17 وحتى يظهر إلى أي درجة لم يتعلم المؤلف الدرس، كرر نفس الآثار التي رد عليها المعلّمي من قبل دون أي تغيير، فقال: "ورد في طبقات ابن سعد: أن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها"(53). وفرح بهذا الأثر، ليكرر "إن عمر بن الخطاب قام بحرق نسخ الحديث المكتوبة بعد جمعهً ا"(54). وهذا الأثرنقله أبو رية قبلَ ه(55)، ولو كان هذا الرجل طالباا للحق لرجع إلى رد المعلمي، حيث إن هذا الأثر سنده: عن عبد الله بن العلاء قال: سألت أبي القاسم بن محمد أن يملي عليّ أحاديث فقال: إن الأحاديث كثرت على عهد عمر ... فساق الأثر قال المعلمي عقبه: "هذا منقطع أيضًا إنما ولد القاسم بعد وفاة عمر ببضع عشرة سنة"(56)، فهذا الأثر لا يصح، فلم تستدل به؟ أما فرحه بمراسيل ابن أبي مليكة، فقد أجاب المعلمي على نفس الأثر: "لا ندري ما سنده إلى ابن أبي مليكة، وبيّن الذهبي أنه مرسل أي منقطع، لأن ابن أبي مليكة لم يدرك أبا بكر ولا كاد، ومثل ذلك ليس بحجّة، إذ لا ي درى ممن سمعه "(57). (53) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص81. (54) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص21. (55) انظر: أضواء على السنة المحمدية، ص28. (56) الأنوار الكاشفة لما في كتاب"أضواء على السنة" من الزلل والتضليل والمجازفة، عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، عالم الكتب-بيروت، ص29. (57) الأنوار الكاشفة، ص12.
عدد الصفحات ١٧18 فهذا فحسب في أول صفحة من كتابه! ثم بعد ذا بصفحتين قال: "وهنا ارتأيت أن أنقل لكم ما أورده المفكر المصري محمود أبو رية رحمه الله في كتابه (أضواء على السنة المحمدية)"(58)،فيقال له: ها أنت كنت قادراا أن تنسب كلام محمود أبو رية إليه، ولكنك أخفيت مصدره أول الأمر، لتتشبعَ بما لم تعطَ ، ولماذا لم تشر إلى من رد عليه مرةا واحدة؟ فهل جهلت ردّ المعلّمي عليه؟ وأنت يفترض أنك جَ هِ دت سنواتٍ في البحث والتنقيب، كما جاء هذا الزعم في تقديم الكتاب! وحتى لا يطول الحديث ويتشعب، وحتى لا يقال في الرد على هذا الرجل بما ليس له أصلاا ، يمكن للقارئ أن يرجع إلى رد المعلمي المذكور، على محمود أبو رية، وكتابه، فقد وفى بالمطلوب وزيادة. (58) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص89.
عدد الصفحات ١٨19 إرهاب فكري، وتكفير عمد المؤلف إلى استعمال أساليب غير علمية، ومن بين تلك الأساليب رمي المخالفين له بالتهم الجاهزة، فيقول: "ما داعش التي نبتت بين ظهرانينا إلا نتاج هذه المرويات المنسوبة لرسول الله زورًا وبهتانًا "(59). "من هنا جاءت داعش، وجاءت كل التصورات الإرهابية، من هذا الموروث الديني"(60). وبقي يكرر هذه الاسطوانة مراراا "ما أسس الفكر الإرهابي المدمر، إلا مرويات تناقلتها كتب التراث، ومنها صحيح البخاري"(61). وهو يريد بهذا إرهاب غيره فحسب، بأن من لم يوافق آراءه فهو إرهابي، وبذا يجر الحوار العلمي إلى تهم جاهزة بحق المخالفين، فهل بهذه الطريقة يكون البحث؟ ولما سلك هذا المسلك، حق لنا أن نسأل، من الذي يرفع على رؤوس الناس سيف التكفير بالهوى والباطل والزور؟ فصحيح البخاري الذي يتبعه أكثر المسلمين، لم يجد الكاتب حرجاا في وصفه لأحاديثه بقوله: " المئات منها تحمل بكوارث خطيرة، فمنها ما تسيء إلى مقام الألوهية، ومنها ما تسيء إلى مقام النبوة"(62). ويقول"السؤال الذي طرحناه لإسقاط أسطورة صحيح البخاري من برجها المبني على خرافة تقديس الرجال، ورفعهم إلى مكانة الأنبياء"(63). (59) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص21. (61) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص818. (61) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص21. (62) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص1. (63) صحيح البخاري نهايةالأسطورة، ص9.
عدد الصفحات ١٩21 ويقول"شخصية محمد بن إسماعيل البخاري لما حملته من ملامح جعلت البعض يغالي فيها ليرفعها إلى مقام الأنبياء أو أكثر "(64). ولكن من الذي قالإن البخاري في مقام الأنبياء من كل المسلمين؟ فكيف بأعلى من الأنبياء؟ إن الكاتب يبين كيفية استنباطه لهذا الاتهام، ويوضّح أنه لما سمعهم يقولون: إن البخاري صحيح، فإنه فهم أن في هذا إساءة منهم إلى مقام الألوهية! إذ الكتاب الكامل لا يكون إلا من الكامل، فقال: " الكامل لا يصدر إلا عن كامل، وبالتالي فالشيخ البخاري هو إنسان كامل، ولا يجري عليه الذي يجري على آدم وعلى أنبياء الله ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فالبخاري أكمل من الجميع وينازع الله في صفة الكمال"(65). علىهذه الطريقة من وضع له معلّمه درجة كاملة في تصحيحه لامتحانه لتفوّ ق الطالب فإنه ينازع الله في صفة الكمال!، وإذا نادى مظلوم بكامل حقوقه؟ فهو ينازع الله في صفة الكمال لأن الكامل لا يصدر إلا عن كامل!، ومن وضع كتاباا صحيحاا للطلاب، يقال له: كفرت! لأنك نازعت الله في الكمال. ومن ألزم غيره بقانونه ما ظلمه، فعلى هذا على رشيد أيلال أن يقر بأن الخطأ لازم كل صفحة من كتابه وأنه أخطأ، وسها، وغفل، في كل سطر من كتابه، بل في كل جملة فيه فإنها لم تكن كاملة، وأن الص واب جانبها حتى لا يدّ عي الكمال-والعياذ بالله-وإلا فقد ادعى ما لا يليق بالبشر، وزعم فيه صفة كمال لا تصدر إلا عن الله. وبذا يذكرنا بأهل السفسطة القدامى، حين اعتمد بعض هؤلاء على مقالة هرقليطس الأفسسي بأن الأشياء كلّها في جريان دائم، حين قال: "لا يمكنك أن تنزل مرتين في النهر نفسه، لأن مياهًا (64) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص34. (65) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص19.
عدد الصفحات ٢٠21 جديدة تغمرك ب استمرار"(66)، ودفعوا بهذه المقالة إلى حدودها القصوى، من أمثال أقراطيلوس وتلامذته، فأنكروا أن يكون ثمة وجود لشيء مستقر، حتى إنهم ترفعوا عن كل نقاش، بل عن كل كلام، بحجة أن النقاش يحوي افتراضاا بثبات الأشياء التي يدور حولها الكلام (67)، وكذلك الحال مع هذا الكاتب، فعليه أ نْ لا يزعمَ الصواب بأي كلمة يق ولها، حتى لا يدعي الكمال، فيقع في المحظور. وإلا فما ذكره في هذا تخليط، فالكمال العلمي البشريّ في كتاب ليس هو الكمال الإلهي الذي لا يماثله شيء في الوجود! وفي كلامه مغالطة منطقية، حيث إن قوله: "الكامل لا يصدر إلا عن كامل"، لا ينتج منه أن من كان كتابه كاملاا كان هو إذن كاملاا، وذلك أن القول بأن كل كامل لا يصدر منه إلا قول كامل، لا يساوي أن كل قول كامل لا يصدر إلا من كامل، "فإن قولك كل إنسان حيوان، لا يلزم منه عكسٌ عام، وهو أن كل حيوان إنسان"(68). ويتندر الغزالي بمن يقع بمثل هذه المغالطة فيقول: "ولا يستولي الشيطان بحيل ته على الضعفاء أشد من إيهام العكس العام حتى ينتهي إلى المحسوسات، حتى إن من رأى حبلاً أسود مبرقش اللون، يرتاع منه لشبهه بالحيّة، وسببه معرفته أن كل حيّة فطويل مبرقش اللون، فيسبق وهمه إلى عكسه العام، ويحكم بأن كل طويل مبرقش اللون فهو حيّة"(69). (66) تاريخ الفلسفة، أميل برهييه، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت–لبنان، الطبعة الثانية: 8913م، ج 8، ص33. (67) انظر: تاريخ الفلسفة، أميلبرهييه، ج 8، ص39. (68) القسطاس المستقيم، أبو حامد الغزالي، تحقيق: فيكتور شلحت، دار المشرق، بيروت-لبنان، 8912، ص31. (69) القسطاس المستقيم، ص31.
عدد الصفحات ٢١22 فالكاتب يبيع ما يسبق إلىأوهامه، فهذا حال الرجل الذي يتبجح بـ "الاحتكام إلى العقل والمنطق السليم"(70)! ويخلطالكاتب بين قولنا البشر غير معصومين، وبين تحقق الخطأ فيهم، فالإنسان يمكن أن يخطئ، ولا يلزم من هذا أن يكون مخطئاا، وإلا صار للمحكمة الحق أن تصدر أحكامها على أي بريء، كونه غير معصوم! ولكن ماذا يقصد بقوله عن خصومه إن البخاري عندهم أكمل من الجميع وأنه ينازع الله في صفة الكمال؟ بما أنه مغرم بالمقارنة مع داعش، أليس يقصد به: "شرك الأنداد، وهو إثبات صفات الله تعالى للمخلوقين"؟(71)، كما هي العبارة التي سطرها التنظيم في أحد كتبه المنشورة! فها هو يتفق معهم في هذا، بل ويزيد ليرمي من خالفه بل من سيدافع مستقبلاا عما يطعن هو به من أحاديث بقوله: "سينبري عبّاد البشر إلى الدفاع عن هذا"(72)، فها هو يسميمخالفيه بعباد البشر، لا أنهم يعبدون الله وحده، أليس هذا هو التكفير؟ وانظر ماذا يصف المخالفين له بقوله: " قداسة الأشخاص حيث تم رفعهم إلى مقامات أعلى من مقامات النبوة والرسالة، وحق فينا ما حق في الأمم السابقة، التي ألهت البشر من دون الله، واتخذتهم أربابًا" (73). (71) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص9. (71) شرك الطاعة، أبو صهيب العراقي، المكتب الإعلامي، الدولة الإسلامية في العراق والشام، ولاية نينوى، ص9. (72) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص33. (73) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص881.
عدد الصفحات ٢٢23 فهذا لا علاقة له بالبح ث العلمي، إنما له نَفَس إرهاب للخصوم، وتكفيرهم، بهذه الحجج الخطابيّ ة، لمحاولة التأثير على نفسيّ ة القارئ، ولذا كان الكتاب بيع وهم، يلعب على وتر التخجيل، والإرهاب، والتدليس.
عدد الصفحات ٢٣24 فهمبالمقلوب الفهم بالمقلوب كان رفيقاا أميناا لسطور المؤلف، فهو صديقها الوفيّ، ويبلغ الأمر بهذا الرجل أن يقلب الأمور تماماا، ففي إسراعه إلى نصرة هواه يقول عن ابن حَ جَ ر: "يستشهد بقول المديني شيخ البخاري: "دعوا قوله فإنه ما رأى مثل نفسه" وهذا القول وإن كان ورد من ابن حجر في سياق المدح إلا أن المتمعن فيه يجده ذمًا صريحًا للبخاري، واتهامه من شيخه بأنه كان لا يرى إلا نفسه، لكن العقول تطمس في مثل هاته المناسبات لترى الذم مدحًا، على رغم أنف اللغة، وعلى رغم أنف العقل"(74). فبهذا التبجح بالعقل واللغة، لم ينقل السياق كما هو، لو كان يتعامل باحترام مع القارئ على أقل تقدير، وها هو السياق: "علي بن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث وعنه أخذ البخاري ذلك حتى كان يقول ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني ومع ذلك فكان علي بن المديني إذا بلغه ذلك عن البخاري يقول دعوا قوله فإنه ما رأى مثل نفسه"(75). فالبخاري كانيثني على ابن المديني ويهضم من حق نفسه بجانبه، فيقول ابن المديني: دعوا قوله في استصغاره لنفسه، فهو لم ير مثل نفسه، يعني في العلم والإتقان، وإن كان يقول غير ذلك تواضعاا. (74) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص91. (75) هدي الساري مقدّمة فتح الباري، علي بن أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب، دار الكتب السلفية، ص243.
عدد الصفحات ٢٤25 فهذا صريح أنه يعني أن البخاري أفضل منه، وهذه الصيغة مشهورة متكررة في كتب الرجال، مما دفع بعض المصنفين لإيرادها في كتابه فقال: "فرق بين قول أحدهم ما رأيت مثل فلان، وقوله: ما رأى فلان مثل نفسه، القول الثاني أعلى في المدح لأن الذي يقال فيه ما رأى مثل نفسه الظاهر أنه رحّال مجتهد لقي المشايخ فأكثر وناظر أهل العلم فظهر تفوقه عليهم، ومن ناحية أخرى من قال: فلان ما رأى مثل نفسه، يدخل في جملتهم القائل وأنه بهذه الكلمة يفضّله على الناس جميعًا وعلى نفسه "(76). وذكر أمثلة على هذا كالقول في سفيان الثوري: ما رأى مثل نفسه، وقول الحاكم في الدارقطني مثل هذا(77). فلعله الكاتبيحسب أن هذه الكلمة تماثل ما جاء في تقديم الناشر له ولكتابه: "المؤلف لم يأتِ بشيء من عنده"، فهي وإن كان مقصدها المدح، إلا أن سطوره حملتها على الذم دون أدنى تأويل. بل إن من لا يفهم العبارة السابقة يبلغ به الأمر أن يقول: "الشيخ البخاري ذو أصل فارسي فاللغة العربية ليست لغته الأصلية"(78). والواقع أن جد أبيه أسلم(79)، وأبوه إسماعيل بن إبراهيم طلب العلم، والعلم في تلك الفترة يطلق على العلوم الشرعية وآلاتها وأهمها العربية ، وقد نشأ البخاري يتيماا، وانهمك في طلب العلم صغيراا، حتى صنّف وحدّث وما في وجهه شعرة (80)، وإذا كانت لغة المعارف في تلك الأزمان هي (76) شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل، مصطفى بن إسماعيل، تقديم: مقبل بن هادي الوادعي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، الطبعة الأولى: 8998م، ج8، ص434. (77) شفاء العليل، ج8،434. (78) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص834. (79) سير أعلام النبلاء، الذهبي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، صالح السمر، مؤسسة الرسالة، بيروت-لبنان، الطبعة الحادية عشرة: 8993م، ج82، ص292. (81) انظرتذكرة الحفاظ، الذهبي، حققه: عبد الرحمن المعلمي، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، ج2، ص111.
عدد الصفحات ٢٥26 العربية، فكيف بالعلوم الدينية، فكيف بواحد من أخصها، وهو علم الحديث، فكيف بمن يحدث ويصنف فيه باكراا؟ والكاتب يغفل عن سيبويه "إمام النحو، ح جّة العرب، أبو بشرٍ، عمرو بن عثمان بن قنبر، الفارسيّ "(81). بل إن توجه سيبويه للنحو كان بعد توجهه إلى طلب الحديث، ومبدأ ذلك أنه طلب الحديث على حماد بن سلمة، وبينما هو يستملي، إذ بحماد يقول: "ليس أبا الدرداء"، فقال سيبويه: ليس أبو الدرداء، وظنه اسم ليس، فقال حمّاد: لحنت يا سيبويه، ليس هذا حيث ذهبت، وإنما ليس هنا استثناء، ومن هنا طلب سيبويه النحو ولزم الخليل فبرع(82). فانظر كيف كان درس الحديثتصحيحاا للّ سان وإبعاداا له عن اللحن، ومن هنا توجه سيبويه إلى النحو حتى برع فيه، فكيف بالبخاري وهو الذي أفنى حياته بالطلب، والأخذ عن الشيوخ. ومن الأمثلة على فهمه بالمقلوب، تشنيعه البالغ على من قال: السنة قاضية على القرآن، فبدأ بالتشنيع كعادته: "من يقرأ هذا العنوان سيصاب بالدهشة في أول وهلة"(83)،فما معنى هذه العبارة؟ قال: "بمعنى إذا وجدت نصًّ ا يتعارض جم لة وتفصيلاً مع القرآن، فالحديث هنا قاضٍ على القرآن"(84). (81) سير أعلام النبلاء، الذهبي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، نذير حمدان، ج1، ص218. (82) انظر مقدمة: عبد السلام محمد هارون، لكتاب سيبويه، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الثالثة: 8991، ج8، ص3. (83) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص23. (84) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص23.
عدد الصفحات ٢٦27 وهذا كذب بارد فلا أحد قال بهذا من أهل العلم ، فمن علامات الحديث الموضوع عندهم "مخالفة الحديث صريح القرآن"(85)، وعندها لا يكون الحديث من السنة أصلاا، ولذا من علامات الحديث الموضوع أيضاا "مناقضة الحديث لما جاءت به السنة مناقضة بيّنة"(86). وهنا يقال: أي حديث هذا الذي خالف صريح القرآن بنظرك، حتى نرى هل هويناقضه بحق، أم أنك لست أهلاا لتقضي في هذه الأبواب ؟ لم يذكر إلا مثالين فقال أحدهما حديث ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى". وعلق قائلاا : "هذا الحديث يخالف جملة وتفصيلاً قوله تعالى : ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الد ينِ قَد ت بَ ي نَ الر شْد مِنَ الْغَي فمن يَكْف رْ بِالط اغ وتِ وَي ؤْمِن بِالل هِ فَ قَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْع رْوَةِ الْو ثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَ الل ه سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾(87)"(88)،وذكر قوله تعالى: ﴿وَق لِ الْحَق مِن ر ب ك مْ فَمَن شَاءَ فَلْي ؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْف رْ إِن ا أَعْتَدْنَا لِلظ الِ مِينَ نَاراا أَحَاطَ بِهِمْ س رَادِق هَا ﴾(89)، وقوله تعالى﴿وَ لَوْ شَاءَ رَب كَ لآَمَنَ مَن فِي الأَْرْضِ ك ل ه مْ جَمِيعاا أَفَأَنتَ ت كْ رِه الن اسَ حَت ى يَك ون وا م ؤْمِنِينَ ﴾(90). ثم قال: "هؤلاء يضربون بهاته الآيات عرض الحائط ويقولون لك بكل وقاحة وجرأة على الله، السنة قاضية على الكتاب، ويبقى حكم الحديث هو النافذ، ويتجلى في قتال الناس حتى يشهدوا أن (85) المنار المنيف في الصحيح والضعيف، محمد بن قيم الجوزية، تحقيق: يحيى بن عبد الله الثمالي، دار عالم الفوائد، مكة، الطبعة الأولى: 8421هـ، ص34. (86) المنار المنيف، ص23. (87) سورة البقرة، الآية: 213. (88) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص23. (89) سورة الكهف، الآية29. (91) سورة يونس، الآية99.
عدد الصفحات ٢٧28 لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله... الحديث، أما أنا فأقول وقلبي مطمئن بأن هذا الكلام لم يفه به رسول الله الذي كان خلقه القرآن، والذي قال عنه الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةا ل لْعَالَمِيَ ن﴾(91)"(92). فيقال: هذا الرجل يرفض أن يتحاكم الناس إلى نصوص صحيح البخاري المرفوعة، ثم ها هو يريد الناس أن تتحاكم إلى اطمئنان قلبه إلى نفي الأحاديث! وهذا الحديث لا يخالف صريح القرآن بل يوافق صريح القرآن، وإنما أ تيت من جهلك فلم تقنع به، حتى زدت عليه اتهام غيرك بالوقاحة، والجرأة على الله، وبيان ذلك أن الحديث يقول: "أمرت أن أقاتل"، وهذا الرجل الذي يتبجح بالحديث عن لغة البخاري لم يفرّق بين القتل، والقتال، يقول ابن دقيق العيد: "فرق بين المقاتلة على الشيء والقتل عليه، فإن المقاتلة مفاعلة، تقتضي الحصول من الجانبين"(93). فهنا المقاتلة تكون من جانبين، وليس قتله لأنه لم يؤمن،بل "هو ذكرٌ للغاية التي يباح ق تالهم إليها، بحيث إذا فعلوها حرم قتالهم. والمعنى: أني لم أؤمر بالقتال إلا إلى هذه الغاية. ليس المراد: أني أمرت أن أقاتل كل أحد إلى هذه الغاية، فإن هذا خلاف النص والإجماع. فإنه لم يفعل هذا قط، بل كانت سيرته أن من سالمه لم يقاتله"(94). (91) سورة الأنبياء، الآية: 811. (92) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص21. (93) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، تقي الدين ابن دقيق العيد، تحقيق: محمد حامد الفقي، أحمد محمد شاكر أبو الأشبال، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، 8912، ج2، ص221. (94) قاعدة مختصرة في قتال الكفار ومهادنتهم وتحريم قتلهم لمجرد كفرهم، أحمد بن تيمية، حققه: عبد العزيز بن عبد الله آل حمد، الطبعة الأولى: 2114م، ص91،93.
عدد الصفحات ٢٨29 وهذا مثله في القرآن صريحاا، قال تعالى: ﴿قَاتِل وا ال ذِينَ لاَ ي ؤْمِن ونَ بِالل هِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ وَلاَ ي حَر م ونَ مَا حَر مَ الل ه وَرَس ول ه وَلاَ يَدِين ونَ دِينَ الْحَق مِنَ ال ذِينَ أ وت وا الْكِتَابَ حَت ى ي عْط وا الْجِزْ يَ ةَ عَن يَدٍ وَه مْ صَاغِر ونَ ﴾(95)، فها هو قال قاتلوا الذين لا يؤمنون، وذكر الغاية التي يباح قتالهم إليها، وهي هنا الجزية، وفي آية أخرى من نفس السورة قال: ﴿فَإِن تَاب وا وَأَقَام وا الص لاَةَ وَآتَو ا الز كَاةَ فَإِخْوَان ك مْ فِي الد ينِ ﴾(96)، فجعله الإسلام، فهذه صريح في موافقة دلالة الحديث نفسه. ولكنه بطريقته تلك يأخذ بب عض ويتر ك البعض، ويزعم أن خصومته فحسب مع الأحاديث المخالفة للقرآن، فإذا كانت متفقة مع التنزيل تجده يجمجم، ولا يصرح، ولو كان ساعيا ا لتقرير حكم القرآن، لذكر أو أشار إلى ما يخالف كلامه من آيات، لكنه لم يفعل ذلك ولو مرة في كل كتابه. مع التنبيه أن قوله تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْي ؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْف رْ ﴾(97)، ليس في سياق عدم الإكراه، وإن كانت الآيات والأحاديث في منع إكراه الناس على الإيمان مسلّمة، إلا أن الاستدلال بهذه الآية بخصوصها عليه لا يصح، فـ" ظاهر هذه الآية أنها أوجبت الزجر والردع والتقريع لا أنها واردة إذنً ا بالفعل، ألا ترى إلى ما هو منوط من قوله عز وجل: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْي ؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْف رْ إِن ا أَعْ تَدْنَا لِلظ الِمِينَ نَاراا أَحَاطَ بِهِمْ س رَادِق هَا ﴾(98)،وهو إفزاع وإرهاب وارتداع عن الكفر"(99). وهذاالرجل لا خ طة له يمشي عليها، فتارة ينفي الحديث الذي في البخاري، وأخرى في مسلم، وتارة أخرى يتندر بالحديث بلا قيد ويسميه خرافة، وتارة لمّا يذكر موطأ مالك يمر وكأنه لا يتحدث (95) سورة التوبة، الآية29. (96) سورة التوبة، الآية88. (97) سورة الكهف، الآية29. (98) سورة الكهف، الآية29. (99) تهذيب الأجوبة،الحسن بن حامد، حققه وعلق عليه: صبحي السامرائي، عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية، الطبعة الأولى 8411 هـ-8911م، ص822.
عدد الصفحات ٢٩31 عن الموطأ بل عن غيره(100)، وهذا الحديث"أمرت أن أقاتل الناس"، قد رواه أيضاا مالك بن أنس، كما في نسخة ابن وهب، وهي تبدأ بقوله:" أخبرنا مالك عن أبي الزناد، وعن الأعرج، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله... الحديث"(101)، ويوجد هذا الحديث أيضاا في موطأ ابن قاسم (102). ومن تناقضات هذا الكاتب، أنه قال في سياق اعتراضه على حديث في صحيح البخاري فقال: "من المعلوم من ديننا، وكما تواتر عن نبينا، أن النوم من نواقض الوضوء"(103)، والواقع أن حديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله"، متواتر روي عن رسول الله من تسعة عشر نفساا (104)، فيحين أن النوم من نواقض الوضوء، ليس من الحديث المتواتر. أما المثال الثاني الذي زعم أنه يخالف صريح القرآن، فلم يكن من صحيح البخاري، بل كان من صحيح مسلم، وهذا يبين أنه لا يوجد أي منهج في هذا الكتاب فمع أن العنوان في البخاري، إلا أنه يقفز كل حين هنا وهناك، فالمهم عنده هو الاعتراض، وقديماا قال البلقيني: " الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض"(105). (111) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص828. (111) مقدمة تقي الدين الندوي، لموطأ مالك، رواية محمد بن الحسن الشيباني، مع التعليق الممجد على موطأ محمد، دار السنة والسيرة-بومبائي، دار القلم-دمشق، بيروت، ج8، ص12. (112) انظر: مقدمة تقي الدين الندوي، لموطأ مالك، ج8، ص12. (113) صحيح البخاري نهاية الأسطورة،ص811. (114) انظر: نظم المتناثر من الحديث المتواتر، محمد بن جعفر الكتاني، دار الكتب السلفية للطباعة والنشر، ص29- 41. (115) مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الإصطلاح، توثيق وتحقيق: عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، مطبعة دار الكتاب 8934م، ص833.
عدد الصفحات ٣٠31 وذكر حديث عائشة: "كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرّ من، ثم نسخن بخمسٍ معلومات فتوفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهنّ مما ي قرأ من القرآن". وهذا الحديث ليس في صحيح مسلم فحسب، بل رواه أيضاا مالك في الموطأ (106)،وبدأ تشنيعه، فقال: "فهذا الحديث المنسوب إلى أمنا عائشة يتهم القرآن بالتحريف والتزوير، رغم أن الله تعالى يقول في محكم تنزيله: ﴿إِن ا نَحْن نَز لْنَا الذ كْرَ وَإِن ا لَه لَحَافِظ ونَ ﴾(107)،فهي تقول حسب نص هذا الحديث أن رسول الله مات وآية التحريم بخمس رضعات مما يتلى من القرآن، وأي دارس يمكنه التأكد أنه لا يوجد آية قرآنية واحدة في كتاب الله بهذا المعنى وبهاته الدلالة، لكن المرويات الغريبة كهاته والقادحة في صدقية القرآن لا مجال لمناقشتها من طرف هؤلاء مع كامل الأسف، ويمكننا أن نأتي بعشرات بل مئات الأحاديث التي تعارض القرآن جملة وتفصيلاً.... لكن اكتفينا بهذين المثالين ليعرف القارئ ماذا نقصد"(108). هذه الخطابة لا تصنع شيئاا، بل تذكرنا بفعل بعض الأطفال تسأله سؤالاا فيقول ل ك: أعرف لكن لا أريد أن أقول لك! وهو لا يصدّق أحاديث البخاري، ويفترض بالقارئ أن يصدقه بأن عنده من الأمثلة غير ما ذكره، ومن أحالك إلى غائبٍ ما أنصفك، وهذا الح ديث ليس مخالفاا للقرآن البتة، فالحديث لم يقل وقرأهن النبي إلى أن مات!، حتى يقال بأنه يعارض آية الحفظ لكتاب الله، بل فيه أنه مات : "وهنّ مما ي قرأ من القرآن "، وهذه الصيغة للفعل تكون لما لم ي سمّ فاعله، أو المبني للمجهول، فالحديث فيه إثبات (النسخ)، وهو يتفق مع صريح القرآن، قال تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ ن نسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ م نْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾(109)، ولا يحتاج الأمر للتهويل ليقال إن أي دارس يستطيع التحقق (116) الموطأ، مالك بن أنس، صححه ورقمه: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت-لبنان، 8911، ص311. (117) سورة الحجر، الآية: 9. (118) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص29. (119) سورة البقرة، الآية813.
عدد الصفحات ٣١32 من عدم وجود آية في عدد الرضعات، فهذا يعرفه الصبيان الحافظون لكتاب الله، فكيف بعلماء الإسلام الكبار؟ ولو رجع إلى تفسير الحديث عند العلماء، لما وجد وجها لتبجحه بأن هذا الحديث يخالف القرآن، يقول النووي: "وقولها: (فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ) هو بضم الياء من (يقرأ) ومعناه أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدًا حتى إنه صلى الله عليه وسلم توفي وبعض الناس يقرأ: خمس رضعات ويجعلها قرآنًا متلوًا لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده فلمّا بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أن هذا لا يتلى"(110). وهذا ي ظهر أن الكاتب كان يفهم بالمقلوب، ويشنّع في إنكاره على غيره، وهو الأحرى بالتشنيع عليه لاقتحامه ما يجهله وحديثه فيما لا يحسنه، ويدفع إلى السؤال هل هي خصومة مع الحديث فحسب، أم تمتد إلى القرآن نفسه، ودلالاته التي تتفق مع الأحاديث التي يرفضها الكاتب؟ ومن فهمه المقلوب، تعليقه على ما عنون له بقوله (الرسول يحاول الانتحار)، فبعد أن ذكر جزءاا من الحديث، قال: "المحاولة التي قام بها ابن حجر العسقلاني، وغيره لتبرير رواية البخاري لبلاغ إقدامه على محاولة الانتحار مرات عدة، معتبرًا أن الزيادة (فيما بلغنا) وما بعدها ليست من كلام عائشة بل هي زيادة الزهري، لكن رغم أن هذا تأويل مجرد تأويل، فالكذب على رسول الله واضح من خلال هذه الرواية"(111). (111) صحيح مسلم بشرح النووي، المطبعة المصرية بالقاهرة، الطبعة الأولى8929م، ج81، ص29. (111) صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص811.
عدد الصفحات ٣٢