97 صريــر القلـــم حلفاءهم يقومون بعملهم وينشرون أفكارهم ، وزاد تركيز الغرب على الخطط الاستراتيجية بعد التحديد الجغرافي لكل دولة وأصبحت كل واحدة منعزلة عن الأخرى وخاصة في المجال السياسي والاقتصادي وتصارعت الأفكار والقيم المستوردة في داخل مجتمعاتها وبمتابعة أسيادهم من خارجها. وفي سياق عرض انتقال الأفكار المستورة من أوروبا إلى العالم الإسلامي استوقفتني كلمات في غاية الدقة من الدكتور مسفر بن عي القحطاني في مقاله: (التنويريون السعوديون : قراءة هادئة وسط الضجي ) حيث قال: ( امتد الأثر الفكري للثورة الفرنسية مع امتدادها العسكري وكذلك من خلال الاتصال الغربي بالمشرق الإسلامي وقد أوجد هذا الاتصال الثقافي ذو النزعة الطوباوية إلى تأثر ب عض المثقفين المسلمين بمبادئ التنوير الفلسفي والعقلاني كالطهطاوي والأفغاني وخير الدين التونسي والكواكبي وغيرهم، وانتشرت مؤلفاتهم وأفكارهم الإصلاحية في عموم البلاد الإسلامية حتى جاء الجيل الأكثر وعياً بالفكر التنويري الغربي كزكي نجيب محمود و العشماوي وحسن حن في وجمال البنا والجابري وأركون فحاولوا تأطير الفكر والمزاوجة بينه وبين الفلسفة الإسلامية بنفض الغبار عن فكر ابن رشد وابن سيناء والفارابي وعموم الفكر الاعتزالي والباطني مما ولَّد أجنة مشوهة بقيت حبيسة أسوار " المدينة الفاضلة " ولا أدري عن مدى صمودها لتغيرات العصر وتُدياته القادمة إذا تجسدت في أرض الواقع »!!. وهناك قواسم مشتركة بين فكر التنوير الغربي وفكر التنوير الإسلامي إذ تكمن في تشابه الأسماء والمصطلحات وتُتلف في بعض المفاهيم والمنطلقات لأن
عدد الصفحات ٩٧98 صريــر القلـــم التنوير الأوروبي جاء بشكل واضح عن طريق ردود الأفعال لقمع سدنة الكنيسة لكل من تجاوز سياستها بسيطرتها على عقول الناس بتحجيم أفكارهم في قوالب أراء قساوستها وتوعدوا كل من خالفهم بالتعذيب تارة وبالقتل تارة أخرى أمام الناس واستمدوا أفعالهم من دينهم المحرف واعتبروا مخالفتهم لاتجوز مع رفع الشعارات على أن منطلق فعلهم من الدي ن الكنسي المسيحية المحرفة وهذا المنطلق لايقع في عالمنا الإسلامي لأن الإسلام ليس كالكنيسة والحضارة الإسلامية ليست كالحضارة الغربية والإسلام لايحارب العلم والعقل وهذه هي الحقيقة ولكن مازال بعض دعاة التنوير في العالم الإسلامي يحاولون أن يكونوا على خطى التنوير الغربي بطريقة مباشرة وغير مباشرة. واختلف الباحثون والمؤرخون حول تسمية هذا الاتجاه الفكري، فقد أُطلق عليه مصطلحات عدة مثل: (الاتجاه العصراني) أو (الاتجاه العقلاني) أو (التنوير الإسلامي)، ويطلق عليه مؤخراً مصطلح (الإسلاميون الجدد) وقد بينَّ هذا الأمر الدكتور وليد الهويريني في كتابه: (عصر الإسلاميين الجدد). واتجاه التنوير العربي في واقعنا المعاصر اتجاه فكري إسلامي في الجملة حيث يسعى إلى التوفيق بين نصوص الشرع وبين الحضارة الغربية والفكر الغربي المعاصر، متبنياً منهجاً عقلانياً، ويعي من مكانة العقل في مقابل النص الشرعي، ويؤول النص إن أمكنه، أو يرده بتعليلات عقلية إن لم يمكنه ذلك، وموقفه من النص الشرعي يكون بتقديم العقل في الجملة عند توهم التعارض، ويدعو إلى التجديد والنظر في الأحكام الشرعية حسب مقتضيات العصر الحديث، ولايعتمد على سلف الأمة رحمهم الله تعالى- في فهم الكتاب والسنة، وأصحاب
عدد الصفحات ٩٨99 صريــر القلـــم هذا الاتجاه هم ممن يتبنون المرجعية الإسلامية في الجملة، يقول الشيخ أحمد سالم في هذا السياق: (المحدد الذي على أساسه نفصل بين التنوير الإسلامي وبين مذاهب الفقهاء السائغة، أن رجال هذا التيار قاموا بعملية مواءمة وتوفيق بين مفاهيم التنوير الغربي العلماني وبين نصوص الوحي والشريعة، وأنهم في عملية التوفيق هذه أضاعوا قطعيات من الشريعة وخالفوها ؛ إما بقبول باطل، وإما برد حق، فكانت مخالفة القطعي، بقبول ما هو باطل من المفاهيم الغربية، أو برد ما هو ثابت قطعي من الدين ؛ هي الموجب لتصنيفهم على الصورة السابق ذكرها). وإذا أردنا تُديد بداية ظهور الاتجاه التنويري في العالم الإسلامي فيمكن أن يقال منذ قرنين تقريباً، في الفترة التي ظهرت فيها دعوة الشيخ محمد عبده المؤسس الأول للاتجاه العقي في العصور المتأخرة وقد رفعت دعوته شعار التجديد في الدين، ومارست أسلوب تقريب أحكام الإسلام من المدنية الغربية، وخاضت غمار التأويل في كثير من نواحي الدين وهي التي جعلت الاقتداء بالغرب وحضارته الفكرية والمادية منطلقاً في محاولتهم التغيير والنهوض بأوطانهم وشعوبهم، وتجاهلت الإسلام بالكلية ويتضح هذا المنه في كلام طه حسين حينما قال: (إن سبيل النهضة واضحة بيِّنة مستقيمة، ليس فيها عوج ولا التواء، وهي واحدة فذة ليس لها تعدد، وهي: أن نسير سيرة الأوروبيين، ونسلك طريقهم، لنكون لهم أنداداً ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، وحلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب). وتعود جميع أسباب الانزلاق نحو الاتجاه التنويري إلى ضعف التسليم لله -تعالى- ولرسوله ﷺ، ثم الانبهار بالثقافة والحضارة الغربية، وقد وصف الأستاذ
عدد الصفحات ٩٩011 صريــر القلـــم سيد قطب -رحمه الله تعالى- ما حصل من انبهار بالثقافة الأجنبية آنذاك مع إعراض المسلمين عن المنه الرباني، وكيف تتكرر المأساة اليوم، فيقول: (لقد وقع في طور من أطوار التاريخ الإسلامي أن احتكت الحياة الإسلامية الأصلية المنبثقة من التصور الإسلامي الصحيح بألوان الحياة الأخرى التي وجدها الإسلام في البلاد المفتوحة، وفيما وراءها كذلك، ثم بالثقافات السائدة في تلك البلاد، واشتغل الناس في الرقعة الإسلامية، وقد خلت حياتهم من هموم الجهاد واستسلموا لموجات الرخاء، اشتغل الناس بالفلسفة الإغريقية وبالمباحث اللاهوتية التي تجمعت حول المسيحية، والتي ترجمت إلى اللغة العربية، ونشأت عن هذا الاشتغال الذي لا يخلو من طابع الترف العقي في عهد العباسيين وفي الأندلس أيضاً انحرافات واتجاهات غريبة على التصور الإسلامي الأصيل، كذلك وجد بين المفكرين المسلمين مَنْ فُتن بالفلسفة الإغريقية، وبخاصة شروح فلسفة أرسطو، أو المعلم الأول - كما كانوا يسمونه -، وبالمباحث اللاهوتي ة الميتافيزيقية، وظنوا أن الفكر الإسلامي لا يستكمل مظاهر نضوجه واكتماله أو مظاهر أبهته وعظمته إلا إذا ارتدى هذا الزي، زي التفلسف والفلسفة وكانت له فيه مؤلفات، وكما يفتن منا اليوم ناس بأزياء التفكير الغريبة . فكذلك كانت فتنتهم بتلك الأزياء وقتها). ويمكن أن نحدد بدقة -عوامل ظهور التنوير في العالم الإسلامي كما ذكر ذلك الشيخ عبدالوهاب آل غظيف في كتابه: (التنوير الإسلامي في المشهد السعودي) إلى عاملين مهمين: الأول: الانبهار بالحضارة الغربية والاستسلام لضغط مفاهيمهما والنهل من معين الفكر الغربي إما مباشرة وإما عبر وسائط عربية.
عدد الصفحات ١٠٠010 صريــر القلـــم الثاني: قلة المحصول المعرفي من كلام السلف في بيان القرآن والسنة وحقائق الإسلام، وقلة مطالعة كتب أهل العلم في العقائد والفروع، ولاشك أن ذلك يورث التغرب، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى -: (ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم، لايبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم؛ لايبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام، ونظير هذا كثير). وتزايد الاتجاه التنويري في العالم العربي تدريجياَ واختلف المنتسبون له في قربهم من الدين الإسلامي وبعدهم منه حتى وصل الأمر ببعضهم إلى وقوعهم في مستنقعات العلمانية والليبرالية بالصراحة تارة وبلبوس الإسلام تارة أخرى بحسب ما تقتضيه الطبيعة الاجتماعية والسياسية، وأوضح الشيخ عبدالوهاب آل غظيف في كتابه: (التنوير الإسلامي في المشهد السعودي) أن مسالك التنوير في العالم الإسلامي تنقسم إلى مسلكين: الأول: مسلك صارخ في أن نبذ الدين هو الحل النهضوي، وكان لهذا المسلك انعكاسان: أحدهما سياسي والأخر ثقافي، فالجانب السياسي مثلته أنظمة ديكتاتورية؛ كنظام أتاتورك وأبو رقيبة وعبدالناصر وأحزاب البعث وغيرهم، والجانب الفكري مثله بعض دعاة التغريب كطه حسين ومحمد أركون وصادق جلال العظم ونصر حامد أبو زيد وسواهم. الثاني: الاتجاه الذي يظهر أصحابه التسليم للمرجعية الإسلامية، لكنهم يمارسون تطويع أحكام الشريعة والنصوص ذات الدلالة القطعية بما يتوافق مع الثقافة الغربية المسيطرة، وربما يذيب التمييز الإسلامي الشكي والضمني عن
عدد الصفحات ١٠١012 صريــر القلـــم الأمم الكافرة، ويتجلى ذلك التطويع بصورة أكبر في القضايا السياسية والاجتماعية؛ كنظم الحكم وغايته وشرائع الحدود والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقضايا المرأة والعلاقة مع الكافر والمبتدع والولاء والبراء ، وأورثت عملية التطويع هذه حاجة إلى التخفف من قيود المنه الشرعي فطالت التحريفات قضايا منهجية أيضاً، وكانت المبررات لهذه التنصلات محشودة تُت لوافت من قبيل الاستنارة ومواكبة العصر والنهوض والتجديد. وننتقل إلى بدايات ظهور الاتجاه العقلاني في السعودية -التنوير الإسلامي الذي بدأ بشكل سريع بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر باستغلال الحدث في الظهور الإعلامي وعرف في خضم الأحداث بانتقاداته للجماعات الإسلامية وتيارات العنف والتطرف ومسبباته برؤية شرعية، وأظهر روح التسامح والتعايش والألفة مع الغرب وألبسها من الشريعة الإ سلامية وتزايدت أطروحاته التي تنادي بمراجعة التراث وتجديد الخطاب الديني وإشكالات النهضة والتنمية، وظهور هذا التيار في وقت تسارع الأحداث بينَّ عدم وضوح المنهجية التي يسير عليها المنتمي إليه ومن الطبيعي أن يتمايز بعضهم بعد فترة من الزمن ويختلف تصنيفهم فأصبح التيار على قسمين: الأول: بقي على انتمائه الإسلامي مع إصراره على العملية التحديثية للتراث الإسلامي والنقد لرموز السلفية والحركات الإسلامية بشكل عام والمنه السلفي بشكل خاص، ويمثل هذا التيار على سبيل المثال: (محمد الأحمري وسليمان الضحيان وعبدالعزيز القاسم وعبدالعزيز الخضر ونواف القديمي ومحمد العبدالكريم وعبدالله المالكي).
عدد الصفحات ١٠٢013 صريــر القلـــم الثاني: ترك الفكر الإسلامي إلى الفكر الليبرالي وأصبح ناقداً بجرأة -على للتراث الإسلامي من جهة وللإسلاميين من جهة أخرى حتى وصل الأمر بأكثرهم إلى نقد ثوابت الدين، ويمثل هذا التيار على سبيل الم ثال: (منصور النقيدان ومشاري الذايدي وعبدالله بن بجاد ومحمد المحمود وإبراهيم البليهي ويوسف أبا الخيل ووائل القاسم). وأصبح من الواضحات أن الفكر التنويري منطقة بين الإسلام والعلمانية، وحول هذه الحقيقة كان مدخل الشيخ عبدالوهاب آل غظيف في مقاله: (الإسلامي حين يؤسس للعلمانية) بقوله: (كان البعض يقول عن التنوير: إنه جسر بين الإسلامية والعلمانية، يصف بذلك الحالة التلفيقية بينهما التي هي عماده وقوامه، بيد أن ثمة (صقور) في الحالة التنويرية لم ترتضِ لنفسها أن تكون جسراً، في ذات الوقت ليست مستعدة للرجوع إلى الحضن الإسلا مي الذي ما فتئت تُدشه وتكلبه في تُامل ملفت، فتَحَدَّد مكانها في أطروحات علمانية كالحة ليس شيء - سوى الورع البارد - يمنع من تصنيفها كذلك!!). ومنطلق التيار التنويري في السعودية حدده الأستاذ نواف القديمي بقوله: (تيارنا يقوم على نقد التيار السلفي، وتفكيك بنيته التقليدية، ومنظومته في التفكير، والتعامل لتجاوز التأزمات التي أنتجها في المجتمع، والتي أسهمت في إعاقة مشروعات النهضة والتطور الحضاري. إذن هو تيار فكري ثقافي أكثر منه سياسي ؛ لذلك فهو - إلى الآن - غيرُ معنيٍّ بشكلٍ مباشر بالإصلاح السياسي بقدر عنايته بالإصلاح الثقافي، لذا لا تو جد له مشكلة مع السلطة السياسية) ، وهذا التصريح يبينَّ الكثير من منطلق ات التيار التنويري في السعودية.
عدد الصفحات ١٠٣014 صريــر القلـــم ومن المناسب أن أذكر كلام الشيخ وليد الهويريني في هذا السياق عندما بينَّ الأزمة التي يعيشها التيار التنويري والاضطرابات المنهجية التي انطلقت فقال: (التيار التنويري قدم نفسه كتيار هدم للتيار السلفي لا تيار بناء ومشاركة مع الطيف السلفي للإصلاح ... لقد كان من المفترض لتيار أن يرفع راية الإصلاح والتنوير وأن يقدم رؤيته الخاصة دون أن يجعل أحد دعائمه ضرب وتفكيك التيار السلفي والذي يعد المكون الأكبر للبلاد بشهادة صناديق انتخابات البلدية، كما أن هذا يتنافى مع حديث الإخوة التنويريين بأنهم أبناء للحالة الإسلامية). ويتفنن التنويريون بسبك العبارات في نقد المنه السلفي والسلفيين كقول الأستاذ عبدالله بن سلمان العودة: (ظاهرة التنويريين أو الإصلاحيين تكثفت بعد أن اجتمع الهاربون من جحيم التبديع السلفي أو التصنيف الصحوي إلى جزيرة التنوير .. فكانت تلك الجزيرة محل تجمع الصحويين المغادرين والحركيين المستقيلين والسلفيين الذي أحرقوا سفن العودة). ويسعى التنويريون بكل وسائلهم إلى تكثير سوادهم بإقناع الكثير م ن الشباب خاصة خريجي الجامعات - بغفلة الخطاب الشرعي الذي يمثله العلماء الرسميين والمستقلين - ورموز الصحوة من المشايخ وطلبة العلم عن قضايا الواقع والسياسة ومشكلات الاقتصاد والحريات الشخصية والشباب وإبطال الاستبداد والنهوض بالأمة ويسعون كذلك لإلصاق التهم جزافاً وتشويه المتدين المحافظ ووصفه بالتشدد والانغلاق وتقديم نموذج عصري للمتدين الحقيقي عبر كتبهم المدعومة - في المعارض الدولية للكتاب بطباعة مؤسسة الشبكة العربية للأبحاث والنشر، وعبر ملتقاهم - المشبوه المعروف بملتقى النهضة،
عدد الصفحات ١٠٤015 صريــر القلـــم وعبر موقع المقال الإلكتروني ، وفي هذا السياق يوضح الأستاذ نواف القديمي نوافذ التيار التنويري على المجتمع السعودي بقوله: (يعتمد التيار بشكل مباشر على الإعلام والنشر والحضور في الصحافة والإنترنت والفضائيات، كما أن هناك مشروعاً لإنشاء مجلة تسمى: «التنوير الإسلامي» قد تشكل إضافة لهذا اتجاه). والمتابع يجد أن التنويريين - منذ بداياتهم - وهم مشغول ون بنقد المنه السلفي وتفكيك بنيته الفكرية وإسقاط رموزه ومؤسساته، وزاد على هذا تقديمهم لأطروحات فكرية في قضايا الحريات والديمقراطية والموقف من الآخر متقاربة بشكل كبير من الرؤية العلمانية، والعجيب أنهم نسبوا أكثرها للإسلام وبعضها سلطوا عليها أفهامهم الجديدة وحاولوا أن تكون عليها صبغة شرعية وحاولوا في خضم هذا الانشغال نقد الحركات الإسلامية واتهامها في مقاصدها بتسييس الدين لصالحها ووصفها بالانتهازية وربطها أحيانا بالعمالة لدول أجنبية . والملاحظ أن أ طروحات التيار التنويري السعودي غير ناضجة وتفتقر للمنهجية الواضحة نتيجة حداثته مما أوقع بعض المنتسبين إليه في صدامات حادة مع المجتمع المحافظ، بالإضافة إلى احتكاك بين أفراد التيار ذاته من الداخل والذي يظهر على السطح - أحياناً -. وأصبحت من العلامات الواضحة للتيار التنويري السعودي تأثره بإعادة قراءة كتب التراث بكتابات محمد عابد الجابري وكتابات الإسلاميين الحديثة حول الديمقراطية والتنمية وكذلك كتابات محمد أركون وحامد أبو زيد في تفكيك النص ونقده ورفع القداسة عنه واستنتاج بعض النظريات الفلسفية الغربية الحديثة مما تسبب في عدم توازن بعض منتسبي هذا التيار فاندفع بعضهم
عدد الصفحات ١٠٥016 صريــر القلـــم إلى ساحات العلمانية وابتعد عن الفكر الإسلامي، ويقترب فكر مجموعة من التيار التنويري السعودي بأفكار شخصيات فكرية معروفة كالدكتور محمد سليم العوا والأستاذ فهمي هويدي. ويتبين في هذا السياق تأثر بعض أفراد التيار التنويري السعودي بالمضامين العلمانية ومحاولة طلاء الدعوة بالأدلة الشرعية وذلك في إخضاع الشريعة للتصويت مع الاعتبار برضا الناس عن الدين وقبولهم له وعدم إكراههم كقول الأستاذ عبد الله المالكي: (يكون المجتمع حراً في اختيار الأفكار والرؤى والمعتقدات التي يرى أنها هي الحق، أو في اختيار المرجعية والمبادئ التي تتأسس عليها قوانينه)، وهذا ال كلام وما شابهه نت عن تشبع بثقافة الغرب وانبهار بحضارتهم مع ما يجده من الانهزامية في واقعنا المعاصر، والحقيقة التي لاشك فيها أننا لسنا بحاجة إلى المناداة بالديم قراطية ولا التأصيل لقبولها بل نحن بحاجة ماسة إلى دعوة الناس إلى معنى تطبيق الشريعة الصحيحة. وأصبحت هموم التيار التنويري السعودي مؤخراً - الإصلاح السياسي ودفع الاستبداد وزجر المستبد ونشر الحرية المطلقة طبعاً وفق الضوابط الشرعية كما يزعمون - مع إهمال الأ ولويات بتقديم التوحيد ونبذ الشرك، ويتضح هذا الأمر في كلام الدكتور محمد العبدالكريم: (وأعظم العدل هو التوحيد، وأشرف مقامات التوحيد ليس ملاحقة عجوز تتوسل عند قبر، بل تُرير الإنسان من المعبودات البشرية، التي تستلزم الاحتساب في مواجهة كل قيد وسلطة وجبروت وكهنوت على الإنسان، ولو كانت سلطة دينية كما قال تعالى: ﮋﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﮊ [التوبة31] ولذا فإن الحرية ملازمة للعدل، فإن
عدد الصفحات ١٠٦017 صريــر القلـــم تُقق العدل تُققت الحرية، وإذا تُققت الحرية بهذا المعنى تُققت الإنسانية في أشرف مقاماتها، وبهذا الإنسان الحر ظهر الإسلام وانتشر)، ومن الواضح لمن له أدنى علم ومعرفة أن الخضوع للقبر أشد شركاً من الخضوع للمستبد عقلاً وشرعاً وهذا يدل على الخلل الواضح في أولويات التيار التنويري السعودي واضطراب منهجه الذي تشرب بعض المفاهيم العلمانية. وبقي في التيار التنويري السعودي طلبة علم وأكاديميين ومثقفين يؤمنون بمرجعية النص وقداسته، وإن اختلفوا على الأوليات التي يرى فيها بعضهم مجالاً لتطوير هذا الخطاب ليشمل التيارات كافة، فالتوعية الحقوقية والنهضة والتنمية والسياسة هاجس لدى بعضهم، وتجديد الخطاب الديني أولوية لدى آخرين، كما أن الوعي السياسي والسياسة الشرعية حاضران لدى بعضهم الآخر، ويمكن أن نحدد التباين الفكري بين المحسوبين على التيار التنويري السعودي في أن بعضهم يقترب في أطروحاته من الفكرة العلمانية، وبعضهم الآ خر يكاد يكون قريباً من السلفيين؛ وسبب ذلك أن الفروق بين التنويريين هي فروق ذاتية وليست موضوعية لأنه م يشتركون في القضايا ويختلفون في كيفية التعاطي معها بحسب الخلفيات العلمية والدوافع الشخصية. ومن الملاحظ تباين التنويريين في القضايا الشرعية مثل ما حدث من تطاول الكاتب حمزة كاشغري على ثوابت الدين ورأى الجميع التباين الواضح قبل اعتذاره وبعد اعتذاره، حيث بدأ ت الطرق بالاستعطاف تارة وبي أعناق النصوص تارة أخرى، وكل هذا في محاولة لانسجام بعض أفكار التيار التنويري ليتماشى مع مبادئ الديمقراطية التي تجيز حرية التعبير عن الأفكار والمعتقدات،
عدد الصفحات ١٠٧018 صريــر القلـــم ولكن القول الحق الذي لاشك فيه أن الفكر الذي يشجع على الاعتداءات المادية جناية وجريمة في القانون، وأن الفكر الذي يشجع على الكفر بالله عز وجل - والتكذيب بالدين أشد جرماً في دين الله تعالى فالعقوبة عليه متعينة، ومنعه مستمد من حكم الشريعة الإسلامية. ويحاول التيار التنويري إقحام نفسه أو بدفع غيره في كثير من القضايا مع ما يعانيه من اضطراب في المنهجية وفقدانه للرموز المؤثرين، ومن هذه المحاولات ما كتبه الإعلامي عبد العزيز قاسم في أحد مقالاته بقوله: (من واقع رصدي للساحة الشرعية، ألفيت أن ثمة تياراً بدأ بالتشكل في الآونة الأخيرة، بعدما كان بضعة أفراد في منتصف تسعينيات القرن الفارط، وأخذت أطروحات هذا التيار؛ التي تضرب على وتر الأدبيات المدنية، وحقوق الإنسان، والحرية، والديمقراطية، في أسر كثير من الشباب الذين تربوا في المحاضن الشرعية. وقتما انفلت أولئك الإخوة بطرح خطابهم -هم يزعمون أن ه إصلاحي ومن داخل التيار السلفي - جوبهوا بمعارضة شديدة، ما زالت إلى اليوم، غير أنهم تعرضوا لانتكاسة شديدة، بعد عبور أبرز آبائهم التاريخيين إلى العلمانية، وجهرهم بذلك. بيد أن هذا التيار عاد إليه الوه من جديد، بدخول شخصية لها كاريزما وذات ثقل فكري عميق، وهو الدكتور محمد الأحمري الذي أعاد الاعتبار لهذا التيار التنويري، عبر أطروحاته المؤصلة؛ ذات النفس الإسلامي الإصلاحي؛ بعدما انفضَّ الشباب الإسلامي عنهم، وهو ما كان ينقص هذا التيار الذي بقي -طوال تاريخه القصير- بدون رمز له كاريزما واسم فكري لامع كالدكتور الأحمري .. كثير من منتسبي هذا التيار، يطلقون على أنفسهم التنويريون).
عدد الصفحات ١٠٨019 صريــر القلـــم وفي نهاية المطاف تتشكل صورة التنويريين أنهم سيصبحون في الحقيقة مطايا - دون أن يشعروا للغرب ولأصحاب الأهواء ولمن يرغب في نشر الفساد والشهوات في بلاد الحرمين وسيكونون الجسر الإسلامي لتمرير نزع الحجاب واختلاط المرأة بالرجال ونحوها من وسائل التغ ريب والانحلال، ولهذا يجد المتابع احتفاء وسائل الإعلام و قنوات الرذيلة بمن يقدم هذه الخدمات وتُديد مساحات كبيرة لهم من أجل بث ما يحقق مآربهم كخلخلة الثوابت الدينية وتمييع المسلمات العقدية وزعزعة العادات والتقاليد، وسينجح في تُقيقها المفسدون عبر بوابة التنوير الإسلامي تُت لواء الضوابط الشرعية وهم يعيشون في الحقيقة تُت غطاء الوهم الذي يزينه شياطين الإنس والجن أن بأيديهم إخراج الإسلام الحقيقي للناس الذي اختفى تُت حطام الاستبداد والتشدد الديني. ويشخص الشيخ وليد الهويرين ي الخطاب التنويري بقوله: ( أن خطابهم الإعلامي وإنتاجهم الفكري يكاد يخلو من التصدي للتيارات الليبرالية والعلمانية، وأصبح (نقد السلفية المعاصرة) وخلخلة الأحكام الشرعية المستقرة سواء أكانت مجمعاً لديها أو ما كان منها اجتهادياً - هو المظهر البارز الذي تراه حاضراً بصورة مباشرة أ و غير مباشرة في خطاب التن وير وعندما يرصد المتابع الإنتاج الإعلامي والفكري لهذا التيار الذي يمكن تقديره بمئات الساعات التلفزيونية وآلاف التغريدات التويترية وعشرات الكتب الفكرية يلحظ غياباً كاملاً عما يتعرض له المجتمع المسلم من اختراق تغريبي ها ئل لمنظومته القيمية الإسلامية).
عدد الصفحات ١٠٩001 صريــر القلـــم ويجب على العلماء وطلبة العلم والمحتسبين الوقوف أمام هذا التجاوزات بالحكمة والموعظة الحسنة وفتح باب الحوار لمعالجة الأخطاء والمخالفات من أجل تُقيق الوئام والاتفاق على الكتاب والسنة ب فهم سلف الأمة؛ ليتحقق توحيد الصفوف والمشاركة في نصرة الدين وأهله في كل مكان وزمان. وأختم المقال بكلمات سطَّرها الشيخ ماجد البلوشي بقوله: (التنوير المزعوم باب شر عظيم للخروج عن الشريعة وتوقيرها وامتثال أمر الله وتعظيم نهيه، والذي يصدّق دعواي هذه ويكون برهاناً عليها هو سبر أحوال القوم فإنه لم يكدْ يسلم أحد منهم من الانحراف في قضايا شرعيّة كليِّ ة، وأما بقاء نفر يسير منهم دون الوصول للانحراف النهائي أو مراوحته في مرحلة التذبذب والتيه والشتات فهذا هو الشذوذ الذي يُثبتُ القاعدة، أين مكانة العبادات الفرديّة وعمارة المساجد بالصلاة والعبادة وإصلاح الباطن والانكباب على تلاوة الوحي وتهذيب النفس بالإيمان والتنسك الصادق وحُسن السمت وعمارة الظاهر بالسنة وإغاثة الفقراء والمساكين والمساهمة في نشر الدعوة إلى الله والدفاع عن الإسلام والاهتمام بعموم المسلمين وقضاياهم وتعظيم العلماء الربانيين والاهتمام بالعفاف والسمو الأخلاقي ونشر العلم النافع والعمل الصالح؟ أين مكانة كل هذه المآثر الشرعية الحميدة من أنفسهم وتقريراتهم وكتاباتهم؟ ولهذا تجد أحدهم يفني ساعات ليله ونهاره في نقد التوجه السلفي ولا تجد له كلمة واحدة في الانتصار لدين الله القيام بحق المسلمين المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها).
عدد الصفحات ١١٠000 صريــر القلـــم خاطرة حول الحراك الفكري لاشك أن الاستغراق في قراءة الكتب الفكرية والمقالات الصحفية والروايات القصصية مع ضعف العلم الشرعي وجفاف المواعظ والرقائق يدل على قرب الولوج من بوابة الانحرافات وبداية سلوك الطريق المؤدي إلى تكذيب النص الشرعي. وهذا التكذيب يحدث تدريجياً ، حيث يبدأ بتشرب القلب لهذه الشبهات والعوارض والإيرادات مما يؤدي إلى ضعف تعظيم النص الشرعي في القلب ثم تبدأ مراحل التكذيب بدايةً من تقديم العقل على النص أو محاولة تأويله وتضعيفه حتى ينتهي المطاف بالمعارضة والتكذيب. ومن الملاحظ في الآونة الأخيرة ظهور الانح رافات العقدية والفكرية بشكل واضح في وسائل الإعلام تويتر مثلاً - ويعود السبب الرئيسي من وجهة نظري إلى الانبهار بالغرب في المجال الحضاري والعسكري مع ضعف التسليم للنص الشرعي. ومن الواضحات أن التسليم للنص الشرعي قاعدة يقتضيها الدليل والمنطق العقي الصحيح لأن النص هو كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وقد دل العقل الصريح أنه رسول من عند عز وجل فكمال التسليم من كمال العقل والمخالفة تدل على ظلم النفس وإتباع الهوى: ﮋ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦﮧ ﮨ (1) كتب المقال بعد توفيق الله تعالى في تاريخ 12/7/1333هـ
عدد الصفحات ١١١002 صريــر القلـــم ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﮊ [الروم٠]. ومن أسباب الثبات على الإسلام والسنة والترقي في منازل الإيمان والالتحاق بقوافل الصديقين : ( تُقيق التوحيد ، والتسليم الكامل للنص الشرعي على فهم سلف الأمة)، وقد سطَّر العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى كلاماً عظيماً في هذا السياق حيث قال: (اعلم أن التسليم هو الخلاص من: شبهة تعارض الخبر، أو شهوة تعارض الأمر، أو إرادة تعارض الإخلاص، أو اعتراض يعارض القدر والشرع. وصاحب هذا التخلص هو صاحب القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به. فإن التسليم ضد المنازعة. والمنازعة: إما بشبهة فاسدة تعارض الإيمان بالخ بر عما وصف الله -تعالى -به نفسه من صفاته وأفعاله وما أخبر به من اليوم الآخر... وغير ذلك، فالتسليم له ترك منازعته بشبهات المتكلمين الباطلة. وإما بشهوة تعارض أمر الله -عز وجل-، فالتسليم للأمر بالتخلص منها. أو إرادة تعارض مراد الله من عبده، فتعارضه إرادة تتعلق بمراد العبد من الرب، فالتسليم بالتخلص منها. أو اعتراض يعارض حكمته في خلقه وأمره، بأن يظن أن مقتضى الحكمة خلاف ما شرع وخلاف ما قضى وقدر، فالتسليم التخلص من هذه المنازعات كلها. وبهذا يتبين أنه من أجل مقامات الإيمان وأعلى طرق الخاصة، وأن التسليم هو محض الصديقية، التي هي بعد درجة النبوة، وأن أكمل الناس تسليما أكملهم صديقية) . (1) انظرمدارج السالكين، 0/137.
عدد الصفحات ١١٢