المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الموسوعة الميسرة في تربية الأولاد

شحاتة محمد صقر

صفحة ٣ من ٥٥

نماذج من التربية النبوية 33 التوجيه الذي سيجد له آذانً ا مصغية، وقلوبً ا واعية. علينا أن ندرك أن حاجة الطفل إلى الق بلة الصافية ، والابتسامة الحانية ، والمداعبة اللطيفة - أكبر من حاجته إلى أنواع الطعام والشراب ، ومختلف أشكال الثياب، وغيْ ذلك الأمور المادّية التي لا قيمة لِا كبيْةً في نفس الطفل. فيا أيها الآباء، لاعبوا أبناءكم؛ تكسبوا قلوبهم. 10- يَا أبَا عُمَير: عن أ ن س ابْن م الِكٍ قال: «إِنْ ك ان النَّبِي ل ي خ الِط ن ا ح تَّى ي ق ول لأِ خٍ لِِ ص غِيٍْ : «ي ا أ ب ا ع م يٍْْ ، م ا ف ع ل النُّ غ يْْ »(رواه البخاري وفي رواية ع نْ أ ن سِ بْنِ م الِكٍ ق ال : ك ان ر س ول اللََِّّ ي دْخ ل ع ل يْن ا و لىِ أ خ ص غِيْ ي كْن ى أ ب ا ع م يٍْْ ، و ك ان ل ه ن غ ر ي لْع ب بِهِ ، ف ما ت ، ف د خ ل ع ل يْهِ النَّبِ يُّ ذ ات ي وْمٍ ف ر آه ح زِينًا ف ق ال «م ا ش أْن ه ؟»ق ال وا: «م ات ن غ ر ه »، ف ق ال : «ي ا أ ب ا ع م يٍْْ ، م ا ف ع ل النُّغ يْْ » (رواه أبو داود، وصححه الألبا النُّ غ يْْ: تصغيْ ن غ ر، وهو ط ائِر ي شْبِه الْع صْف ور ، أحمر المنقار. هذا الحديث وإن كان ي لح ق «بملاعبة الأطفال» إلاّأنّ فيه فوائد أخرى ، بل قد ذكر العلماء لِذا الحديث أكثر من ستين فائدة، وقد استوعبها الحافظ ابن حجر في كتابه المبارك «فتح الباري»فراجعها إن شئت ويهمّنا هنا من هذه الفوائد فائدتان: 1- مؤاساة الصغ ، والسؤال عن حاله ، والتلطف به ، ومشاركته في أحزانه بالكلم الطيبة والابتسامة الحانية، والمداعبة اللطيفة، وإن كانت أحزانه لا تتجاوز موت عصفور يلعب به، أو انكسار ل عبة يبُّها؛ فإنّ لِا في نفس الطفل معاي) كبيْة ، وإن بدت في أعيننا صغيْة المعنى. ٢- جواز تكنية الصغيْ، فهذا الطفل الصغيْ الذي يلعب بالعصفور ي كنىّ «أبا عميْ»ويخاطبه رسول ا بهذه الكنية ، وهذه من عادات العرب الحسنة ؛ فإن الك نية للصغيْ تسمو به ، وترتفع بعقله، وت شعره بأن له مكانةً.

عدد الصفحات ٣٣

د 34 قال العلماء: كانوا يكنّون الصبيَّ تفاؤلاً بأنه سيعيش حتى يولد له. 11- فَكَرِهتُ أن أعجله : ع نْ أ بِِّ ه ر يْر ة ق ال : ك نَّا ن ص ليي م ع ر س ولِ اللََِّّ الْ عِش اء ، ف ك ان ي ص ليي، ف إِذ ا س ج د و ث ب الحْ س ن و الحْ س ينْ ع لى ظ هْرِهِ، و إِذ ا ر ف ع ر أْس ه أ خ ذ هم ا ف و ض ع ه ما و ضْعًا ر فِيقًا، ف إِذ ا ع اد ع ادًا، ف ل ماَّ ص لىَّ أ قْع د هم ا ع لى ف خِذ يْهِ، و احِدًا ه ا ه ن ا و و احِدً ا ه ا ه ن ا ». (ر و اه أ حمْ د ، والحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباي).. وع نْ ع بْدِ اللََِّّ بْنِ ش دَّادٍ ع نْ أ بِيهِ ق ال : خ ر ج ع ل يْن ا ر س ول اللََِّّ فيِ إِحْد ى ص لا ت ِ الْعِش اءِ و ه و ح امِل ح س نًا أ وْ ح س يْنًا ، ف ت ق دَّم ر س ول اللََِّّ ف و ض ع ه ث مَّ ك برَّ لِلصَّلا ةِ ، ف ص لىَّ ف س ج د ب ينْ ظ هْر اي) ْ ص لا تِهِ س جْد ةً أ ط الِ ا. ق ال أ بِى : ف ر ف عْت ر أْسيِ و إِذ ا الصَّبِ يُّ ع لى ظ هْرِ ر س ولِ اللََِّّ و ه و س اجِد ف ر ج عْت إِلى س ج ودِ ي، ف ل ماَّ ق َ ر س ول اللََِّّ الصَّلا ة ، ق ال النَّاس : «ي ا ر س ول اللََِّّ ، إِنَّك س ج دْت ب ينْ ظ هْر اي) ْ ص لا تِك س جْد ةً أ ط لْت ه ا ح تَّى ظ ن نَّا أ نَّه ق دْ ح د ث أ مْر أ وْ أ نَّه ي وح ى إِل يْك ». ق ال: «ك لُّ ذ لِك لم ْ ي ك نْ و ل كِ نَّ ابْنِ ي ارْتح ل نِ ي ف ك رِهْت أ نْ أ ع جيل ه ح تَّى ي قَِْ ح اج ت ه » (رواه النسائي ، وصححه الألباي).. الله أكبر! ما أعرمك مربيً ا رسول الله! يصلي بأصحابه، فيسجد بهم سجدة طويلة حتى ظنوا أنه قد حدث أمر ، أو أن الوحي يتنزل، وكل ذلك من أجل أن طفلاً صغيًْ ا راكب على الرهر الشريف ، وكره المربِّّ الرحيم أن يرفع رأسه؛ حتى يقضي هذا الطفل حاجته ، وينزل باختياره! حقً ا. هكذا تكون التربية ، وهكذا يفعل الم ربُّ ون. إن الحيلولة دون الطفل وحاجاته لِا آثارها المريرة في حياته عاجلاً أو آجلاً ، ومن أخطر هذه الآثار شعور الطفل بالحرمان ، وأنه يعيش في سياج منيع من الأوامر والنواهي التي تلغي شخصيته، وتقيّد حريّته، فيتولّد عن ذلك الكبت النفسي المؤدي إلى الانفجار.

عدد الصفحات ٣٤

نماذج من التربية النبوية 35 نخطئ كثيًْا عندما ن ح ول بين أطفالنا وبين أكْ لٍ يشتهونه، أو نمنعهم من ممارسة ل عبةٍ يبونه ا، أو نقف لِم في طريق رغبةٍ يسعون في تحقيق ها، نخطئ في ذلك عندما نستخدم معهم أسلوب المنع الجاف ، أو الحرمان القاتل ، ولو أننا لجأنا إلى أسلوب الإقناع؛ لنجحنا في صْ فهم عن كثيْ مما لا نراه، مع الحفاظ على نفسياتهم من الشعور بالحرمان المرير. علينا أن ندرك أن لل طفل رغباته التي لابدَّ من إشباعها ، وله طبائعه التي يتصرّف في نطاقها ، وله مقاييسه التي تُتلف عن مقاييسنا، فإذا أردنا أن نمنعه من شيءٍ نتوقع ضرره ، فبالإقناع، والموعرة الحسنة ، وإلاّ فلند عْ ه يمضي على سجييتيه ما دام في الأمرٍ مجال للاحتمال . 12- أتأذن لي؟ ع نْ س هْلِ بْنِ س عْدٍ ق ال : أ تِى ر س ول اللََِّّ بِق د حٍ ف شر ِ ب و ع نْ ي مِينِهِ غ لا م ، ه و أ حْد ث الْق وْمِ ، و الأ شْي اخ ع نْ ي س ارِهِ ، ق ال : «ي ا غ لا م ، أ ت أْذ ن لِِ أ نْ أ عْطِى الأ شْي اخ ؟». ف ق ال : «م ا ك نْت لأ وثِر بِن صِي بِ ي مِنْ ك أ ح دًا ، ي ا ر س ول اللََِّّ »ف أ عْط اه إِيَّاه . (ر و اه الْب خ ارِيُّ و م سْلِم .. من الفوائد التربوية في هذا الحديث : ضرورة احترام الصغيْ وعدم انتهاك حقوقه ب حجة صِ غ ر سنه. فهذا غلام صغيْ، يجلس عن يمين الرسول ، بينما يجلس الأشياخ، وكبار السن، وأهل الفضل والسابقة في الإسلام عن يساره ، ويؤت ى رسول الله بشراب ؛ فيشرب منه، ويريد أن يسقي م ن معه، ومن سنته تقديم الأيمن ولو كان مفضولاً بالنسبة إلى من على اليسار، فيستأذن النبي الغلام في أن يتنازل عن حقٍّ من حقوقه المشروعة إلى م ن ه م أكبر منه، فيقول له بكل لطف: «ي ا غ لا م، أ ت أْذ ن لِِ أ نْ أ عْطِى الأ شْي اخ ؟». الله أكبر! أي تكريم بعد هذا التكريم؟ وأي احترام لحقوق الأطفال كمثل هذا الاحترام؟ إنها التربية النبوية، وكفى.

عدد الصفحات ٣٥

د 36 إن طفلاً ي شعِ ره من حوله بالاحترام، وأنّ له حقوقه التي لا تهضم - لحري به والله - أن يرتحل بمداركه وعقله عن النررة الطفولية الساذجة ، وأن يتجاوز بفكره حجم سنيه ، وها أنت قد رأيت هذا الغلام ، وقد أيقن أنه لو سمح لرسول الله بذلك؛ لفاته شرف الشرْ ب بعد رسول الله فيقول بكل شجاعةٍ وحرصٍ على الخيْ: «م ا ك نْت لأ وثِر بِ ن صِيبِ ي مِنْ ك أ ح دًا ، ي ا ر س ول اللََِّّ » ما الذي حلَّق بهذا الطفل الصغيْ إلى هذا المعنى السامي؟! إنها التربية السويّة التي تعطيه احترامه، وتحفظ له حقوقه، وتعامله بل طفٍ وتوقيْ. 13- فسَلم عليهم: ع نْ أ ن سٍ بْنِ م الِكٍ ق ال : «أ ت ى ع لى َّ ر س ول اللََِّّ و أ ن ا أ لْع ب م ع الْغِلْما نِ ف س لَّم ع ل يْن ا ، ف ب ع ث نِ ي إِلى ح اج ةٍ » (ر و اه م سْلِم وع نْ ث ابِتٍ الْب ن اي)ِي أ نَّ أ ن س بْن م الِكٍ م رَّ ع لى صِبْي انٍ ف س لَّم ع ل يْهِمْ ، و ق ال : «ك ان النَّبِ يُّ ي فْع ل ه ». (رواه البخاري إن إلقاء السلام على الأطفال فيه إظهار للسنّة، وتكريم للأطفال ، وتربية لِم على هذا الخ ل ق النبيل الذي يشيع المحبة ، وي ؤلّ ف القلوب ، وينقّ يها من البغضاء والشحناء، ويخلصها من العداوة والأحقاد. ما أجمل أن يتربّى أبناؤنا على هذا الخلق الكريم! يسلّم الأب في بيته على أطفاله، وي سلم المعلم على تلاميذه، وإذا مرَّ المسلم في طريقه بهؤلاء الصغار ألقى عليهم السلام اقتداءً بسنة النبي وتربيةً لِم على هذه الشعيْة العريمة ، التي هي من خصائص الأمة المحمدية. ماذا سيخسر أحدنا إذا سلّم على الأطفال؟ لقد ثبت بالتجربة أن ج لَّ الأطفال يردُّون السلام على من ي لقيه عليه؛ فقلوبهم أقرب إلى الفطرة، ولم تتلّوث بعد بلوثة الكبر التي تسرّبت إلى نفوس بعض الكبار ، فهل نهتبل هذه الفرصة ، ونمدَّ بالسلام جسور المحبة بيننا وبين أطفالنا، وعندها سيكون للتربية أثرها، وللتوجيه ثماره. ألا ما أقسانا إذا لم نفعل ذلك!

عدد الصفحات ٣٦

نماذج من التربية النبوية 37 14- يَا غُلام: ع نْ ع م ر بْنِ أ بِى س ل م ة ق ال : «ك نْت غ لا مًا فيِ ح جْرِ ر س ولِ اللََِّّ و ك ان تْ ي دِ ي ت طِيش فيِ الصَّحْف ةِ ، ف ق ال لِِ ر س ول اللََِّّ « :ي ا غ لا م س مي اللََّّ ، و ك لْ بِي مِينِك و ك لْ ممَِّا ي لِيك ». ف ما ز ال تْ تِلْك طِعْم تِ ي ب عْد »(رواه البخاري ومسلم (ف ما ز ال تْ تِلْك طِعْم تِي ب عْد .: أ يْ صِف ة أ كْليِ ، أ يْ ل زِمْت ذ لِك و ص ار ع اد ةً لِِ . من فوائد هذا الحديث الفقهيّة: وجوب التسّمية على الطعام ، ووجوب الأكل باليمين، وأن يأكل الأكل مما يليه إذا كان الطعام نوعً ا واحدً ا، وأمّا إذا اختلفت الأنواع فله أن يتناول من جمعيها. وأمّا الفوائد التربوية في هذا الحديث ، فتتلخص في النقاط التالية: 1- ضرورة التوجيه للصغار ، وألاّ نهمل هذا الجانب ، متعلّلين بصِ غ ر سنهم ، وضعف عقولِم، وعدم قدرتهم على الاستيعاب، وهذا خطأ يقع فيه كثيْ من الآباء؛ حيث يهملون أبناءهم ؛ فلا يعلمونهم الفرائض ، ولا الس نن ، والآداب، ولا يعوّ دونهم على مكارم الأخلاق؛ فإذا خاطبت أحدهم في ذلك، ونصحْ ت ه بتوجيه ابنه، أجاب بكل برود: «ما زال صغيًْ ا عندما يكبر إن ش اء الله »،وهكذا ينشأ الطفل ساذجً ا، وقد لا يج دِ ي معه التوجيه عند الكبر . إنّ م نْ له خبرة في توجيه الأطفال يجد فيهم الاستجابة السريعة ، والاستيعاب الفائق، ولكن يجب أن يكون التوجيه بالأسلوب الحسن ، والكلمة الطيبة ، والمعاملة التي تلائم الأطفال، وتراعي خصائصهم؛ فهذا المربِّّ الكريم حينما رأي يد عمر ابن أبِّ سلمة تطيش في الصحفة، لم ينتهره، ولم يزجره، وإنما أدرك أن هذا غلام صغيْ يتاج إلى التعليم قبل العقاب ، فخاطبه بكل لطف: « ي ا غ لا م »،وكلمة « ي ا غ لا م »لِا ظلالِا التربويّة التي جعلت هذا الغلام يستمع لما يلقيه عليه رسول الله ويتأثر به، ويعمل بمقتضاه.

عدد الصفحات ٣٧

د 38 ٢- «العلم في الصغر كالنقش في الحجر»،وما نبذره في نفوس هؤلاء الصغار ينمو ويزدهر ، ويبقى أثره في نفوسهم ؛ لأنه كما قال الشاعر: «صادف قلبً ا خاليا فتمكّنا »،ألم تلحظ إلى عمر بن أبِّ سلمة وهو يتحدث عن أثر ذلك التوجي ه النّبوي الكريم: «ف ما ز ال تْ تِلْك طِعْم تِ ي ب عْد »،لم يخالف هذا التوجيه مدى عمره ؛ لأنه و جيه صغيًْ ا، وبأسلوب حسن. وهكذا تكون التربية. وينبغي أن يغرس الوالدان في نفوس صغارهم تعريم الله ومحبته وتوحيده، وتنبيههم إلى الأخطاء العقدية التي يرونها منهم ، و يذرونهم من الوقوع فيها . وعلى الوالدين أن يرصا غرس ال عقيدة بين الحين والآخر في نفوس صغارهم، ولا يرن الوالدان أن الصغيْ لا يدرك ولا يعي. فهذا النبي يقول للحسن بن علي وقد أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في ف مه وهو طفل صغيْ ، يقول له مربيًا ومعلماً: «كِخْ كِخْ ، ارْمِ بهِ ا ، أ م ا ع لِمْت أ نَّا لا ن أْك ل الصَّد ق ة » (ر و اه الْب خ ارِيُّ و م سْلِم وفي رواية للإمام أحمد بإسناد صحيح أن النبي ق ال : «أ لْقِه ا ي ا ب ن يَّ، أ لْقِه ا ي ا ب ن يَّ، أ م ا ش ع رْت أ نَّ آل مح مَّدٍ لا ي أْك ل ون الصَّد ق ة ». وتأمل رفق النبي وحكمته في توجيه الصغار. 15- لَوْ لَمْ تفعَلِي كُتِبَتْ عَلَيْكِ ك ذْبَة: ع نْ ع بْدِ اللهِ بْنِ ع امِرٍ ، أ نَّه ق ال : أ ت ان ا ر س ول اللهِ فيِ ب يْتِن ا و أ ن ا ص بِي ، ف ذ ه بْت أ خْر ج لأِ لْع ب ، ف ق ال تْ أ مي ي: «ي ا ع بْد اللهِ ت ع ال أ عْطِك »، ف ق ال ر س ول اللهِ : «و م ا أ ر دْتِ أ نْ ت عْطِي ه ؟ »، ق ال تْ: «أ عْطِيهِ تم ْرًا »، ف ق ال ر س ول اللهِ : «أ م ا إِنَّكِ ل وْ لم ْ ت عْطِيهِ ش يْئًا ك تِب تْ ع ل يْكِ كِذْب ة » (ر و اه أ حمْ د ، وأبو داود، وحسّنه الألباي).. في هذا الحديث الشريف يبرز لنا مطلبان مهماّن في طريق التربية: المطلب الأول: أن على المربِّّ سواء كان أبً ا، أو أمً ا، أو معلماً - أن يكون قدوةً حسنة لأبنائه، وأن يكون دائماً يقظ القلب، ح س ن التصرفّ ؛ لأنه تحت عين النقد، وي نر ر إليه دائماً من الأبناء نررة الاحترام، ويؤخذ عنه كل قولٍ وعمل على أنّه الحقُّ الذي لا مِ رْ ية فيه، والصواب الذي لا شك في؛ فإذا كان المربِّ بعيدً ا عن النهج السديد، ومنحرفً ا

عدد الصفحات ٣٨

نماذج من التربية النبوية 39 عن الأمر الرشيد ، أو كان خطؤه أكثر من صوابه ، فماذا تنترر من الذين تحت يده إلا أنهم سيسلكون نفس الطريق، ويتطّبعون بنفس الطباع. فهل ن صلح أحوالنا ، ونربِّ أنفسنا قبل أن نربِّ أطفالنا؟ إننا حينما نفعل ذلك سنوفّر على أنفسنا الكثيْ من العناد في التربية والتوجيه؛ لأننا سنكون بالنسبة لأطفالنا كالشمس التي يستدفئون بها دون أن تكليف هي نفسها مشقّة النزول إليهم . ألا يا ليتنا ندرك هذه القضية. المطلب الثاي): يجب أن نراعي حدود الله في معاملتنا مع الصغار كما نراعيها في معاملتنا مع الكبار؛ فهذا رسولنا الحبيب يلفت أنرارنا إلى هذه القضيّة الخطيْة، فيقول للمرأة التي كانت تستدرج ولدها بتمرة: «أ م ا إِنَّكِ ل وْ لم ْ ت عْطِيهِ ش يْئًا ك تِب تْ ع ل يْكِ كِذْب ة ». فسبحان الله! كيف جمع هذا الحديث بين القدوة والتقوى؛ فإذا كان الإنسان منّا قدوة حسنةً ، وأسوةً طيبةً لأبنائه ، فما ذاك إلا لأّنه قد اتقى الله وأصلح ما بينه وبين الله، وز مّ نفسه بزمام الخشية والمراقبة ، وإلاّ فكيف يصبح قدوةً صالحة لِم؟! 16- ثلاث وصايا: ع نْ ع مْرِو بْنِ ش ع يْبٍ ع نْ أ بِيهِ ع نْ ج ديهِ ق ال : ق ال ر س ول اللََِّّ : «م ر وا أ وْلا د ك مْ بِالصَّلا ةِ و ه مْ أ بْن اء س بْعِ سِنِين ، و اضرِْب وه مْ ع ل يْه ا و ه مْ أ بْن اء ع شرِْ سِنِين ، و ف ريق وا ب يْن ه مْ فيِ المْ ض اجِعِ » (رواه أبو داود، وصححه الألبا في هذا الحديث النبويي ثلاث وصايا جديرة بالاهتمام: الوصية الأولى: «م ر وا أ وْلا د ك مْ بِالصَّلا ةِ و ه مْ أ بْن اء س بْعِ سِنِ » وإنما خصّ النبي الصلاة دون غيْها من الفرائض بأمر الأبناء بها عند بلوغهم لسن السابعة ؛ لعِر م أمر الصلاة ، وجليل قدرها ، ولا ريب فهي عمود الإسلام، وهي أول ما ي اسب عليه العبد ؛ فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله، ولذلك أ مِرنا بتربية الأبناء عليها من الصغر، وتعويدهم على أدائها في مقتبل العمر ؛ حتى إذا كبروا كان لِا في نفوسهم مكانة لا تتزعزع فيحفرونها ، ومن

عدد الصفحات ٣٩

د 40 حفظ الصلاة كان لما سواها أحفظ هل ترّنون أن هؤلاء الأبناء الذين نشاهدهم في المساجد يعبثون بالصلاة ، ويخلون بها، أو يتخلفون عنها، وقد جاوزوا سن البلوغ، هي ترّنون أن هؤلاء قد ر بُّوا على الصلاة في الصِ غ ر؟ الوصية الثانية: «و اضرِْب وه مْ ع ل يْه ا و ه مْ أ بْن اء ع شرِْ سِنِ »: وهذه الوصية تابعة لسابقتها في الاهتمام بأمر الصلاة ، وتربية الأبناء عليها ، واستخدام الشدّة مع الأبناء الذين لا يهتمون بالصلاة ، أو يقصريون في أدائها ؛ حتى يدركوا عِرم أمرها، وجليل قدرها، ولكن في هذه الوصية لفتة جميلة، وهي أن الضُب إنما أ بيح في شأن الصلاة ، وفي سن العاشرة وما بعدها ، فهل يعي هذا الذين يضُبون أبناءهم قبل ذلك السن ، وفي أمور تافهة ، وغالبً ا ما تكون دنيويةً حقيْة لا تستحق الذكر؟! الوصية الثالثة: «و ف ريق وا ب يْن ه مْ فيِ المْ ض اجِعِ »: أي فريقوا بين الذكور والإناث من الأبناء إذا بلغوا العاشرة ؛ وذلك لقربهم من سن البلوغ ، وفي ذلك تربية لِم على الحشمة والعفاف ، ومنع جنس أن يتشبّه بطباع الجنس الآخر، وهذا جدير بالتأمل . 17- عَلقوا السوْطَ : ع نِ ابْنِ ع بَّاسٍ ق ال : ق ال ر س ول اللهِ « :ع ليق وا السَّوْط ح يْث ي ر اه أ هْل الْب يْتِ؛ ف إِنَّه لِ مْ أ د ب » (رواه الطبراي) في "المعجم الكبيْ"، وحسّنه الألباي).. لا تستغني التربية في طريقها الطويل عن الترهيب؛ إذ لابدَّ أن يكون في البيت س لطة ته اب ، وغالبً ا ما تكون هذه الس لْ طة من جانب الأب ، وأمّا الأم فلين الجانب أنسب لِا ، وأصلح لحالِا مع أبنائها.

عدد الصفحات ٤٠

نماذج من التربية النبوية 41 وهذا أسلوب من أساليب التربية النبويةّ ، وهو أن ي علَّ ق السوط حيث يراه الأبناء؛ فإنه أدب لِم ، وردْ ع لِم إذا همّوا بما لا يصحّ ، وكأن هذا السوط يقول لِم بلسان الحال: «إذا نزلت؛ فسيحدث لكم ما لا يخطر ببال». فيْتدع مِن الأبناء م نْ لا يتأتى إلاّ بالرهبة، وخوف العقوبة، دون أن يكون المربِّّ بحاجة إلى إنزال السوط من مكانه ؛ فإن نررةً واحدةً من الأبناء إلى هذا السوط المعلق ، تجعلهم يعملون له ألف حساب ؛ فيسيْون في الطريق الصحيح، ويترّبون على مكارم الأخلاق. نخطئ كثيًْ ا عندما نتوعّد الأبناء ، ونتهددهم على ما يفعلون من أخطاء، ثم إذا أردنا أن ن نزل بهم العقوبة، أخذ تْ نا بهم الرأفة، فعاقبناهم عقابً ا يسيًْ ا، وضربناهم ضربً ا مدللاً ، وهذا الأسلوب الساذج إذا تكرر؛ جعل الأبناء يستخِ فّون بالعقوبة، ويتمادون في الخطأ؛ لأنهم قد أدركوا أن العقاب سيكون سهلاً ، وبالإمكان احتماله!! إن التربية طائر له جناحان: الترغيب والترهيب ، وبهذه التربي ــة الحكيمة ربّى الله عباده؛ فرغَّ بهم بالجنة، ورهَّ بهم بالنار، فمن لا يأت بهذا؛ فعلّه أن يأت بذاك، وما أجمل ما قاله الشاعر العربِّ القديم: ق س ا لِ ي زْ د جِ ر وا و م نْ ي ك ح ازِ مً ا ف لْي قْس - أحيانً ا - ع لى م نْ ي رْ ح م 18- اعدلوا بين أولادِكم: ق ال ر س ول اللََِّّ : «اعْدِل وا ب ينْ أ وْلا دِك مْ ، اعْدِل وا ب ينْ أ بْن ائِك مْ » (رواه أبو داود، وصححه الألباي).. وع نِ النُّعْما ن بْن ب شِيٍْ ق ال : أ عْط اي)ِ أ بِِّ ع طِيَّةً، ف ق ال تْ ع مْر ة بِنْت ر و اح ة : « لا أ رْضَ ح تَّى ت شْهِد ر س ول اللََِّّ ». ف أ ت ى ر س ول اللََِّّ ف ق ال : «إِي)ي أ عْط يْت ابْنِ ي مِنْ ع مْ ر ة بِنْ تِ ر و اح ة ع طِيَّةً ، ف أ م ر تْنِ ي أ نْ أ شْهِد ك ي ا ر س ول اللََِّّ »ق ال:«أ عْط يْت س ائِر و ل دِك مِثْل ه ذ ا ». ق ال : « لا .»ق ال: «ف اتَّق وا ا ، و اعْدِل وا ب ينْ أ وْلا دِك مْ » .ف ر ج ع ف ر د ع طِيَّت ه . (رواه البخاري ومسلم.. وفي رواية لمسلم: ق ال : «أ يك أ نْ ي ك ون وا إِل يْك فيِ الْبرِي س و اءً »ق ال: «ب»ق ال: «فلا إِذًا»

عدد الصفحات ٤١

د 42 إنالحياة الاجتماعية السويّة لا تقوم إلاً إذا أ شيع العدل في أهلها ، وكذلك هي حياة الأسرة ينبغي أن تقوم على هذا الأساس المتين، فعلى الآباء أن يعدلوا بين أولادهم، ويساووا فيما بينهم؛ حتى لا تد بَّ الشحناء والعداوة في نفوس الأبناء ، وحتى لا ي ضطَّر بعض الأبناء إلى عقوق الآباء؛ لما ير وْ ن من الأثرة، ولما يشعرون به من الرلم، وعدم المساواة. ففي هذين الحديثين ندب إلى التأليف بين الإخوة ، وترك ما يوقع بينهم الشحناء، أو يورث العقوق للآباء. فيجب أن يشعر أبناؤنا بأننا ننرر إليهم بعينٍ واحدة ، ونحبُّهم بقلبٍ واحد ، وأنهم عندنا سواسية ، فينشؤون متحابين مترابطين فيما بينهم ، بررةً غيْ عاقين لآبائهم. وهذا يستلزم منّا أن نعدل بينهم في العطيّة ، وفي القبلة و الابتسامة، وحسن المعاملة، ما دامت الأمور تجري في نصابها، وأمّا إذا كانوا في معرض المنافسة ، في عامل كل بحسبه . 19- يَا أنَيْسُ، أذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ : عن أ ن سِ بْنِ م الِكٍ ق ال : ك ان ر س ول اللََِّّ مِنْ أ حْس نِ النَّاسِ خ ل قًا ف أ رْس ل نِ ي ي وْمًا لحِ اج ةٍ ف ق لْت : «و اللََِّّ لا أ ذْه ب »، و فِِ ن فْسيِ أ نْ أ ذْه ب لمِ ا أ م ر ي)ِ بِهِ ن بِ يُّ اللََِّّ ف خ ر جْت ح تَّى أ م رَّ ع لى صِبْي انٍ و ه مْ ي لْع ب ون فيِ السُّوقِ ، ف إِذ ا ر س ول اللََِّّ ق دْ ق ب ض بِق ف ا ي مِنْ و ر ائِ ي، ف ن ر رْت إِل يْهِ و ه و ي ضْح ك ، ف ق ال : «ي ا أ ن يْس ، أ ذ ه بْت ح يْث أ م رْت ك »ق لْت: «ن ع مْ، أ ن ا أ ذْه ب ي ا ر س ول اللََِّّ ». (رواه البخاري ومسلم هذا أنس بن مالك خادم رسول الله قد أثّ رت فيه معاملته له فوصف النبي بأنه مِنْ أ حْس نِ النَّاسِ خ ل قًا ، ويذكر موقفًا يدل على ذلك الخلق الرفيع قد حدث له مع النبي وهو طفل صغيْ ، فقد طلب منه النبي أن يرسله ي وْمًا لحِ اج ةٍ ف ق ال : «و اللََِّّ لا أ ذْه ب ». تُيل نفسك أيها الأب الحنون وقد حدث معك مثل هذا الموقف مع أحد أبنائك، ماذ ا ستفعل؟ كيف ستتصرف مع عصيان ابنك لأوامرك؟

عدد الصفحات ٤٢

نماذج من التربية النبوية 43 إن ماصدر عن أنس إنما صدر في حال صغره، وعدم كمال تمييزه؛ إذ لا يصدر مثله ممن كمل تمييزه . وذلك أنه حلف بالله على الامتناع مِ ن فِ عْ ل ما أمره به رسول الله مشافهةً ، وهو عازم على فعله ، فجمع بين مخالفة رسول الله وبين الإخبار بامتناعه، والحلف بالله على نفي ذلك مع العزم على أنه كان يفعله، وفيه ما فيه، ومع ذلك فلم يلتفت النبي لشء من ذلك، ولا عرَّج عليه ، ولا عاقبه، بل داعبه، وأخذ بقفاه، وهو يضحك رفقًا به، واستلطافًا له ، ثم قال : «ي ا أ ن يْس، أ ذ ه بْت ح يْث أ م رْت ك »فقال أنس «ن ع مْ، أ ن ا أ ذْه ب ي ا ر س ول اللََِّّ ». وهذا كله مقتَ الخلق الكريم والحلْ م العريم للنبي الكريم العريم ، فعلى الآباء مراعاة حال الأطفال والتعامل مع أخطائهم بما يناسب مرحلتهم العمرية. 20- مَرْحَب ا بِابْنَتِ ي: ع نْ أ مي المْ ؤْ مِنِين ع ائِش ة أ نَّ النبي كان إِذ ا د خ ل تْ ع ل يْهِ ف اطِم ة ق ام إِل يْه ا ف أ خ ذ بِي دِه ا و ق بَّل ه ا و أ جْل س ه ا فيِ مج ْلِسِهِ ، و ك ان إِذ ا د خ ل ع ل يْه ا ق ام تْ إِل يْهِ ف أ خ ذ تْ بِي دِهِ ف ق بَّل تْه و أ جْل س تْه فيِ مج ْ لِسِه ا. (رواه أبو داود، وصححه الألباي).. وع نْ ع ائِش ة ق ال تْ : أ قْب ل تْ ف اطِم ة تم ْشِى ، ك أ نَّ مِشْي ت ه ا م شْى النَّبِ يي ف ق ال النَّبِ يُّ : «م رْح بًا بِابْن تِ ي». ث مَّ أ جْل س ه ا ع نْ ي مِينِهِ أ وْ ع نْ شِما لِهِ . (ر و اه الْب خ ارِيُّ و م سْلِم .. ود خ ل أ ب و ب كْرٍ ع لى أ هْلِهِ ، ف إِذ ا ع ائِش ة ابْن ت ه م ضْط جِع ة ، ق دْ أ ص اب تْه ا حم َّى، ف ق بَّل خ دَّه ا ، و ق ال : «ك يْف أ نْتِ ي ا ب ن يَّة ؟» (ر و اه الْب خ ارِي فينبغي إشعار الأبناء بالأبوة والحنان، وقد تكون البنت أكثر من الولد حاجةً إلى ذلك؛ فعلى الوالدين العناية بالجانب العاطفي وإشباعه قدر المستطاع. وقد بكى أحد الآباء ليلة زفاف ابنته وقال: «لم أجلس معها وهي في بيتي، ولم أمنحها وقتًا كافيًا ولم أسمع صوتها وهي تقرأ القرآن، الآن أصبحت لغيْي فمتى أسعد بها! وإن رأيتها بعد اليوم فمرة في الأسبوع لمدة دقائق».

عدد الصفحات ٤٣

د 44 فلا تكن أيها الأب وأيتها الأم ممن يتحسرون مثل هذا الرجل. فإن من جمال الدنيا وسعادتها ق رْ ب الأب والأم من أبنائهم. وليت كل أب وأم جعلا جلسة عاطفية مع أولادهم فيها الدعابة والطرفة والثناء المحق على بعض صفاتهم، وعلى الأم أن ت كثِ ر مِ ن ض مّ ابنتها وتقبيلها بين الحين والآخر بمناسبة وبدون مناسبة فإن لِا أثرًا عجيبًا! 21- لا تدْعوا على أولادكم: ق ال ر س ول اللََِّّ : « لات دْع وا ع لى أ نْف سِك مْ، و لا ت دْع وا ع لى أ وْلا دِك مْ، و لا ت دْع وا ع لى أ مْ و الِك مْ؛ لا ت و افِق وا مِن اللهِ س اع ةً ي سْأ ل فِيه ا ع ط اء ف ي سْت جِيب ل ك مْ »(رواه مسلم.. الدعاء سلاح المؤمن ، وخيْ ما يستعان به - بعد الله - في أمور الدين والدنيا. والمربِّّ الناصح هو من يستعين بهذا السلاح الفعّال في تربية أبنائه ؛ فيدعو لِم بالصلاح، ويدعو لِم بخيْي الدنيا والآخرة ، ولا يملُّ من الدعاءِ لِم في صلاته وسجوده، وفي صيامه وعند فطره ، وفي حضُ ه وسفره ، وفي كل أحواله وأزمانه ، فهو يستعين بالله في تربيته لأبنائه، ومن استعان بالله أعانه، ومن توكّل على الله كفاه. وللوالدين دعوة لا ت رد ، وفي ذلك يقول رسول الله « :ث لا ث د ع و اتٍ م سْت ج اب ات لا ش كَّ فِيهِنَّ د عْو ة المْ رْل ومِ و د عْو ة المْ س افِرِ و د عْو ة الْو الِدِ لِو ل دِهِ ». وفي رواية «و د عْو ة الْو الِدِ ع لى و ل دِهِ »(رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وحسنه الألباي).. وح رِ ي بالآباء أن يجعلوا هذه الدعوة المستجابة في صالح أبنائهم ، وأن يوظّفوها في تربيتهم. ألا ما أقسانا! وما أغبانا! حين ندعو على أولادنا ، وحين نكون عونًا للشيطان عليهم ، وحين نهلكهم بدعائنا ، وحين نستخدم هذا السلاح الفعّال في إفسادهم، جاء رجل يشكو إلى سعيد بن المسيَّ ب فساد ولده، فقال له سعيد بن المسيب: «لعلّك دعوت عليه »، قال«نعم»، قال«أنت أفسدته بالدعوة عليه»

عدد الصفحات ٤٤

نماذج من التربية النبوية 45 ولذلك يأت هذا الحديث الشريف يذّر الآباء والأمهات من الدعاء ع الأبناء؛ حتى لا يوافق من الله ساعةً ي سأل فيها عطاء ؛ في ستجاب لِم، فيهلك الأبناء، وي لُّ بهم البلاء ، ويزدادون عقوقً ا إلى عقوقهم، وفسادً ا إلى فسادهم. فإذا كان دعاؤنا على أبنائنا لا ي صلح لِم حالاً ، بل يزيدهم سوءً ا ووبالاً ، أليس من الأجدر بنا أن ندعو لِم لا عليهم ، وأن نسأل الله لِم صلاح الأحوال ؛ فنكسب بذلك برَّهم وصلاحه م، ونسلم من عقوقهم وشرهم ، وهذا ما يريده كل منّا من أبنائه. قصص واقعية لنقارن بين دعاء الخيْ ودعاء الشر: 1- شاب لم يوفق بسبب دعوة والده عليه شاب في زمن ليس ببعيد، كان يرعى الغنم لأبيه، ورأى تهافت الشباب على السفر والانخراط في السلك العسكري، فطلب من أب يه أن يسمح له ليذهب معهم، فرفض الوالد ذلك، حاول مرارًا فلم يأذن له، قال الشاب: «سأذهب أذِنْت أم لم تأذن »، قال: «أما القوة فما لِ عليك من قوة، لكن ما لِ عليك إلا سلاح أوجهه في وقت السح ر»، وجاء يوم من الأيام وترك هذا الشاب غنمه مع أحد أقرانه، وذهب إلى إحدى قريباته فزوَّد تْه بما يتاجه المسافر وذهب إلى سفره. وعلم الأب - وكان صالحًا تقيًا - بسفره بدون إذنه، فرفع يديه إلى الحي القيوم وسأل الله أن ي رِي ه فيه ما يكره، فع مِي الولد وهو في الطريق، واستقبله بعض أفراد قبيلته في الطائف، وسألوه: «ماذا تريد؟»، قال: «كنت أريد الوظيفة، أما الآن فأعمى لا ي قب ل مثلي في الوظيفة »، أخذوه وجاءوا به إلى أبيه، وعندما دخل عليه البيت وهو الليل - ووالده قليل البصر وهذا الشاب أعمى - فقال أبوه: «أفلان أنت؟ »، قال «نعم»قال«هل وجدت السهم؟»قال«نعم وا» لكن الأب الحنو ن حزن حزنًا عريماً، وكان يود لو كانت في غيْ عينيه، وقام ليلته يبكي وي ئِنّ ، يركــــــع ويسجد ويلحس بلسانه ع ـين ولده ، ويدعـــــــو الله ، والله قريب مجيب، فما قام لصلاة الفجر حتى عاد لولده البصر، فحمد الله كثيًْا.

عدد الصفحات ٤٥

د 46 هذه القصة ذكرها الشيخ علي القري) في أحد دروسه وقال في نهايتها: «وهو معروف عند بعضكم أيها الجالسون، قد يكون هنا م ن يعلم الشخص الذي حصل تْ له الدعوة والذي كانت منه الدعوة» ٢- تقول هذه المرأة المكلومة: عزمنا على السفر إلى مدينة الرياض وعند ركوب السيارة جرى خلاف بينها وبين أحد أبنائها حول لبس الشماغ (غطاء لرأس الرج ل .، حيث طلبت منه إحضاره فرفض فكانت المشادة بينهما وانتهت بدعائها عليه بقولِا: «اذهب لا ر دَّك ا »تقول هذه الأم الحزينة«وسافرْنا إلى الرياض وكانت المصيبة في أحد الشوارع في الرياض حيث كنت أسيْ معه فإذا بسيارة تتجه نحوه وتصدمه، فيسقط يصارع الموت ولم يلبثْ سوى ساعات ثم يموت، وأعود إلى بلدي بعد هذا السفر بدونه»، هكذا كانت النهاية الأليمة؛استجاب الله دعاءها وذهب ابن ها. 3- تذْك ر إحدى الأمهات أنه في أحد الأيام، وقبل أذان المغرب بقليل أراد أحد أبنائها السفر فحاول ت أن يؤجله إلى الغد ليكون سفره نهارًا، ولكن الولد أص َّ على السفر، وبالفعل سافر، تقول والدته: «لقد قلقت عليه أشد القلق، فما كان مني إلا أن فزعْت إلى الصلاة وذلك في الساعة الثامنة مساءً، وتضُعْت إلى الله وسألْت ه أنْ يفظ ابني، وقدَّمْت مبلغًا يسيًْا صدقة لوجه الله. وما هي إلا ساعات، ويتصل ابني بالِاتف ي ط مْئِن نِي على وصوله سالمًا، وقال لِ: «هل دعوْتِ الله لِ؟ »، فسألْت ه«لماذا تسأل؟»، قال«في الساعة الثامنة تقريبًا، وبين أنا أسيْ بسيارت مسرعًا، وإذ بِّ أرى زجاج السيارة الأمامي، وقد أصبح عليه ظل أسود جعلني لا أرى أمامي فأ صابني الخوف فحاولت إيقاف السيارة، وإذا بها واقفة فوضعت رأسي على مِ قْ و د السيارة لحرات، ولما رفعت رأسي إذْ بالذي كان أمامي قد ذهب، ويبدو لِ - والله أعلم - أنه كان جم لاً، وبعد هذا الموقف سارت السيارة، ولم أص بْ بأذى ولله الحمد » وما كان ذلك إلا بفضل الله، ثم بفضل وبركة دعاء والدته. (مِقْو د السيارة .: جهاز مستدير يوجيه به السائق السيارة .

عدد الصفحات ٤٦

التربية الإسلامية 47  التربية الإسلامية التربية الإسلامية هي مجموعة التصرفات العملية والقولية، المأخوذة من الكتاب والسنة أو الاجتهاد في ضوئهما، والتي يمارسها إنسان بإرادته مع إنسان آخر، بهدف مساعدته في اكتمال جوانب نموه، وتفتيح استعداداته، وتوجيه قدراته، وتنظيم طاقاته، ليتمكن من ممارسة النشاطات، وتحقيق الغايات التي يحددها الإسلام. وهناك نتائج أساسية في فهم التربية: 1- أن المربي الحق على الإطلاق، هو الله الخالق . 2- أن عمل المربي تالٍ وتابع لخلق ا وإيجاده، كما أنه تابع لشرع الله ودينه. 3- أن التربية عملية هادفة، لها أغراضها وأهدافها وغاياتها. 4- أن التربية تقتضي خططًا متدرجة، تسير فيها الأعمال التربوية والتعليمية، وفق ترتيب منظم صاعد، ينتقل مع الناشئ من مرحلة إلى مرحلة. من أهداف التربية الإسلامية وغاياتها: غاية التربية هي العبودية الخالصة لله وحده، قال تعالى: ﭐ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ (الذاريات: ٦٥). فمن أهداف التربية الإسلامية بناء إنسان م سلم متكامل جوانب الشخصية، وهي جوانب النمو الأساسية مثل: 1- تحقيق النمو الصحي، التربية الصحية، الوقاية، صحة قوية 2- تحقيق النمو العقلي، التربية العقلية، حماية العقل، تنميته، تكوين عقليته. 3- تحقيق البناء الاعتقادي، التربية الاعتقادية، تكو ين إيمان صحيح، تنميته، دفاع عن العقيدة، النظرة الصحيحة إلى الكون والحياة وما بعد الحياة. 4- تحقيق البناء الإيماني، التربية الإيمانية، الالتزام، العبادة، السعادة ٥- تحقيق البناء الأخلاقي الاجتماعي، التربية الأخلاقية، الفضائل والرذائل.

عدد الصفحات ٤٧

د 48 ٦- تحقيق النمو الإرادي، تربية الإرادة لمواجهة الصعاب في الحياة. 7- تحقيق النمو الإبداعي، التربية الإبداعية مصادر التربية الإسلامية: التربية الإسلامية تختلف عن غيرها من الأنظمة التربوية في مصادرها التي تقوم عليها، وهي ضربان: 1- الوحي، المتمثل في نصوص القرآن والسنة 2- الاجتهاد والبحث العلمي، في ضوء القرآن والسنة، ومقاصد الشريعة، وهو مرتبط بتحقيق مصالح العباد. فالأول نقل محض، والثاني رأي محض. والمراد بالاجتهاد هنا، بذل العلماء المسلمين جهدهم وطاقتهم وقدراتهم في فهم نصوص القرآن والسنة المتعلقة بالمفاهيم أو التصورات، أو القضايا المتعلقة بأساسيات التربية الإسلامية، وأبعاد جوانب النظام التربوي لها. والمراد بالبحث العلمي، الدراسات العلمية أو التجارب العملية، أو التطبيقات الميدانية، مما له صلة بالعملية التربوية التعليمية، ويسهم في تحقيق أهدافها المرجوة منها، أو يسهم في رفع مستوى الأداء التعليمي والفعلي، ولا يجوز باسم البحث العلمي قبول الأنظمة التربوية الوافدة إلى المجتمع الإسلامي، والمخالفة للقرآن والسنة ومقاصد الشريعة.

عدد الصفحات ٤٨