الشرع من جهة، ورقابة الأمة عليها من جهة أخرى؛ لضمان التزام السل ة بتنفيذ أحكام الكتاب والسنة. وقول الإمام مالك هنا يفسر مذهب المشهور عن في عدم اعتراف ببيعة أئمة الجور، كأبي جعفر المنصور، وبيعة كل من أخذها بالقوة، وما أفتى ب أ لا بيعة لهم مع الإكراه، وما دعا الناس إلي للخروج مع محمد بن الحسن ذو النفس الزكية وأخي إبراهيم، سنة 221هل، على أبي جعفر المنصور العباسي، وكان قد خرج في المدينة؛ فاستفتى أهلها مالك بن أ س في الخروج مع ، مع أ هم سبق لهم أن بايعوا أبا جعفر المنصور؛ فقال مالك: (إنما بايعتم مكره ، وليس على مكره يم ؛ فأسرع الناس إلى محمد، ولزم مالك بيت )(32). (22) رواه الدارق ني في المؤتلف والمختلف 2/2310، وأورده القاضي عياض في ترتيب المدارك 2/211، والذهبي في تاريخ الإسلام 22 /313. (23) ابن جرير ال بري 2/231، حوادث سنة 221هل، وسير أعلام النبلاء 3/30.

عدد الصفحات ٣١

معالم الدولة الراشدةـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 32 وكان إذا سهل عن القتال مع الخلف اء ضد من خرج عليهم يقول: (إن كان الخليفة كعمر بن عبد العزيز؛ فقاتل مع ، وإن كان كمثل هؤلاء الظلمة؛ فلا تقاتل معهم)(32). وما قال مالك في أئمة الجور وأ لا يقاتل معهم إذا خرج عليهم خارج، وأ يقاتل إلا مع أئمة العدل كعمر بن عبد العزيز؛ يؤكد أن مذهب هو عدم الاعتراف لهم بالولاية الشرعية أصلا، ومما يؤكد ذلك أن ابن القاسم سهل عن دفع الزكاة للولاة (أرأيت مصدقا يعدل على الناس فأتى المصدق إلى رجل ل ماشية تجب في مثلها الزكاة، فقال ل الرجل قد أديت صدقتها إلى المساك ؟ قال: لا يقبل قول هذا لأن الإمام عدل؛ فلا ينبلي لأحد أن يمنع صدقتها، قلت: وهذا قول مالك؟ قال: عم إذا كان الوالي مثل عمر بن عبد العزيز)(31). ففرق الإمام مالك ب الإمام العدل الذي يجب دفع الزكاة ل ، ولا تبرأ الذمة إ بالدفع ل ، وغير العدل الذي لا يجب دفع الزكاة! وقال سةنون: (قلت أرأيت زكاة الف ر هل يبعث فيها الوالي من يقبضها؟ فقال ابن القاسم: قال مالك وسألناه عنها سرا؛ فقال لنا: أرى أن يفرق كل قوم زكاة الف ر في مواضعهم، أهل القرى حيث هم في قراهم، وأهل العمود حيث هم، وأهل المدائن في مدائنهم، قال: ويفرقو ها هم، ولا يدفعو ها إلى السل ان إذا كان لا يعدل فيها، قال: وقد أخبرتك في قول مالك: إذا كان الإمام يعدل لم يسع أحد أن يفرق شيها من الزكاة، ولكن يدفع ذلك إلى الإمام)(31). وكل هذا التفريع الفقهي عن مالك موافق للأصل السياسي الذي قرره شرعية السل ة وأ لا شرعية لها إلا على الشرط الذي شرط أبو بكر، وعلى وفق (24) ا ظر تبصرة الحكام 3/11. (25) المدو ة للإمام مالك 2/213. (26) المدو ة للإمام مالك 2/213.

عدد الصفحات ٣٢