حاجة الوالدين لعلم نفس النمو 177 الرجوع إلى المحسوسات، فيتجه بعض المراهقين إلى اقتناء الكتب والقصص والصحف والمجلات وقراءتها والعكوف عليها ، والاستمتاع بما تحويه من أحداث ، وتحليلات وقصص، ونماذج بطولية ، وأفكار تغييرية ، وقد يلجأ المراهق إلى القراءة - والقراءة الموسعة - في مجالات متعددة ، حيث لا يجد ما يلبي رغبته في الاستطلاع من زاوية علمية واقعية. نماذج لوسائل إشباع دافع الاستطلاع: 1- نشاط القراءة عن المكتشفات والمخترعات ، وعن الغرائب والمجاهيل ، والقراءة في كتب المذكرات ، والرحلات الاستكشافية حول الأرض ، وبين القارات ، وفي البحار. 2- نشاط القراءة في قصص المغامرات والبطولات الوهمية، وروايات العنف والعصابات. 3- نشاط الرحلات ، والأسفار القصيرة والطويلة ، ويشدهم إليها زيارة المنشآت الجديدة، أو الغريبة، وزيارة الأماكن الطبيعية الملفتة والعجيبة كالشلالات. 4- نشاط الاكتشاف والتجريب ، مثل تجريب (شرب السجائر ) وقيادة السيارات بطريقة معينة جديدة، وأحيان ا تجريب المخدرات. وهكذا يتضح أن الدافع إلى الاطلاع ، قد يكون سبب ا من أسباب تعاطي المخدرات، لذلك لابد من تدري ب المراهقين على ضبط هذا الدافع ، ويمكن تدريب المراهق على هذا الضبط من خلال: أ- التأكيد على مراقبة الله الدائمة له. ب- تكوين ضوابط حسية وحركية : مثل غض البصر ، وحفظ السمع عن المسموعات المذمومة. ج- فن السؤال : أي أن تخدم أسئلت ه تعل م ه المثمر ، مضبوطة بحدو د الأدب العام، فلا تكون أسئلة لمجرد الثرثرة، أو الترف الفكري أو أسئلة غيبية لا فائدة منها، ولا يوجد لدى الإنسان أداة للخوض فيها.
عدد الصفحات ١٧٧د 178 د- فن الاستئذان : وهو منتهى ضبط حب الاطلاع ، فلا يسمع ولا ينظر ولا يسأل إلا بعد الاستئذان بذلك. هـ- منع التعدي الاستطلاعي : والمقصود به التجسس ، وهو غاية التعدي في حب المعرفة، وقد ينزلق المراهق إلى التجس س على الناس لإشباع هذا الدافع. و- تلبية حاجة المعرفة : وهذه أهم الوسائل الممكنة لإشباع نهم المراهق إلى المعرفة: تزويد البيت بمكتبة شاملة ، وجيدة في محتوياتها ، وترتيبها، ولا بد أن تحوي ما يجذب المراهق ، كالقصص، وكتب الرحلات ، والتراجم والسير، والمذكرات، والاكتشافات العلمية ، والأسطوانات المدمجة CD في الوعظ والأناشيد والمحاضْات . استخدام أسلوب الحوار في التعامل مع المراهق، من أجل توجيهه إلى النافع المفيد له. أنشطة المراهق : كالرحلات والم خيمات والم عسكرات: ومنها رحلات الحج والعمرة ، ورحلات إلى المواقع التاريخية ، أو للاطلاع على المنشآت الصناعية والمدنية والعلمية وغيرها. خامس ا: الحاجة إلى الرفاق: وهذه الحاجة من أقوى حاجات المراهقة، وقد وجدناها في الطفولة المتأخرة، لكنها تتبلور في المراهقة بشكل ملفت للانتباه. ويتعذر منع الشباب المراهق عن الرفقة أو فرض العزلة عليه ، وهو أمر يصطدم مع طبع الإنسان وجب ل ته، ويحرمه من حاجة نفسية مهمة. ويتجه المراهقون إلى أقرانهم وزملائهم في أشياء كثيرة من أهمها التشابه في التحولات والمشكلات. المراهقة الهادئة: تقول (مارجريت ميد): «المراهقة مرحلة نمو عادي، وما دام هذا النمو يسير في مجراه الطبيعي لا يتعرض المراهق لأزمات »،وقد اهتمت (ميد) بدراسة المجتمعات
عدد الصفحات ١٧٨حاجة الوالدين لعلم نفس النمو 179 البدائية: كالقبائل التي تعيش في الخيام ، وتمتهن الرعي والصيد ، وقليلا من الزراعة ، وتقول عن هذه المجتمعات البدائية : «في هذه المجتمعات تختفي مرحلة المراهقة ، وينتقل الفرد من الطفولة إلى الرشد مباشرة، بعد احتفال تقليدي» وقد أثبتت الدراسات أن المراهقة مرحلة نمو عادي (خالية من القلق والاضطراب)، والمراهق لا يتعرض لأزمة من أزمات النمو ما دام هذا النمو يسير في مجراه الطبيعي. والأزمات والقلق ليسا ملازم ينْ للمراهقة، فقد تمر بدون هذه الأزمات ، والنمو الجنسي في المراهقة لا يؤدي بالضرورة إلى أزمات ، لكن النظم الحديثة هي المسئولة عن أزمة المراهقة، ولقد بالغ البعض في وصف المراهقة بالعاصفة، وقد أكدت الدراسات الحديثة أن المراهقة ليست بالضرورة وبالطبيعة مرحلة عواصف وضغوط، ففي بعض الدراسات لم تزد نسبة المضطربين منهم على (20%)،ينحدر معظمهم من بيوت محطمة وغير سعيدة. الحاجة إلى الرفاق: الأقران: مجموعة من الفتيان، قبل البلوغ بقليل أو بعده أو مجموعة من الفتيات، يكونون جماعة للذكور، أو جماعة للإناث، والأصح مجموعة يتراوح عددها بين (2-5 ) على الأكثر . وجماعة الأقران أهم حدث في حياة الإنسان بعد الطفولة المبكرة ، فما هي جماعة الأقران ؟ ولماذا تشتد الحاجة إلى الرفاق عند الفتى المراهق ؟ وما أثرها في حياة الإنسان؟ وما هي سبل الوقاية من أقران السوء ؟ وكيف يتصرف الوالدان الحصيفان إزاء ذلك؟ وكثير من الآباء يقولون كلام ا واحد ا خلاصته: «كان ولدي طف مؤدب ا، لا يخالف والديه ، ولا يخرج من البيت ؛ إلا إلى المدرسة ، أو مع أسرته وكان متفوق ا في دراسته، محبوب ا في أسرته، مطيع ا لوالديه ومدرسيه وإخوانه ... حتى إذا تعرف على ابن فلان وابن فلان ، وكون معهم ( ش ل ة )، لا يفارقهم ولا يفارقونه ؛ تغير سلوكه وطبعه ، وصار لا يطيق المكث في البيت ، ولا يحب الخروج معها ، ولا يسمع لوالديه كما كان ،
عدد الصفحات ١٧٩د 180 وتغير مستوى تحصيله الدراسي وحالتنا معه حالة متعبة». أسباب جماعة الأقران: جماعة الأقران مرحلة ضْو رية من مراحل النمو الاجتماعي والنفسي يمر بها الإنسان قبل البلوغ بقليل ، وخلال فترة المراهقة ، وتستمر هذه النزعة قوية جد ا عند الشباب حتى يتزوج الشاب، وتتزوج الفتاة، فتقل الرابطة بين الأقران، لتنشأ بدلا منها رابطة الأسرة الجديدة التي سيكون أب ا فيها، أو تكون أم ا في هذه الأسرة الجديدة، وقد تستمر رابطة الأقران بعد الزواج ؛ لكن بشكل أضعف ، وفي كل الحالات تغرس في الإنسان صفات قد لا تفارقه مدى العمر. والرفقة مطلب نفسي لا يستغني عنه الإنسان، وخصوص ا في مرحلة المراهقة. وبوجود الرفقة المنسجمة يتم قضاء الأوقات وتبادل الآراء والخبرات وبث الآمال والتشارك في الأحاسيس والمشاعر . ويتعذر منع الشاب المراهق عن الرفقة أو فرض العزلة عليه، وهو أمر يصطدم مع طبع الإنسان وجبلته، ويحرمه من حاجة نفسية مهمة. مرحلة جديدة في العمر: يبدأ الطفل الاهتمام بالأقران قبل البلوغ، وهذه محطة جديدة في العمر، يمكن التزود منها ، واستدراك بعض ما فات من المحطات السابقة (الطفولة المبكرة ، والمتأخرة) وتكون إعادة التشكيل بأن ينتقي المربي لطفله أصلح النماذج ، سواء للمصاحبة العامة في المجموعة ، أو للصداقة الخاصة ، ويكون ذلك بالتلطف لا بالفرض، كأن يدعو الأب أصدقاء ابنه إلى البيت ويكرمهم ، وتستطيع الأم أن تدعو صديقات ابنتها كذلك. وهكذا يتدخل الوالدان الحاذقان بشكل غير مباشر لتدارك ما فاتهم في المحطات السابقة ؛ فيهيئون أقران ا صالحين لأولادهم ، وبذلك يعيد التشكيل ، ويجعله صالح ا، أو يحافظ على تشكيل الطفولة الصالح.
عدد الصفحات ١٨٠حاجة الوالدين لعلم نفس النمو 181 الأقران قنطرة عبور: عاش الطفل داخل الأسرة، كانت علاقاته محصورة بأمه عندما كان رضيع ا، ثم توسعت فشملت والده، وبقية أفراد أسرته خلال الطفولة المبكرة، ثم شملت المدرس وبعض زملاء المدرسة على مستوى محدود جد ا خلال بداية الطفولة المتأخرة ، وبعد سنوات يصبح هذا الطفل راش د ا تتسع علاقاته الاجتماعية حتى تشمل المجتمع كله ، ولا بد له من مرحلة انتقالية يتدرب فيها على العلاقات الاجتماعية غير الأسرية، وهذا أحد أسباب جماعة الرفاق (الأقران). وهذه الجماعة بمثابة (دورة) يتعلم فيها المراهق معايير سلوكية خاصة ، ويتعلم منها الحياة الاجتما عية العلمية ، وتعطيه فرصة التعامل مع أفراد متساوين معه، وتساعده على الاستقلال الشخصي عن الوالدين. لقد عاش الطفل متعلق ا بوالديه، لا يتلقى من غيرهما خلال الطفولة المبكرة، ثم صار يتلقى من المدرسين في الطفولة المتأخرة ، وما زال يتلقى من الكبار لأنه صغير ، والآن يريد الطفل أن يكون كبير ا، لأنه سيدخل مرحلة الرشد بعد قليل ، ويريد أن يتحرر من الخضوع الكلي للكبار؛ لأنه لم يع دْ طفلا يخضع لوالديه ومدرسيه في كل شيء، فماذا يفعل وهو يُاب ولوج مجتمع الكبار دفعة واحدة ، لذلك يمر بهذه المرحلة الانتقالية، فتعلق الطفل بوالديه أكثر من تعلقه بأقرانه، وتعلق الرجل بالمجتمع أقل من تعلق الفتى بأقرانه ، ويلاحظ أن مجموعة الأقران لعبت دور المرحلة الانتقالية بين الأسرة والمجتمع. وعاش الطفل متعلق ا بوالديه، ويريد اليوم أن يقلل هذا التعلق لأنه يرى نفسه كبير ا، ويريد أن يتعامل مع أفراد من خا رج الأسرة ، كبداية للتعامل مع أي فرد في المجتمع، فيبدأ التعامل مع الأقران كتمهيد للتحرر من الطفولة ومغادرتها إلى الرشد. كيف تتكون مجموعة الأقران (الرفاق)؟ يلاح ظ على أفراد مجموعة الأقران: 1- التقارب في العمر. 2- التشابه في الميول والهوايات والوظيفة الاجتماعية (تلاميذ مثلا )، وتجد هواة
عدد الصفحات ١٨١د 182 كرة القدم يتقاربون حتى يشكلوا مجموعة ، وهواة الرحلات يشكلون مجموعة أخرى، المتفوقون يشكلون مجموعة خاصة بهم ، والمتأخرون دراسي ا يشكلون مجموعة خاصة بهم، حتى ينطبق المثل القائل: إن الطيور على أشكالها تقع. 3- العامل الجغرا: فهم أبناء حي واحد، تم تعر فهم في المسجد، أو المدرسة، أو الشارع أحيان ا. ولا بد من المعايشة في الفصل، أو المسجد، أو الشارع، أو من خلال زيارات الأقرباء أحيان ا. 4- بعض التكامل في الصفات الشخصية : كأن تجد مجموعة من الرفاق منهم الغني الذي يملك سيارة، ومنهم الفقير المتقدم على صاحب السيارة دراسي ا ولو بقليل، ومنهم الذي يملك صفات الزعامة، ومنهم من يعزف عن وظيفة الزعيم، حتى تلمس بعض التكامل المؤقت في الشلة الواحدة. 5- مجموعات الذكور لا تقبل الإناث ، ومجموعات الإناث لا تقبل الذكور ، كما سبق في الطفولة المتأخرة. 6- يختار المراهق رفاقه بمحض إرادته، فيلبي هذا الاختيار حاجة نفسية عند المراهق وهي أنه لا يرغب أن يفرض عليه أحد ، ويمقت إصدار الأوامر من الكبار (الوالدين والمدرسين)، وينزع إلى الاستقلالية في الرأي والتصرف. 7- معارضة الكبار لهذه المجموعة يزيد من التصادق أفرادها ببعضهم، إذ تنشأ هذه المجموعات أصلا ؛ كرد فعل على تسلط الكبار عليهم ، وكبداية للتحرر من سلطتهم، فإذا عارضها الكبار ؛ تأجج الصراع بين مجموعة المراهقين والكبار ، ويزيد توح د هذه المجموعة. يبحث الفتى، كما تبحث الفتاة - لاشعوري ا - في العمر (10- 15 ) عن أفراد الشلة، في البيئات التي يعيش فيها كل منهما، وهي المدرسة، أو المسجد، أو الشارع، أو الحي، وبعد التعرف غير المقصود عادة، يتقرب الفتى ممن لمس فيه صفات وطموحات مشابهة لما عنده، فيزيد التعرف عليه، والتقرب منه، حتى تتوثق ع ر ى الصداقة بينهما، ثم يضم ثالث ورابع وربما خامس بنفس الطريقة إلى المجموعة. وتضع المجموعة بعض
عدد الصفحات ١٨٢حاجة الوالدين لعلم نفس النمو 183 القواعد لها؛ فيسارع أفرادها إلى طاعة هذه القواعد لأنها نابعة منهم؛ ولم تفرض عليهم من الكبار. المبك رون إلى جماعة الرفاق: الطفل الذي يعيش في جو منزلي غير عطوف (يتيم، والداه قاسيان معه، أسرته ذات تقاليد صارم ة في تعاملها مع الأبناء ... إلخ) هذا الطفل أسرع إلى البحث عن الرفاق خارج الأسرة ، لأنه يبحث عن الحنان الذي فقده في أسرته ، وهذه حالة غير سوية، لذلك تجتذب الصحبة السيئة المراهق؛ لوجوده في جو منزلي غير عطوف، وغير آمن، أو لإخفاق المراهق في التوح د مع أبيه، وإخفاق البنت في توح دها مع أمها. ومثل هذا الطفل يلتحق بأول مجموعة رفاق تصادفه - وقد تكون سيئة - لأنه لا يطيق الانتظار والبحث عن الأفضل. والمبكرون في النضج كذلك يسارعون إلى البحث عن مجموعة الرفاق ، فالفروق الفردية بين الفتيان تجعلهم يتفاوتون في زمن البحث عن مجموعة الرفاق، ومن هذه الفروق التبكير في النضج. والصبيان يبكرون في البحث عن مجموعات الرفاق أكثر من البنات لاختلاطهم مع زملائهم في المدرسة والمسجد والشارع ، أما البنات فأقل اختلاط ا بزميلاتهن، ولا توجد غير المدْ رسة تؤم ن لهن هذه الفرصة. والأطفال المتقدمون في النمو الاجتماعي (غير الانعزاليين) يبكرون في البحث عن الرفاق ، ويكو نون مجموعات أكبر نسبي ا من غيرهم تتراوح بين (3 - 5) أعضاء، ويقودها أكثرهم في النمو الاجتماعي ، بينما يتأخر (الانعزاليون) في البحث عن مجموعات الرفاق، ويكو نون مجموعات صغيرة نسبي ا تتكون غالب ا من عضوين فقط أو ثلاثة على الأكثر. والتأخر في البحث عن مجموعة الرفاق أفضل من التبكير ؛ لأن الطفل يزداد نضج ا ويتمكن من الاختيار الأفضل، وعندما نضع الطفل في جو أسري تربوي متعلم؛ يراعي خصائص النمو لكل مرحلة ؛ عندئذ ينتقي الطفل رفاقه على مهل ، ويكون
عدد الصفحات ١٨٣د 184 اختيارهللأصلح بإذن الله تعالى. أثر الأقران على الأفراد: تؤثر جماعة الأقران على الإنسان سلبي ا أو إيجابي ا، فالطفل الحسن الذي التحق بمجموعة فاسدة؛ يكتسب منها القيم والأخلاق الفاسدة، والطفل السيئ الذي التحق بمجموعة صالحة ينمي أخلاقه وقيمه الفاضلة ويعم قها، ويحافظ عليها، ويشبع حاجته إلى الرفقة. وقلما نجد مراهق ا كان له خلة ومحبة وملازمة لرفقة ما؛ إلا ويكون على نهجها وطريقتها، متحد ا معها في أفكاره وسلوكه وأخلاقه ، إن خير ا فخير، وإن شر ا فشر، وبعد أن يجتاز سن المراهقة؛ يبقى في الغالب على ما كان عليه من توجهات وصفات، وربما بقيت رفقته كما هي لم تتغير في أشخاصها وسماتها، وهذا ما يحدث في الغالب. وتتميز المراهقة المبكرة - البلوغ - بأنها مرحلة المسايرة والمجاراة والموافقة والانسجام مع المحيط الاجتماعي ، وقبول العادات الاجتماعية الشائعة بغية تحقيق التوافق الاجتماعي. أثر الأقران على عقيدة الفرد: قال تعالى: ﭐﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ (الفرقان: 27- 29.) وق ال الن ب ي «إ ن ما م ث ل الجْ ل يس الص ال ح و الجْ ل يس الس وْء ك ح ام ل المْ سْك و ن اف خ الْك ير ، ف ح ام ل المْ سْك إ م ا أ نْ يح ْذ ي ك و إ م ا أ نْ ت بْت اع م نْه و إ م ا أ نْ تج د م نْه ر يح ا ط ي ب ة ، و ن اف خ الْك ير إ م ا أ نْ يح ْر ق ث ي اب ك و إ م ا أ نْ تج د ر يح ا خ ب يث ة » (رواه البخاري ومسلم(يح ْذ ي ك ) : ي عْط يك . وفي الحديث ال نهي عن مجالسة من ي تأذى بمجالسته في الدين والدنيا ، والترغيب في مجالسة من ينتفع بمجالسته فيهما . وفيه فضيلة مجالسة الصالحين ، وأهل الخير والمروءة ومكارم الأخلاق والورع ، والعلم والأدب ، والنهي عن مجالسة أهل الشر والبدع ومن يغتاب الناس أو يكثر فج وره وبطالته ونحو ذلك من الأنواع المذمومة.
عدد الصفحات ١٨٤حاجة الوالدين لعلم نفس النمو 185 والجليس صيغة مبالغة من كثرة المجالسة والملازمة، ولا شك أن للجليس أثر ا تراكمي ا متدرج ا على شخصية المرء وأخلاقه. وتدخل هذه الآثار التراكمية إلى نفس القرين دون أن يشعر ، ولا ينتبه إلا بعد فوات الأوان ، فلو كان أحد القرناء يدخن ، والآخر لا يدخن ، ويظن في نفسه أنه لن يتأثر بقرينه ولن يعتاد على التدخين ، لكن تعوده على رائحة التدخين من قرينه، ثم الرغبة اللاشعورية في التوح د مع قرينه، تدفعه - دون أن يشعر - إلى المسايرة ، فيدخن مرة لإرضاء قرينه ، ومرة ثانية وثالثة مجاراة ومسايرة حتى يعتاد ذلك من أقرانه. وعندما لا يكون الأب مدخن ا فإن الطريق الوحيد لتعود الولد على التدخين هو مجموعة الرفاق. ولا يعني هذا أن الرفاق لا يأتي منهم خير ، بل إن الرفاق - أحيان ا - مدرسة خير يلتحق بها المراهق فيتخرج منها مؤمن ا صلب الإيمان ، ومسلما حسن الإسلام ، ومجاهد ا في سبيل الله ورسوله ، يحصل ذلك إذا كتب الله الهداية لشخص ما ، فيهي ئ له رفاق ا صالحين يجر ونه نحو التقوى والعمل الصالح ، ودور البيت المسلم هو السعي لتهيئة هؤلاء الرفاق بشكلٍ غير مباشر لأولاده ؛ فيضمن سلامة عقيدتهم وسلوكهم، ويسعدون في دينهم ودنياهم. أثر الأقران على التحصيل الدراسي: إن الطلاب المتفوقين أكثر انسجام ا مع أسرهم ، وأقل انسجام ا مع رفاقهم ، وبالتالي هؤلاء يتأخرون في الالتحاق بمجموعة الرفاق، ويلتحقون بمجموعات قليلة العدد نسبي ا (2-3) في الغالب، وربما يتأخر عندهم التفتح الاجتماعي، كل ذلك لصالح التفوق في عملهم المدرسي، ومعظم الطلبة الأوائل ينطبق عليهم ذلك، حتى إذا كان لهم رفاق فإن الوقت الذي يقضونه معهم قليل نسبي ا. وعكس ذلك الطلاب المتأخرون دراسي ا أقل انسجام ا مع أسرهم، وأسرع في الالتحاق بمجموعات الرفاق ، وأكثر التصاق ا بهم، وتكون مجموعاتهم أكبر في العدد (4-5) في الغالب ، وأكثر نشاط ا وحركة وخاصة من حيث الوقت الذي يضيعونه في الل ع ب والتسكع في الشوارع والسهر مع ا.
عدد الصفحات ١٨٥د 186 وهناك علاقة عكسية بين عدد الأفراد المجموعة من جهة وبين متوسط درجة تحصيل أفرادها الدراسي، وبنفس الوقت توجد علاقة عكسية أيض ا بين عدد الساعات التي يعيشها الرفاق مع ا وبين متوسط درجة التحصيل الدراسي. وقد يكون الأقران - أحيان ا قليلة - عون ا للفتى على الاجتهاد، عندما تكون الشلة صالحة ومجتهدة فإنها تدفع أعضاءها على الجد والاجتهاد، كما أنهم يتعاونون على مذاكرة دروسهم وحل واجباتهم. أثر الأقران على سلوك الفرد: تتحدد معظم معالم الشخصية وسماتها في الطفولة المبكرة ، ثم تأتي المراحل التالية فتدعم أو تعيق هذه المعالم، ومن أهم المراحل التي تدعم ما ب ني في الطفولة، أو تعيقه وقد تهدم أو تخرب بعضه؛ مرحلة الأقران. وسبب ذلك أن الفتى يريد أن يتحرر من الطفولة ويغادرها، فينتقل إعجابه من والديه ومدرسيه إلى الإعجاب بالرفاق ، وكلما و ج د في المجموعة عضو ذو شخصية قوية فإن أثره ينتشر على بقية الأعضاء ، إن كان خير ا فخير، وإن كان شر ا فشر، ومن الملاح ظ أن انتقال الشر أسرع؛ لأن الهدم أسرع وأسهل من البناء. فالإعجاب يدفع إلى التقليد ويتقمص الفتيان شخصية زعيم المجموعة أكثر من تقمصهم لشخصيات الكبار ، لأنه يظن أن تقليده لرفيقه مبني على حرية اختياره ، وغير مفروض عليه من الكبار. وقد تبين في إحدى الدراسات التي استفتت (623) طالبا في سبع مدارس ثانوية أن هناك انخفاض ا في اتصال الم راهقين بالراشدين من آباء ومدرسين وغيرهم ، وتبين أن هذا يؤدي إلى تضاعف اتصال المراهق برفقته وازدياد التعلق بها. وتبين من دراسة مقارنة أن المراهقين يستمدون السلوك والرأي من أصدقائهم في قضايا ومجالات حيوية مؤثرة ، تتعلق بأنماط السلوك والملبس والبرنامج اليومي والهوايات، وكل هذه قضايا خطيرة ومتجددة تحدث تراكمي ا عبر الزمن، تتأسس عليها شخصية المراهق وسماته وطبائعه.
عدد الصفحات ١٨٦حاجة الوالدين لعلم نفس النمو 187 وهكذا ت ع د مجموعة الأقران أحد المصادر المهمة والمفضلة عند المراهقين للاقتداء واستقاء الآراء والأفكار، ويؤدي الاقتران والتشابه بين الأقران - في كثير من الأحيان - إلى التوحد والتعلق بالرفقة بحيث لا يقد م المراهق عليها أحد ا ويربط غالب ا مصيره بمصيرها ورأيه برأيُا.
عدد الصفحات ١٨٧د 188 التربية ليست كلمة تُقال ولا موعظة تُلقى ولا محاضرة تُ نظ م أو شريطًا يُ سم ع أو كتابًا يُقر أ وينتهي دور المربي عند هذا الحد ويفهم المربي ما يُ راد منه ويعقله، فلو كانت كذلك لكانت سهلة ميسرة ولكنها أوسع م للك وأمم ، إن ميدان التربية الصحيحة هو الحياة كلها بوقائعها وأحداثها وأفراحها وأحزانها في الحضر والسفر والصحة والمرض وك لحظة فهي م ميادينها الرحبة الواسعة ، يجد فيها المربي اللبيب مادته التربوية لأنه يتعام مع نفس متغيرة وقلب متقلب ومؤثرات ومعوقات. فإن اقتصرت التربية على الأساليب المباشرة م الأوامر والنواهي المصدرة ب ـ "افع ولا تفع "، فهذا م قصورها. والمتأم في سيرة المصطفى وهو أحس معلم وأفض مربٍّ يرى أن تربيته لأصحابه لم تقتصر على الكلام المباشر والموعظة البليغة - وهو أبلغ وأ فصح م نطق بالضاد - ب مملت جميع الحالات والمواقف في المسجد والسوق والحضر والسفر والسلم والحرب والنصر والهزيمة والحزن والفرح ب الخطأ والصواب والطاعة والمعصية بأساليب متعددة بالتصريح تارة والتلميح أخرى بالموعظة البليغة والقصة الهادفة والسؤال الذي يشحذ الألهان وينبِّه الغاف والمث الذي يقرب المقصود بالتطبيق العملي. ولذا أث رت هذه التربية وأخرجت - بإلن الله - جيلاً فريدًا لم يأت قبله ول يأت بعده مثله . فينبغي للمعلم والمربي الاقتداء به ودراسة سيرته ليأخذ منها الدروس والعِب . ووسائ التربية متنوعة وأسال يبها متعددة فهي الحياة كلها. وإليك بعض هذه الوسائ والأساليب:
عدد الصفحات ١٨٨وسائل تربوية 189 أقبلت طفلة على أمها، وهي جالسة في استراحة قصيرة م عناء عم البيت وتذكر الله بينها وبين نفسها، فسألت الطفلة أمها : «لمالا أنت جالسة هكذا ومالا تعملين؟»،- وقد تعودت هذه الطفلة م أمها أنها لا تضيع الوقت بدون فائدة (عم أو قراءة أو كتابة ونحوها)- فأجابت الأم: «إني ألكر الله وشرحت لطفلتها معنىقوله تعالى: ﭐ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺﲻ (فاطر: ٠١). فجلست البنت تفع مث أمها تذكر الله ، وتقول في نفسها: «هذه رُفِ ع ت إلى الله»، وإلا انصرفت لكلمة م أمور الدنيا قالت: «هذه لم تُرف ع»، وهكذا أحست الطفلة بأهمية العم الصالح، وطبقت مباشرة ما علمت مقتديةً بأمها. إن القدوة هي م أفض الوسائ التربوية وأقربها إلى النجاح، فالطف يتأثر ويقتدي بوالديه، والفتى يتأثر بمثله الأعلى ويمك أن يعتبه أستاله أو والده أو حتى مخصية تلفزيونية مشهورة، والنامئ يتأثر ويقتدي بالشخصيات البارزة على صعيد المجتمع. والتربية تفش عند عدم اتباع المربي للتوجيهات التي يوجهها للطف ويطبقها على مخصه كما أن النظريات والأقوال تبقى حبًا على ورق ما لم تتحو ل إلى ح قيقة واقعة تتحرك في واقع الأرض. قال تعالى: ﭐ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ (الصف: ٢- ٣). وقد وصف القرآن الكريم سلوك علماء بني إسرائي الشال بقوله تعالى: ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛﲜ ﲝ ﲞ (البقرة: ٤٤).
عدد الصفحات ١٨٩د 190 وقال : «يُؤ ت ى بِالر جُ ِ ي و م ال قِي ام ةِ ف يُل ق ى فيِ الن ارِ، ف ت ن د لِقُ أ ق ت ابُ ب ط نِهِ، ف ي دُورُ بهِ ا ك ما ي دُورُ الح ِما رُ بِالر ح ى، ف ي ج ت مِعُ إِل ي هِ أ ه ُ الن ارِ، ف ي قُولُون : «ي ا فُلا نُ م ا ل ك ؟ أ ت كُ ت أ مُرُ بِالم ع رُوفِ، و ت ن ه ى ع ِ الم ُن ك رِ؟ »، ف ي قُولُ: «ب لى ، ق د كُن تُ آمُرُ بِالم ع رُوفِ و لا آتِيهِ، و أ نه ى ع ِ الم ُن ك رِ و آتِيهِ » (رواه مسلم الأقتاب: الأمعاء. والاندلاق خروج الشيء من مكانه. وما أجم العلم وأسرع فهمه وثباته في النفس إلا كان ع طريق التطبيق العملي، فتوضأ أمامه وص ِّ وهو يراك ، وإلا أردت تعليمه آداب الطعام فليك للك أثناء الطعام وعلى المائدة، وما أجم أن يأك الأب مع أبنائه الصغار والكبار فيعلمهم آداب الطعام، وجلسة الطعام جلسة تربوية غير مباشرة، فالأب يأك بيمينه ويسمي الله والأولاد يقتدون به، فينبغي الأك مع الأسرة ولو وجبة واحدة في اليوم. وكذلك تعليمهم آداب النوم ، يكون للك داخ غرفة النوم ب على سرير النوم. وتعليم أحكام وآداب الصيام عند قرب رمضان، وهكذا تعليم ك أمر في وقته ومناسبته، فذاك أدعى لفهمه وإدراكه ، ويكون للك بالتكرار حتى يعق المتربي للك ويتقنه، أما المحاضرة في آداب الطعام أو النوم فقلي م يعقلها خاصة م الصغار. وتكم أهمية القدوة في العملية التربوية في الأسباب التالية: ١- إن القدوة الحسنة تثير في نفس العاق قدرًا كبيرًا م الاستحسان ، فتتهيج دوافع الغيرة لديه، ويحاول تقليد ما استحسنه وأعجِ ب به. ٢- إن القدوة الحسنة تعطي الآخري قناعة بأن بلوغ هذه الفضائ م الأمور الممكنة. ٣- إن مستويات الفهم لكلام عند الناس تتفاوت، ولك الجميع يتساوى أمام الرؤية بالعين المجردة لمثال حي ؛ فإن للك أيسر في إيصال المفاهيم التي يريد المربي إيصالها للمقتدي.
عدد الصفحات ١٩٠وسائل تربوية 191 4- إن الأتباع ينظرون إ القدوة نظرة دقيقة دون أن يعلم، فرُ ب عم يقوم به لا يُ لقِ ي له بالاً يكون في حسابهم م الكبائر. شروط القدوة: ١- الإيمان بالفكرة: لا تتكون القدوة في نفس الم ربي حتى يكون هو أول م يؤم بما يقول، ثم ينق هذا الإيمان إلى عم . ٢- تعلم العلم: فالمربي يحتاج إلى علم يتأكد فيه القدوة م صحة خطواته ، ويصحح فيه خطوات الآخري . ٣- حس الخلق: هناك أخلاق بارزة يحتاجها الم ربي القدوة دائماً ، وبغيرها يصبح م المتعذر عليه النجاح في دعوة الناس ، وم أهمها الصب والرحم ة والرفق والتواضع. 4- موافقة العم القول 5- عدم الانقطاع ع الأعمال: عدم الانقطاع ع عم ما دون أي مبر شرعي أو نسيان، وترجع خطورة هذا الانقطاع إلى أمري ؛ الأول: هو دخوله في دائرة الذي يقولون ما لا يفعلون ، والثاني: هو إحساس المتربي بعدم جدية للك الأمر وأهميته. 6- التثبت م صحة النقول: سواء كانت أحاديث للرسول أو كلمات للصالحين؛ فإلا كان القدوة لا يتثبت م صحة النقول يكون المقتدون كذلك. 7- الابتعاد ع الإسراف في المباحات: ولا سيما إلا كان للك المباح برزخًا ب الحلال والحرام. 8- المحاسبة الدائمة: فعلى الداعية القدوة أن يعي أنه تحت رقابة دقيقة مم يتخذونه قدوة لهم فيحاسب نفسه على ك كلمة أو تصرف ص غُ ر أم ك بُ حتى يتجن به في مرات أخرى.
عدد الصفحات ١٩١د 192 مبطلات القدوة ١- مخالفة العم للقول: وللك هو السم القات ؛ فإن الغالب على النفوس الاقتـداء في مهواتها وملذاتها وعاداتها أكثر مما تقتدي به في التعبُّـد الذي ليس لها فيه حظ، فإلا رأ ت للك م عالم ؛ وإن أيق ن ت أنه محرم أو مكروه أو بدعة ت ع ذُر نفسها في ارتكابه. ٢- عدم الالتزام بالقول: وتختلف ع سابقتها بأن هذه لا تكون فيم يخالف عمله قوله متعمدًا ، وإنما تكون فيم لا يطبق ما يقول، وليس على صفة الدوام، وللك لأسباب منها: أ- عدم تقدير حجم العم المترتب على قوله. ب- عدم معرفة نوع العم المترتب على قوله. ج- الحماسة غير الواعية. د- عدم تقدير الق وة التي يمتلكها لأداء للك العم ، وم ثم يواجه بذلك العم ؛ فلا يستطيع أن يطبق ما قاله، ودعا إليه. ٣- الزل بجميع صورة القولية والفعلية. 4- الانتصار للنفس: بالتجرد الخالص يكون القدوة ناجحًا في تربيته، وكيف لا يتبع الأبناء قدوتهم وهو على هذا المستوى م التجرد البين للحق. والانتصار للنفس ظاهرة تنبئ ع عدم إخلاصه لما يحم م معان سامية، محاولاً إخفاء الحقيقة في سبي عدم الوقوع في دائرة الإحراج التي يعتبها مس ا لكرامته ومكانته بين مت بعيه. كيف تتم التربية بالقدرة: نقتطف هنا بعض الزهور م الروض ــــــة النبوية لنرى كيف ية استخدام رس ـــــول الله للقدوة الحسنة في تربية أصحابه كأسلوب متميز ع باقي الأساليب في الدعوة:
عدد الصفحات ١٩٢