المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الموسوعة الميسرة في تربية الأولاد

شحاتة محمد صقر

صفحة ٦ من ٥٥

التربية الإسلامية 81 وهذا الفهم لطبيعة نمو الفتاة الجنسي وارتباطه بالتكاليف الشرعية يح تِّم ع منهج التربية الصحية مراعاة ذلك منها منذ فترة الطفولة الم تأخرة، ومرورً ا بمرحلة المراهقة، ثم العناية الكاملة في أوسع صورها في مرحلة الشباب، حتى تبلغ الفتاة بداية ذروة النشاط الجنسي، وتصبح قادرة على التناسل. تأثير الدورة الشهرية على نفسية الفتاة: الحيض أو الطمث: نزيف دموي أسود ثخين، م ن ت ن الرائحة، يدفعه الرحم عبر أعضاء الأنثى التناسلية بطريقة تلقائية في عدد من الأيام ، ولما كان الحيض بطبيعته استنزافً ا دمويً ا فإنه يستهلك شيئً ا من قوى الفتاة البدينة ، فيؤثر في نشاطاتها الحيوية ، وأدائها الجسمي العام، خاصة إذا كانت الفتاة في الأصل ضعيفة البن ية، فإن بلوغها سن المحيض لا يزيدها إلا رهقً ا وضعفً ا. ومع كون الحيض يشكِّل للفتيات عنتً ا جسميً ا؛ فإنه إلى جانب ذلك ي ثير عندهن قلقً ا وتوترً ا نفسيً ا، وشعورً ا عامً ا بالسلبية والدنس، ولعل أقل ما يمكن أن يبعثه الطمث في نفس الفتاة: الخجل، خاصة عند المبتدئات منهن، مما يدل - في العموم - على وجود معاناة صحية عامة تصاحب نزيف هذه الدماء، وت ؤثر بصورة سلبية على مشاعر الفتاة، وطاقاتها البدنية. والملاح ظ أن سبب وجود هذا التوتر النفسي، وشدة عنفه ترجع - من جهة - إلى طبيعة الحيض المستنزفة لطاقة البدن ، ومن جهة أخرى ترجع إلى الغموض والاختلاف الذي يكتنف فقه الحيض، واستغلاق بابه على الجهابذة من الفقهاء، فضلاً عن الفتيات الم تحيرِّات ، اللاتي لا يعرفن له أيامً ا معلومة، ولا ي ميِّزن له لونً ا معروفً ا، فلا يهتدين في ذلك بشيء ، فين س ق ن بالتالي إلى شيء من التذمر والضيق ، والتزم ت الفقهي المتكل ف، الذي نهت عنه الشريعة السمحة. وإن محاولة علاج المشكلات المتعلقة بالدورة الشهرية ، والتخفيف من آثارها السلبية على نفس الفتاة، وصحتها العامة ينطلق في منهج التربية الإسلامية من أربع نواح مهمة، وذلك على النحو الآتي:

عدد الصفحات ٨١

د 82 الناحية الأو شرعية، حيث ربط نظام الإسلام بين الحيض، وبين العديد من الأحكام الشرعية المتعلقة بالعبادات والمعاملات ، حتى إن المتأمل يجده طبيعة فطرية مهمة لضبط عبادات النساء ، وعلاقاتهن الزوجية ؛ لهذا أوجب الشارع الحكيم عليهن تعل م أحكامه، وجعلهن في كل ذلك مؤ تمنات على ما يجري في أرحامهن ، م صد قات فيما يخبرن عن أحو الهن الخاصة، فهذا النزيف الدموي المتكرر من هذه الجهة نعمة ، وليس نقمة. الناحية الثانية: نفسية، حيث تد الفتاة في تقب لها لهذه الطبيعة الأنثوية، وحسن توافقها معها: تعزيزً ا لجانبها المعنوي ؛ لأنها بتوافقها ، ورضاها عن هذه الحالة النسائية الفطرية، تمارس عبادة لله تعالى وتؤجر عليها ؛ وذلك من خلال أسلوب الترك لبعض أنواع من الشعائر التعبدية، فهي لا تترك هذه العبادات لكونها أصبحت بالحيض نجسة، أو ناقصة الأهلية، فإنها بإجماع المسلمين طاهرة الذات، كما أنها كاملة الأهلية؛ وإنما تترك بعض العبادات طاعةً لله تعالى حيث أوجب ذلك عليها زمن الحيض، لا لمجرد كونها تنزف دمً ا. الناحية الثالثة: صحية، من حيث أن سيلان دم الحيض - في حد ذاته - دليل على اكتمال نمو الفتاة ، وسلامتها الصحية ، وقدرتها على التناسل ، فإذا اجتمع إلى ذلك: اعتدال عدد أيامه ، وانضباط زمن سيلانه - كان دليلاً جيدً ا على كمال صحة الفتاة النفسية والجسمية، في حين ت عد الفتاة التي لا تحيض ناقصة م ع يبة ؛ فإن انقطاع الحيض - في حد ذاته - يأس وحرج ، واحتباسه أو اضطراب سيلانه مرض وأذى، فع لم من ذلك أن الحيض صحة للفتاة، تتخف ف بخروجه من آفاته وعلله - تمامً ا - كما تتخفف من باقي أنواع الفضلات التي تتأذى باحتباسها، مع كونه أمارة سلامتها للإنجاب. الناحية الرابعة: اجتماعية، حيث الخجل الشديد الذي ينتاب الفتيات من سيلان الدم، وما يصدر عنه من رائحة كريهة، مما قد يسوقهن إلى بعض السلوكيات الاجتماعية والصحية الخاطئة، تحاشيً ا منهن للحرج الاجتماعي والأسري، وقد عالج نظام الإسلام التربوي بصورة جذرية هذه الناحية بإجازة مخالطة الحائض بصورة طبيعية دون تحف ظ؛

عدد الصفحات ٨٢

التربية الإسلامية 83 حتى تبقى قضية الحيض في حدود حجمها الطبيعي، تخدم صحة الفتاة العامة، وتضبط نظام عباداتها ومعاملاتها الشرعية. وقد وضع رسول الله من خلال معاملت ه للح ي ض الأسلوب الاجتماعي الأمثل، الذي يحد من معاناة الفتيات لهذه المسألة ، ويحصرها في زاويتها المحدودة؛ فقد كان يبلغ من الحائض مبلغً ا عظيماً فيؤاكلها ويشاربها، ويصلي بجوارها، ويقرأ شيئً ا من القرآن في حجرها، وربما خالطها مباشرً ا لها، فلا يتحاشى من ذلك إلا الجماع (1). ومع كل ما تقدم في هذه النواحي الأربع تبقى مسألة الدماء الطبيعية بالنسبة للأنثى وأوليائها أداة حبسٍ وتعطيل ، لا تنفك معاناتها النفسية والاجتماعية عن تربة الفتاة الحائض، مهما كان نصيبها التربوي من الرعاية والعناية الخاصة، ومن هنا فلا بد أن توطن الفتاة نفسها على مكابدة هذه الأنواع من المعاناة الطبيعية التي لا بد منها ، مع الرضا بها على أنها نوع من الابتلاء الذي يتطلب الصبر، مع التقبل لها، والتوافق معها، دون تذم ر ، أو تسخ ط. (1 )مباشرة الرجل وملاعبته لامرأته وهي في فترة الحيض أو النفاس على ثلاثة أقسام: أ ح ده ا: أ ن ي ب اشر ه ا ب الج ما ع في ال ف ر ج، ف ه ذ ا ح ر ام ب إ جم اع الم س ل م ين . وب ن صِّ ال ق ر آن ال ع ز يز ، قال تعالى: ﲐ ﲑ ﲒﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ (البقرة: 222.) ال ق س م الث اني : الم ب اشر ة ف يما ف و ق السر ة و تح ت الر ك ب ة ب ال ق ب ل ة أ و الم ع ان ق ة أ و الل م س أ و غ ير ذ ل ك ، و ه و ح لال ب اتِّف اق ال ع ل ما ء. ال ق س م الث ال ث: الم ب اشر ة ف يما ب ين السر ة و الر ك ب ة في غ ير ال ق ب ل و الد ب ر، فهذا قد اختلف العلماء في جوازه. فذهب إلى تحريمه الأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي. وذهب إلى جوازه الإمام أحمد، واختاره بعض الحنفية والمالكية والشافعية. قال الإمام النووي: «هو الأق وى دليلاً و ه و الم خ ت ار ». والأو لى للرجل إذا أراد أن يستمتع بامرأته وهي حائض أن يأمرها أن تلبس ثوبًا تستر به ما بين السرة والركبة، ثم يباشرها فيما سوى ذلك.

عدد الصفحات ٨٣

د 84 الاحتلام المنامي عند الإناث: الاحتلام: هو الجماع وما يتعلق به في الم نام، ي عاين ه البالغ ضمن تربة جنسية ، فيقذف الماء بصورة تلقائية، يصاحبها عادة شعور باللذة والانفراج، والذكور والإناث في شأن الاحتلام سواء ؛ إذ هن في مثل هذه القضايا شقائق الرجال ، وهذا من الأمور الثابتة المعلومة لدى الأطباء. وبداية قدرة الفتاة على هذا الإنز ال المنامي: بلوغها لسن الحيض ، حيث يسبق هذه السن جمع من الأحلام المنامية التي تحمل مضامين عاطفية ، تؤكد بصورة عامة نوع هوية الفتاة الجنسية. ومع كون تربة الاحتلام تشمل كل طبقات الإناث البالغات ، إلا أنها - مع ذلك - لا تعم بالضرورة جميع أفراد النساء ؛ فإن الا حتلام فيهن قليل مقابلةً بأحوال الذكور، خاصة عند المتزوجات منهن ، حتى إن البعض - لند رته - استنكر وقوعه منهن؛ فقد تعيش إحداهن الدهر لا تعرف إنزال الماء إلا بالجماع، حتى وإن كانت ترى في منامها دواعي ذلك كما يراها الرجل. وكل هذه الأحوال المختلفة لطبيعة احتلام الإناث تبقى بالنسبة للفتاة السليمة الصحيحة ضمن الحدود الطبيعية المعتادة التي لا ت ستنك ر، فكما أن في الإناث من لا تكاد تحتلم أصلا ، فكذلك يوجد في الرجال من العزاب م ن لا يعرف الاحتلام ، مع كمال قدرته الجنسية وتعف فه ، ومع ذلك فإن المضمون الجنسي للأحلام عند الإنسان بصورة عامة لا يزيد عن ( ٠%) من مجموع أنواع المضامين المنامية الأخرى ، وهذه المضامين الجنسية هي في جنس الرجال أكثر منها في جنس النساء. ومن جهة أخرى لا ينبغي للفتاة المسلمة المتعفِّفة أن تستهجن أو تستحقر تلب سها بتجربة الاحتلام مهما كانت شنيعة؛ فإنه لا حرج عليها، حتى وإن كانت متزوجة - ما دام يحصل لها بصورة معتدلة - ذلك لكونها ظاهرة طبيعية صحية، ينتفع بها البدن غاية الانتفاع ، ويحصل بها تفريغ الطاقة الجنسية المكبوتة بصورة فطرية مشروعة ، تستغني بها الفتاة عن الوسائل الأخرى الممنوعة.

عدد الصفحات ٨٤

التربية الإسلامية 85 وإنما عليها الحذر منالالتفات إلى موضوعات هذه الرؤى الجنسية، وما تتضمنه من مواقف عاطفية مع شخصيات معروفة أو خيالية؛ فإن للقلوب الضعيفة تعل قً ا ولو بالخيال، والاحتلام - مع كونه نافعً ا في العموم - فإن الشيطان يدخل ه بتأثيره الخاص ، فليكن انتفاع الفتاة بسكون الغ ل مة (شدة الشهوة)، دون ملابسات ومتعلقات مواقف التجربة المنامية. الاستمناء عند الإناث: يتحد الذكور والإناث - بصورة عامة - في دوافعهم الجنسية ، وميولهم الشهوية، فكما أن في الرجال من تغلبه غ ل مته ، حتى تصل به إلى درجة الإفراط الم خل، فإن في النساء أيضً ا من تغ لبها شهوتها، وهيجان غريزتها حتى لا تكاد ترتوي بشيء، وفي كلا الجنسين - من جهة أخرى - من لا إر ب له ، ولا شهوة، إلا أن المعتدل من نوعي الإنسان هو الغالب الأعم. وتختلف حد ة الشهوة بين الجنسين ، حيث تخضع - بشكل كبير- عند الإناث إلى مواسم شهرية ، وعوامل نفسية ، وتكون ذر وتها في ال ثلاثينات من أعمارهن ، في حين تستوي حد تها في سلوك الذكور بصورة كبيرة فلا تخضع لمواسم معينة ، وتكون ذروتها عندهم قبل سن الثلاثين. ويبقى دافع الشهوة عند الفتاة العزباء طبيعي النزعة، ما لم يصل إلى حدِّ الشغ ل الشاغل، الذي لا يزاحمه غيره، بحيث تضطر تحت وطأة إلحاح الغريزة، وشدة عنفها إلى تفريغ الطاقة الشهوية بالاستمناء ، وهو ما ي عرف في المصطلح الحديث بالعادة السرية. وهذه العادة مع كونها لا تحل المشكلة الجنسية بصورة جذرية ، فإنها تؤثر بصورة سلبية على طاقات الفتاة: الروحية، والنفسية، والجسمية، وعلاقاتها الاجتماعية، ونجاح حياتها الزوجية في المستقبل ، ولهذا فهي طريقة ممنوعة شرعً ا، بالإضافة إلى ما ينتج عن هذه الممارسة القبيحة من أضرار صحية على جهازها العصبي ، وتشوهات وقروح وآلام على أعضائها التناسلية الحساسة.

عدد الصفحات ٨٥

د 86 ورغم أن الفتيات يختلفن عن الذكور في أسلوب تعاطي عادة الاستم ناء القبيحة، وأقل منهم تورطً ا في ممارستها ؛ ومع ذلك فإن الثابت ميدانيً ا، في غالب الأوساط الاجتماعية تلب س كثير منهن بتعاطيها ، ومكابدة معاناتها ، خاصة من الفتيات المتعلمات والمتحررات أخلاقيً ا، ممن كثرت حولهن المغريات ، وضعف في نفوسهن الوازع الديني. إن وسيلة الفتاة العزباء لضبط هذا الدافع بعد عون الله تعالى، وسلامة صحتها العقلية والجسمية من الأمراض العصبية والعضوية المثيرة للشهوة: ترف عها عن ارتداء الملابس الضيقة، وكشف العورة في الخلوة، مع حذرها من سلوك الخادمة المنحرفة، أو الصديقة المنحلة. فإن هي اتخذت هذه ا لوسائل، مع اتقائها للبطالة والفراغ، وحذرها من الانفراد والانعزال كان أعظم وأكثر نفعً ا في ضبط الشهوة ؛ إذ يلعب الخيال الجامح ، والتجربة الطائشة عند الفراغ في زمن الخلوة: أدوارً ا في إثارة الغريزة ، مما قد يدفع بعضهن إلى العبث بأعضائهن التناسلية. ثم الفتاة بعد أخ ذها بهذه الأسباب تترك لطبيعتها الفطرية أسلوبها الخاص في تفريغ الفائض من طاقتها الجنسية بصورة عفوية من خلال الاحتلام المنامي ، الذي يحصل خارج حدود التكليف الشرعي. التربية الإيمانية في مواجهة الثورة الجنسية: لقد ثبت يقينً ا وجود علاقة في غاية القوة بين ضعف الوازع الديني الإيماني ، وبين الانحرافات الخلقية والسلوكية، خاصة فيما يتعلق بسلوك الفتيات الجنسي، فبقدر ما يضعف الإيمان في قلوبهن، ويب هت تأثيره في نفوسهن تزداد مظاهر انحرافهن الجنسية بصورة أكبر. وقد قال الحكماء من قبل: «الشهوة ر ق »،يعني أنها تسترق صاحبها؛ لأن الشهوة إذا غلبت ولم تقاومها قوة التقوى جر ت إلى اقتحام الفواحش .

عدد الصفحات ٨٦

التربية الإسلامية 87 وقد عالج المنهج الرباني شحنة الاندفاع الشهوانية بلجام التكاليف الشرعية ؛ حتى تتوازن قوى الدوافع الجامحة، مع قوى الكوابح اللاجمة، ضمن مسار الاعتدال في السلوك الجنسي ، الذي يتحقق من خلال ه بقاء النوع الإنساني ، وف ق منظومة الأخلاق والآداب اللازمة ، ومن هنا جاء الإلزام بالتكاليف ، والوعد والوعيد مع قوة انبعاث الشهوة الجنسية؛ لتضبط اندفاعها، وته ذِّب عن فها . ولهذا كثيرً ا ما تل جأ الفتيات نحو الشعائر التعبدية بأنواعها المختلفة؛ ليتخف فن بها من شدة الغ ل مة وإلحاح الشهوة ، فإن النشاط الروحي في البيئة الغنية بالأعمال الصالحة يخفِّف بدرجة كبيرة من حد ة التوتر الجنسي ؛ ولهذا أرشد الشارع الحكيم إلى عبادة الصيام - بصفة خاصة - كوسيلة تربوية فع الة لكسر الشهوة بصورة مشروعة لا ضرر فيها. ومن هذا المنطلق الثابت للتأثير البالغ للإيمان على سلوك الفتيات الجنسي، فإن على مؤسسات التربية في المجتمع أن تلحظ ذلك منهن ، فت هيئ لهن فرص الس مو الر وحي من خلال مناهج العبادات التي تقو ي إيمانهن، وتزيد من صلتهن بالله تعالى؛ حتى يستقر في نفوسهن وسلوكهن أن التعف ف عما لا يحل الاستمتاع والتلذذ به إيمان ، وأن التهتك خلاف له. حماية الفتاة من الثورة الجنسية المعاصرة: مع كون الانحراف الفكري في المفاهيم الجنسية أخطر من مجر د الوقوع في خطأ السلوك الجنسي؛ إلا أن الانحراف الجنسي إذا بلغ منتهاه: فإنه غالبً ا ما يجمع في شخص متعاطيه بين انحراف الفكر، وق ب ح السلوك، فينتقل من خلال غواية المس لك إلى غواية الفهم، فيجمع بين الرذيلتين، وقبيح الغوايتين. وأهمية تربية الفتاة من الناحية الجنسية لا تقتصر - خاصة في العصر الحاضر - على مجر د إقناع الفتاة بأحكام العلاقات الجنسية وضوابطها ؛ بل تتعدى ذلك إلى حمايتها من أضرار الفساد الجنسي بأنواعه وجوانبه المختلفة ؛ إذ ليس من الطبيعي في منهج التربية

عدد الصفحات ٨٧

د 88 الإسلامي الاقتصار على التوجيه الفكري، والإقناع العقلي دون الاهتمام الجاد ببناء البيئة الطاهرة النقية، التي تساعد على الاستقامة السلوكية، الخالية من الفتنة والافتتان. دعم مشاريع الزواج المبكر: إن حصر النشاط الجنسي في نظام الزواج ، وتحريم العلاقات الجنسية خارجه ، من أعظم ما سع دت به الإنسانية، وارتقت به عبر عصورها المختلفة، إلا أن تغير ً ا عظيماً طرأ في هذا العصر على طبيعة هذا النظام ، هد د الحياة الجنسية ، وأن ذر بخطر جليل؛ فقد تأخر سن الزواج ليوافق طبيعة الظروف الاقتصادية المتردية ، وظهر نظام التعليم الحديث، وظهر معه التوسع في تشغيل الفتيات ، كل ذلك يقف في وجه قيام الحياة الزوجية في وقت مبكر بصورة طبيعية، فأفرز هذا الوضع الاجتماعي المضطرب جمعً ا من المسالك الجنسية المنحرفة خارج حدود الحياة الزوجية. وقد عالج البريطانيون في القرن الثامن عشر الميلادي مشكلة الانحرافات الجنسية التي تفاقمت عندهم آنذاك بتشجيع نظام زواج الفتيات المبكر، منذ الثانية عشرة من أعمارهن، وهي السِّن التي تنبعث فيها ميول الفتيات الجنسية بصورة واضحة ، فهن بعد البلوغ في حاجة إلى الإحصان الذي يتحقق لهن بالزواج، كما أن بلوغ الفتيات سنً ا معينة ليست شرطً ا في صحة عقد الزواج، وما زال العقلاء في كل عصر ي وصون بتعجيل النكاح، وتخفيف مؤنته كحل جذري للمشكلة الجنسية ، وللحفاظ على المجتمع من ضلال شبابه وفتياته بطاقاتهم الجنسية. ونظام الإسلام الاجتماعي يح مِّل الأسرة المفرِّطة في التبكير بتزويج أبنائها من الذكور والإناث قسطً ا من المسؤولية الشرعية تاه انحرافاتهم الجنسية، فإن عدم وجود القدرة على التناسل عند المراهقين المقاربين للبلوغ لا يعني عدم قدرتهم على الجماع ومقدماته، كما أن ابتداء الحيض عند الفتاة لا يعني - بصورة مطلقة - قدرتها على التناسل؛ فإن قدرتها على تحمل الوطء تسبق قدرتها على التناسل بسنوات، وبناء على هذا الواقع الطبيعي لا بد من التوسع بصورة كبيرة في مبدأ التزويج إذا حضر الكفء، دون النظر - بصورة مفرطة - إلى السن، أو المعوِّقات الاقتصادية والاجتماعية ، بل لا بد من

عدد الصفحات ٨٨

التربية الإسلامية 89 العمل الجاد لتجاوزها بما يخدم صحة الشباب الجنسية ، ويحفظ المجتمع من أسباب الفساد والانحراف الخلقي. تربية الفتاة على العف ة الجنسية: إن من أهم وسائل الصحة الجنسية بعد تقوى الله تعالى، والأخذ بسنة النكاح: تربية الفتاة على أدب الاستعفاف الجنسي الذي ي عد أس الفضائل الخلقية ؛ وذلك لضرورته الإنسانية من جهة صلته المباشرة بجانب اللذة الجسدية، حيث يضبط دوافع الشهوات المختلفة بين درجتي الشره الم فرط، والجمود الم فسد. ولما كانت الشهوة الجنسية عند الشباب أعنف شهواتهم الحسِّية ، وأخطرها على انتظام حياتهم الاجتماعية ، فإن بع ث خلق العفة في سلوكهم الجنسي من أوجب وأهم حاجاتهم التربوية ، لكونها م ل كة خلقية تعصم من الفواحش الجنسية ، خاصة في هذا العصر الذي زاد فيه الاحتكاك الجسدي بين الجنسين بصورة واسعة ومستمرة. ومع أن العف ة الجنسية خ ل ق ي طال ب به الجنسان ، إلا أنه في حق الإناث آك د ، ولطبيعة دورهن أوجب من جهة حراسة النسب ، فهن من هذه الجهة مؤتم نات على فروجهن، وما زالت المجتمعات الإنسانية بوجه عام ت عظِّم - بصورة ما - شأن العفة في الإناث، وت طالبهن بها أكثر بكثير مما تط ل به وتشدد عليه في أمر الذكور. وقد خ ص ت الإناث من بنات آدم بغشاء البكارة دون سائر الخلق ؛ ليكون دليلاً على العفة والعذرية، ووسيلة م عينة للإناث على التعفف ، فهن - دائماً - بالفطرة أقرب في العموم إلى معاني الشرف والفضيلة من الذكور، ولا ي عر ف فيهن الانحر اف الجنسي إلا في الوقت الذي يفقدن فيه أصول القيم الخلقية، ويتنك رن للآداب الاجتماعية. ولما كانت الوسيلة إلى العفة الجنسية هي ضبط الجوارح عن الم ستلذات المثيرة، فإن باب النظر بحاسة البصر أوسع أبواب الإثارة الجنسية ، فهو كالمص يدة ، يزرع في القلب الشهوة ، فمع كو ن الإناث في العموم أقل تأثرً ا بالمثيرات البصرية من الرجال ، وأكثر تأثرً ا بالمثيرات السمعية إلا أنهن مع ذلك يتأثرن من جهة البصر، خاصة وأن كثرة

عدد الصفحات ٨٩

د 90 وقوع أبصارهن على ما ي ثيرهن من م س تلذات النظر يفوق من جهة النوع والتكرار حجم ما تسم ع ه إحداهن - بصورة مباشرة - من العبارات المستعذبة المثيرة. ولهذا فإن الفتاة في باب النظر إلى المحرمات الم ش تهاة كالرجل مأمورة بغض البصر، لا سيما إن هي خشيت على نفسها الفتنة، أو قصدت بنظرها التلذذ، فلا خلاف حينئذٍ في حرمة ذلك عليها. ولعل مما ي عين الفتاة على ضبط سلوكها الجنسي أن تعرف أن العف ة أق صر طرق الأنثى إلى قمة الفضيلة ، وأنها ما دامت عفيفة فهي مح صنة ؛ لأن إحكامها لرغباتها الفطرية، وإيقاعها الهزيمة بشهواتها الجسدية دليل على قوة شخصيتها؛ فإن عب د الشهوة أذ ل م ن عب د الرِّ قِّ ، وم ن تعث ر بالشهوات ضعف أمام الشبهات؛ فإنه لا يقوى على تر ك الشبهات إلا م ن ت ر ك الشهوات، والفتاة العفيفة بها طمأنينة، وثقة في نفسها لا يخطؤها إنسان، وما ع ل ت أخبار نبي الله يوسف وج ري ج ، وصاحب الغار إلا من هذه الجهة. إن وجود شيء من الكبت المعتدل للدافع الجنسيِّ سلوك طبيعي م س تساغ في التصور الإس لامي، حيث ينعكس تأثيره بصورة إيجابية على نشاط الفتاة: الروحي ، والنفسي، والعقلي، كما أنه مع هذا ميدان لتنافس الفتاة الأخروي؛ فإن حفظ الفرج هو طريق الجنة والرضوان. ولا يفهم من هذا تر د الفتاة الم تدينة المنضبطة عن دوافعها الجنسية ، أو أنها أقل شهوة من غير ا لمتدينة،؛ فإن الدوافع الجنسية بينهما متشابهة ، وإنما الاختلاف بينهما في تفاوت قدرتهما على ضبط سلوكهما الجنسي. حفظ الفتاة من الوقوع في فاحشة الزنا: يعتبر الزنا من كبائر الذنوب ، الموجبة لغضب الله تعالى وغيرته ، والجالبة للهلاك والدمار الشامل، لما فيها من الاعتداء على حق الله تعالى، وانتهاك حرمة الفرج الحرام؛ إذ هو في الشريعة أعظم ج رمً ا من انتهاك حرمة الأموال.

عدد الصفحات ٩٠

التربية الإسلامية 91 ومع كون الزنا علاقة جنسية محر مة بين ذكر وأنثى ، يستويان فيها أمام الشريعة في مبدأ الم ؤاخذة والمحاسبة ، فإن الفتيات المنحرفات ألصق بهذه الجريمة الخلقية من غيرها من الجرائم، وأكثر تورطً ا فيها من الذكور، ولهذا ي عد وصف البغاء وصفً ا خاصً ا بالمرأة الفاجرة. وقد لاحظ الباحثون أن العوامل التي تدفع الفتاة للوقوع في فاحشة الزنا بأنواعها وأساليبها المختلفة ترجع غالبً ا إلى ثلاثة أنواع من العوامل: 1- عوامل اجتماعية من حيث تفريط المجتمع في المبادئ والقيم الأخلاقية، من خلال إشاعة الفواحش والتحريض عليها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، وتعطيل حدود الله تعالى، مما يجرِّئ المنحرفين على الوقوع في الفواحش ، إلى جانب ضعف مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلا يجد المنحرفون في المجتمع م ن يردعهم عن الوقوع في الانحرافات ، أو على الأقل ينصحهم بترك الخطأ ، والالتزام بالآداب والأحكام الشرعية. 2- عوامل أسرية من حيث تحل ل الروابط العائلية، وكثرة المنازعات الوالدية، وسوء التربية بضياع القيم الدينية والأخلاقية ، والقسوة الأبوية المفرطة ، مع فقدان الرقابة الأسرية الواعية على سلوك الفتيات ، إلى جانب ظروف الأسرة الاقتصادية الم ختل ة، التي ت ل جئ الفتاة بقس وتها - في بعض الأحيان - إلى الاتار بجسدها في المجتمع، وتدفعها داخل الأسرة للاحتكاك الجسدي بمحارمها ، إذ لا تستطيع الأسرة الفقيرة لضيق الم كان: أن تطبِّق آداب الاستئذان ، ومبدأ التفريق بين البالغين في المضاجع، فضلاً عن تطبيقها هذا الأدب الإسلامي مع الأطفال المقاربين للبلوغ. 3- عوامل شخصية من حيث طبيعة الفتاة العدوانية ، ورغبتها في الاستقلال عن الأسرة ، وبلوغ حدِّ الرشد ، والاطمئنان من خلال احتكا كها بالجنس الآخر على كمال نموها الأنثوي ، وقدرتها على الحمل ، مع اشتداد جوعها العاطفي ، وافتقارها إلى الحب، ورغبتها في الاستمتاع الشهواني، إلى جانب إخفاق الحياة الزوجية، والحقد على

عدد الصفحات ٩١

د 92 عنصر الرجال، وضعف مستوى الإدراك العقلي، وشعور بعضهن بالاحتقار الاجتماعي، والرغبة في مزيد من الكماليات المادية. إن هذه العوامل المتعددة رغم أهمية بعضها وخطورته ، وضرورة إشباعها ، لا يمكن أن تكون عذرً ا كافيً ا لوقوع الفتاة في مهاوي الفاحشة والرذيلة؛ فإن الإسلام لا يج يز للفتاة المسلمة - تحت أي ظرف - أن تم كِّن بإرادتها رجلاً من نفسها، يستمتع بها بغير حق وهي قادرة على دفعه، إلا أن ت غ لب على أمرها، فلا تستطيع شيئً ا. والواجب الشرعي يحتِّ م على المجتمع والأسرة أن يقوم كل بواجبه تاه الفتاة ، بما يحقق رغباتها ، ويسد حاجاتها ، ويحفظها من الانحراف ضمن الحدود الشرعية ، وفي الجانب الآخر فإن الواجب الشرعي على الفتاة أن تلتزم بما أوجبه الله عليها من المحافظة على نفسها وعرضها ، وأن تاهد في هذا السبيل مستعينة بالله ، سواء قام المجتمع والأسرة بواجباتهما تاهها، أم لم يقوما، فإن تقصير المجتمع أو الأسرة في واجباتهما، لا ي عفي الفتاة من القيام بواجبها تاه نفسها قدر استطاعتها. حماية الفتاة من ورطة الشذوذ الجنسي: لقد ثبت يقينً ا أن الدين الحق ، ومسالك التدين هي العلاج الناجح لمثل هذه الشذوذات السلوكية ، إذا لم يكن هناك خلل في أصل الخلقة ؛ فجذور معضلة الشذوذ الجنسي عند الفتيات ترجع في أصل الأمر إلى البيئة الاجتماعية أكثر من رجوعها إلى أي سبب آخر. ومبدأ ذلك حين تتوجه الفتاة في فورة نموها الجنسي بالإعجاب المفرط ، الممتزج بالعاطفة الهائمة نحو شخص من نفس الجنس ، تتخذه - بصورة عفوية - موضوعً ا جنسيً ا لها، في نفس الوقت الذي تحاول فيه إخفاء ميولها الطبيعية نحو الجنس الآخر الذي حالت بينها وبين الاقتران بأحدهم بصورة مشروعة الظروف الاجتماعية والاقتصادية القاهرة. فت ظ ه ر النفور من جنس الذكور عامة، وكل ما يتعلق بهم بصورة خاصة، وت ق بل بالحب الفياض - مندفعة بعواطفها ورغباتها الغريزية - نحو زميلة م تألِّقة ت صادقها، أو معلمة بارعة ت لازمها، وتبقى العلاقة بينهما إلى هذا الحد طبيعية، ما لم تتعمق

عدد الصفحات ٩٢

التربية الإسلامية 93 الصلات بينهما إلى حد الالتصاق الجسدي ، والتلامس البدني ، وكشف العورات وتناولها، فتتلبس حينئذ إحداهن بالس اد ي ة العدوانية، والأخرى بالمازوشية السلبية (1)، وعندها تكون بداية الانحراف الأكبر بفقدان الفتاة لهويتها الجنسية. إن نظام الإسلام التربوي عند معالجته مثل هذه الانحرافات الخلقية يتناولها من مبادئ أصولها الانحرافية ، فيقطع جذورها من أساسها ، ويبني مكانها ما يتلاءم مع أهداف منهجه، وطهارة مس لكه ، ومن هنا أم ر ابتداءً بالتفريق المطلق بين المراهقات في المضاجع، ونهى عن المباشرة بينهن بالأجساد ، وأمرهن بستر العورات ، وغض البصر عما ي تلذذ به وإن لم يكن عورة. وأباح - إلى جانب هذه الضوابط - الزواج المبكر كأوسع ما يكون؛ حتى تندفع شحنتا الفتاة النفسية والجنسية الناميتان نحو الجنس الآخر بصورة مشروعة؛ فإن العلاقة قوية بين تر ك الزواج وبين شذوذ الفتيات الجنسي. ضرورة تطهير المجتمع من أسباب الفتنة الجنسية: إن منهج التربية الإسلامية في تعامله مع الإنسان لا يكتفي بمجرد تحريم السلوك الخلقي المنحرف ؛ بل يج تث من أول الأمر الأسباب المؤدية إليه ، في طالب المجتمع ابتداء بتطه ير مؤسساته كلها من أسباب الفتنة الجنسية ، ومثيراتها الشهوانية ؛ حتى يتوافر للأفراد - بصورة عامة - المناخ الصحي الملائم لنمو وازدهار سلوكهم الخلقي السوي، وهذا لا يتحقق على الوجه الصحيح - خاصة في هذا العصر- إلا من خلال ثلاث وسائل رئيسة على النحو الآتي: (1) السادي ة: اللذة الجنسية التي يتم الوصول إليها عن طريق إلحاق أذى جسدي أو معاناة أو تعذيب م ن ق ب ل طرف على طرف آخر مرتبطين بعلاقة. المازوشية أوالماسوشية: الحصول على المتعة عند تلقي التعذيب الجسدي أو النفسي.

عدد الصفحات ٩٣

د 94 الوسيلة الأولى: تطهير وسائل الإعلام من أسباب الفتنة الجنسية: وذلك من خلال كفِّ وسائل الإعلام بش عبها الثلاث: المرئية ، والمسموعة، والمقروءة عن استهواء الفتيات بما تعرضه عبر الم ش اهد من صور الإغراء الجنسي المثير ، وما تبثه عبر الأثير من السماع الفاحش الصاخب المحر ك للطباع ، وما تنشره عبر المطبوعات من الأدب الإباحي المكشوف. فإذا كان المجتمع صادقً ا في حرصه على العف ة التي يد عيها ، وملتزمً ا بالقوانين الأخلاقية التي يتنادى بها فكيف يفسر تنازله الشائن عن هذه القيم الأخلاقية بإباحة عرض أجساد الفتيات عارية في الأفلام ودو ر الرقص ، وعبر المجلات المصورة ، والإعلانات التجارية؟ ثم بعد ذلك يترك الفتاة الشابة في خضم هذا الزخم الإعلامي الفاحش المثير لتحل هذه المعضلة الاجتماعية بنفسها ، فتشاهد وتستمع وتقرأ ، ومع ذلك تبقى ضمن حدود الآداب والأخلاق الاجتماعية المرعية، وهذا من أشد أنواع التناقض الاجتماعي، الذي ترفضه أبسط مبادئ التربية، وتمج ه أضعف العقول. الوسيلة الثانية: تطهير المعرفة العلمية والثقافية من أسباب الفتنة الجنسية: بحيث تنسجم المعرفة التربوية بكل فعالياتها الفكرية والسلوكية مع منهج التربية الإسلامية ، فلا يجد المربون في منا هج التربية ما يخالف مبادئ الإسلام ، أو يتعارض مع أسلوبه في معالجة مشكلات الشباب الأخلاقية والسلوكية. الوسيلة الثالثة: تطهير المرافق العامة من أسباب الفتنة الجنسية: بحيث لا تد الفتاة في الحياة الاجتماعية العامة ومناشطها المختلفة، الجادة منها والترفيهية: ما يح رِّضها - بصورة من الصور- على ارتكاب الفواحش، أو ي ثير غريزتها، أو يجعل من بدنها ، أو صوتها من خلال تبرجها واختلاطها ، أداةً للإثارة الجنسية ، والاستمتاع الباطل. فإن المباعدة بين أنفاس الذكور والإناث دين ي ت بع ، وإلزام الشابات من النساء بما وقع الخلاف في جواز كشفه من أبدانهن - فضلاً عن الم ج م ع على ستره - حق يح تذى ، ومسؤولية يقوم بها السلطان ؛ فقد أثبتت التجربة الواقعية والتاريخية أن

عدد الصفحات ٩٤

التربية الإسلامية 95 المجتمعات التي تلتزم فيها النساء الحجاب الكامل ، والتي يقل فيها الاحتكاك بين الجنسين، أنها مجتمعات سليمة من مظاهر وانحرا فات السلوك الجنسي بأنواعها المختلفة. إن هذه الوسائل الثلاث إذا راعاها المجتمع ، وألزم بها مؤسساته المختلفة فغالبً ا ما ت د رأ عن مثل هذا المجتمع أسباب الفتنة الجنسية ، وتبقى قضية الجنس في حدودها الزوجية ، ضمن نطاق الأسرة ، تؤدي دورها في التناسل والتكاثر دون انحرافات خلقية، أو معاناة اجتماعية تخ رج أفراد المجتمع عن حدودهم الطبيعية. جريمة الجنس عبر الهاتف: يحصل انتهاك عرض الفتاة بالكلام الفاحش من خلال الشتائم والقذف ، ونحوهما من قبيح القول، وهذا النوع من الإجرام ي عد من أوسع أبواب انتهاك العرض وأخطرها، إذ إن كلمة واحدة في هذا الشأن ، يمكن أن ت زعزع أركان المجتمع، وت قلق أهله زمنً ا طويلاً ؛ ولهذا كان تعامل نظام الإسلام مع المتورطين في مثل هذه الحالات صارمً ا وعنيفً ا للحد منها، حتى وإن كان مع بنت لم تبلغ الح ل م. ومع طبيعة التطور في الحياة الاجتماعية المعاصرة، وظهور جهاز الهاتف كوسيلة اتصال فائقة ، تحمل في طبيعتها التقنية قدرة النفاذ عبر الحواجز والأحجبة ، والجدران والستور، لتخترق حرمات البيوت المصونة، وتصل إلى الم خ د رات في بواطن الح ج ر في غير ريبة أو استهجان أسري ؛ فإن هذه الطبيعة الم خ ترقة الن ف اذة لهذا الجهاز جاء ت متوافقة مع طبيعة المجرم الم خ تلسة الخائنة ، حيث يصل من خلال الكلام والاستمتاع عبر الجهاز إلى مبتغاه الجنسي من الزنا المجازي ، الذي يصل به أحيانً ا إلى حد اللذة الكبرى بالإنزال. إن المعضلة لا تكمن فيما يصدر عن المجرم إ لى مسامع الفتاة من عبارات الفحش، وإنما المشكلة الكبرى تكمن في الاختلال الشخصي ، والاضطراب السلوكي الذي يمكن أن تخلفه مثل هذه المكالمات الهاتفية المثيرة على مشاعر الفتاة وعواطفها ؛ فإن باب السماع عند الأنثى أوسع، وأعظم أبواب الإثارة الجنسية في طبيعتها؛ إذ للكلمة

عدد الصفحات ٩٥

د 96 المسموعة أثرها الفسيولوجي الخاص ع نشاط الفتاة الانفعالي ، الذي قد يصل بها أحيانً ا إلى حدِّ النشوة الجنسية ، إن هي اس ترسلت فمك نت الفاجر من أذنها . وإن حصول الاستمتاع الجنسي عبر الهاتف عند بعض الفتيات الساقطات أمر ثابت ميدانيً ا، ثم إن وقوع بعضهن في علاقات حبٍّ عن طريقه أمر معلوم معروف، ثم إن انتهاء كثير من العلاقات الهاتفية بين الجنسين بوقوع الفاحشة هو أيضً ا أمر واقع وقائم. ولعل أخطر ما تتوجب به عبقرية تقنية الاتصالات الحديثة هو الربط بين الهاتف والكاميرا في جهاز واحد ، حيث تم ذلك في الهاتف النقال، كما تم أيضً ا عبر الشبكات العنكبوتية العالم ية، إضافةً إلى إمكانية الربط التقني بين الهاتف الجوال والشبكة العنكبوتية، فليست أكثر من لحظة خيانة ي دار فيها مفتاح الهاتف المتنقل ليصبح الشخص الغافل بصورته وانفعالاته مادةً ثقافية للمستهلكين ، فلا يستطيع أن يرد عن نفسه المتطفلين، ولا يستطيع أيضً ا أن يمحو ما تناثر من شخصه عبر الأثير، وللمتأمل أن يتخيل حين تكون الفريسة من المخد رات في البيوت، المحجوبات بالجلابيب والخ م ر ، مما ي عطي القضية حجمها الفعلي، وخطرها الحقيقي. وهذه النقلة المتطورة في ميدان الاتصالات من شأنها إحداث هزة في المجتمع، تتغير معها المفاهي م الاجتماعية والثقافية ، ويحتاج معها الناس إلى تعريف جديد لمفهوم الخصوصية الشخصية ، حين لم يعد للشخص - أيً ا كان - أن ينفرد بشيء من خصوصياته دون تدخل الآخرين وفضولهم، حين مك نتهم هذه التقنية الخطيرة من إشباع رغباتهم على حساب الآخرين ، حتى إنه لم يعد غريبً ا في بعض الأوساط الاجتماعية المحافظة أن يحضر بعض النساء الحفلات النسائية وهن محجبات ، ويقوم على مداخل قاعات الحفلات من يفتش الداخلات بحثً ا عن أجهزة الاتصال المزودة بالكاميرات. إن المشكلة لا تكمن في مجرد التطور التقني لوسائل الاتصال الهاتفية، والوصول إلى هذه الت قنية العالية ، وإنما تكمن في توفيرها بأسعار زهيدة في أيدي المستهلكين من جميع فئات المجتمع وطبقاته ، بحيث تكثر نسبة العابثين المستخدمين لها ، ممن تنقصهم

عدد الصفحات ٩٦