المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التناسب في سورة محمد دراسة بلاغية تحليلية

أحمد يحيى علي محمد

صفحة ٢ من ٣

التَّناسُـبُ ػِـي سـُورَةِ مُحـَمَّدٍ () دِرَاسَةٌ بَلاغِـيَّةٌ تَحِلِيلِيَّةٌ د.أحـمد محمد علي محمد و د.أحـمد يحيى علي محمد 74 فأصبح الاسـ الموصوؿ عمما عمى المعرؼ بو وىو نوع مف أنواع الذـ في ىذا السياؽ وتشويؽ لما يرد بعده مف الحكـ المناسب لمصمة , وا يماء بالموصوؿ وصمتو إلى عمة وصفو بما سيأتي مف أوصاؼ , ومف براعة استيلبؿ لمغرض المقصود(56) وكأف ىذه الأوصاؼ جاءت لتوضح الإبياـ الذي أوحى بو الاسـ الموصوؿ "الذيف "ومعموـ أف الأسماء الموصولة مبيمة يوضحيا ما يذكر بعدىا مف صمة الموصوؿ(57). ومف أولى الصفات التي مثمت عمة إضلبؿ أعماليـ إتباعيـ الباطؿ , قاؿ تعالى ﭽ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭺ ﭻﭼ(58) وأوؿ مظاىر التناسب تتراءى أمامنا تدرج السياؽ القرآنيُّ في حديثو عف الكافريف , فبعد وصْفِيـ بالكفر وذِكْره إضلبؿ أعماليـ عقَّب معملب ذلؾ بإتباعيـ الباطؿ, ثـ ختـ ىذا السياؽ بذكره مصيرىـ وىو القتؿ بضرب رقابيـ ,ونمحظ أف البياف القرآنيَّ وظَّؼ أسموب التصوير الكنائيَّ للئشارة إلى الطريقة التي يجب عمى المؤمنيف إتباعيا لمتعامؿ مع الكافريػ ف في سػوح القتاؿ وذلػؾ في قولو ﭽ ﮈ ﮉ ﭼ وواضح أف المراد منو ىو القتؿ , ولكف التعبير القرآني آثر ىذا التركيب لكونو أبمغ في وجوب الأمر وأشد إيقاعا لمموت في الكافريف فضلب عف كونو يحمؿ دلالة الذلة والصَّغار وقد قصدىما القرآف وعلبوة عمى ذلؾ فإف في ىذا النوع مف القتؿ والمقاتمة شجاعة لضارب رقبة خصمو المواجو لو وتمكنو منو غاية التمكف(59) ,وعمؽ ىذا المنحى الدلالي بكناية أخرى وىي قولو : ﭽ ﭾﭼ والمراد بالإثخاف في المغة الغمبة و الإثقاؿ بالجراح وغيرىا (60) والمقصود بيا في الآية إرىاؽ العدو بكثرة إيقاع الجراح فيو سواء أكانت الجراح حسية أـ معنوية نفسية , ولكي يستكمؿ التعبير القرآني ىذا المشيد مف المبالغة قي قتؿ الكافريف وا ذلاليـ أتى بصورة أخرى توحي بحجـ الأحماؿ (56) ينظر: التحرير والتنوير :26/73 . (57) ينظر:النحو الوافي , عباس حسف/283-284 . (58) سورة محمد , مف الآية 3 . (59) ينظر: التحرير والتنوير :26/66-67 . (60) ينظر: لساف العرب :15/284-285 .

عدد الصفحات ١٧

آداب الراػدين– العدد (60 ) 1432هـ/2011م 75 والأثقاؿ التي تنوء بكاىؿ المتحاربيف ولاسيما المغموبيف المقيوريف وتتمثؿ بقولو : ﭽﮄ ﮅ ﮆ ﮇﭼ,ويمكف حمميا عمى المجاز العقمي أو الاستعارة المكنية ولكؿ توجيو جماليتو, فعمى الأوؿ المراد بو أىؿ الحرب , والأوزار الأثقاؿ والأحماؿ , وعمى الثاني فقد شُبيت الحرب بكائف ينوء بأحماؿ أثقمت كاىمو وسينزليا بعد غاية يصير إلييا(61 )ولذلؾ لـ يصرح القرآف الكريـ بالمفظ الصريح فيقؿ : أقتموىـ, بؿ بنى مشيد القتاؿ مف صور منسجمة واحدة تؤدي إلى الأخرى وتطمبيا , ويمكف إيجاز ذلؾ بذكر الوصؼ ثـ عِمَّتو وأخيرا الجزاء الذي يستحقو(62) . ويمكف أف نتممس وجيا آخر وىو تكرار وصؼ "ﭰ ﭱ "في ىذه المواضع الثلبثة التي مثمت مطمع السورة , وىو مقصود لذاتو , إذ مثؿ نوعا مف العمة التي تمثؿ إجابة لأسئمة يمكف أف تُطرح ,مفادىا: لـَ ىذه الغِمظةُ مع ىؤلاء القوـ؟ونمحظ كذلؾ انتياج التعبير القرآنيُّ أسموب التكرار بذكره "ﭰ ﭱ "ثلبث مرات وفيو نوع مف الإطناب عف طريؽ تكرار المفظ بعينو ,وىو تكرار مقصود تطمَّبو المعنى,واقتضتو الدلالة. ولكي تتجمى الصورة أكثر عمد البياف القرآني إلى ذكر ما يقابؿ "الأوصاؼ التي أثبتت لمذيف كفروا بثلبثة أوصاؼ ضدىا لممسمميف وىي الإيماف مقابؿ الكفر, والإيماف بما نُزِّؿ عمى محمد صمى الله عميو وسمـ مقابؿ الصد عف سبيؿ الله , وعمؿ الصالحات مقابؿ بعض ما تضمنو ﭽ ﭗ ﭘ ﭼ و ﭽﭨ ﭩ ﭪ ﭼ مقابل بعض آخر ما تضمنه ﭽ ﭗ ﭘ ﭼ و ﭽ ﭫ ﭬﭼ مقابل بقية ما تضمنه ﭽ ﭗ ﭘ ﭼ"(63) وقد مر بنا قوؿ البلبغييف في بيانيـ دلالة التناسب الذي عبروا عنو بمناسبة الألفاظ لممعاني المُعبِّرة عنيا والإيجاز في مواطف الإيجاز والمقابمة والتمثيؿ و مؤاخاة المعاني في السياؽ الواحد, والحؽ أف ىذه المظاىر قد تجمت في السورة موضوع البحث ,فبعد أف استُيِمت بالحديث عف الذيف كفروا أطمقت البياف عبر الإطناب في ذكر أوصافيـ, حتى كادت تستغرؽ (61) ينظر:المحرر الوجيز ,ابف عطية:6/129 . (62) ينظر: سورة محمد , الآيات:1 , 3 , 4 . (63) التحرير والتنوير :26/74 .

عدد الصفحات ١٨

التَّناسُـبُ ػِـي سـُورَةِ مُحـَمَّدٍ () دِرَاسَةٌ بَلاغِـيَّةٌ تَحِلِيلِيَّةٌ د.أحـمد محمد علي محمد و د.أحـمد يحيى علي محمد 76 جمعييا ابتداءً مف الحكـ عمييـ بالكفر وذكر عمتو وجزائيـ المناسب لوقاحتيـ مع الله تعالى ,ومف مظاىر الإطناب في السورة ذكر وجوب شدة بأس المؤمنيف عمييـ في الحرب , وتكرار وصفيـ بالذيف كفروا وا ضلبؿ أعماليـ, وتكرار عمة ىذه الشدة وىو كرىيـ ما أنزؿ الله تعالى (64), ولكي يؤكد القرآف الكريـ ىذا المصير ذكَّرىـ عبر أسموب الاستفياـ التقريري بعاقبة الكافريف أمثاليـ (65 )وبلبغة التقرير في ىذا الموضع توحي بأف المخاطبيف في قرارة نفوسيـ المتكبرة كانوا عارفيف ومقريف بمصائر الأقواـ التي أبيدت لكفرىا ,ولكي لا نبتعد عف موضوع التناسب لابد مف بيانو في ىذا الموضع , ويتمثؿ في اكتماؿ الأوصاؼ التي أعطتنا نموذجا لا لبس فيو لمكافريف في كؿ زماف ومكاف , وا ف تبدلت ألسنتيـ وألوانيـ , وكؿ ذلؾ تجسيد لتطابؽ اسـ السورة "سورة الذيف كفروا "مع مضمونيا وىو ما نبحث عنو في عممنا. ولكي تتضح صورة الكافريف أتى التعبير القرآنيُّ عبر أسموب التقابؿ بأوصاؼ المؤمنيف , فالقتاؿ في سبيؿ الله يستمزـ تضحية بالنفس , ولذلؾ ذكر البياف القرآنيُّ مصير المؤمنيف المقتوليف في سبيؿ الله, وىو دخوليـ الجنة التي عرفيا ليـ (66 .) وىذا كمو نوع مف التناسب في السورة , وكأننا نرى مشيديف متقابميف متضاديف, الأوؿ: مشيد الكافريف , والثاني مشيد المؤمنيف, ومما يمفت النظر في سياؽ السورة تكرار اسـ الإشارة "ذلؾ "في أربعة مواضع وذلؾ لػ "تمييز المشار إليو أكمؿ تمييز تنوييا بو"(67 )وىو نوع مف الإطناب , إذ نممح تكرار المعنى أو ما يقاربو بعد ذكر اسـ الإشارة "ذلؾ"(68) ,ومنو قولػو تعالى: ﭽ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀﭼ(69 )وقولو تعالى: ﭽ ﯦ ﯧ (64) ينظر: سورة محمد ,الآيات:4 ,8 ,9. (65) ينظر: سورة محمد , الآية:10 . (66) الآيات:4 ,5 ,6 . (67) التحرير والتنوير :26/76 . (68) ينظر:سورة محمد , الآيات3 ,9 ,11 ,26 . (69) سورة محمد , الآية:3 .

عدد الصفحات ١٩

آداب الراػدين– العدد (60 ) 1432هـ/2011م 77 ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﭼ(70) وقولو تعالى: ﭽ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍﭼ(71) ومعموـ أف إتباع الباطؿ يستمزـ بالضرورة كراىية الحؽ المنزؿ مف عند الله تعالى , وكلبىما يقتضي الخذلاف المترتب عمى عدـ مولاة الله لمكافريف , واعتمد التعبير القرآني تقنية الاستعارة التمثيمية في تصويره الكفر : ﭽ ﭺ ﭻ ﭼ و ﭽ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﭼ وىما كناية عف صفة الكفر, وقولو :ﭽ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﭼكناية عف الخذلاف واليزيمة . وفي الصورة المقابمة إتباع الحؽ يقتضي حب ما أنزؿ الله الذي يترتب عميو موالاة الله لمف اتصؼ بيذه الصفة,وىي صورة مبنية عمى التعبير الكنائي وىو نوع مف التناسب ظاىر بيف جزء مف مضاميف السورة . وىكذا تتلبحؽ مظاىر التناسب , ومنيا ما نجده في حديث السورة عف مصير المؤمنيف ومصير الكافريف , فبعد أف حكمت في مستيميا عمى خسراف الكافريف وفوز المؤمنيف , جمت جزءا مف مظاىر الفوز ولوازـ الخسراف , قاؿ تعالى: ﭽ ﮆ ﮇ ﮄ ﮅ ﮈ ﮉ ﮂ ﮃ ﭾ ﭿ ﮌ ﮍ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠﮡ ﭨ ﭩ ﮤ ﮥ ﮦ ﮦ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯤ ﯥ ﯢ ﯣ ﯦ ﯧ ﯝ ﯞ ﭼ(72) ,وقابميا في توصيفو الكافريف عملب وجزاءً ومصيرا فقاؿ: ﭽ ﯟ ﯠ ﯡ ﯨ ﯩ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺﯻ ﮈ ﮉ ﯾﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰊﭼ(73 ) نراىا فصمت في ذكر صور النعيـ التي قابمتيا صور العذاب والجحيـ، قاؿ تعالى ﭽ ﭑ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭦ ﭧ ﭨ ﭼ(74)، وىي صورة مجممة لـ تفصؿ في ذكر الأوصاؼ، ولكي تتضح ىذه الصورة رأينا التعبير القرآني فصؿ في (70) سورة محمد , الآية:9. (71) سورة محمد , الآية: 11. (72) سورة محمد ,الآيات:4 ,5 ,6 ,7 . (73) سورة محمد ,الآيات:8 ,9 ,10 ,11. (74) سورة محمد , مف الآية:12 .

عدد الصفحات ٢٠

التَّناسُـبُ ػِـي سـُورَةِ مُحـَمَّدٍ () دِرَاسَةٌ بَلاغِـيَّةٌ تَحِلِيلِيَّةٌ د.أحـمد محمد علي محمد و د.أحـمد يحيى علي محمد 78 موضع آخر وعبر أسموب الأطناب في ذكر نعيـ الجنة، قاؿ تعالىﭽ ﮈ ﮉ ﮂ ﮃ ﭾﭿ ﮌ ﮍ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠﮡ ﭨ ﭩ ﮤ ﮥ ﮦﭼ (75)، والغاية المتوخاة مف ىذا الوصؼ الخبري الذي اعتمد أسموب التفصيؿ ىي الحث عمى إتباع الحؽ والوعد والبشارة لمف سمؾ سبيؿ المؤمنيف واتصؼ بأوصافيـ التي قررىا البياف القرآني في مستيؿ السورة ولذلؾ بُنِيت الآية في خاتمتيا عمى أسموب تقديـ ماحقو التأخير: ﭽ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﭼوىذا التقديـ مُشْعِرٌ بدلالة الاختصاص , فالنعيـ الموصوؼ لممؤمنيف وحدىـ المذكوريف في السياؽ . ومقابؿ ىذه الصورة ثمة صورة أخرى مغايرة وىي مشيد الكافريف المعذبيف ووسيمة تعذيبيـ، فبعد أف ذُكِرَ الكافروف بصيغة الدعاء عمييـ ﭽ ﯟ ﯠ ﯡ ﯨ ﯩ ﯤﭼ(76)، نجد السياؽ يكمؿ ىذا المعنى ويحققو إجابة ليذه الدعوة عمييـﭽ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﭼ(77)، ومف دلالات ذلؾ وقوع ﭽ ﯡ ﯨ ﭼ في جانب الكفار في مقابمة قولو لممؤمنيفﭽﯧ ﯝ ﭼ(78 )زد عمى ذلؾ أف قولػو تعػالى ﭽ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﭼ، لازـ المعنى الذي قصده التعبير القرآني ﭽ ﯡ ﯨ ﭼ، إذ إف ىذه التعاسة ستلبزميـ في الحياة الدنيا والآخرة وىو جزء أيضاً مف إضلبؿ أعماليـ، فميما يفعموا مف خير فمف يجدي ليـ نفعاً، وىذه غاية التعاسة,ومف بديع التعبير القرآنيِّ اعتماده الصورة التشبيييَّة المنفية في: ﭽﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﭼ فشتاف مابيف الحاليف كما قاؿ تعالى: ﭽ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﭼ(79), ولكي يكمؿ البياف القرآني أوصاؼ ﭽ ﭑ ﭮ ﭼ أتى إلى ذكر صفة أخرى مف صفاتيـ، وىي عدـ انتفاعيـ بما يسمعوف مف رسوؿ الله  مف آيات ا (75) سورة محمد , مف الآية:15. (76) سورة محمد , مف الآية:8. (77) سورة محمد , مف الآية:15. (78) التحرير والتنوير :26/84. (79) سورة القمـ , الآيات 34-36 .

عدد الصفحات ٢١

آداب الراػدين– العدد (60 ) 1432هـ/2011م 79 والحكمة، أو عدـ سماعيـ سماع وعي وتدبر يفيد صاحبو، ويدخؿ تحتيـ المنافقوف أيضا(80)، ولكف أيف موضع التناسب الذي نبحث عنو في ىذا السياؽ؟ والحؽ أنو يتجمى مف خلبؿ موضع ىذه الآية(81) في سياقيا إذ جاءت متممة لصفة يحتاجيا القارئ وىي جزء مف مجموعة صفات (ﭑ ﭒ)، بؿ جاء قولو تعالى ﭽ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﭼ (82) بمثابة إجابة لسؤاؿ مثار أو يفترض أف يثار لبياف عمة كفرىـ وا ضلبؿ أعماليـ وصدودىـ عف سبيؿ الله، ويمثؿ قمة المناسبة في سياؽ مكتمؿ الأجزاء، وثمة صفة أخرى لمذيف كفروا وىـ ىنا المنافقوف في قولو تعالى ﭽﭘ ﭙ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪﭫ ﭬ ﭭ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬﭼ(83)، فأولئؾ علبوة عمى عدـ سماعيـ سماع وعي وانتفاع اتصفوا بالجبف والخور الذي يجعؿ صاحبو كمف بدت عميو أمارات الموت (84). ومما يمفت النظر في سياؽ وصؼ الكافريف تكرار أسـ الإشارة (أولئؾ) في قولو تعالى ﭽ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮﭼ(85 )وقولوﭽ ﮃ ﭾ ﭿ ﮌ ﮍ ﮀ ﮁﭼ(86)، والموضعاف كلبىما مثؿ عمة لصفتيف مف صفات الكافريف، الأولى عدـ سماعيـ سمع تدبُّر وتفُّيـ، والثانية إفسادىـ في الأرض وتقطيع أرحاميـ، وحقيقة الطبع: "إحكاـ الغمؽ بجعؿ طيف ونحوه عمى سد المغموؽ بحيث لا يُنفذُ إليو فَيُ ستخرجُ ما فيو إلا بعد إزالة ذلؾ الشيء المطبوع بو، وقد يسموف عمى ذلؾ الغمؽ بسمة تترؾ رسما في ذلؾ المجعوؿ، وتسمى الآلة الواسمة طابعا بفتح الباء (80) ينظر: التفسير الكبير:28/50 . (81) ينظر: سورة محمد , الآية:16. (82) سورة محمد , مف الآية:16. (83) سورة محمد , مف الآية:20. (84) ينظر: نظـ الدرر: 7/167. (85) سورة محمد , الآية:16. (86) سورة محمد , الآية:23 .

عدد الصفحات ٢٢

التَّناسُـبُ ػِـي سـُورَةِ مُحـَمَّدٍ () دِرَاسَةٌ بَلاغِـيَّةٌ تَحِلِيلِيَّةٌ د.أحـمد محمد علي محمد و د.أحـمد يحيى علي محمد 80 فيو يرادؼ الختـ "(87 )وبيذا الطبع فقد ﭽﭿ ﮌ ﮍ ﮀ ﮁﭼ, وىذا التركيب مبني عمى صورة استعارية تعبر عف حاؿ مف لا ينتفع مف القرآف الكريـ فشأنو شأف مف لا يدرؾ ما يمقى إليو مف أقواؿ ولا يبصر ما حولو لعاىة عطمت سمعو وبصيرتو عف وظيفتيما, ولذلؾ وجدنا التعبير لقرآني يختتـ ىذا السياؽ بآية حكمت عمييـ بعدـ اىتدائيـ إلى النور المنزؿ عمى رسوؿ الله ، فقاؿ تعالى ﭽ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮖ ﮗﭼ(88)، والاستفياـ في الآية خرج إلى معنى الأمر أي فيلب يتدبروف القرآف لعميـ ييتدوف إلى النور ويقمعوا عف الضلبؿ الذي ىـ فيو، ولعمو إنكاري بمعنى إنكار توبيخ عمى عدـ تدبرىـ القرآف تدبرا يوصميـ إلى فيمو والإيماف بو(89) . ولعؿ وجو التناسب يكمف في كوف قولو تعالى ﭽ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮖ ﮗﭼ جاء بمثابة عمة أخرى توضح سبب الأوصاؼ التي ذكروا بيا منذ مطمع السورة (90)، وكأف قموبيـ وضع عمييا أقفاؿ محكمة فلب يمكف كسرىا لمنفوذ داخميا، وفيو نوع مف التمثيؿ إذ استحالت ىذه القموب صناديؽ أو مغاليؽ لا يمكف إزالتيا "فلب كفرىـ يخرج ولا الإيماف الذي ُيدعوف إليو يدخؿ "(91)، ومف المفسريف مف حمؿ ﭽ ﮆ ﮇ ﮖ ﮗ ﭼ عمى معنى الاستعارة المكنية (92)، عمى أساس أف القموب شبيت بالأبواب أو الصناديؽ وحذؼ المشبو بو، وأبقي خصيصة أو لازمة مف لوازمو وىو القفؿ، ونحف نميؿ إلى جعؿ الاستعارة تمثيمية، والتمثيؿ فييا ظاىر ولا نحتاج حينئذ إلى التأوؿ والتماس وجو مف وجوه حمؿ المعنى. (87) التحرير والتنوير :4/303 . (88) سورة محمد , الآية:24 . (89) ينظر: نظـ الدرر: 7/170 ,والتحرير والتنوير : 26/113. (90) ينظر: التفسير الكبير: 28/57. (91) ينظر: نظـ الدرر: 7/170. (92) ينظر: التحرير والتنوير : 26/114.

عدد الصفحات ٢٣

آداب الراػدين– العدد (60 ) 1432هـ/2011م 81 والتناسب يتراءى في ىذا الموضع مف خلبؿ تجسيد معاني الكفر التي ىي أعراض معنوية مجردة عقمية بشيء محسوس مادي وىو الصناديؽ أو الحُجُر المقفمة التي لا تسمح بالدخوؿ أو الخروج , وىذا كمو تكثيؼ لممعاني التي تقدـ سردىا منذ مستيؿ السورة (93) . وىكذا تتعاقب مظاىر التناسب في السورة تترى، إذ مثؿ الاستفياـ في الآية السابقة ﭽ ﮆ ﮇ ﮖ ﮗﭼ إلجاما لمف "لا يعي الكلبـ حؽ وعيو عف السبب الموجب لمعف المسبب لمصمـ والعمى أجابو بقولو منكرا مظيرا لتاء التفعَّؿ إشارة إلى أف المأمور بو صرؼ جميع اليمة إلى التأمؿ "(94)، فربما تحذلؽ المتحذلقوف في بياف سبب ما فعمو الله بالكافريف، وربما وصفوا ىذا الجزاء بأوصاؼ لا تميؽ بالله ومتعمقة بشدة العقاب، فحري بيؤلاء وأمثاليـ أف يستبينوا العمة مف كلبـ الله سبحانو، ففيو شفاء كؿ عِيٍّ . ويمضي السياؽ القرآني في بياف العمؿ التي اقتضت كفر الكافريف وحاليـ في الدنيا ومصيرىـ البائس في الآخرة، فقد بيف قولو تعالى ﭽ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭨ ﭩﮤ ﮥ ﮦ ﮦ ﮨ ﮩﭼ(95)، عمة أخرى مف عمؿ إصرارىـ عمى الكفر وىي تسويؿ الشيطاف ليـ وا غرارىـ، ووجو التناسب نممحو في أمريف: الأول: تجمية سموؾ الكافريف طريؽ الكفر والضلبلة، بؿ إصرارىـ عميو وموتيـ دونو، كما قاؿ الله تعالى في سورة أخرى ﭽ ﮄ ﮅ ﮈ ﮉ ﮂ ﮃ ﭾ ﭿ ﮌﭼ(96). والثاني: يتجمى في قولو تعالى ﭽ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭨ ﭩﮤ ﮥ ﮦ ﮦ ﮨ ﮩﭼ(97)، إذ يوحي ىذا الجزء مف الآية حجـ جُرْمِيـ وكبيرة كفرىـ,وفي الآية السابقة تصوير لحاؿ المنافؽ الذي في أوؿ أمره أبصر النور ,يبدأنو تركو (93) ينظر: نظـ الدرر: 7/170. (94) ينظر: نظـ الدرر: 7/170. (95) سورة محمد , الآية:25 . (96) سورة مريـ , الآية:83. (97) سورة محمد , الآية:25.

عدد الصفحات ٢٤

التَّناسُـبُ ػِـي سـُورَةِ مُحـَمَّدٍ () دِرَاسَةٌ بَلاغِـيَّةٌ تَحِلِيلِيَّةٌ د.أحـمد محمد علي محمد و د.أحـمد يحيى علي محمد 82 وعاد إلى كفره فيؤلاء في موقفيـ كمف رجع القيقرى، فعمى الرغـ مف وضوح اليدى الذي جاء بو رسوؿ الله  ليـ فإنيـ أوغموا في كفرىـ كما فعؿ قوـ نوح في قولو تعالى ﭽ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯤ ﯥ ﯢ ﯣ ﯦ ﯧ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯨ ﯩ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﭼ (98)، وىذا السياؽ استكماؿ لأوصاؼ الكافريف، وعمة أخرى مف عمؿ إعلبف الحرب عمييـ في مستيؿ السورة كما سبؽ ذكره . وثمة نوع آخر مف أنواع التناسب، وىو ذكر النفاؽ وقسـ مف صفات المنافقيف، ومف الجمي وضوح العلبقة بيف الكفر والنفاؽ، ولاسيما أف السورة مدنية وقد عالجت نوعيف مف أنواع العداء لمرسوؿ  ودينو وكلبىما كاف في زماف نزوؿ السورة ومكانيا . فالكػافروف في خارج المديػنة، والمنافقوف بيف ظيراني المؤمنيف، ولكي لا ييمؿ البياف القرآني ذكر صنؼ دوف آخر فقد رأيناه بيف العدويف كمييما، قاؿ الله تعالى ﭽ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯤﯥ ﯢ ﯣ ﯦﭼ(99 )ومف الممفت لمنظر في سياؽ ىذه الآية وما جاورىا أف البياف القرآني يذكر حكما في آية ثـ يذكر عمتو في الآية التي تمييا، إلى جانب ذكر النفاؽ بعد الكفر، مف ذلؾ قولو تعالى: ﭽ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭨ ﭩﮤ ﮥ ﮦ ﮦ ﮨ ﮩ ﭼ(100)،عقَّػب بعد ذلؾ بقولػو تعالػىﭽ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯤﯥ ﯢ ﯣ ﯦ ﭼ (101)، فاسـ الإشارة (ذلؾ) كاف بمثابة بياف لعمة الحكـ، ويظير ىذا السياؽ تشابؾ الكفر مع النفاؽ في سبيؿ محاربة الديف الإسلبمي , واستمرارا ليذا النوع مف الأسموب رأينػا التعبيػر القرآني يذكر جزاء الكافريػف والمنافقيف لحظة موتيـ، قاؿ تعالىﭽﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯨ ﯩ ﭼ(102)، والاستفياـ ىنا لمتيويؿ والوعيد، أي تيويؿ مصيرىـ ووعيدىـ بعذاب الله وىو وحده يعمـ كنيو، وكأننا نرى القرآف (98) سورة نوح , الآيات: 5 -7. (99) سورة محمد , الآية:26. (100) سورة محمد , الآية:25. (101) سورة محمد , الآية:26. (102) سورة محمد , الآية:27.

عدد الصفحات ٢٥

آداب الراػدين– العدد (60 ) 1432هـ/2011م 83 الكريـ يذكر نوع الجزاء لمف كفر ولمف نافؽ مُخْفِياً كفره في زعمو عمى الله تعالى، فكاف الجزاء مف جنس العمؿ، فإذا استطاع أولئؾ التشدؽ بإعلبف عداوتيـ لله ولرسولو، واستطاع أولياؤىـ مف المنافقيف التستر بكفرىـ أماـ المؤمنيف فماذا سيفعموف عندما يعودوف إلى العزيز الحكيـ، وليذا قاؿ الله تعالى ﭽﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯨ ﯩ ﭼ، وىو وجو مف وجوه التناسب الكثيرة . ومف ذلؾ أيضاً قولػو تعالػى ﭽ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﭼ (103)، إذ صدرت الآية باسـ الإشارة (ذلؾ) وىنا جاء بمثابة أداة تعميؿ لحكـ سابؽ ذكر في الآية التي قبميا، وىو بياف لحظات موتيـ وىوليا، إذ تثير ىذه الآية سؤالا حوؿ سبب تعذيب المعرضيف عف اليدى كفارا ومنافقيف، ثـ تأتي الآية التي بعدىا والتي نحف بصدد تحميميا لتجيب عف ىذا السؤاؿ، قاؿ تعالى ﭽ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮﭼ(104 )وكثيراً ما تكرر اسـ الإشارة أداة وصؿ وربط بيف سياقيف (105) . وىذا كمو لكي تظير السورة في أوج سمة مف سمات التناسب، ويطالعنا موضع آخر مف مواضع التناسب في بياف المنافقيف ووعيدىـ، قاؿ تعالى ﭽﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﭑ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪﭼ(106)، فمما كاف السياؽ يتحدث عف أعداء الله ورسولو مف الكافريف والمنافقيف ناسب أف تأتي ىاتاف الآيتاف لتعالج مسألة الإنفاؽ، فمف تجميات التناسب قولو ﭽ ﯸ ﯹ ﯺﭼ، فأضغاف النفاؽ مطمورة في قموبيـ، والله وحده قادر عمى إخراجيا، فالإخراج ناسب الإخفاء، وا راءة الله المنافقيف لرسولو  منسجمةٌ مع النفاؽ الخفي في أثناء صدورىـ وىـ يتخفوف بيف ظيراني المؤمنيف, في قولو تعالى ﭽ ﭬ ﭭ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭼ(107)، وقد جاءت في أعمى (103) سورة محمد , الآية:28. (104) سورة محمد , الآية:27. ( 105) ينظر: دلالات التراكيب , د. محمد محمد أبو موسى/338-339. (106) سورة محمد , الآيتاف:29-30. (107) سورة محمد , الآية:31.

عدد الصفحات ٢٦

التَّناسُـبُ ػِـي سـُورَةِ مُحـَمَّدٍ () دِرَاسَةٌ بَلاغِـيَّةٌ تَحِلِيلِيَّةٌ د.أحـمد محمد علي محمد و د.أحـمد يحيى علي محمد 84 درجات البلبغة مف حيث اقتضاء المقاـ ومناسبة السياؽ، فأما اقتضاء المقاـ ففيو تحذير لممؤمنيف لكي لا يقعوا في شرائؾ النفاؽ، فكـ مف مدع للئيماف نكص عمى عقبيو في أدنى بموى تصيبو، كما قاؿ تعالى ﭽ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭨﭩ ﮤ ﮥ ﮦ ﮦ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮪﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱﭼ(108) ,وأما مناسبة السياؽ فقد مثمت خاتمة حسنى في موضعيا، كما مر ذكره . ولكي لا يبعث الإحباط في نفوس المؤمنيف مف استمرار عداوة أعدائيـ وعظـ مكايدىـ ليـ ولدينيـ الحؽ عمى مر الزماف , رأينا البياف القرآني يختـ سياؽ الحديث عف الكفر والكافريف بقولو تعالى ﭽ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﮀ ﮁ ﮆ ﮇ ﮄ ﮅ ﮈ ﮉ ﮂ ﮃ ﭾ ﭼ(109) وظاىر الأمر أف في سياؽ السورة تكراراً، إذ تكرر ىذا المعنى في أكثر مف موضع منيا, والحؽ أف ىذا ليس تكراراً مجرداً لا يخدـ المعنى، بؿ إف أساليب التكرار في القرآف الكريـ كمو مف النوع المحمود الذي اقتضتو المعاني وتطمبو السياؽ القرآني , ولاسيما وأنو ورد في الأمور الميمة والمعاني التي يحرص القرآف الكريـ عمى أف يبثيا في القموب ويثبتيا في الضمائر (110)، بؿ لا نبتعد عف الصواب إذا قمنا عف ىذا الأسموب إنو تكرار بالمعنى الحرفي وا ف اشتركت الآيات التي ظاىرىا التكرار في المعاني العامة، لكنيا تتمايز عف بعضيا مف حيث دلالاتيا الخاصة التي خدمت السياؽ، كما وجدناه في ىذه السورة وفي ىذا الموضع فاف الآية السابقة جاءت في موضعيا لتزيؿ اليـ عف قموب المؤمنيف الذيف يخشوف عمى دينيـ مف حجـ المكائد واستمرارىا ولتبيف أف ميما تعظـ مكائد الكفار ومساعييـ فاف الله سيحبط أعماليـ، وا ف كاف ىؤلاء الأعداء متخفيف بيف ظيراني المؤمنيف، وىـ المنافقوف، فسيتحقؽ وعد الله لممؤمنيف ووعيده لمكافريف (108) سورة الحج , مف الآية:11 . (109) سورة محمد , الآيتاف:32-33. (110) ينظر: الإعجاز البلبغي –دراسة تحميمية لتراث أىؿ العمـ – , د. محمد محمد أبو موسى/81 .

عدد الصفحات ٢٧

آداب الراػدين– العدد (60 ) 1432هـ/2011م 85 والمنافقيف بإحباط أعماليـ، وىو وجو التناسب الذي جاءت الآية لتجسده في أسموب السورة جميعيا . فضلبً عف كوف ىذه الآية تناسب مف حيث المعنى مطمع السورة واستيلبليا الذي تحدث عف إضلبؿ أعماؿ الكافريف وىو عيف إحباطيا (111) . ومف التقابؿ الذي مثؿ قيمة بلبغية ودلالية ذكر إحباط أعماؿ الكافريف وتحذير المؤمنيف مف أف لا يُحبِطوا أعماليـ وىو أيضاً مف وجوه التناسب المتجمي في السورة، فمما كانت السورة موضحة إضلبؿ أعماؿ الكافريف في موضع وا حباطيا في موضع آخر، وذكرت أسباب ىذه الخاتمة السيئة والمصير الذي سيؤوؿ إليو ىؤلاء الكفار، حذرت المؤمنيف لكي لا يعمموا مف الأفعاؿ ما يبطؿ أعماليـ، وا بطاليا مرتب عمى عدـ إطاعة الله وا طاعة الرسوؿ ، وىذاف الفعلبف ىما سبب إضلبؿ أعماؿ الكافريف كما قاؿ تعالى ﭽ ﭑ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭼ(112)، وثمة وجو آخر مف وجوه التناسب بيف مطمع السورة وبيف خاتمتيا التي استغرقت قولػو تعالػى ﭽ ﮀ ﮁ ﮆ ﮇ ﮄ ﮅ ﮈ ﮉ ﮂ ﮃ ﭾ ﭿ ﮌ ﮍ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭨ ﭩ ﮤ ﮥ ﮦ ﮦ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮪﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯤ ﯥ ﯢ ﯣ ﯦ ﯧ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯨ ﯩ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﮈ ﮉ ﯾﭼ(113) فمف أوجو التناسب بيف الاستيلبؿ والخاتمة حديث الخاتمة عف دعوة المؤمنيف إلى طاعة الله, وطاعة رسولو الكريـ وبيانيا عاقبة الكافريف ومصيرىـ اليالؾ، فضلبً عف دعوة المؤمنيف إلى عدـ الركوف إلى السَّمـ الذي قابمو في مطمع السورة العودة إلى قتاؿ المشركيف(114)، بؿ وفي السورة كميا ومقابمتيا بيف وضع المؤمنيف بالله ورسولو وىـ الأعموف، وبيف حاؿ الكافريف الصاديف عف سبيؿ الله في الدنيا والآخرة، ولكي تحيا دولة الإسلبـ (111) ينظر: التفسير الكبير: 28 /62. (112) سورة محمد , الآيتاف: 1-2 . (113) سورة محمد , الآيات: 33-38. (114) ينظر:تناسؽ الدرر في تناسب السور/ 121.

عدد الصفحات ٢٨

التَّناسُـبُ ػِـي سـُورَةِ مُحـَمَّدٍ () دِرَاسَةٌ بَلاغِـيَّةٌ تَحِلِيلِيَّةٌ د.أحـمد محمد علي محمد و د.أحـمد يحيى علي محمد 86 قوية لابد مف كوف المؤمنيف عمى أىبة الاستعداد لمواجية المكائد التي تحاؾ ضدىـ وىذا كمو يتطمب البذؿ والسخاء للؤمواؿ فضلبً عف الأنفس، وليذا دعاىـ البياف القرآني إلى الإنفاؽ في سبيؿ الله وذـ البخؿ , ومف عجيب بلبغة القرآف الكريـ وجو المناسبة بيف ذكر وصؼ الحياة الدنيا بالميو والمعب , وذكر الأمواؿ التي ستفيض عمى المسمميف, ويوحي ذلؾ بنوع مف التحذير لأفراد المجتمع المؤمف عف انشغاليـ بالأمواؿ التي يمثؿ إقباليا انشغالاً بالدنيا ونعيميا, فيؤدي ذلؾ إلى ركونػيـ إلى السمـ والقعود عف الجيػاد في سبيؿ الله تعالى , وىو ما حذرت السورة منو(115). ومما يلفت النظر في أسلوب السورة تكرارﭽ ﯸ ﯹ ﯺﭼ(116) و ﭽﯧ ﯝﭼ(117) ,وفيو نوع مف التناسب بيف مضاميف السورة , ذلؾ أف قولو تعالى: ﭽ ﯸ ﯹ ﯺﭼ جاء في سياؽ الحديث عف المنافقيف الذيف كانوا يوىموف أنفسيـ أف الله تعالى غير مطمع عمى حقيقتيـ, أما قولو تعالى: ﭽﯧ ﯝﭼ فجاء في سياؽ الحديث عف البخؿ الذي قد يؤدي بصاحبو إلى النفاؽ , كما قاؿ تعالى في سورة التوبة مبينا سبب نفاؽ مف نافؽ : ﭽ ﮅ ﮆ ﮇ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭨ ﭩ ﮤ ﮥ ﮦ ﮦ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮪ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯤ ﯥ ﯢ ﯣﭼ(118) . ويمكف أف نتممس وجياً آخر مف التناسب بيف مطمع السورة وخاتمتيا, فالسورة استُيِمَّت بالحديث عف الكافريف الذيف استبدلوا ديف الله الحؽ بديف باطؿ, في حيف أف السورة خُتمت بتحذير الله تعالى لمف يؤثر الكفر عمى الإيماف ويتولى عف ديف الله بأف يُذىِب الله تعالى بو ويأتي بآخريف يكونوف عمى مراد الله تعالى وىديو , فالاستبداؿ المذكور في أوؿ السورة ناسب الاستبداؿ المذكور في خاتمتيا (115) ينظر: التحرير والتنوير :26/133-135. (116) سورة محمد , مف الآية 29 . (117) سورة محمد , مف الآية 37 . (118) سورة التوبة , الآيات 75-77.

عدد الصفحات ٢٩

آداب الراػدين– العدد (60 ) 1432هـ/2011م 87 والجزاء مف جنس العمؿ (119) ,وفضلبً عف ىذا فإف الله تعالى قضى بإضلبؿ أعماؿ الكافريف وا صلبح أفعاؿ المؤمنيف ومساعييـ في الحياة الدنيا, وفي خاتمة السورة يمكف أف يكوف استبداؿ الكافريف بالمؤمنيف نوعاً مف إضلبؿ الأعماؿ, وا يقاع الوعيد وتحقيقو لمف يصر عمى الكفر. ولكي لا يتوىٌـ واىـ أف الله تعالى محتاج إلى حسنات المحسنيف وعبادة المطيعيف قرر في خاتمة السورة أنو الغني بذاتو سبحانو وغيره مفتقر إليو , فميما يفعؿ الصالحوف مف أعماؿ بر فيي في أوليا وآخرىا ليـ ,وميما يُعص الله تعالى وا ف كاف العباد عمى أفجر قمب رجؿ لا يضره ذلؾ. ومما يمحظ في العلبقة بيف مطمع السورة وخاتمتيا أيضاً أف مطمعيا فصَّؿ بنوع مف التفصيؿ ذكر الصنفيف مف البشر المؤمنيف والكافريف , وبيف جزاءىـ وعاقبتيـ, في حيف أف خاتمة السورة أجممت في ذكر ىذيف الصنفيف, وكأفَّ التعبير القرآنيَّ انتيج أسموب الإجماؿ بعد التفصيؿ, عمى أساس أف المذكوريف ىنا ذُكِروا تفصيلب ىناؾ عف طريؽ ذكر ألفاظ تدؿ عمى نفي المشابية ﭽ ﯺ ﭼ و ﭽ ﮈ ﮉ ﯾ ﭼ فيما مذكوراف للئشارة إلى نوعي بني آدـ عميو السلبـ . المبحث الرابع : التناسب التركيبي لكي يستكمؿ البحث جوانبو التطبيقية لابد مف تناوؿ مفيوـ التناسب في الجانب التركيبي , وقد نبو العمماء إلى مسألة ميمة تتعمؽ بالعلبقة بيف التناسب والتلبؤـ, إذ أطمقوا الأخير عمى وصؼ جماليٍّ يتعمؽ بفصاحة المفردة وفصاحة التراكيب وبلبغتيا ووضعوا شروطا لكي يصح وصؼ الألفاظ بالفصاحة أو التراكيب بالبلبغة و بالتلبؤـ (120). ولذلؾ فإف مصطمح التلبؤـ ألصؽ بالجانب التركيبي و "يمتقي ىذا الوجو مع الفواصؿ والتجانس في أف ثلبثتيا تنظر إلى البناء الصوتي في أسموب القرآف (119) ينظر: نظـ الدرر:7/150 . (120) ينظر: الإيضاح في عموـ البلبغة:1/3-10 .

عدد الصفحات ٣٠

التَّناسُـبُ ػِـي سـُورَةِ مُحـَمَّدٍ () دِرَاسَةٌ بَلاغِـيَّةٌ تَحِلِيلِيَّةٌ د.أحـمد محمد علي محمد و د.أحـمد يحيى علي محمد 88 الكريـ وتمفت إلى ما فيو مف التفوؽ والتأثير "(121) وعلبقتو بالتناسب تمثؿ علبقة الجزء بالكؿ , فكؿ تلبؤـ يمكف أف يوصؼ بالتناسب, إلا أف التناسب يأخذ مدى أوسع ليشمؿ التراكيب والمضاميف , ولذلؾ فقد اعتمدناه في تسمية بحثنا ىذا, كما أشرنا إلى ذلؾ سابقا . ومما يمفت النظر في الجانب التركيبي لمسورة اعتمادىا أسموب التكرار بأنماطو المختمفة , ذلؾ "أف التكرار في القرآف الكريـ أحد عناصر بلبغتو التي تحتاج إلى دراسة مستقمة تتبيف بدقة المعاني التي تكررت والمعاني التي لـ تكرر"(122) وا ف قولنا في وصؼ مثؿ ىذه الظاىرة بالتكرار إنما نعني بو التكرار بمعناه المغوي العاـ , وا لا فإف في القرآف أساليب خاصة فرادتيا مف فرادة ذلؾ الكتاب العزيز المتفرد في جوانبو كميا , وتتحوؿ المعاني المتعددة فيو إلى أجزاء متناسبة تصاغ في كؿ واحد منيا, ولكؿ جزء منيا مكانو الذي لا يصمح فيو غيره , ثـ ىو في ىذا المكاف يميد للبحقو ويردؼ سابقو , في نظاـ وترابط بمغ مف الدقة حداً لا يدركو إلا مف عانى التفسير واجتيد في النظر في مناسبة الآيات(123 )وىذا التفصيؿ ينطبؽ عمى السورة موضوع البحث . والناظر في بنيتيا التركيبية يجد ثمة تراكيب وصيغ وأوزاف تكررت في مواضع مختمفة مف السورة , وسنقتصر عمى بعض مف ىذه الأنماط التي ظاىرىا تكرار , إلا أف ليا في مواضعيا دلالات إضافية جديدة. فمف ذلؾ تكرار بنية الاسـ الموصوؿ مع صمتو ﭽ ﯟ ﯠ ﭼ وما يقابميا ﭽ ﯖ ﯤﭼ إذ تكررت في الآيات:1 ,3 ,4 ,6 ,12 ,34 . ولعؿ مف مسوغات ذلؾ التكرار أف السورة خصصت لمحديث عف صنفي بني آدـ, وىـ المؤمنوف والكافروف وأولياؤىـ مف المنافقيف , وجاء ىذا التكرار ليحقؽ غرضاً دلالياً يخدـ السورة , وفضلبً عف ىذا فإنو أدى وظيفة ىي أقرب إلى جانب الإيقاع المغوي عف طريؽ تكرار بنىً لغوية معينة, وقد ذكرنا سابقاً أف (121) الإعجاز البلبغي/ 152 . (122) الإعجاز البلبغي/82 . (123) ينظر: إعجاز القرآف , أبو بكر الباقلبني 34-38 ,183-184 .

عدد الصفحات ٣١

آداب الراػدين– العدد (60 ) 1432هـ/2011م 89 السورة جاءت بمثابة إعلبف القتاؿ الذي لا ىوادة فيو عمى الكافريف أعداء ا ورسولو صمى الله عميو وسمـ . لذا فقد وجدنا أنماطا لغوية أخرى انسجمت مع ىذا المعنى والغرض في السورة قد تكررت , ومف الميـ في ىذا المقاـ التذكير بالغرض العاـ لمسورة وىو نصر المؤمنيف وا ذلاؿ الكافريف وا ىلبكيـ, ولذلؾ فقد كرر البياف القرآني صيغا لغوية تتناسب مع ىذا الغرض , منيا: (أضؿ أعماليـ), بحؽ الكافريف , فقد تكرر في الآيات: ((1 ,4 ,8)) ,وفضلب عف ىذا فقد تكرر ما يدؿ عمى إضلبؿ أعماؿ الكافريف ﭽ ﯬﭼ أعمالػيـ بصيغة الماضي و ﭽ ﭼ ﭽﭼ المستقبؿ في الآيات:((9, 28 ,32.)) ومما يمحظ عمى التركيب الأخير مقاربتو لدلالة إضلبؿ الأعماؿ , إذ إف مف لوازـ إضلبؿ العمؿ إحباطو وضياعو بعد أف يبذؿ صاحبو الجيد والتعب لانجازه , كما قاؿ تعالى ﭽ ﮅ ﮆ ﮇ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭨ ﭩﭼ(124) , ومما يلحظ في البيان القرآني استعمال الماضيﭽﯬ ﭼ والمضارع ﭽﭼ ﭼ لشموؿ ىذا القضاء الإليي الكوني والشرعي أعماؿ الكافريف التي كانت ولا تزاؿ تحاؾ للئيقاع بالإسلبـ وأىمو وفيو بشارة لممؤمنيف , وليذا فقد وظؼ التعبير القرآني ألفاظاً تحمؿ معنى إضلبؿ العمؿ, وتتناسب مع أجواء السورة التي بينت مصير الكافريف وأعماليـ ومنيا: ﭽ ﯡ ﯨﭼ وﭽ ﮈ ﮉ ﯾﯿ ﭼ ﭽ ﭥ ﭦ ﭧ ﭼ وﭽ ﭻ ﭼ. وليذا رأينا لغة السورة تميؿ إلى توظيؼ أفعاؿ توحي بيذا المعنى وتتلبءـ معو , ولاسيما في حديثيا عف الكافريف , ومنيا: ﭽ ﭿ ﮌﭼ و ﭽﮈ ﮉ ﯾﯿ ﭼ و ﭽ ﯔ ﯕ ﭼ و ﭽ ﮦ ﭼ , وىذا كمو يحقؽ منحىً أسموبياً يتجسد فيو معنى التناسب بأوضح صوره ليخرج التعبير القرآني بنا إلى سمة التلبؤـ التي تحدث عنو البلبغيوف ليصفوا بو نوعاً مف الكلبـ ائتمفت فيو الأصوات مفردة لتؤلؼ لنا ألفاظاً وتراكيب مؤتمفة مع الدلالة المتضمنة والغرض الكمي لمنص (124) سورة الكيؼ , الآيتاف 103-104 .

عدد الصفحات ٣٢