المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الموسوعة الميسرة في تربية الأولاد

شحاتة محمد صقر

صفحة ٢ من ٥٥

المقدمة 17 عاتب بعضُهم ولده علَ العقوق، فقال «يا أبت، إنّك عقَقْ تَ ني صغيًَا، فعقَ قْ تُك كبيًَا وأضَ عْ تَ ني وليدًا، فأضَ عْ تُ ك شيخًا ». والتَبية يجب ردها إلَ كتاب الله وسنة رسوله فقد بُ سطت جميع أسس هذه التَبية ، وأهدافها وأسالبيها ووقائعها ، ودُ وِّ نت في آيات القرآن العظيم وكتب السنة، وأصبح من الْيسور استنباطها من هذين الْرجعي الأساسيي، وذلك لأن الله تعالَ هو الخالق ، وهو رب العالْي ، خلق الإنسان وعلمه كيف يربِ نفسه وأطفاله ، وعلَ هذا فكل نظرية تربوي ة لا تنطلق من كتاب الله وسنة رسوله نظرية ضائعة تقود الناس إلَ التيه والضلال ، كما هو الواقع الراهن في الغرب ومن يتبعون خطاه، ومن أصدق الأدلة علَ ذلك ضياع الأجيال الصاعدة في العالَ، وتفاقم الأزمة التَبوية في العالَ كله ، وما تعانيه البشْية من آلام ومصائب ليست إلا نتيجة منطقية للتَبية الضائعة. إن التَبية الإسلامية كعلم تربوي تجمع بي العلوم والْصادر الشْعية الإسلامية من جهة، والعلوم والْصادر التَبوية من جهةٍ أُخرى. وهي بذلك متميزةٌ ومنفردةٌ عن غيَها من أنواع التَبية الأخرى التي جرت العادة أن تعتمد في مصادره ا علَ فلسفاتٍ، أو نظرياتٍ، أو مذاهب، أو أفكار، أو نحو ذلك من الاجتهادات و الآراء البشْية الْختلفة. وبذلك يمكن القول: إن مصادر التَبية الإسلامية تنقسم إلَ قسمي رئيسيي هما: ١- الْصادر الأصلية (الإلَية): وتتمثل في آيات القرآن الكريم، وأحاديث السنة النبوية الثابتة التي تشتَك جميعها في كونَّا جاءت وحيًا من الله الخالق . وهي مصادر أساسية لا يمكن أن تتحقق التَبية الإسلامية الصحيحة أو تقوم بدونَّا. ٢- الْصادر الفرعية (البشْية): وتشمل مجموع تراث ومنهج السلف الصالح لَذه الأمة، وما فيه من اجتهاداتٍ، وآراء، وأفكارٍ، و تطبيقاتٍ تربويةٍ لعلماء، وفقهاء، ومفكري الْسلمي في الماضي والحاضْ ؛ إضافةً إلَ مجموع الدراسات، والأبحاث، والْلاحظات العلمية الُْعاصرة التي تُعنى بالْانب التَبوي وقضاياه الْختلفة؛ شُيطة

عدد الصفحات ١٧

18 ألاّ يؤخذ من هذه الْصادر إلا ما كان صحيحًا، وصالحًا، وإيجابيًا، وغيَ مت عارضٍ مع ما جاء في الْصادر الأصلية الْتمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية الْطهرة. والأسرة لَا أهمية بالغة في التَبية، إذ أنَّا هي أول منشأ ينشأ فيه الطفل ويتأثر بأفراده وذلك في أهم وأخطر مرحلة في تربية الطفل وهي السنوات الأولَ من حياته (سنوات ما قبل الْد رسة) إذ في هذه السنوات يكون ما يغرس في نفس الطفل عميقا جدًا فلا تسهل إزالته أو تغييَه بعد ذلك. ومن هنا كان للأسرة تلك الأهمية الكبيَة في بناء الْجتمع فهي اللبنة الأساسية لبنائه وهي الْحضن الأول لتخريج وإعداد أفراده. وقد فطن لأهمية دور الأسرة هذا أعداءُ الإسلام فلم يألوا جهدًا في سبيل تدميَها والقضاء عليها فبذلوا في سبيل ذلك كل محاولة، ومن وسائلهم لتحقيق هذا المأرب ما يلي:  إفساد الْرأة الْسلمة ودعوتها إلَ التخلي عن مهمتها الأساسية في رعاية الأسرة وإعداد الْيل.  إفساد النشء بمحاولة تربيتهم في محاضن بعيدة عن ا سرة ليسهل إفسادهم فيما بعد.  إفساد الْجتمعات بنشْ الفساد والانحلال فيها مِا يضمن تدميَ ا والأفراد والْجتمع بأكمله. إن أبناءنا هم عماد الأمة والطاقة الشابة التي نرجو أن تكون هم تهم عالية في السعي لردع أعدائنا وحماية ديننا والنهوض بأمتنا وأن يجعل الله علَ أْديُم نصِّة هذا الدين وإعلاء كلمة الله . لذلك يجب علَ أولياء الأمور اتخاذ أسلوب الْ دية في تربية الأبناء لكي ينتج جيلٌ قويٌّ علَ قدر الْسئولية، لديه إحساس بواجبه نحو إخوانه الْسلمي في الداخل والخارج؛ لكي تنهض الأمة وتستعد لْواجهة الأعداء الذين يتَبصون بنا.

عدد الصفحات ١٨

المقدمة 19 وهذا الكتاب محاولة لْمْ ع أهم وأفضل ما كتبه أهل العلم وذو و الخبَّة من الْربي والْعتني بالتَبية؛ لعله يكون إعانةً لنا جميعًا في تربية أبنائنا: وتذكيًَا لْن أضاع أمانته، وفرَّط في مسؤوليته، لعله يتدارك بعض ما فاته. أسأل الله أن يجعل هذا الكتاب خالص ا لوجهه الكريم، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين. ربَّنا هَب لنا من أزواجِنا وذريَّاتِنا قرَّةَ أعيٍُ واجعَلْ نا للمتَّقي إمامًا، اللهُمَّ نسألُك الذريَّ ةَ الصَّالحةَ التي تكونُ عِز ا للإسلامِ والْسلمي. اللهُمَّ أصلِح أولادَ الْسلمي وبناتهِم ، واجعَلهُم ق رَّةَ أعيٍ لآبائهم وأمَّهاتهِم ، وحبِّب إليهم الإيمانَ وزيِّنه في قلوبِِم وكرِّه إليهم الكُفرَ والفُسوقَ والعصيانَ واجعلهُم من الرَّاشدين . اللهم أصلِ حْ لنا أبناءنا، ووفِّ قْ نا إلَ حسن تربيتهم، واجعلهم عونًا لنا في الدنيا، وذُخْ رًا لنا في الآخرة، و اجعلهم بعد موتنا من العمل الصالح الذي لا ينقطع. وصلَ الله وسلم وبارك علَ عبده ونبيه - سيدنا محمد - وعلَ آله وصحبه ومن اهتدى بِديه إلَ يوم الدين. شحاتة محمد صقر sakrmhma@yahoo.com

عدد الصفحات ١٩

20 K k الفصل الأول: نماذج من التَبية النبوية. (أكثر من 0 حديثا الفصل الثاني : مجالات التَبية الإسلامية : (التَبية الرُ وحية - التَبية الخلقية - التَبية العقلية- التَبية الْسدية- التَبية الإبداعية: تنمية الإبداع والابتكار- التَبية الْنسية ). الفصل الثالث: تربيــــة الأولاد، قواعد وأصول في سطور. (لماذا تربية الأبناء؟ التَبية الصحيحة - حقوق الولد علَ والديه - مُ سَ لّ مات في طريق التَبية - التوازن في التَبية - أساليب التَبية الإسلامية - وسائط التَبية الإسلامية - معالَ في البناء التَبوي - صفات الْربِ الناجح - الْسؤوليات الكبَّى لل والدين - الأولاد يتعلمون حسبما يعامَ لون – أكثر من 0 نصيحة هامة للآباء – 0 كبسولات في تربية الأبناء). الفصل ال رابع: حاجة الوالدين لعلم نف س النمو . (مرحلة الرضيع - مرحلة الطفولة الْبكرة - مرحلة الطفولة الْتأخرة - مرحلة الْراهقة). الفصل الخامس: وسائل تربوية. وسائل وأساليب معينة علَ تَقيق التَبية السليمة: (التَبية بالقدوة - التَبية بالْوعظة - التَبية ب أخذ العبَّة من الأحداث والْواقف - التَبية بالقصة - التَبية بالْداعبة - التَبية بالتَويح والتَفيه - التَبية من خلال الْناقشة والْحاورة - التَبية بالتَغيب: التَبية بالْكافأة - الثناء الْنضبط وسيلة تربوية - التَبية بالتَهيب: التَبية بالعقوبة - التَبية بالعادة - التَبية بالْلاحظة والْتابعة - التَبية بالحب - الإيحاء الإيجابِ وسيلة للتَبية - الْلسة الأسرية - التَبية بتفريغ الطاقة وشَ غْ ل وقت الفراغ – الرسالة - الاستعانة بإمام الْسجد أو بأحد طلبة العلم ). ٨١ وسيلة تربوية. الفصل السادس: فن التعامل مع الأبناء. الفصل ال سابع: برامج وأفكار في تربية الصغار والك بار: (أهم برنامج: صلاح الأب والأم - الدعاء للأولاد بالصلاح - تربية الطفل علَ مراقبة الله – ٢٥ فكرة لتَبية

عدد الصفحات ٢٠

المقدمة 21 الأبناء في الإسلام - مائة فكــرة لتَبيــــة الأسـرة - كيف أرسخ حب النبي في قلب ولدي - البنات والحجاب - تربية الطفل علَ العبادة - خطوات عملية لتَبية الأبناء علَ العمل لَذا الدِّين - حتى لا تكون أسرتك في ذيل القائمة - كيفية تنمية ثقة الطفلة بنفسها - خمسون فكرة لزرع الثقة في طفلك - طفلك الْوهوب ليس قنبلة موقوتة - لقاء أسري لحل الْشكلات - كيف نساعد أطفالنا علَ النطق - كيف نساعد الأطفال علَ تقوية الذاكر ة والتذكر - مع طفلك ، بي الحنان والتدليل شعرة - كيف تعلمي ابنك الاستقلالية - التعامل مع الأطفال أثناء الأزمات - دور الوالدين أثناء الامتحانات - أفكار منزلية لتسلية أبنائك في الإجازة - أنشطة للأطفال داخل الْنزل). الفصل الث امن: أخطاء في تربية الأبناء : (التقصيَ في تربية الأولاد – ٧٤ خطأ في تربية الأبناء - الأساليب الخاطئة في تربية الأبناء وآثرها علَ شخصياتهم - أمثلة تطبيقية لسوء معاملة الطفل تربويًا - بعض الأخطاء الشائعة في التعامل مع الأطفال - أخطاء في نوم الطفل ينبغي أن يحذرها الوالدان - من أخطاء الآباء عدم تعليم أبنائهم أدب الاستئذان). الفصل التاسع: مشكلات وحلول (٣0 مشكلة ومقتَحات لحلها): (متى نعتبَّ سلوك الطفل مشكلة تَتاج إلَ علاج؟ أهمية علاج مشكلات الطفولة - مشكلة الكذب عند الأطفال - مشكلة ضعف الرغبة في الدراسة - مشكلة تَارض الأبناء عند الذهاب للمدرسة - مشكلة إهمال الطلاب للواجبات الْدرسية - مشكلة النسيان عند الأطفال - مشكلة النشاط الحركي الزائد - مشكلة الشعور بالنقص - مشكلة الشجار بي الأبناء - مشكلة السلوك العدواني لدى الأ طفال - مشكلة العناد ع ند الأطفال - مشكلة الخجل عند الأطفال - مشكلة الخوف عند الأطفال - مشكلة الأنانيــة عند الأطفال - مشكلة التبول اللا إرادي عند الأطفال - مشكلة الغيَة عند الأطفال - مشكلة الألفاظ النابية - مشكلة السقة - مشكلة الانطواء عند الأطفال - مشكلة الفوضوية عند الأطفال - مشكلات النوم عند الأطفال - مشكلة تأتأة الأ طفال- مشكلة نوبات الغضـب - مشكلة قلق الانفصال عنـد الأطفال - مشكلة مص الأصـابع عند الأطفال - مشكلة قضم الأظافر - مشكلة نكْش الأنف بالأصبع - مشكلة طحن

عدد الصفحات ٢١

22 الأسنان - عادات الأطفال السيئة: الأسباب والحلول - تساؤلات الطفل الْحرجة وكيفية الإجابة عنها - آخر العنقود الظالَ والْظلوم - كيف نحمي أولادنا من رفاق السوء والْخدرات - جنوح الشباب ومشكلات الانحراف). الفصل العاشُ: استشارات تربوية: (0 استشارة تربوية

عدد الصفحات ٢٢

نماذج من التربية النبوية 23  نماذج من التربية النبوية نحن أمة لا ت سق ي إلا من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا تقتبس إلا من مشكاة النبوّة التي أضاءت الكون بآفاقه وأعماقه ، ولنا أصالتنا، ولنا تاريخنا ومجدنا المشرق الذي أقامه الإسلام، ولن يعود إلينا إلاّ إذا ع دنا إلى الإسلام كما قال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب « :إِنَّا ك نَّا أ ذ لَّ ق وْمٍ ف أ ع زَّن ا ا بِالإِْسْلا مِ ، ف م هْما ن طْل ب الْعِزَّة بِغ يِْْ م ا أ ع زَّن ا اللََّّ بِهِ أ ذ لَّن ا اللََّّ ». (رواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، والألباي).. وها هنا بعض كنوز السنة في تربية الأبناء، تبينّ أن نرريات الغرب المهترئة ما هي إلاّ كالطفيليات على شجرة التربية . فالغرب الحائر ليس ل ه إلاّ عالم المادّة والآلة ويهرج الحياة ومتاعها الحسي الغليظ، أما عالم القيم والأخلاق ؛ ف إنه من شأننا نحن المسلمين. والطفولة المعذّبة على امتداد هذا العالم تحتاج - كما تحتاج الإنسانية جمعاء - إلى الإسلام وإلى قِ ي م الإسلام ، وإلى منهاج الإسلام في التربية ، فهو - وحده - الذي يستطيع أن ينتشل الطفولة من الضياع، وهو - وحده - الذي بإمكانه أن ينقذ الفطرة في نفوس هؤلاء الأطفال من الح يْْة ، ومناهج ه هي الكفيلة بأن ت نشئ طفولة سويّةً وفق المنهج الربّاي). ويا ليتنا - نحن المسلمين - ندرك هذه الحقيقة قبل غيْنا؛ فنربِّي أبناءنا على ضوء كتاب الله ، ووفق سنة رسول الله . 1- التربية مسؤولية: ع نْ ع بْدِ اللََِّّ بْنِ ع م ر أ نَّ ر س و ل اللََِّّ ق ال : «ألا ك لُّك مْ ر اعٍ و ك لُّك مْ م سْئ ول ع نْ ر عِيَّتِهِ ، ف الأ مِيْ الَّذِ ي ع لى النَّاسِ ر اعٍ و ه و م سْئ ول ع نْ ر عِيَّتِهِ ، و الرَّج ل ر اعٍ ع لى أ هْلِ ب يْتِهِ و ه و م سْئ ول ع نْه مْ ، و المْ رْأ ة ر اعِي ة ع لى ب يْتِ ب عْلِه ا و و ل دِهِ و هِى م سْئ ول ة ع نْه مْ » (رواه البخاري ومسلم إن التربية مسؤولية، فهل وقف كل منّا أمام هذه الحقيقة العريمة: «و الرَّج ل ر اعٍ

عدد الصفحات ٢٣

د 24 ع لى أ هْلِ ب يْتِهِ و ه و م سْئ ول ع نْه مْ ، و المْ رْأ ة ر اعِي ة ع لى ب يْتِ ب عْلِه ا و و ل دِهِ و هِى م سْئ ول ة ع نْه ـــــمْ »؟ وهل يستشعر كل منّا هذه المسؤولية الجسيمة؟ فلابدَّ من الوقوف بين يدي الله ولابدَّ من السؤال ، فهل أعددنا للسؤال جوابً ا؟ ثم هل أعددنا للجواب صوابً ا؟ وهنا تتضح المسؤولية. كيف نحن وتربية الأبناء؟ على أيي نشأةِ ِ نشَّ أناهم؟ وبأيي تربيةِ ِ ربَّ يناهم؟ ولأيي غايةِ ِ أعددناهم؟ لابدَّ من مراجعة حساباتنا في تربية أبنائنا ، وتصحيح المسار، والعودة بالتربية إلى نهجها الأصيل، وأسلوبها الجميل المستم دّ من كتاب الله ، وسنّةِ رسوله ، وعلينا أن نضع مقاييس الطاعة والمعصية ، والحلال والحرام ، والخطأ والصواب ، والمعروف والمنكر، وما يوافق ر وح الإسلام وما يضادُّها في تربيتنا لأبنائنا ، إلى جانب مقاييس العاطفة، والنرر إلى عنصري الزمان والمكان، وتغيّْات الأحوال. ليس صحيحً ا ألاّ نفهم من التربية إلاّ تغذية البدن ، ورعاية الصحة ، أو حمل العصا، وإصدار الأوامر والنواهي، بعيدً ا عن الضوابط الشرعَّية ، والسنن المرعيّة. فلْ نتق الله في هذه الفِط ر السليمة، والأنفس الزكية، وقد ولاّنا الله أمرها، ولنتذكر - دائما وأبدً ا - أننا مسئولون! 2- مِنْ هُنَا نَبْدَأ : ع نْ ع ائِش ة أ نَّ ر س ول اللََِّّ ق ال : «تُ يْي وا لِن ط فِك مْ، ف انْكِح وا الأْ كْف اء ، و أ نْكِح وا إِل يْهِمْ » (رواه الحاكم ، وابن ماجه، وحسّنه الألباي).. وع نْ أ بِى ه ر يْر ة ق ال : ق ال ر س ول اللََِّّ : «إِذ ا أ ت اك مْ م نْ ت رْض وْن خ ل ق ه و دِين ه ف ز ويج وه إِلاَّ ت فْع ل وا ت ك نْ فِتْن ة فيِ الأ رْضِ و ف س اد ع رِيض » (رواه ابن ماجه، وحسّنه الألبا إن اختيار الزوج الصالح والزوجة الصالحة هو الخطوة الأولى في طريق التربية الطويل. وهذا هو توجيه رسولنا الحبيب : «تُ يْي وا لِن ط فِك مْ »،ليدرك المسلم قبل أن يختار الزوجة التي يريد أن ينكحها - أنه سيختار أم ا لأولاده، ومحضنً ا لذريّته، وحِ جْ رً ا لفلذات فؤاده ؛ فإنْ أحسن الاختيار فقد أحسن إلى ذريّته ، وحريي بأولاده أن ينشؤوا على الصلاح ، وإن أساء الاختيار ، فقد أساء إلى ذريته ، وظلمها وهي لا تزال نطفة في

عدد الصفحات ٢٤

نماذج من التربية النبوية 25 صلبه؛ حين وضعها في غيْ محلها. «وإنك لا تجني من الشوك العنب» ولكنما هي الكفاءة؟ أهي كفاءة الحسب والنسب؟ أم كفاءة المال والجمال؟ إن ال كفاءة إنما هي في الخ ل ق والدين ، وفي ذلك يقول : «ت نْك ح المْ رْأ ة لأ رْب عٍ لمِ الِِ ا و لحِ س بِه ا و جم الِِ ا و لِدِينِه ا، ف اظْف رْ بِذ اتِ الديينِ ت رِب تْ ي د اك »(رواه البخاري ومسلم وفي الجانب الآخر يوصي نبينا الزوجة وأولياء الزوجة بقوله: « إِذ ا أ ت اك مْ م نْ ت رْض وْن خ ل ق ه و دِين ه ف ز ويج وه إِلاَّ ت فْع ل وا ت ك نْ فِتْن ة فيِ الأ رْضِ و ف س اد ع رِيض ». فهذا هو الزواج الإسلامي السعيد: زوج صالح ، وزوجة صالحة، فما أجمل أن تتفتَّ ح عيون الأبناء على أبٍ تقيي نقيّ ، صالحٍ م صلحٍ ، عابدٍ زاهد ، يتتبع مرضاة الله ، ويتجنب معاصيه ، ويرجو رحمة الله ، ويخشى عقابه ، ذي دين قويم ، وخ لق كريم ، وقلبٍ سليم ، ح س ن العشرة ، لينيِ الجانب، د مِث الأخلاق، ويهتدي بهدي الرسول في جليل الأمور وصغيْها. وكذلك ما أجمل أن تتفتّ ح عيون الأبناء على أمٍّ ذاكرةٍ شاكرة ، صائمةٍ قائمة ، مطيعةٍ لزوجها محسنةٍ في تربية أبنائها ، قائمة بها أوجب الله علي ها، قد أدركت تمام الإدراك مسؤولياتها في تربية أبن ائها، وت ن شي ئهم ال تنشئة الإسلامية الكريمة ؛ ليكونوا في الغد المشرق حم لةً لراية الكفاح ، وقادةً للمجد ، ومشاعل للنور والِدى؛ فتقرُّ بهم عين أمتهم، وي كتب لِا العزُّ والتمكين. 3- إذا أراد أن يأتي أهله ع نِ ابْنِ ع بَّاسٍ ق ال : ق ال النَّبِ يُّ : «ل وْأ نَّ أ ح د ه مْ إِذ ا أ ر اد أ نْ ي أْتِ أ هْل ه ق ال : «بِاسْمِ اللََِّّ، اللَّه مَّ ج نيبْن ا الشَّيْط ان ، و ج نيبِ الشَّيْط ان م ا ر ز قْت ن ا »، ف إِنَّه إِنْ ي ق دَّرْ ب يْن ه ما و ل د فيِ ذ لِك ، لم ْ ي ضُ َّه ش يْط ان أ ب دًا »(ر و اه ا لْب خ ارِيُّ و م سْلِم .. سبحان الله! ما أعرم اهتمام الإسلام بالأبناء! حتى في هذه اللحرة ، لحرة الجماع، وفو ران الشهوة، ينبغي على الأب أن يتذكّر أنه قد ي رزق من هذا الجماع بولد، له حقوق على والده، ومن أعرم هذه الحقوق، وأخطرها قدرً ا، حماية الابن من الشيطان ، ووقايته من كيده؛ حتى وإن كان هذا الابن مستورً ا في رحم الغيب.

عدد الصفحات ٢٥

د 26 فهل يتذكّر الأب المسلم هذا الأمر ، ويوطّن نفسه أن يقول عند كلي جماع: «بِاسْمِ اللََِّّ، اللَّه مَّ ج نيبْن ا الشَّيْط ان ، و ج نيبِ الشَّيْط ان م ا ر ز قْت ن ا »؛لعله إن رزق بولد من ذلك «لم ْ ي ضُ َّه ش يْط ان أ ب دًا » وقد سلكالعلماء في قوله : «لم ْ ي ضُ َّه ش يْط ان أ ب دًا » مسالك متعددة، فقيل: المعنى لم ي سلَّط عليه من أجل بركة التسمية، بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم: ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ (الحِ جر: ٢٤.. وقيل: المراد لم يصرعه، وقيل: لم يضُّه في بدنه ، وقيل: لم ي فْ تِ نْ ه عن دينه إلى الكفر، وليس المراد عصمته منه عن المعصية، وقيل غيْ ذلك. 4- أو ولد صالح يدعو له: ع نْ أ بِى ه ر يْر ة أ نَّ ر س ول اللََِّّ ق ال : «إِذ ا م ات الإِنْس ان انْق ط ع ع نْه ع م ل ه إِلاَّ مِنْ ث لا ث ةٍ : إِلاَّ مِنْ ص د ق ةٍ ج ارِي ةٍ ، أ وْ عِلْمٍ ي نْت ف ع بِهِ ، أ وْ و ل دٍ ص الِحٍ ي دْع و ل ه » (رواه مسلم.. هذا الحديث أصل في حثي الآباء والأمهات على السعي الجاد ، والعمل الدائب في إصلاح الأبناء، وتنشئتهم النشأة الإسلامية القويمة؛ لعلمهم أنّ لل ولد الصالح بركةً تعود على والديه في حياتهما، وبعد موتهما، وفي الآخرة يوم البعث والجزاء. فهو في الحياة الدنيا بار بوالديه، مطيع لِما ، قائم على شؤونهما ، وبعد أن تنقضي آجالِما وتنقطع أعمالِما ، ويصبحا تحت أطباق الثرى وي ال بينهما وبين العمل وكسب الثواب، يأت هذا الولد الصالح؛ فيدعو لوالديه، ويستغفر لِما، فلا ي ر م هذان الأبوان من الأجر، وهما في ظلمة القبر! وعندما يقوم الحساب ، وي فضيِ كل إنسانٍ إلى ما قدّم وأخّر ؛ تأت بركة الولد الصالح - أيضًا - فع نْ أ بِِّ ه ر يْر ة ق ال : ق ال ر س ول اللهِ : «إِن الله ع زَّ و ج لَّ ل يْ ْف ع الدَّر ج ة لِلْع بْدِ الصَّالِحِ فيِ الجْ نَّةِ ، ف ي ق ول : «ي ا ر بي ، أ نَّى لِِ ه ذِهِ؟ »،ف ي ق ول : «بِاسْتِغْف ارِ و ل دِك ل ك »(ر و اه أ حمْ د ، و ابن ماجه، وصححه الألباي).. فمنفعة الولد الصالح تعود أوّلاً وآخرً ا على والديه ، وذلك إنْ أحس ن ا إليه في

عدد الصفحات ٢٦

نماذج من التربية النبوية 27 التربية؛ فإن الله سي حسن إليهما في المثوبة، كيف لا وهو القائل : ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ؟! (الرحمن: 60.. 5- كُن له سِتر ا من النار: ع نِ ع ائِش ة ز وْجِ النَّبِ يي ق ال تْ : ج اء تْنِ ي امْر أ ة م ع ه ا ابْن ت ا نِ ت سْأ ل نِ ي، ف ل مْ تج ِدْ عِ نْدِ ي غ يْْ تم ْر ةٍ و احِد ةٍ، ف أ عْط يْت ه ا ، ف ق س م تْه ا ب ينْ ابْن ت يْه ا، ث مَّ ق ام تْ ف خ ر ج تْ ، ف د خ ل النَّبِ يُّ ف ح دَّثْت ه ف ق ال : «م نِ ابْت لىِ مِن الْب ن اتِ بِ ش ْ ءٍ ف أ حْس ن إِل يْهِنَّ ك نَّ ل ه سِترًْ ا مِن النَّارِ »(ر و اه الْب خ ارِيُّ و م سْلِم وع نْ أ ن سِ بْنِ م الِكٍ ق ال : ق ال ر س ول اللََِّّ : «م نْ ع ال ج ارِي ت ينِْ ح تَّى ت بْل غ ا ج اء ي وْم الْقِي ام ةِ أ ن ا و ه و »و ض مَّ أ ص ابِع ه (رواه مسلم.. ورواه الترمذي بلفظ: «م نْ ع ال ج ارِي ت ينِْ د خ لْت أ ن ا و ه و الجْ نَّة ك ه ات ينِْ »و أ ش ار بِأ صْب ع يْهِ هذان الحديثان - وغيْهما كثيْ - مما يدلّ على فضل البنات ، والتأكيد على حقوقهنّ ، والندب إلى الإحسان إليهنّ بشتّى صور الإحسان: من الإحسان إليهنّ في التربية، وفي ا لنفقة، وفي المعاملة ، ونحو ذلك . فإن التسخّط بالإناث ، والتبرّم منهنّ ، وكراهية وجودهن من أخلاق الجاهلية ، الذين ذمّهم الله في قوله: ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ (النحل: 58 - 59.. والإناثفضلهنّ في الدنيا مشهور لا ي نكر ، وذ لك لم ا يمت زْ ن به مِ ن ح سن الص حبة ، وكمال البر، ولين الجانب، وأمّا فضل هن في الآخرة فالستر من النار ، ومرافقة سيد الأبرار في خيْ دار. 6- أحب الأسْمَاء: ع نِ ابْنِ ع م ر ق ال : ق ال ر س ول اللََِّّ : «أ ح بُّ الأ سْما ءِ إِلى اللََِّّ ت ع الى ع بْد اللََِّّ و ع بْد الرَّحمْ نِ » (رواه أبو داود، وصححه الألبا.

عدد الصفحات ٢٧

د 28 هذا الحديث أصلّ في طلب الاسم الحسن للمولود ؛ فإن الاسم عنوان المسمّى ، ودليل عليه، وضرورة للتفاهم معه ، وهو للمولود زينةً ووعاء ، وشعار يدعى به في الآخرة والأولى ، وتنويه بالدين ، وإشعار بأنّ ه من أهله ، ولِذا صار من يملك حقَّ التسمية (الأب. مأسورً ا في قالب الشرعية ، ولسانها العربِّ المبين ؛ حتى لا يجني على مولوده باسم يشين ه. فيا من رزقه ربُّه بمولود، اتق الله في هذا المولود، ولا تج ْنِ عليه في مستهل حياته باسم غيْ مشروع، أو مبتورٍ عن لغة العرب الخ الدة، أو م ستهجنٍ في العقل والذوق ، بل إن الواجب عليك أن تربط هذا المولود بأسماء السلف الصالح ، وما نطق به اللسان العربِّ؛ لِت ب ثَّ في نفس مولودك معاي) العزة والكرامة ، والط هر والصلاح؛ فينشأ حلقة صالحة في سلسلة المجد الإسلامي. وقد ذكر الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه «تسمية المولود»أصولاً مهمّة في التسمية ، ينبغي على كل أب مسلم يرجو الله والدار الآخرة أن يقف عندها قبل أن يسمّي مولوده؛ ليعبد الله على بصيْة، وإليك ملخّ ص هذه الأصول: 1- وقت التسمية: جاءت السنّة عن النبي في ذلك على ثلاثة وجوه: تسميته يوم سابعه، تسميته يوم ولادته، تسميته إلى ثلاثة أيّامٍ من ولادته، وهذا اختلاف تنّوع يدل على أن في الأمر سعة، والحمد لله رب العالمين. ٢- التسمية حق للأب: لا خلاف في أن الأب أحق بتسمية المولود ، وليس للأمي حق منازعته ، وبناءً على ذلك ، فعلى الوالدة عدم المشادّ ة والمنازعة ، وفي التشاور ميدان فسيح للتراضي والأ لفة، وتوثيق حبال الصلة بينهما. 3- المولود ي نسب لأبيه لا إلى أميه ٤- حسن الاختيار: يجب على الأب اختيار الاسم الحسن في اللفظ والمعنى في قالب النرر الشرعي، واللسان العربِّ. 5- مراتب الأسماء، استحبابً ا وجوازً ا، خمس مراتب: أ- استحباب التسمية بهذين الاسمين: عبد الله ، وعبد الرحمن ، وهما أحب

عدد الصفحات ٢٨

نماذج من التربية النبوية 29 الأسماء إلى ا . ب- استحباب التسمية بالتعبيد لأيي من أسماء الله الحسنى ، نحو: عبد العزيز، عبد الملك. ج- التسمية بأسماء أنبياء الله ور سِله ، نحو: إبراهيم، يوسف، محمد . د- التسمية بأسماء الصالحين من المسلمين، وصحابة رسول الله هم رأس الصالحين في هذه الأمة، وزوجاته ه نَّ رأس الصالحات في هذه الأمة. هـ- غيْ ذلك من الأسماء المستوفية لشرط التسمية وهي: أن يكون الاسم عربيً ا، أن يكون حسن المبنى والمعنى لغةً وشرعً ا، ومراعاة قلّة حروف الاسم ما أمكن، ومراعاة خفّة النطق به على الألسن. 6- الأسماء المحرمّة كلُّ اسم معبّد لغيْ الله نحو: عبد الرسول، عبد الحسين، ومن هذا الغلط في التعبيد لأسماء ي رنُّ أنها من أسماء الله وليست كذلك ، مثل: عبد المقصود، عبد الستار. وتحرم التسمية بأسماء الله مثل: الرحمن ، الباري، وتحرم التسمية بالأسماء الأعجمية المولّدة للكافرين ، نحو؛ بطرس، جرجس، جورج، ديانا، وتحرم التسمية بأسماء الأصنام المعبودة من دون الله، نحو: اللات، هبل، إساف. وتحرم التسمية بنحو: ملك الأملاك، سلطان السلاطين، حاكم الحكام، قاضي القضاة. سيّ د الناس ، ست النساء ، وتحرم التسمية بأسماء الشياطين ، نحو: إبليس ، خنزب، الولِان. 7- الأسماء المكروهة تكره التسمية بها تنفر منه القلوب؛ لمعانيها، أو ألفاظها، أو لما تثيْه من سخرية وإحراج لأصحابها، نحو: حرب، م رّة ، فاضح.

عدد الصفحات ٢٩

د 30 ويكره التسمّي بأسماء فيها معانٍ شهو انية، وهذا في تسمية البنات كثيْ ، نحو: ناهِد (فتاة ارتفع ثديه ا وبر ز .، شادية (مغنية.، فتنة، فاتن(أي: بجمالِا.، أحلام، أريج، عبيْ، غادة (وهي التي تتثنَّ ى تيهًا ودلالاً .. ويكره تعمدُّ التسمي بأسماء الفسّاق الماجنين من الممثلين ، والمطربين، وع ماّر خشبات المسا رح باللهو الباطل ، وتكره التسمية بأسماء فيها معانٍ تدلّ على الإثم والمعصية، كمثل: ظالم، سرّاق ، خائن. وتكره التسمية بأسماء الفراعنة والجبابرة، نحو: فرعون، قارون، ويكره التسّمي بأسماء الحيوانات المشهورة بالصفات الم ستهجنة ، نحو: ح ن ش ، كلب، حمِار ، وتكره التسمية بكل اسم مضاف إلى لفظ (الدين. ، نحو: نور الدين ، سيف الدين ، ونور الإسلام ونحوها، وتكره التسمية بالأسماء المركّبة، مثل: محمد أحمد، محمد سعيد. وعلى من ابتلي بمثل هذه الأسماء التي تنكرها الشريعة ، ويأباها الذوق العربِّ أن يبادر إلى تغييْها إلى أسماء حسنة، ومقبولةٍ شرعً ا ولغةً ، والله الموفق لكل خيْ. 7- ليس منا: ق ال ر س ول اللهِ : «ل يْس مِنَّا م نْ لم ْ ي رْح مْ ص غِيْ ن ا، و ي عْرِفْ ح قَّ ك بِيِْن ا » (ر و اه أ حمْ د وأبو داود، وصححه الألباي).. ع نْ أ بِى ه ر يْر ة أ نَّ الأ قْر ع بْن ح ابِسٍ أ بْصر النَّبِ يَّ ي ق بيل الحْ س ن ، ف ق ال : «إِنَّ لِِ ع شر ةً مِن الْو ل دِ م ا ق بَّلْت و احِدًا مِنْه مْ »، ف ق ال ر س ول اللََِّّ : «إِنَّه م نْلا ي رْح مْ لا ي رْح مْ » (رواه البخاري ومسلم إن الرحمة بالصغار حق واجب، وم ن لا يرحم الصغيْ فليس على طريقة المسلمين، وليس متّبِعًا لسنة سيد المرسلين ؛ فهذه النفوس البريئة ، والأجسام الغضّة الطريّة ، والعقول الساذجة ، أحوج ما تكون إلى اليد الحانية ، والعين الراعية ، والق بلة الضافية، والكلمة الطيبة، والمعاملة الحسنة. إن أبً ا قاسي القلب ، نافر الطباع ، خ شِن المعاملة مع أطفاله - أب قد تغيّبت معاي) الأ بوة عن ذهنِه، بل تجرّدت معاي) الإنسانية من نفسه.

عدد الصفحات ٣٠

نماذج من التربية النبوية 31 وكذلك الحال بالنسبة للأم التي لا ترحم صغارها ، ولا تعطف عليهم ، ولا تلين في أيديهم، ولا تتودّد إليهم؛ فإن هذه الأم قد انتكست فطرته ا، وتجرّدت من مشاعر الأمومة الحانية، ولك أن تتخيّل أم ا بلا مشاعر ، بلا رحمة ، بلا عطف وشفقة على صغارها؛ فكم تجني هذه الأم على نفسها، وكم تجني على أطفالِا، لو كانت تعقل وت عِ ي. فمن الجدير بالآباء والأمهات أن يملؤوا قلوب أبنائهم حبً ا لِم، وقربً ا منهم، بالرحمة وحسن المعاملة؛ حتى لا يذهب هؤلاء الأبناء ليبحثوا عن الحبي في مكان آخر، ولنا في رسول الله أسوة حسنة، فع نْ أ ن سِ بْنِ م الِكٍ ق ال : «م ا ر أ يْت أ ح دًا ك ان أ رْح م بِالْعِي الِ مِنْ ر س ولِ اللََِّّ ». (رواه مسلم وع نْ ع بْدِ اللََِّّ بْنِ ج عْف رٍ بْنِ أ بِِّ ط الِبٍ ق ال : «ك ان النَّبِ يُّ إِذ ا ق دِم مِنْ س ف رٍ ت ل قي ي بِن ا، ف ت ل قي ي بِِّ و بِالحْ س نِ أ وْ بِالحْ س ينِْ ، ف ح م ل أ ح د ن ا ب ينْ ي د يْهِ و الآخ ر خ لْف ه ح تَّى د خ لْن ا المْ دِين ة ». (ر و اه م سْلِم 8- إذ ا غربتِ الشمسُ: عن ج ابِرِ بْنِ ع بْدِ اللََِّّ ق ال : ق ال ر س ول اللََِّّ : «إِذ ا ك ان ج نْح اللَّيْلِ - أ وْ أ مْس يْت مْ - ف ك فُّوا صِبْي ان ك مْ ف إِنَّ الشَّيْط ان ي نْت شرِ حِين ئِذٍ ف إِذ ا ذ ه ب س اع ة مِن اللَّيْلِ ف خ لُّوه مْ » (رواه البخاري ومسلم هذا الحديث من كمال عناية الإسلام بالأطفال ؛ فإن الإسلام ي عنى بحفظ الأطفال من الشرور الباطنة الخفيّة كما ي عنى بحفرهم من الشرور الراهرة الجليّة. وهذا توجيه نبويي كريم للآباء بحبس أبنائهم ، ومنعهم من الخروج عندما يقبل الليل برلامه؛ وذلك لأن هذه الساعة «ساعةتنتشر فيها الشياطين» ولكن ما الخطورة في ذلك؟ تأت الإجابة من حديث آخر، بقوله « :ف إِنَّ لِلْجِني انْتِش ارًا و خ طْف ةً »(ر و اه الْب خ ارِيُّ.. وهذا واقع مشاه د ، وهو أن كثيًْ ا ممن يصابون بمسي الج اني ، أو يتعرضون لاختطافهم، إنّما يدث لِم ذلك في هذه الساعة الأولى من الليل، فهل يعي ذلك الذين أهملوا أبناءهم، وعرَّ ضوهم للأخطار من حيث يشعرون أو لا يشعرون؟

عدد الصفحات ٣١

د 32 ولكن هل يستمر هذا المنع طوال الليل؟ يقول الرسول الكريم في حديث آخر: «ف إِذ ا ذ ه ب س اع ة مِن اللَّيْلِ ف خ لُّوه مْ »،ولكن مادامت العين رقيبة، والمتابعة موجودة؛ فإنهم إن يسلموا من شياطين الجن، فقد لا يسلمون من شياطين الإنس الذين ياولون جرَّهم إلى الِاوية ، وسحْ ب هم إلى مزالق الانحراف. 9- مُلاعَبة الأطفَال: ع نْ أ بِِّ ه ر يْر ة ق ال : ك ان ر س ول اللََِّّ ل ي دْلِع لِ س ان ه لِلْح س نِ بْنِ ع ليٍِّ ، ف يْ ى الصَّبِيُّ حم ْر ة لِس انِهِ ف ي بْه ش إِل يْهِ »( .رواه أبو الشيخ الأصبهاي) في كتاب "أخلاق النبي وآدابه"، وحسّنه الألباي).. (أدلع لِس انه. أخرجه (ف ي بْه ش . أي يسرع. يقال للإنسان إذا نرر إلى الشء فأعجبه واشتهاه وأسرع إليه: قد بهش إليه. وعن أنس ق ال : «ك انالنَّ بِ يُّ ي لا عِب ز يْن ب بِنْت أ مي س ل م ة ، و ي ق ول : «ي ا ز و يْنِب ، ي ا ز و يْنِب »، مِر ارً ا» .(رواه الضياء المقدسي في " الأحاديث المختارة"، وصحح إسناد ه الألباي)ُّ.. وع نْ مح ْم ودِ بْنِ الرَّبِيعِ ق ال : «إِي)ي لأ عْقِل مج َّةً مج َّه ا ر س ول اللََِّّ فيِ و جْهِ ي و أ ن ا ابْن خم ْسِ سِنِين ، مِنْ د لْوٍ فيِ د ارِن ا » .(ر و اه الْب خ ارِيُّ و م سْلِم مجَّ الشرّاب ونحو ه من فمه: لف ره : رمى به وألقى. المجَّ ة: اللفْ ر ة: الدَّفْعة . إن ملاعبة الأطفال هي الطريق الأسرع إلى قلوبهم. فهذا رسول الإنسانية لم يهمل هذا الجانب العريم ؛ لأنه يدرك أن عالم الطفولة جزء لا ي ستهان به من عالم الإنسانية، وأن لِذا العالم خصائصه، وطبائعه التي ينبغي مراعاتها، وأن نحسن التعامل معها. انرر إلى الأحاديث السابقة ، تجده يخ رِ ج لسانه ، ويلاعب باللفظ: «ي ا ز و يْنِب ، ي ا ز و يْنِب »، ويأخذ دفعة من الماء «مجّة»ويرميها من ف مه في وجهه الصبي . أفعال يسيْة لا تطلب مجهودً ا، ولا تستهلك وقتً ا، ولكن لِا آثارها في نفوس الأطفال، ولِا معانيها عندهم، ولِا أثرها العريم في التربية، وبعد هذه الملاعبة المحبّبة، يأت دور

عدد الصفحات ٣٢