003 صريــر القلـــم التــــــوازن الحقيقـــــــــي الشريعة الإسلامية جاءت بالشمول والتوازن والوسطية التي جعلها سبحانه وتعالى من خصائص هذه الأمة بقوله: ﮋ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﮊ [البقرة133]، وهكذا كانت حياة النبي ﷺوحياة أصحابه الكرام التي تعتبر قدوةً لنا في هذا التوازن وتطبيقاً له على الواقع. وعندما تغيب شمولية الإسلام وتوازنه عن كثير من الناس أو لا يتضحان في تصورهم بالقدر الكافي، يخطئون في فهم جوانب من نظام الإسلام، فيغالون فيها أو يقصرون، فينشأ عن خطأ الفهم انحراف في السلوك والأخلاق، وقد كانوا في غنى عن خطأ الفهم، وبمنجاة من انحراف السلوك والأخلاق لو اتضحت لهم شمولية الإسلام وتوازنه. إن الإسلام نظام شامل لكل نواحي الحياة، وله في كل قضية حكم، وفي كل نشاط تشريع، وفي كل عمل فت وى، فينبغي اعتماد الأحكام الإسلامية في كل مناشط الحياة، دون غلو أو تقصير، أو إفراط وتفريط. ولقد أدرك فقهاؤنا الأولون هذه الخاصية في الإسلام، فقسموا أمور الدين المطلوبة إلى درجات وكذلك المنهيات، وينبغي أن نعطي كل جزئية من الإسلام حقها من الاهتمام فلا تقدم النوافل على الفروض. (1) كتب المقال بعد توفيق الله تعالى في تاريخ 17/2/1333هـ
عدد الصفحات ١١٣004 صريــر القلـــم ومن هذا المنطلق فإن عدم تُقيق التوازن بين طلب العلم الشرعي والتحصيل الفكري والاهتمام بالواقع دليل على عدم التوازن ومدعاة للوقوع في الخطأ ومجانبة الصواب في كثير من الأمور مع الاتفاق على شرف العلوم الشرعية -. ونحن بحاجة في واقعنا المعاصر إلى طاقات بشرية تمتلك من المخزون الشرعي والفكري ما تستطيع أن تميز به بين المكاسب والخسائر مع الإلمام التام بفقه الواقع عبر قنواته الصحيحة، وهذه من السُبل السليمة للنهوض بالأمة مع هذه التطورات السريعة للأحداث. ومن فُتح له في مجال ولم يُفتح له في آخر فليس عليه إلا أن يفتح باب التعاون ونقل الخبرات، لأن الباحث الإسلامي المعتني برصد واقع الأمة وتُليل أحداثها ينبغي عليه أن يتواصل مع علماء الشريعة وغيرهم من الباحثين السياسيين والاقتصاديين لكي تكون تُليلاته واستنتاجاته واضحة وقريبة من الصواب. ولا يشك عاقل أن الأمة تُتاج إلى العالم والعابد والداعية والواعظ والمجاهد والمتخصص في المجالات الدنيوية كالهندسة والطب والتقنية مما يزيد من قوة الأمة وتقدمها حتى تقوم بدورها الحقيقي في قيادة الشعوب والأمم. وختاماا : هذه هي شمولية الإسلام، التوازن الحقيقي، فلا تقتصر على جانب من الإسلام دون الأخذ بجميع جوانبه، ولا نغالي في أمر من أمور الإسلام بتضخيمه وإعطائه من الأهمية أكثر مما أعطاه الله ورسوله ﷺ، ويجب أن نزن الأمور بميزان الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، فلا نغالي ولا نجافي، ولا نتقدم ولا نتأخر عن هدي الكتاب المبين وسنة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام -.
عدد الصفحات ١١٤005 صريــر القلـــم ملك الجوارح والقرآن العظيم خرج الإنسان إلى الدنيا بعدما مكث في عالم الأرحام مدةً قدَّرها الله تبارك وتعالى -وأسبغ عليه من النِّعم الظاهرة والباطنة، والفائز في الحقيقة من سلك طريق الخير وكان من الشاكرين: ﮋ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﮊ [النحل72]، وجعل الله تعالى- مدار الهداية والغِواية للإنسان على قلبه: ﮋ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﮊ [الحج٣]. وجعل ا عز وجل - القلب مصدراً للتأثير على الجوارح في تلقي الوحي: ﮋ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﮊ [ق37]، ويكمن الصلاح والفساد في القلب الذي يعبر ملكاً للجوارح، فإذا صح القلب من مرضه وفساده، ورفل بأثواب العافية والصلاح، تبعته الجوارح كلها ؛ لأنها تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده، كما قال الصادق المصدوق ﷺألا وَإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِـماى، ألا إنَّ حِـمَى الله فيِ أرْضِهِ مَـحَارِمُهُ، ألا وَإنَّ فيِ الْـجَسَدِ مُضْغَةا: إذَا صَلَـحَتْ صَلَـحَ الْـجَسَدُ كُلُّـهُ، وَإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْـجَسَدُ كُلُّـهُ، ألا وَهِيَ الْقَلْبُ » . (1) كتب المقال بعد توفيق الله تعالى في تاريخ ٨/٠/1333هـ (0) رواه البخاري، رقم الحديث2)، باب: (فضل من استبرأ لدينه
عدد الصفحات ١١٥006 صريــر القلـــم والقلب هو الذي إذا عرفه الإنسان فقد عرف نفسه، وإذا عرف نفسه عرف خالقه، وهو الذي إذا جهله الإنسان فقد جهل نفسه، وإذا جهل نفسه فقد جهل خالقه، وكثير من الخلق جاهلون بقلوبهم وأنفسهم وخالقهم، وقد حيل بينهم وبين أنفسهم، وأعظم من ذلك كله أن الله تعالى - يحول بين المرء وقلبه فيمنعه عن مشاهدته ومراقبته ومعرفة أسمائه وصفاته، مع أن حاجة القلب إلى معرفة الله تعالى - وأسمائه وصفاته وأفعاله أعظم من حاجة البدن إلى الطعام والشراب، قال سبحانه: ﮋ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﮊ [الأنفال03] . والقلب في الحقيقة محل الإيمان والتصديق، واليقين والتعظيم لرب العالمين، والخوف منه، والتوكل عليه، ومحبته والأنس به، ومعرفته، والانقياد له، والتسليم له، ولذا صار القلب محل نظر الله تعالى -، كما قال رسول الله ﷺإِنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلَـى صُوَرِكُمْ وَأمْوَالِكُمْ، وَلَ كِنْ يَنْظُرُ إِلَـى قُلُوبِكُمْ وَأعْماَلِكُمْ » . والسعادة الحقيقية للإنسان في إخراج قلبه من تُت حطام الدنيا وتصفيته من الشرك وشوائبه وجعله في السماء قريباً من الوحي الإلهي منقاداً به خاضعاً له، والطريق المؤدي إلى ذلك هو سلوك سُبل العلم الصحيحة وترجم تها إلى أعمال صالحة تقوم بها الجوارح، ومن فاته العلم النافع وقع في الأربع التي استعاذ منها رسول الله ﷺ بقوله: «اللهُـمَّ إِنيِّ أعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْـمٍ لا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لا يَـخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَـجَابُ لَـهَا » . (1) رواه مسلم، رقم الحديث1)، بابتحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه). (0) رواه مسلم، رقم الحديث٠٠)، باب: (التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل).
عدد الصفحات ١١٦007 صريــر القلـــم والقلب الحي إذا عرضت عليه القبائح نفر منها بطبعه، وأبغضها ولم يلتفت إليها، بخلاف القلب الميت فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح، وكذلك القلب المريض بالشهوة، فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك فيعطب، والموت الحقيقي للقلب يكون بانقطاع القنوات من الوحي الإلهي عنه حتى ولو كان سليم البدن والعقل: ﮋ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮊ [الأنعام100] . وإذا مات قلب العبد تعطلت جوارحه عن الطاعة والعبادة ولم يؤدِ حق الله تعالى – من العبودية ولم يعمل بكتاب ربِّـه ولا بسنة رسوله ﷺ وعادى الرحمن ووالى الشيطان، وأكل رزق الله تعالى -ولم يشكره، ودفن الموتى ولم يعتبر، وعلم أن الموت حق ولم يستعد له، وأقبل على الدنيا يعمرها وينافس في جمع حطامها ، ويتعذب بذلك في ليله ونهاره، قال تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﮊ [التوبة٨٨]. وزينة القلب الحقيقية تكمن في الإيمان، ومن جميل وصف الرب -سبحانه وتعالى -للجيل الأول -رضي الله تعالى عنهم أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين قوله تعالى: ﮋ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮊ [الحجرات7]، وزينة الجوارح الحقيقية بالأعمال، وزينة الإنسان الداخلية والخارجية تكمل بالأخلاق الحسنة التي وصف الله تعالى- بها نبيه محمداً ﷺبقوله: ﮋ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮊ [القلم3].
عدد الصفحات ١١٧008 صريــر القلـــم والعالمون بالله تعالى يوقنون أنه ليس في الوجود شيء غير الله تعالى - يسكن إليه القلب، ويطمئن ويأنس به، ويتلذذ بالتوجه إليه، وأنه لا نعيم للقلب ولا لذة، ولا ابتهاج ولا كمال؛ إلا بمعرفة الله تعالى-ومحبته، والطمأنينة بذكره، والفرح والابتهاج بقربه، والشوق إلى لقائه، فهذه جنته العاجلة، قال تعالى: ﮋﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﮊ [الرعد02]. وتزكية القلوب تكون بالتوحيد والإيمان والنوافل المشروعة وترك المعا والمحرمات، فإذا زكت القلوب ذكرت ربها في كل حين، وعبدته بكل جارحة، وأطاعته في كل أمر، وتُلقت بأحسن الأخلاق: ﮋ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﮊ [فاطر12]، وهذا كله من فضل الله تعالى - فلولا فضله ورحمته على المؤمنين ما زكت نفس واحدة، كما قال سبحانه: ﮋ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﮊ [النور01]. وكما أن السموات والأرض لو كان فيهما آلهة إلا ا تعالى -لفسدتا، فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى -، فسد فساداً لا يرجى صلاحه، إلا أن يخرج ذلك المعبود من قلبه، ويكون لله وحده هو إلهه ومعبوده ومحبوبه، كما وصف الله تعالى أهل الإيمان بقوله: ﮋ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮊ [البقرة٨٣] فحبهم تعالى - وتمام معرفتهم به، وتوقيرهم وتوحيدهم ل ه، لا يشركون به شيئًا، بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجؤون في جميع أمورهم إليه. وإذا كانت القلوب متوجهة إلى الله تعالى- فتحت لها أبواب الهداية والسعادة والخير في الدنيا والآخرة: ﮋ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﮊ [الأحزاب71]،
عدد الصفحات ١١٨009 صريــر القلـــم وإذا أحب الله عبداً، هداه إليه، وأدخله بيته، وأشغله فيما يحب، واستعمل قلبه وجوارحه فيما يحب: ﮋ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮊ [الشورى13]، وصلاح القلب وسعادته وفلاحه في عبادة الله وحده، والاستعانة به وحده: ﮋﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﮊ [الشعراء013]، وهلاك القلب وشقاؤه، وضرره العاجل والآجل، في عبادة المخلوق والاستعانة به، فاحذر ذلك: ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮊ [الإسراء00]،وأعظم أسباب انشراح الصدر التوحيد الخالص لله تعالى-، وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﮊ [الزمر00]. ومن علامات القلب الحي الواردة في القرآن الكريم: 2- وجل القلب من ا سبحانه -، وشدة خوفه منه، قال سبحانه: ﮋﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﮊ [الأنفال0]. 0- القشعريرة في البدن، ولين الجلود والقلوب عند سماع آيات القرآن العظيم، قال الله عز وجل -: ﮋ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮊ [الزمر03]. 3- خشوع القلب عند ذكر ا سبحانه -، قال الله تعالى -: ﮋ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ
عدد الصفحات ١١٩021 صريــر القلـــم ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﮊ [الحديد٣]. 3- الإذعان للحق والإخبات له، قال الله سبحانه -: ﮋ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﮊ [الحج3]. 1- كثرة الإنابة إلى ا تعالى-، قال الله عز وجل-: ﮋ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﮊ [ق33] . 6- السكينة والوقار،قال الله تعالى-: ﮋ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮊ [الفتح3]. 7- خفقان القلب بحب المؤمنين، قال الله سبحانه-: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﮊ [ا12]. 8- سلامة القلب من الأحقاد،قال الله تبارك وتعالى-: ﮋ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮊ [آل عمران123]. وختاماا فإنه ليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن العظيم وجمع الفكر على معاني آياته فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر، وتدله على مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتريه صور الدنيا والآخرة.
عدد الصفحات ١٢٠020 صريــر القلـــم النور المبين في طريق المتقين تكثر الفتن في المجتمعات وتُيِّم على سمائها سحب المخالفات فيلتبس الحق بالباطل وتُتفي معالم السنن على كثير من الناس ويختلط الهُدى بالضلال فتكون تقوى الله تعالى-نوراً ساطعاً في طريق الحق والهداية ويبدد نورها ظلمات الجهل والغواية ومن رُزق التُقى وا لهُدى وفِّق للفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، قال تعالى: ﮋ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮊ [الأنفال٠]. والموفق في الحقيقة من وهبه ا تعالى-التقوى لأن بها يمشي المؤمن بنور من ربه تعالى-على درب النجاة ويكون سالماً من جميع المؤثرات العقدية والمنهجية، قال تعالى: ﮋ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﮊ [الحديد02]. ولا يخفى على كل صاحب عقلٍ رشيد أن الأمة الإسلامية تُتاج في الزمن المعا والمستقبل إلى أن تغمر قلوب أفرادها تقوى الله تعالى والإيمان الثابت في قلوبهم كثبات الجبال في الأرض، وأن يتيقن الجميع أن الدين منصور وأن العاقبة للمتقين مهما تكالب الأعداء من الداخل والخارج وأن هذا وعد الله تعالى كما قال في كتابه العظيم: ﮋ ﭑ ﭒﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﮊ [الروم٣]. (1) كتب المقال بعد توفيق الله تعالى في تاريخ 2/11/1333هـ
عدد الصفحات ١٢١022 صريــر القلـــم ومن تعلق بالوحي الإلهي تيقن أن عز الأمة وسيادتها وفلاحها مرهون بتمسكها بكتاب ربها وسنة نبيها ﷺ ومن سبر التاريخ وجد هذه الحقيقة يومَ أن كانت الأمة متمسكة بإسلامها الحق ومهتدية بنور الوحي الإلهي مقتفية بآثار النبوة ومقتدية بسلف الأمة رحمهم الله تعالى-دانت لها المشارق والمغارب واجتمعت كلمتها ورفرفت رايتها وتوحدت صفوفها ولم تجد البدع والأهواء طريقاً إلى مجتمعاتها وأفرادها. وكل عاقل له طريق يسلكه في حياته بين جنباته الخير والشر، وينتهي به إلى السعادة والعزة والخير في معاشه ومعاده أو إلى الشقاوة والذلة والشر، وأن الفائز في الحقيقة من سلك الطريق الذي وضعه الخالق للخلق: ﮋ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮊ [الأنعام3]. ومن سلك طريق الحق فله النصر المبين في الدنيا والآخرة، وهذا في الحقيقة ميزان لأهل الإيمان: ﮋ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﮊ [غافر1]، وجاءت البشرى من سيد الأولين والآخرينﷺبقوله: « لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر ا عز وجل» . وفي نهاية المطاف فإن من الواجبات المتحتمات على العلماء وطلبة العلم والدعاة في كل مكان وزمان -خاصة في وقت الأزمات والفتن- أن يقودوا الناس (1) رواه ابن ماجه، رقم الحديث12)، وصححه الألبا.
عدد الصفحات ١٢٢023 صريــر القلـــم للخير والفلاح، وأن يبادروا بالدعوة والإنكار على جميع المعاصي والمنكرات التي تصدر من الراعي والرعية، وأن تكون لهم القيادة والكلمة في نوازل الأمة مستضيئين بنور الوحي ومدركين للواقع من مصادره الموثوقة، لأن العلم الشرعي في الحقيقة شرف لحامله وأمانة في الصدع به وتبليغه للناس، ومن حمل رسالة الإسلام فإنه لا يسلم من تهديدات القوى الدنيوية؛ ومن سبر حال الأنبياء والرسل والسلف الصالح وجد ذلك، وينبغي على الجميع أن يكون قول الحق سبحانه وتعالى متمثلاً لهم في كل مواطن الحياة: ﮋ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﮊ [الأحزاب٠].
عدد الصفحات ١٢٣024 صريــر القلـــم حقيقــــــــــة لا خيــــــــــال الحكمة العظمى من خلق الإنس والجن عبادة الله وحده لا شريك له، ولذلك فقد جعل الله -تعالى-الدنيا مكاناً للابتلاء والاختبار ليميز الخبيث من الطيب، إلى أن ينتهي الأمر بمفارقة الروح للبدن في مشهد حقيقي عظيم ذُكرت تفاصيله في القرآن الكريم، ثم تبدأ الرحلة الحقيقية للإنسان إلى دار الآخرة التي تبدأ بحياة البرزخ والتي تفصل بين الدنيا والآخرة. ثم يأتي اليوم العظيم المهيب ألا وهو يوم القيامة، ذلك اليوم الذي تقشعر منه الجلود، وتشيب منه الرؤوس، ولِـمَ لا؟ فهو اليوم الذي تتبدل فيه الأرض غير الأرض، وتضطرب السماء، وتتشقق الأرض، وتندك الجبال، وينخسف القمر، وتتكور الشمس، وتنتثر الكواكب، وتسجَّر البحار وتشتعل ناراً. ذلك اليوم يشهده الأولون والآخرون، ويحشر فيه الملوك والفقراء وغيرهم حُفاة عُراة غُرلاً، لا ينفعهم مالهم ولا جاههم ولا سلطانهم، وتستوي الخلائق وليس بينهم وضيع الكل عبادٌ لله تعالى - كما قال سبحانه: ﮋ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﮊ [مريم3]،وقد وصف رسول الله ﷺ حشر العباد في يوم المعاد بقوله: «يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حُفاة عُراة غُرلاا كما قال تعالى: ﮋ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﮊ [الأنبياء123]، (1) كتب المقال بعد توفيق الله تعالى في تاريخ ٣/10/1333هـ
عدد الصفحات ١٢٤025 صريــر القلـــم فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها - يا رسول الله: النساء والرجال فقال: «يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم بعضا ً» ، وتكون أرض المحشر في ب لاد الشام كما وصفها رسول الله ﷺبقوله: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علمٌ لأحد » ، وتكون الشمس قريبة من أهل المحشر كما قال رسول الله ﷺ« :تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل» ، ويكون عرق الناس في هذا الموقف على قدر الأعمال كما قال رسول الله ﷺ« :فيكون الناس على قدر أعمالهم من العرق فمنهم ما يكون إ كعبيه، ومنهم ما يكون إلى ركبتيه، ومنهم ما يكون إلى حقويه، ومنهم ما يكون العرق يلجمه إلجاماا » . ويبدأ الحساب والجزاء بين الخلائق بالعدل والحق، يقول جل وع: ﮋﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﮊ [الزمر٠٣]،فلا تُفى صغيرةٌ ولا كبيرةٌ إلا أحصاها الله -تبارك وتعالى - ويحاسب عليها العبد بين يدي أحكم الحاكمين. وينصرف الخلق بعد الحساب والجزاء بالعدل والحق إلى الجنة أو النار اللتان جاء وصفهما في كتاب الله العظيم وسنة رسوله ﷺفدعا سبحانه إلى المسارعة إلى دار النعيم بقوله: ﮋ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ (1) رواه مسلم، رقم الحديث123)، باب: (فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة). (0) رواه مسلم، رقم الحديث2)، باب: (البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة (3) رواه مسلم، رقم الحديث212)، باب: (صفة يوم القيامة (3) المرجع السابق
عدد الصفحات ١٢٥026 صريــر القلـــم ﭛ ﭜ ﮊ [آل عمران 133]، ووصفها رسول الله ﷺ بقوله: «قال الله تعا أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال تعالى: ﮋ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮊ » . فالجنة أبوابها ثمانية فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريَّان، وقد يُدعى الإنسان من جميع الأبواب التي بين مصراعي أحدها كما بين مكة وهجر. والجنة فيها درجات فأعلاها الفردوس الأعلى الذي سقفه عرش الرحمن، وبناؤها لبنة من فضة ولبنة من ذهب ومُلاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، وفيها غُرف يُرى ظاهرها من باطن ها وباطنها من ظاهرها، للمؤمن فيها خيمة من لؤلؤة مجوفة طولها ستون ميلاً في السماء، وفيها شجرة يسير الراكب بجواده في ظلها مائة عام لا يقطعها، وفيها من الفواك ه المنوعة، وتذلل أغصان الأشجار للمؤمن إذا قعد أو اضطجع ويأكل من ثمارها وإذا قطع ثمرة خرجت غيرها. أهل الجنة آمنون من الموت والنوم والهرم والمرض والخوف، آمنون من كل ما يُنغِّص وينقص نعيمهم، وفي الجنة أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وفيها ولدان مخلدون بجمالهم وانتشارهم في خدمة المؤمنين كأنهم اللؤلؤ المنثور. (1) رواه البخاري، رقم الحديث٨)، باب: (ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة).
عدد الصفحات ١٢٦027 صريــر القلـــم والحور العين من نعيم المؤمن في الجنة فيُعطى قوة مائة رجُل في الجماع، وطوله وعرضه ستون ذراعاً، وجماله كجمال يوسف - عليه السلام -، وخُلقه كخُلق محمد ﷺ، وطوله كطول آدم - عليه السلام -، وعُمره كعُمر عيسى - عليه السلام ، وجمال الحورية وحُس نها لا يوصف فيجامعها المؤمن فتعود بكراً، ومن صفاتها أنها متحببةً لزوجها، والحوريات متساويات في الأعمار، ونصيف إحداهن من على رأسها خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويُرى مُخ ساقها من سبعين حُلة، ولعابها لو قطرةٌ منه تسقط في الأبحر المالحة لكانت عذبة زلالاً، وغيرها من صفات الحور التي اشتاق إليها العُبَّاد والصالحون والمجاهدون والأولياء، وعلى هذا ينادي منادٍ ٍ ِ ٍ ٍ في الجنة يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، وأن لكم فيها أن تصحوا ولا تسقموا، وأن تُيوا فيها ولا تموتوا، وأن تشبُّوا فيها ولا تهرموا أبداً، وعلى هذا فإن لأهل الجنة موعد في يوم الجمعة عندما تُعد لهم النجائب فيُحملون عليها إلى مكان الموعد في الوادي الأفيح لمقابلة العزيز الحميد - جل وعلا - وهذا هو أنعم النعيم والزيادة وقرة عيون المؤمنين، قال تعالى: ﮋ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﮊ [القيامة00 – 03]. وفي المقابل ح ذَّر سبحانه الناس وخص أهل الإيمان بالتحذير من دار الجحيم بقوله: ﮋ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﮊ [التحريم٣]. النار دار رؤوس الكفر والنفاق، دار فرعون وهامان وقارون وأبي جهل وأُبي بن خلف وغيرهم من الطغاة والفجَّار ؛ مكانها بعيدٌ في أسفل السافلين، لها دركات أسفلها دار المنافقين، أشجارها كأنها رؤوس الشياطين، طعامها الزقوم، قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الله حق تقاته فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا
عدد الصفحات ١٢٧028 صريــر القلـــم لأفسدت على أهل الأرض معايشهم» ، وطعامهم لايسمن ولايُغني من جوع، وإذا أكلوا ازدادوا عطشاً وبحثوا عن الماء: ﮋﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮊ [الكهف٠]، وإذا أراد أحدهم أن يشرب من الماء سقطت فروة شعر رأسه ولحمة وجهه وتقطعت أمعاؤه وتمزق جلده وانسلَ ما في بطنه وخرج من دبره وهو مضطرٌ على فعل ذلك: ﮋ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﮊ [إبراهيم17]،وأما لباس أهل النار فيتعذبون به وتشتد عليهم الحرارة والعذاب: ﮋﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﮊ [إبراهيم2]. النار حرها شديد، وقعرها بعيد، نارها تفوق نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً، لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، سوداء مظلمة، عذابها شديد، يتمنى أهلها الخلاص والراحة من العذاب ولو لحظة فينادون خزنة جهنم: ﮋ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﮊ [غافر٠]،فترد عليهم الملائكة: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﮊ [غافر2]، فلا يستجاب لهم لأنهم يستجيبوا للرسل حينما دعوهم إلى الله تعالى - فكان الجزاء من جنس العمل فيقول أهل النار لله - عز وجل -: ﮋ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﮊ [المؤمنون٣-127]، فيقول ا- جل وعلا - لهم: ﮋ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﮊ [المؤمنون122]، وعلى هذا يزدادون بؤساً وحسرةً وندامة: ﮋ ﮬ ﮭ (1) رواه الترمذي، رقم الحديث٨)، وصححه الألباني.
عدد الصفحات ١٢٨