33 فهذا الرجل يفهم بالمقلوب، فابن حجر يقول"إن القائل فيما بلغنا هو الزهري، ومعنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه القصة وهو من بلاغات الزهري، وليس موصولاً، وقال الكرماني: وهو الظاهر"(112). فهذا هو الظاهر وليس تأويلاا فالتأويل يكون للظاهر إلى المعنى البعيد، وليس إلى المتبادر، فهذا الرجل يفهم العبارات بهذه الطريقة، ولا يحسن التفريق بين الظاهر والمؤول، ويأتي ليستدرك، وينقد، فعائشة كانت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتسأله ويحدثها، فلا حاجة بها لتقول بلغنا!، بل الذي قال هذا كما هو الظاهر هو الزهري، ثم إنه صحيح إلى الزهري، فالزهري صح عنه أنه قال بلغنا، وانقطع الإسناد بعده، وهذا يعلمه أهل الحديث ولذا سجله ابن حجر، بأن هذه الزيادة وإن صحت من قول الزهري، فإنها لم تصح مرفوعة، فأي حذلقة وتهويل صنع هذا الرجل؟ (112) فتح الباري، ج82، ص219.
عدد الصفحات ٣٣34 معارضة وكما أن لازمَ الحق حق، فإن لازمَ الباطلِ باطل، وكما قيل: وبضد ها تتميز الأشياء، فيقال لهذا الكاتب: أنت رفضت روايات الصحيح، وسميت من ينبري للدفاع عنها حتى قبل أن تسمع حجته بأنه يعبد البشر، فقلت: "سينبري عبّاد البشر إلى الدفاع عن هذا"(113)،ورميتهم بالإرهاب والغلو والتطرف، وبأن منشأ الجرائم هو روايات الصحيح ونحوه، وشنعت عليهم فقلت: "يقولون بكل وقاحة وجرأة على الله السنة قاضية على الكتاب"(114)،وزعمت "أن الله لم يتكفل إلا بحفظ كتابه الموحى إلى عبده ونبيه ، فيسهل على ذوي النفوس الخبيثة أن تزوّر وتغير في الدين ت حت مسمى السنة، أو الحديث"(115). ولم تقنع بهذا حتى زدت فقلت"نريد المخطوطة الأصلية لصحيح البخاري كما خطتها يمين الشيخ البخاري"(116) . فيقال له: ماذا ستقول لو أن أحداا عارضك بمثل حجتك، وقال لك إن اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري هو: "محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان"(117). (113) صحيحالبخاري نهاية الأسطورة، ص33. (114) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص21. (115) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص21. (116) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص832. (117) صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، دار ابن كثير، دمشق-بيروت، الطبعة الأولى: 2112م، ص942.
عدد الصفحات ٣٤35 وزعم بأن هذا جرى عليه الكذب والتلفيق والتزوير، وأنه لا يأخذ به أبداا، بل لا يأخذ إلا بالقرآن، ثم احتج بأن القرآن لم يذكر إلا اسمه: ﴿م حَم دٌ ر س ول الل ه﴾(118)، فكيف إذا ادعىبأن هناك نبي ا غير محمد: ﴿اسْم ه أَحْمَد ﴾(119)، وأنه غير الأول، وقال إنك تعبد البشر، كونك قلت في مقدمة كتابك: "رسولنا الكريم محمد بن عبد الله"(120)،وسألك: أليست هذه "وقاحة وجرأة على الله، السنة قاضية على الكتاب"(121)، ألستقد رفضت ما ذهبوا إليه من كونهم "حكموا بأن السنة قاضية على الكتاب بمعنى أنها مبينة ومفسرة وحاكمة"؟(122) ثم ألزمك بأنكزعمت بأن الذي تكفل الله بحفظه هو القرآن فحسب، فمن أين لك أنه تكفل بحفظ باسم نبيه وتحديده كاملاا؟ ورماك حينها بأنك تعبد التراث، ورواة الآثار! ثم امتد الأمر أكثر، فقال لك: إذا جرى التزوير على السنة، فلِ مَ لا يكون قد جرى على اللغة؟ فأخرج لنا الصحائف الأصلية للمعلقات، وإلا حكمنا بأنها ملفقة مكذوبة!، فأين هو إمضاء امرئ القيس وعمرو بن كلثوم؟، أليس هذا هو منطقك؟، ولا تستدل عليه بمعنى آية حتى يطالبك بوثيقة موقعة من أصحاب الشواهد اللغوية، وإلا فإن اللغة جميعها جرى تزويرها، فلا يدري الأمر من النهي، ولا الخبر من الاستفهام، حتى تطلعه على مخطوطة أصلية للعرب الأقحاح في كل هذا. ثم يمتد الأمر إلى القتل والقتال، فيقول لك هذا المعارض لك بمثل حجتك، أين في القرآن النهي عن قتل النساء والصبيان؟ أليس فيه: (118) سورة الفتح، الآية29. (119) سورة الصف، الآية3. (121) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص3. (121) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص21. (122) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص21.
عدد الصفحات ٣٥36 ﴿فَاقْت ل وا الْم شْرِكِينَ حَيْث وَجَدت م وه مْ وَخ ذ وه مْ وَاحْص ر وه مْ وَاقْع د وا لَه مْ ك ل مَرْصَدٍ فَإِن تَاب وا وَأَقَام وا الص لاَةَ وَآتَو ا الز كَاةَ فَخَل وا سَبِيلَه مْ ﴾(123). فقال لكبأنه سيقتل الأطفال والنساء، بل حتى من لم يقاتل، ما دام لم يتب ويصلّ ويؤتِ الز كاة، ومتى حاججته بالسنة، قال لك: لا أقبل بغير القرآن بدلاا فلعلها مما تم تزويره ، وقال مثلك بأنها وقاحة أن تجعلها قاضية على القرآن، وقال مثلك بأنه لا يعبد البشر! ولذا فإنه يأخذ بقتل الولدان، وحجته في ذلك، قوله تعالى: ﴿وَأَم ا الْغ لاَم فَكَانَ أَبَوَاه م ؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن ي رْهِقَه مَا ط غْيَاناا وَك فْراا ﴾(124)،بعد قوله تعالى: ﴿حَت ى إِذَا لَقِيَا غ لاَماا فَقَتَلَه ﴾(125). فمن الذي فتح للإرهاب أبواباا مشرعة، وشرع بعِ وار منطقه سوء الفهم لكتاب الله؟ حتى تستحل به المحارم، وتراق به زوراا الدماء، فلا يقدر مبتدعٌ أن يرد على مبتدع على نقيضه، فكيف إذا قال لك بأن من حوله من المسلمين كفارٌ بشهادتك، ألم تقل بأنهم يعبدون البشر، وأنهم سلكوا مسلك الأمم التي ألهت البشر من دون الله، واتخذتهم أرباباا (126)، وزعم بأنه سيضرب عنق كل من لقيه من الكفار! محتجاا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيت م ال ذِي نَ كَفَر وا فَضَرْبَ الر قَابِ ﴾(127)، فتهيج بأقوالك الفتن، ويركب الأغمار خيول الغلو بالتكفير، ولا تنكر عليهم شيئاا، إلا قالوا لك: ما ذنبنا إن لم تلتزم بلوازم كلامك، ولم تدفعه إلى آخر نتائجه المنطقية؟ (123) سورة التوبة، الآية1. (124) سورة الكهف، الآية11. (125) سورة الكهف، الآية34. (126) انظر: صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص881. (127) سورة محمد، الآية4.
عدد الصفحات ٣٦37 أما أهل السنة، فهم أسعد الناس بالرد على أهل البدع والغلو، فيردون عليه بغير ما ابتكرته أنت من قواعد لم تفطن للوازمها، فالقرآن نفسه يأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿يَا أَي هَا ال ذِينَ آمَن وا أَطِيع وا الل هَ وَأَطِيع وا الر س ولَ وَأ ولِي الأَْمْرِ مِنك مْ فَإِن تَنَازَعْت مْ فِي شَيْءٍ فَر د وه إِ لَى الل هِ وَالر س ولِ إِن ك نت مْ ت ؤْمِن ونَ بِالل هِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ ذَ لِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَن تَأْ وِيلاا ﴾(128). وقديماا كتب أحد زعماء الخوارج وهو نجدة بن عامر الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الولدان، فأجابه: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتلهم، وأنت فلا تقتلهم، إلا أن تعلم منهم ما علم صاحب موسى من الغلام الذي قتله"(129). وقوله إلا أن تعلم منهم ما علم صاحب موسى، نقض مسبق عليه ما لو احتج بقصة قتل الغلام، بأنه ق تل لعلم الله بالغيب وهو لا يعلم الغيب، فكيف لو كان نجدة من أمثال هذا الكاتب، لقال حينها لابن عباس: أين هي الأوراق المكتوبة على هذا من عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في منع قتل الولدان؟! أما زعم هذا الكاتب بأن الله حفظ القرآن وحده دون السنّة، لقوله تعالى: ﴿إِن ا نَحْن نَز لْنَا الذ كْرَ وَإِن ا لَه لَحَافِظ ونَ ﴾(130)، فهي حجة قديمة، رد عليها ابن حزم فقال"فإن قال قائل: إنما عنى تعالى بذلك القرآن وحده، فهو الذي ضمن تعالى حفظه لا سائر الوحي الذي ليس قرآنً ا. قلنا له وبالله تعالى التوفيق: هذه دعوى كاذبة مجردة من البرهان، وتخصيص للذكر بلا دليل، وما كان هكذا فهو باطل لقوله تعالى: ﴿وَقَال واْ لَن يَدْخ لَ الْجَن ةَ إِلا مَن كَانَ ه وداا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِي ه مْ ق لْ هَات واْ ب رْهَانَك مْ إِن ك نْت مْ صَادِقِينَ ﴾(131). (128) سورة النساء، الآية19. (129) صحيح مسلم، حديث رقم8182، ص131. (131) سورة الحجر، الآية9. (131) سورة البقرة، الآية888.
عدد الصفحات ٣٧38 فصح أن لا برهان له على دعواه، فليس بصادق فيها، والذكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن أو من سن ة وحي يبين بها القرآن، وأيضاً فإن الله تعالى يقول : ﴿بِالْبَي نَاتِ وَالز ب رِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذ كْرَ لِت بَي نَ لِلن اسِ مَا ن ز لَ إِلَيْهِ مْ وَلَعَل ه مْ يَتَفَك ر ونَ ﴾(132)، فصح أنه صلى الله عليه وسلم مأمور ببيان القرآن للناس. وفي القرآن مجمل كثير كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا نعلم ما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه، لكن بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان بيانه صلى الله عليه وسلم لذلك المجمل غير محفوظ ولا مضمون سلامته مما ليس منه ، فقد بطل الانتفاع بنص القرآن فبطلت أكثر الش رائع المفترضة علينا فيه، فإذا لم ندرِ صحيح مراد الله تعالى منها، فما أخطأ فيه المخطئ أو تعمد فيه الكذب الكاذب، ومعاذ الله من هذا"(133). فحفظ القرآن لازمه حفظ السنة ولغة العرب التي نزل بها، وإلا فلا معنى للحفظ دون أن يقدر أحد على فهمه، والتزام أحكامه، ومعرفة معانيه، قال المعلمي: "تكفله بحفظ القرآن يستلزم تكفله بحفظ بيانه وهو الس نة، وحفظ لسانه وهو العربية، إذ المقصود بقاء الحجة قائمة والهداية باقية بحيث ينالها من طلبها"(134). (132) سورة النحل، الآية44. (133) الإحكام في أصول احكام، علي بن حزم الأندلسي، دار الآفاق الجديدة، بيروت-لبنان، ج8، ص822. (134) الأنوار الكاشفة، ص22.
عدد الصفحات ٣٨39 استنساخ الباحث الحقيقي ليس بذلك الذي يسطو على جهد غيره، ويقوم تارة باستنساخه حرفي ا، وأخرى بالمعنى، بل هو باحثٌ كونه يبحث عن الحق، ومن هنا فهو يبني على جهد من سبقه، فإن ادعى أحدٌ ما دعوى، فإنه يمحص هذه الدعوى، فكيف إذا وقع الرد عليها ومناقشتها، بل وإفحام قائلها؟ ما باله بعدها يستنسخ ما تم تفنيده؟، على هذا النحو استنسخ أيلال محتويات كتاب محمود أبو رية، ولم يلتفت ولو لمرة واحدة إلى من رد عليه، بل كرر الحجج المتهافتة كما هي، دون أدنى تطوير، وسار بنفس الدرب الذي س بق إليه. فتجده يعيد كلام محمود أبو رية في النهي عن كتابة الحديث(135)، ويتجاهل رد المعلمي عليه كأنه غير موجود، ويكرر الحديث عن عدالة الصحابة(136)، ويتحدث عنالرواية بالمعنى(137)، وكلها مما جرت مناقشته، ووقع الرد عليه في كتاب (الأنوار الكاشفة)، ومن الأمثلة على استنساخه من كتاب (أضواء على السنة المحمّدية)، وتلقفه كلماته وكأنها وحي منزل! ، أنه يشنع على رواية البخاري في صحيحه: (كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعيه حين يولد غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب). (135) انظر: أضواء على السنة المحمدية، ص89. (136) انظر: أضواء على السنة المحمدية، ص41. (137) انظر: أضواء على السنة المحمدية،11.
عدد الصفحات ٣٩41 ليقول"هذا الحديث في صحيح البخاري يعتبر من الطوام الكبرى المسيئة للرسول ولدينه، فهو يؤكد عصمة رسول الله عيسى بن مريم عليهما السلام، كما يؤكد على عدم عصمة نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم"(138). فهذا الرجل لو فكر بعقله بدل أن يسلمهإلى سطور محمود أبو رية تعبث به كيفما شاءت لكان أحفظ لماء الوجه وقد طبع كتابا ا باسمه هو، فعلامَ يكرر أفكار غيره؟، فيا ليت شعري بماذا يختلف كلامه هنا عن كلام صاحب الأضواء؟ حيث فهم من الحديث أبو رية التالي: "إقرار الإسلام بأن البشر جميعًا زاغوا وفسدوا، وأنهم مجردون من العصمة، معرضون لاقتراف الخطايا والآثام، بجانب إقراره للمسيح وحده بالعصمة"(139). وقد رد عليه المعلمي فقال "الفضل الذي يعتد به كمالاً تامًا للإنسان هو ما كان بسعيه واجتهاده، ومن هنا كان فضل الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام، أما طعن الشيطان بيده فليس من شأنه أن يثاب العبد على سلامته منه ولا أن يعاقب على وقوعه له، بل إن كان من شأنه أن يورث في نفس الإنسان استعدادًا ما لوسوسته فالذي يناله ذلك ثم يجاهد بسعيه ويخالف الشيطان ويتغلب عليه أولى بالفضل ممن لم ينله"(140). (138) صحيح البخاري نهايةالأسطورة، ص813،813. (139) أضواء على السنة المحمدية، ص819. (141) الأنوار الكاشفة، ص823.
عدد الصفحات ٤٠41 والزعم الكاذب بأنه يطعن في العصمة مردود، يقول المعلمي: "من قال إن النخسة دعاء للشر؟ بل إن كانت للإيلام فقط فذلك من خبث الشيطان مكن منها كما مكن مما أصاب أيوب، وكما يمكن الكفار من قتل المسلمين حتى الأنبياء وذبح أطفالهم"(141). ويقول: "أين يذهب أبو رية من تدلية الشيطان لآدم إلى أن كان ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَعَصَى آدَم رَب ه فَغَوَى ﴾(142)،ومن قول موسى بعد قتله القبطي: ﴿قَالَ هَ ذَا مِنْ عَمَلِ الش يْطَانِ إِن ه عَد و م ضِل م بِ ينٌ * قَالَ رَب إِن ي ظَلَمْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَه إن ه ه وَ الْغَف ور الر حِيم ﴾(143)،وقول أيوب: ﴿أَن ي مَس نِيَ الش يْطَان بِن صْبٍ وَعَذَابٍ ﴾(144)،وقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿خ ذِ الْعَفْوَ وَأْم رْ بِالْع رْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِم ا يَنزَغَن كَ مِنَ الش يْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِالل هِ إِن ه سَمِيعٌ عَ لِيمٌ * إِن ال ذِينَ ات قَوْا إِذَا مَس ه مْ طَائِفٌ م نَ الش يْطَانِ تَذَك ر وا فَإِذَا ه م م بْصِر ونَ ﴾(145). ثم ذكر المؤلف حديث البخاري "ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخً ا من مس الشيطان غير مريم وابنها. ثم يقول أبو هريرة: ﴿وَإِن ي أ عِيذ هَا بِكَ وَذ ر ي تَهَا مِنَ الش يْطَانِ الر جِيمِ ﴾(146). ويشنع الكاتب "فهذا الحديث يلحق مريم وابنها عيسى عليهما السلام بزمرة من لا يمسهم الشيطان، وهذا تطاول على نبينا ما بعده تطاول، وتفضيل مريم الصديقة ورسول الله عيسى على نبي الإسلام"(147). (141) الأنوار الكاشفة، ص821. (142) سورة طه، الآية828. (143) سورة القصص، الآية81،83. (144) سورة ص، الآية48. (145) سورة الأعراف، الآيات899،211،218. (146) سورة آل عمران، الآية: 23. (147) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص813.
عدد الصفحات ٤١42 وقد سبق بيان أنه يلوك كلام غيره دون مراجعة ولا بحث، ويقال لهالمزية لا تقتضي الأفضلية، فمن خص بصفة ولو قيل هو أفضل فيها، لا يلزم منه الأفضلية المطلقة على غيره، في كل شيء، فقد يكون غيره بمجموع صفاته لا جميعها أفضل منه، فـ"الزيادة في صفة من صفات الفضل لا تقتضي الأفضلية المطلقة"(148). وهكذا لو تتبع المرء كلامه، لما وجد ما يستحق من أجله أن يطبع كتاباا مفرداا، واكتفى بقراءة كتاب (الأضواء) والرد عليه (الأنوار)، ولكن الرجل لما يحاول أن يخرج عن كتاب (الأضواء)، فإنه يعلق بسطور غيره، فهو لا يقدر إلا على التقليد الذي يرمي به غيره(149). فقد عقد فصلاا بعنوان (الحديث في القرآن)، زعم فيه أن "الحديث هو مطلق كلام الله المنزل على أنبيائه، وأنه كتاب الله الموحى أيضًا إلى نبين ا محمد صلى الله عليه وسلم"(150)، وساق بعض الآيات التي فيها وصف القرآن بالحديث مثل قوله تعالى: ﴿أَفَبِهَ ذَا الْحَدِيثِ أَنت م م دْهِن ونَ * وَتَجْ عَل ونَ رِزْقَك مْ أَن ك مْ ت كَذ ب ونَ ﴾(151)، وبدأ يشنع على علماء الحديث، فقال: "فلم يتورع هؤلاء على توقير كلمة الحديث التي تم إعطاؤها معنى من لدن الله تعالى، بالإضافة إلى المعنى اللغوي، وهو كلام الله"(152). وهذاالكاتب لا يدري ما ي نسخه بنفسه ، فقد نقل قبل صفحتين عن (لسان العرب) في معنى الحديث: "يطلق على الكلام، قليلة وكثيره لأنه يحدث ويتجدد شيئًا فشيئًا، وجمعه أحاديث"(153). (148) فتح الباري، ج9، ص49. (149) انظرصحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص821. (151) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص821. (151) سورة الواقعة، الآية18،12. (152) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص42. (153) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص48.
عدد الصفحات ٤٢43 فهذه لفظ عربي معروف قبل نزول القرآن، ويطلق على الكلام، فما باله جعل المعنى اللغوي هو كلام الله؟ ثم إن في القرآن إطلاقا ا للحديث على كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَر الن بِي إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاا فَلَ م ا نَب أَتْ بِهِ وَأَظْهَرَه الل ه عَلَيْهِ عَر فَ بَعْضَه وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَم ا نَب أَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَ ذَا قَالَ نَب أَنِيَ الْعَلِيم الْخَبِير ﴾(154). ولكن من أي شيء يستنسخه هذه المرّة؟ إنه يعيد كلمات محمد شحرور، الذي زعم أن مصطلح الحديث هو للقرآن فقط(155)، وقلّده فيه، فهذه هي طريقته، وهذا هو مضمار سباقه. وما قاله لا يفيد النتيجة التي زعمها، فقد قال: "في معظم آيات القرآن جاءت لفظة حديث بمعنى كلام الله"(156)، فيقال بأن ورود لفظبشكل كثير أو غالب لا يجعله حتماا ودائما ا في معنى معين، فالنار ذكرت كثيراا في القرآن على نار الآخرة، ولا يعني هذا عدم جواز إطلاق النار على نار الدنيا، والتشنيع على قائليها! وبعد هذا الاضطراب بأبجديات التفكير السليم، يقول: "لفظة الحديث لها معاني متعددة، منها ما أسلفنا في الآيات السابقة أنها تدل على كلام الله، فهل المشتغلون بالحديث يشتغلون على كلام الله، أم على كلام الرسول وأفعاله وأقواله"(157)! (154) سورة التحريم، الآية2. (155) انظر: القرآن والحديث، محمد شحرور، الأهالي للتوزيع، سورية-دمشق، ص 92. (156) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص42. (157) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص42.
عدد الصفحات ٤٣44 ولا يكف (الباحث) عن النسخ واللصق من المواقع الإلكترونية، والسطو على جهد غيره، وهذه مقارنة بين نصه، وبين مقال لعبد الفتاح ع ساكر، على موقع (أهل القرآن) (158)، بعنوان: (أقدم المخطوطات العربية): الصورة (8) من كتابصحيح البخاري نهاية الأسطورة(159): ويبدأ النص المسروق من العلامة الحمراء الأولى، حتى العلامة الأخيرة، وأصلها من مقال عساكر الصورة (2)، تبين أنه سرق من مقال عساكر دون أيتغيير: (158) رابط الموقع http://www.ahl-alquran.com. (159) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص248.
عدد الصفحات ٤٤45 على أن مقال عساكر، منشور بتاريخ2/4/2113م، وهذا الجزء منه مسروق من مقال لأحمد عبده ماهر فهو كاتبه الأصلي، بعنوان (مخطوطات البخاري في العالم)، نشر على موقع (شباب مصر)(160) بتاريخ81/3/2111م، أي قبله بعامين تقريباا، وكلهم أحال إلى كتاب كوركيس عوّاد، في حين لو رجعنا إلى كتابه، فإن كلامه توزع على صفحتين (882،882)، ولم يكن بمثل هذا الترتيب، فيظهر أن الكتاب لم يرجع إلى الأصل بل اكتفى بنسخ ما ظفر به عن غيره. الصورة (2) لكلام عوّاد، ويظهر الفرق بينها وبين الصورتين السابقتين (161): فهذا الرجل يسرق من غيره،وينسبه إلى نفسه، بكتاب يحمل اسمه. (161) رابط الموقعhttp://www.shbabmisr.com. (161) انظر: أقدم المخطوطات العربية في مكتبات العالم المكتوبة منذ صدر الإسلام حتى سنة111 هـ، كوركيس عواد، وزارة الثقافة والإعلام العراقية، 8912م، ص 882،882، وقد تم دمج الشاهد من الصفحتين سوياا للعرض، وتبدأ الصفحة 882 من قوله: راجع د. عدنان درويش
عدد الصفحات ٤٥46 باحث غير باحث إن المطالع لكتاب (نهاية الأسطورة) يجعله يتساءل أين البحث في الموضوع؟ أم إن كل من ضغط في مربع بحث جوجل على كلمة (ابحث) صار اسمه باحثاا؟ فعلى هذا ما أكثر الباحثين، وهذا الكاتب يلقي الكمات دون تدقيق، ولا تحقيق ولا مراجعة، ويكفي أنه يحسبها أنها تصب في رؤيته ليستنسخها في كتابه، ولذا تجده يقول: "إن الحافظ الذهبي اتهم البخاري بالتدليس في حيث قال في سير أعلام النبلاء، عند تعداد الرواة عن الذهلي ما نصه: روى عنه خلائق منهم .... محمد بن إسماعيل البخاري، ويدلّسه كثيرًا !!!، لا يقول: محمد بن يحيى!! بل يقول محمد فقط!! أو محمد بن خالد!! أو محمد بن عبد الله، ينسبه إلى جده، ويعمّي اسمه، لمكان الواقع بينهما!!! غفر الله لهما"(162). وعلامات التعجب من هذا الكاتب،وكأنه ظفر بما لم يظفر به أحد، فيقال له: التدليس الذي قصده هنا الذهبي ليس هو التدليس الذي يقدح في الرواية، ويجعل صاحبها مدلساا وفق اصطلاح المحدّثين، فيقولون في المدلس : "سمي بذلك لكون الراوي لم يسمّ من حدثه، وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدّثه به "(163). (162) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص18. (163) نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: عبد الله بن ضيف الله الرحيلي، الطبعة الأولى: 2118م، ص812.
عدد الصفحات ٤٦47 ومن التدليس ما يسمّى تدليس الشيوخ، وهو "أن يصف شيخه بما لم يشتهر به، من اسم أو لقب أو كنية أو نسبة إيهامًا للتكثير غالبًا، وقد يفعل ذلك لضعف شيخه "(164). والبخاري لم يفعل هذا ليستكثر، فشيوخه كثر، وليس الذهلي بضعيف حتى ي خشى من هذا، ولم يوهم أنه سمع حديثاا ليس منه، فلا تشنيع في كل هذا وليس هو التدليس الاصطلاحي، وإنما كان هذا لما بين البخاري والذهلي، وهذا وإن ذكره الكاتب في سياق ذم، فهو المدح على التحقيق، حيث إن البخاري وإن أخطأ عليه الذهلي، ورماه بما ليس فيه، فإن البخاري لم يسقط رواية الذهلي لحق نفسه، وكان قادراا أن يرميه بالضعف، ف علم أن هذا الكاتب لا يدري ما ينقله، حيث إنه ينقل واحدة من مناقب البخاري من حيث لا يريد. وليستكثر القدح بالبخاري قال: "إن بعضهم اتهم البخاري في عقيدته ونسب إليه قولاً يفيد أن القرآن مخلوق بلفظه "(165). مع أنها هي قصته مع الذهلي،لكنه أراد استكثار الطعون، ومفادها: أن البخاري قال بأن أفعال العباد حركاتهم وأصواتهم وكتابتهم مخلوقة(166)، ففهم منه الذهلي أنه يقصدبأن القرآن مخلوق إذ هم يقرأونه، فاتهمه(167)،ولو كان هذا الباحث منصفاا، لحاول أن يبحث في هذا التهمة ويعرف الحق فيها بدل أن يردد كل كلامٍ قيل، ولما يكون المبحث نقيض هواه يصيح بأنهم ليسوا معصومين، فإن حسب أنه يمكنه الاستفادة مما نقله عنهم ولو كان الخطأ فيه واضحاا ، نقله ولم يبحث بصحة كلامهم من عدمه، وإلا فقد كان بإمكانه أن يرجع إلى كتاب البخاري المفرد في بيان موقفه من هذه المسألة، (164) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: عاصم بن عبد الله القريوتي، مكتبة المنار، الزرقاء-الأردن، ص83. (165) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص18. (166) انظر: سير أعلام النبلاء، ج82، ص411. (167) انظر: سير أعلامالنبلاء، ج82، ص413.
عدد الصفحات ٤٧48 وهو كتاب (خلق أفعال العباد)، الذي لم يكلف هذا الكاتب أن يرجع إليه في كتابه ولو مرة واحدة، بل اكتفى بنقل الاتهامات دون تحقيق ولا تمحيص، يقول البخاري فيه عن القرآن: "ما قرئ وح فظ وك تب ليس بمخلوق "(168). وعليه فيكون الذهلي فهم مقصده خطأ، فتهمته غير صحيحة، ورغم أنه أخطأ على البخاري إ أن البخاري لم يترك روايته، لأن الحق كان عندهم فوق كل إنسان، وإنما لم يكن يسميه باسمه كاملاا لثقل ما ناله من ذلك الاتهام، ولا يغش سامع الرواية في هذا أبداا، فإن كان السامع عالماا فهو يعل م أنه يرويه عن الذهلي، وإلا فالراوي ثقة، لم يضعفه لأنه اتهمه خطأا . لكنه لم يكتفِ بهذا بل عقد فصلاا مستقلاا فيما بعد، بعنوان ( البخاري مجروح ومتروك الحديث) وذكر فيه أن ابن أبي حاتم وأبا زرعة تركا حديثه "بعدما كتب إليهما محمد بن يحيى أنه أظهر عندهم بنيسابور أن لفظه بالقرآن مخلوق"(169). فرجلان عملا بتصديق خبر ثبت أنه خطأ، لا يعتبر تركهما له صحيحاا، بل ما ينقله حجة عليه، فوقع ترك روايته بعد أن بلغهما كلام محمد بن يحيى الذهلي فيه، وعلى هذا فمتى سقطت صحة كلام الذهلي؛ سقط الترك رأساا، ف من رمى شخصا ا بتهمة ورتب أثرا ا على هذا، متى سقطت التهمة بعين التحقيق لم يعد للأثر من مسو غ، ومن تمسك بأثر تهمة ساقطة فإنما يتمسك بنتيجة لا مقدمة لها. (168) خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، دار عكاظ، جدة-الرياض، الطبعة الثانية، ص 883. (169) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص841.
عدد الصفحات ٤٨