المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

موجز عن الفتوحات الإسلامية تحميل PDF

طه عبد المقصود عبد الحميد أبو عبية

صفحة ٦ من ٨

منه بما دوخ من البلاد، وأنه لا يقوم له أحد، لينفذ قدر الله ومراده، ويتعجل لعبده من كرامته ميعاده. وفصرف أصحابه إلى منازلهم عند قربــهم منها، وسار ي هو إلى مندينة "تهوذة" لينظر فيمن يصلح لها من الفرسان. فلما انته إليها ف بقية من معه وكانوا قليلا نظر الروم إليهم، فطمعوا فيهم، فأغلقوا باب حصنهم، وجعلوا يشتمونه ويرمونه بالحجارة والنب ل، وهو يدعوهم إلى الله عز وجل. فلما توسط البلاد بعث الروم إلى كيسلة بن لمزم الأورب ي ... ". ويكمل ابن عذارى سي الأحداث -ي أهل بيته ي موضع آخر قائلا: "فانتهز كسيلة فرصة فنكث، وقام ف ف وقبائله من الي بر. فقال أبو المهاجر لعبة: عاجله قبل أن يستعجل أمره. فوقف إلي يه عقبة، فتنح "كسيلة" أمامه، فقالت له الي بر: لم تنتحي عنه، وهو ف ي الزيادة، والرجل ليس عنده من يمده، ي خمسي ألفا ف خمسة آلاف، ونحن ف ي الجيوش العظيمة "أي قودوه عليهم" وقد سار عنه أصحابه؟! فركبه الي بر ف وغشيه بهم كسيلة بقرب من تهوذا. في ل عقبة -رض ي الله ع نه- وركع ركعتي وقال لأب ي المهاجر: الحق بالمسلمي فقم بأمرهم، فأنا أغتنم الشهادة. فقال له: وأنا والله أغتنمها معك. فكش كل واحد منهما جفن سيفه، وكش المسلمون كذلك أغماد سيوفهم، وأمرهم أن يي جلوا عن خيولهم، فقاتلوا قتالا شديدا حت بلغ منهم الجهد، وكير فيهم الجراح، وتكاثر عليهم العدو، فقتل عقبة وأبو المهاجر، ومن كان معهما من المسلمي ، ولم يفلت منهم أحد إلا بعض وجوههم أشوا ... "1 . __________ 1 البيان المغرب 1 /28،29". وراجع: فتوح مصر والمغرب لابن عبد الحكم ص" 198"، الكامل لابن الأثي3 /452". ومن الجدير بالذكر أن موضع "تهوذة" لا يزال يعرف اليوم بسيدي عقبة، وهو عبارة عن واحة من النخيل بالقرب من

عدد الصفحات ٨١

ي جنوب "قسنطينة" بالجزائر "على بعد خمسة كيلو مي ات مدينة "بسكرة" ف من "تهوذة" وبــها قي هذا الفاتح العرب ي العظيم. (1 /73 ) وهكذا كان عدم الحذر-حت بعد الانتصار - هو السبب الذي مكن الروم والي بر ي إفريقية من التجمع واغتنام الفرصة الحاسمة، وقد دوى خي مقتل عقبة ف ي نفوس المسلمي . وكان "كسيلة" قد والمغرب دويا هائلا، وكان له أثر عميق ف زحف بجيوش لا حصر لها إلى القي وان، "فانقلبت إفريقية نارا وعظم على المسلمي ، فخرجوا هاربي " 1 .ي القي وان إلا الشيوخ والنساء والأطفال ولم يبق ف وكل مثقل بالأولاد، فأرسلوا إلى "كسيلة" يسألونه الأمان فأجابهم إلى ذلك، ي المحرم "سنة ودخل المدينة ف 64هـ-682ي قصر الإمارة أمي ا ع م" وجلس ف ي القي وان من العرب الي بر ومن بق ي ف 2 . ويتفق المؤرخون على أن زهي بن قيس خليفة عقبة على القي وان أراد -بعد كارثة "تهوذة"- ي أن يقاتل كسيلة بمن بق ي من الجيش، ويداف عن المدينة، وخطب ف الناس قائلا: "يا معشر المسلمي ، إن أصحابكم قد دخلوا الجنة، وقد من الله عليهم بالشهادة، فاسلكوا سبيلهم، ويفتح الله لكم دون ذلك". فاعي ض عليه حنش ي فتح الأندلس"، وطالبه الصنعاب ي "وهو من التابعي ، وممن اشي ك ف بالانسحاب مع بقية الجيس إلى المشرق حت لا يتعرض المسلمون لسيوف الي بر، وقال: "لا والله ما نقبل قولك، ولا لك علينا ولاية، ولا عمل أفضل من النجاة بهذه العصابة "الجماعة" من المسلمي إلى مشرقهم". ثم قال: "يا معشر المسلمي ، من أراد منكم القفول إلى مشرقه فليتبعت ي" فاتبعه الناس، ولم يبق مع ي "برقة"، وأقام زهي إلا أهل بيته وذويه، فاضطر إلى اللحاق بهم، ونزل بقصره ف

عدد الصفحات ٨٢

بهها مرابطا إلى أن ولىي عبد الملك بن مروان الخلافة "سنة 65هـ-683م". وبــهذا خرجت "إفريقية" من أيدي المسلمي ، وتراجعوا إلى برقة الت ي كان عمرو بن العاص قد فتحها منذ أربعي سنة، وكان على من أب بعد "عقبة" أن يبدأ العمل من جديد. __________ 1 رياض النفوس للمالكي1 /28"، وراجع: البيان المغرب1 /29-30 ." 2 رياض النفوس1 /28"، والبيان المغرب 1 /30-31 ." 3 البيان المغرب 1 /31"، وراجع: رياض النفوس1 /28 ." (1 /74 ) وعلى الرغم من الانتقادات الت ي وجهت للحملة الجهادية الت ي قادها عقبة بن نافع ي تاريــــخ هذا لفتح البلاد المغربية، فإنها تعتي من كي يات الحملات العسكرية ف الإقليم، شملت المغارب الثلاثة، وأدخلت المسلمي إلى مناطق لم يدخلوها من ي مناطق نائية قبل، وحققت عدة انتصارات عسكرية مهمة، وعرفت الي بر ف بالإسلام، وتكق ي هذه النتائج الت ي حققتها هذه الحملة ردا على من قلل من أهميتها، وأضعف من قيمتها. وبق ي أن نقول: إن هذ المجاهد الكبي -عقبة بن نافع- يعتي بحق من أعظم قا دة ي هذا المجال الفتح الإسلامي، وواحد من أكي بناء الدولة الإسلامية. ولا يقارن ف ي الجناح إلا بالقائد الكبي "قتيبة بن مسلم الباهلىي" الذي تولى مهمة الفتوح ف ي التغلب على مقاومة الي ك الوثنيي ي لدولة الإسلام، وإليه يرجع الفضل ف الشرف وفتح بلادهم للإسلام، والوصي غرب ي إقليم "سنكيانج" ف ول به إلى "كاشغر" ف

عدد الصفحات ٨٣

الصي الحالية. وكان "عقبة" و"قتيبة" متعاصرين، واحد منهما وصل بحدود دولة الإسلام إلى أقصاها غربا، والثاب ي وصل بها إلى أقصاها شرقا. (1 /76 ) رابعًا: زهي بن قيس البلوي واسي داد القي ون 69-71 /هـ688م-689م ... رابع ا: زهي بن قيس البلوي واسي داد القي وان " 69-71 /هـ688م-689م لم تستطيع الخلافة الأموية أن تهتم بأمور "إفريقية" إثر مقتل عقبة بن نافع واحتلال "كسيلة" الي بري للقي وان إلا بعد وقت طويل؛ لأن ظروف الخلافة لم ي يزيد بن معاوية " تسمح بذلك. لقد توف 64 /هـ682م"، وخلفه ابنه معاوية "الثاب ي" ولم يكمل عاما واحدا حت تنازل عن الخلافة دون أن يعي من يخلفه، وانته الأمر -ي العام نفسه ف - إلى مروان بن الحكم. وكان عبد الله بن الزبي قد ثار ي على الأمويي بعد موت يزيد، واستولى على الحجاز والعراق ودخلت مصر ف طاعته، واتسع سلطانه، و أعلن نفسه خليفة. وقد انشغل مروان بن الحكم بمحاربة الزبي يي واستعادة البلاد إلى الأشة الأموية، ثم مات شيعا "عام 65 /هـ 683م (1 /76 ) تاركا الخلافة لابنه عبد الملك الذي ورث واقعا سياسيا مرهقا عمل بمهارة فائقة وجهد دؤوب على تعديله. وبعد أن هدأت الأحوال شيئا فشيئا ابتداء من " 68 /هـ 687م" وثبتت الخلافة الأموية لعبد الملك اتسع أمامه الوقت ليقوم بعمل

عدد الصفحات ٨٤

عسكري لاستعادة القي وان والمغرب وكان زهي بن قيس -الذي انسحب بالمسلمي من "القي وان" بعد مقتل عقبة - لا ي "برقة" إلى أن تأتيه الإمدادات لكي ينهض إلى "إ يزال منتظرا ف فريقية" من جديد. ونظرا لأنه "صاحب عقبة، وهو مثله دينا وعقل، وأعلم الناس بسي ته وتدبي ه، وأولاهم بطلب دمه" -كما تقول الرواية 1- فقد وقع الاختيار عليه ليقود الحملة العسكرية الجديدة، وأمده الخليفة عبد الملك بالخيل والرجال والعتاد والمال. سار زهي بن قيس بجيشه إلى "القي ان" سنة " 69 /هـ688م"، وكان كسيلة قد تركها هو ومن معها من الي بر والروم، واحتم بالجبل على مقربة منها، فلما وصل زهي لم يدخل المدينة وإنما أقام بظاهرها ثلاثة أيام، إلى أن اسي اح الجيش ي اليوم الرابع التق الجمعان بالقرب استعدادا للمعركة الكي ى، وف من القي وان - على مسي ة يوم منها - ي معركة لم تعرف "إفريقية" لها مثيلا من قبل؛ إذ فسر ف ي الفريقي "حت يئس الناس من الحياة" كما يقول الرواة، وما كاد اليوم القتل ف يشرف على الانتهاء حت حقق المسلمون نصرا كبي ا، فانهزم الي بر والروم، وقتل "كسيلة" وكثي من كبار أصحابه، وطارد المسلمون فلول المنهزمي إلى مسافات بعيدة2 . ي معركة مع الروم عودة زهي إلى "برقة" ومقتله ف 69 /هـ688م رجع زهي إلى "القي وان" لي تب أمورها ويصلح من أحوال المسلمي بها. وبعد أن تم له من ذلك ما أراد واطمأن إلى أنه لم يعد هناك خطورة "لخلو البلا د من عدو أو ذي شوكة" أعلن أنه عائد إلى المشرق ومن أراد من أصحابه. ويبدو أنه لم يكن ي تلك البلاد، ويفش الرواة ذلك بأن زهي ا "كان من رؤساء مسي يحا للمقام ف العابدين وأشراف المجاهدين وكي اء الزاهدين، وأنه رأى بإفريقية ملكا عظيما فأب أن يقيم وقال: إنما قدمت للجهاد، فأخاف أن أميل إلى النيا فأهلك"3 . __________

عدد الصفحات ٨٥

1 البيان المغرب 1 /31 ." 2 البيان المغرب 1 /32-33"، الكامل3 /453 ." 3 البيان1 /33"، فتوح مصر والمغرب ص 202 ." (1 /77 ) وكان الروم بالقسطنطينية فد بلغهم مسي زهي ومعه الجيش كله من "برقة" إ "القي وان" ي لقتال كسيلة، فاغتنموا الفرصة وخرجوا من جزيرة "صقلية" ف مراكب كثي ة وقوة عظيمة فأغاروا على "برقة"، وأصابوا فيها سبيا كثي ا وقتلوا ونهبوا، وأقاموا بها مدة أربعي يوما 1. وقد وافق ذلك رجوع زهي إلى المشرق ي قتالهم، و فأخي بخي هم، فأمر العساكر بالإشاع والجد ف عجل هو بالمسي ومعه سبعون من أصحابه أكيرهم من التابعي وأشراف العرب المجاهدين، ي الوقت ي الاستعداد للرحيل عن "برقة"، وف وعندما علم الروم بقدومه أخذوا ف الذي وصل "زهي " فيه إلى ساحل مدينة "درنة" -الت ي اتخذها الروم مركز لهم - كان الروم يدخلون سباياهم من نساء المسلمي وذراريــهم إلى المراكب. قال ابن الأثي : "فلما رآه المسلمون استغاثوا به فلم يمكنه الرجوع، وباشر القتال، واشتد الأمر، وعظم الخطب، وتكاثر الروم عليهم، فقلتوا زهي ا وأصحابه، ولم ينج منهم أحد، وعاد الروم بما غنموا من القسطنطينية"2 . وهكذا أصيب المسلمون بكاري "إفريقية"، ووصلت أنباء مقتل زهي ثة ثانية ف وأصحابه إلى "دمشق"، فكان لها رنة حزن عميقة، وتوقف الفتح مرة أخرى عدة سنوات، وكان لا بد من مواجهة حاسمة بعد أن طال الأمر كثي ا. __________

عدد الصفحات ٨٦

1 د. سعد زغلول: تاريــــخ المغرب العرب ي "ج 1 ص176 ." 2 الكامل3 /453-454 ." (1 /78 ) ي المغرب المرحلة الثالثة: إتمام الفتح وتثبيت سلطان المسلمي ف 73-95 /هـ 692-714م أولا: حسان بن النعمان والقضاء على مقاومة الروم والي بر " 73-85 /هـ693- 705 " كان لا بد للخليفة عبد الملك بن مروان من القيام بعمل كبي يمحو به عن المسلمي ما خلفته تلك السنو ي الجناح الغرب ي للدولة ات الطوال من الجهاد ف ي المغرب؛ فقد كان ي وضع يسمح له بالعمل الإيجاب ي ف الإسلامية، ولكنه لم يكن ف مشغولا بمحاربة منافسة عبد الله بن الزبي "أحد أبطال سبيطلة". وبعد أن انتهت هذه الأزمة السياسية بمقتل ابن الزبي "سنة 73 /هـ693م" واجتمع المسلمون على خلافة عبد الملك انصب تفكي ه واهتمامه على الإعداد لملحمة جديدة؛ فعهد بولاية المغرب إلى أحد مشاهي قادة الشام، وهو حسان بن النعمان الغساب ي -الملقب بالشيخ الأمي - "سنة 73 /هـ692م"، وأمده بجيش ي مصر، وفوضه بلغت عدته أربعي ألف مقاتل، وأمره بالمقام ف ي أموال خراجها ف للإنفاق منه على الفتح1 . ي الفي ة من أما أحوال "إفريقية" عقب استشهاد زهي بن قيس ف 69 /هـ688م إلى "73 /هـ692م-بإيجاز- فقد عادت بعض السيطرة البي نطية على أجزاء من ي "قرطاجنة". كما أن قبيلة "أوربة" الساحل الإفريق ي، وخاصة ف -الي نسية الت ي كان كسيلة الأورب ي يي عمها - ي جبال ي التقهقر عن مركز الصدارة ف بدأت ف

عدد الصفحات ٨٧

"الأوراس"، تاركة المجال لقبيلة أخرى شديدة المراس تدع "جراوة -من قبائل الي بر "البي " - وتقودها امرأة لقبها العرب بالكاهنة، واسمها "داهيا بنت ماتية"، وكانت على جانب كبي من المهارة والقدرة، وت مكنت من تجميع قبائل جبال "الأوراس" تحت إمرتها، حت أصبح "جميع من بإفريقية من الروم منها خائفون وجميع الي بر لها مطيعون" حسب تعبي المؤرخي 2 . الجولة الأولى لحسان بن النعمان: النصر ثم الهزيمة 1- خرج حسان بن النعمان من مصر أوائل سنة 74 /هـ693م" على رأس جيشه، ووصل به إلى "طرابلس"، فانضم إليه من كان هناك من المسلمي ، ثم سار إلى "إفريقية" ودخل "القي وان" حيث أعد نفسه للغزو 3 . وقد اتبع حسان خطة عسكرية جديدة أساسها مقابلة أعدائه من الروم والي بر، كل على حده، حت يسهل القضاء عليهم. وبدأ بالروم، فاتجه بكل قواته إلى "قرطاجنة"، وهي عاصمة "إفريقية" القديمةن ومصدر المقاومة الثابت، ولم يكن أحد من القادة السابقي قد تمكن من فتحها، فصر ب عليها الحصار، وكان بها عدد كبي __________ 1 البيان المغرب 1 /34". وراجع: الكامل4 /135 ." 2 البيان المغرب 1 /35". وراجع: التطور السياشي ل لمغرب للدكتور طاهر راغب، ص" 62 ." 3 البيان1 /34"، الكامل4 /135 ." (1 /79 )

عدد الصفحات ٨٨

من الروم، خرجوا عن بكرة أبيهم للتقال مع ملكهم فنصره الله عليهم، وقتل ي المراكب إلى جزائر البحر وخاصة نحو منهم خلقا كثي ا، وفر الباقون ف "صقلية"1 . 2- وبعد هزيمة القرطاجنيي تصدى حسان بن النعمان لتحالف "بي نطي/ بربري" جديد. فقد حاول الروم أن ينتقموا من المسلمي لاستيلائهم على ي موضع يسم "صطفورة"، وأمدهم الي بر بعسكر "قرطاجنة"، فاجتمعوا ف عظيم، فزحف إليهم حسان، وقاتلهم حت هزمهم، وتمخضت المعركة عن عدد كبي من قتلى التحالف البي نطي الي ب ري، وعلى إثرها هر بمن بق ي من الروم إلى مدينة "باجه" خائفي ، وتراجع الي بر إلى مدينة "بونة". ثم انصرف حسان إلى مدينة "القي وان" فأقام بها حت برئت جراح أصحابه 2 . 3- ي منطقة جبال بق ي أن يتصدى حسان للتجمع الي بري الضخم والشرس ف ي الداخل، بقيادة "الكاهن الأوراس ف ة" الت ي تمكنت -كما ذكرنا - من تجميع قوي الي بر وئاستها لهم بعد مقتل "كسيلة الأورب ي". وكان حسان قد أدرك أن هذا التجمع له خطورة قصوى، ولا بد من التصدي له، وأنه إن تمكن من التغلب عليه فقد دان له المغرب كله، وسقطت فيه آخر قاعدة ضخمة للمقاومة، وقد ذكر ابن عذارى ي قوله: "لما دخل حسان القي وان أراح بها أياما، ثم هذا المعت ف سأل أهلها عمن بق ي من أعظم ملوك إفريقية، ليسي إليه فيبيده أو يسلم، فدلوه على امرأة بجبل أوراس يقال لها الكاهنة، وجميع من بإفريقية من الروم منها خائفون، وجميع الي بر لها مطيعون، فإن قتلها كان لك المغرب كله، لم يبق لك مضاد ولا معاند" 3 . ولذلك توجه إليها حسان بجيوشه والتق معها عند وادي "مسكيانه". ورغم ما ي ي أعلى الوادي "أي ف تقوله النصوص التاريخية من أن الجيش الإسلامي كان ف ي أسفله فإن القتال المرير انته مركز اسي اتيح ي جيد"، وأن جموع الي بر كانت ف

عدد الصفحات ٨٩

بهزيمة حسان هزيمة منكرة أدت إلى ضياع كل "إفريقية" وراتداد المسلمي إلى حدود مدينة __________ 1 الكامل4 /135". البيان المغرب1 /34-35 ." 2 المصدران السابقان، إضافة إلى: رياض النفوس للمالكي، ص 32 ." 3 البيان المغرب 1 /35ي المغرب والأندلس، ". وراجع: المسلمون ف للدكتور محمد محمد زيتون، ص"53"، التطور السياشي للمغرب، للدكتور طاهر راغب، ص" 64 ." (1 /80 ) "قابس1 "راجع موقع قابس على الخريطة". ويصف المؤرخون هذا اللقاء بأن الفريقي "اقتتلوا قتالا شديدا، فعظم البلاء، وظن المسلمون أنه الفناء، وانهزم حسان بعد بلاء عظيم، فاتبعته "الكاهنة" بمن معها حت خرج من حد قابس، فأسلم إفريقية، ومض على وجهه، وأشت من أصحابه ثمانية رجال، وقيل: ثماني رجلا". وقد سم الوادي الذي وقعت فيه المعركة بـ "وادي العذارى" لكيرة من قتل فيه من زهرة شباب المسلمي 2 . وعلى إثر هذه الهزيمة اسي د الروم عاص متهم "قرطاجنة"، وكان اسي دادهم لها متسما بالقسوة والعنف، فقد أعدوا أسطولا كبي ا بقيادة البطريق يوحنا، وهاجموا المدينة "سنة 78 /هـ697م"، وتمكنوا من الفتك بالحامية العربية الموجودة فيها، حت ليقال: إن قائد الحملة كان يباشر قتل المسلمي بيده 3 . وقد كتب حسان إ الخليفة بخي هذه الهزيمة وما ترتب عليها، وكان مما قال: "إن أمم المغرب ليس لها غاية، ولا يقف أحد منها على نهاية، كلما بادت أمة

عدد الصفحات ٩٠

خلفتها أمم، وهي من الحفل والكيرة كسائمة النعم". فعاد الجواب يأمره أن يقيم حيث وافاه، فورد عليه فيه "برقة"، فأقام بها، وبت هناك قصورا عرفت بصورة حسان4ي المغرب للمرة . وهكذا اضطر المسلمون إلى التخلىي عن فتوحهم ف الثالثة خلال عشر سنوات فقط "من 65- إ74هـ"، وتطلب الأمر إلى خمس سنوات طوال لاسي جاع البلاد الت ي سادتها تلك المرأة الكاهنة. الجولة الثانية: النصر والتمكي النهاب ي تأخر وصول المدد من الخليفة لمدة تصل إلى خمس سنوات، وقيل: ثلاث ي تصريف شئون سنوات، وهي مدة طويلة جعلت الكاهنة صاحبة الشأن ف "إفريقية". وكان مما فعلته -وأجمع عليه المؤرخون القدام - أنها اتبعت ما يسم "حرب الأرض المحروقة"، وهي سياسة حربية تقوم على التخريب، وترك الأرض خرا با __________ 1 تقع مدينة "قابس" على بعد250" كيلو مي من "طرابلس 2 رياض النفوس للمالكي، ص 32"، وراجع البيان المغرب 1 /36"، والكامل "4 /135-136 ." 3 راجع: فتح العرب للمغرب للدكتور حسي مؤنس ص 254"، حركة الفتح الإسلامي، لشكري فيصل، ص" 174 ." 4 البيان المغرب "1 /36 ." (1 /81 ) ي الإقامة بها. وقد درست الكاهنة أمام الخصم حت لا ينتفع بخي اتها ويزهد ف موقف العرب والمسلمي ، وعرفت أنهم عائدون بعد حي كما فعلوا من قبل،

عدد الصفحات ٩١

فعمدت إلى تخريب المدن والقرى، وهدم الحصون، وحرق أشجار الزيتون والكروم. ويروي المؤرخون قولها للي بر : "إن العرب إنما يطلبون من إفريقية المدائن والذهب والفضة ونحن إنما نريد منها المزارع والمراعي، فلا نرى لك إلا خراب بلاد إفريقية كلها، حت ييئس منها العرب، فلا يكون لهم رجوع إليها آخر الدهر"1 . ولقد أخطأت "الكاهنة" هدفها وظنت أن المسلمي إنما يقدمون للسلب وا لنهب والاستيلاء على المدن والذهب والفضة كما كان يفعل الغزاة سابقا، ولم تعرف أنهم حملة رسالة، ومبلغ ي دعوة، ودعاة إلى دين الله تعالى. وقد عجل هذا الفعل منها بالقضاء عليها، وجعل أهل البلاد من الروم خاصة وأتباعهم من الأفارقة يفرون إلى جزائر البحر، بل ويستغيثون بحسان بن النعمان فيما نزل بهم من خراب 2 . أما بالنسبة لحسان فقد قض مدة السنوات الخمس يستعد لخوض المعركة الفاصلة ويأخذ لها الأهبة كاملة، واستطاع -من خلال التخابر والاستطلاع- أن ي صفوف العدو. وعندما أتم حالة الاستعداد، يعرف مواطن القوة والضعف ف ووصلته الأمداد من جنوب العرب وفرسانهم وممن انضم إليهم من مسلمي الي بر سار إلى الكاهنة، والتق بها مع جيشها، وتمكن من هزيمتها وقتلها، "واقتحم جبال الأوراس عنوة، واستلحم فيه زهاء مائة ألف" 3 . وكان من ثمرات هذا النصر المبي أن سارع كثي من الي بر يطلبون الأمان ويعلنون الإسلا م والطاعة، لكن -لما يعرفه حسان من كيرة ارتداد الي بر - "لم يقبل أمانهم إلا أن يعطوه من جميع قبائلهم اثت ي عشر ألفا يكونوا مع العرب مجاهدين، فأجابوه، وأسلموا على يديه"4 . __________ 1 البيان المغرب 1 /36"، والكامل4 /136، وراجع: تاريــــخ العرب العرب ي،

عدد الصفحات ٩٢

للدكتورسعد زغلول عبد الحميد " 1 /187-188 ." 2 راجع: تاريــــخ إفريقية والمغرب، للرقيق القي واب ي، ص 48-49 ." 3 العي لابن خلدون، ج 7، ص9". وراجع: البيان المغرب1 /37-38"، الكامل "4 /136-137 ." 4 البيان المغرب 1 /38". ومن الجدير بالذكر أن حسان بن النعمان حينما تحرك بالجي ش لمحاربة الكاهنة أدركت أن نهايتها قريبة. وعلى الرغم من أنها لم ترض بالاستسلام ووجدت أن ذلك من العار؛ لأن الملوك لا يستسلمون فإنها رأت أن تأخذ لولديها الأمان، وينضموا إلى جانب حسان. وقد أسلما وحسن إسلامهما، وأصبحا من المجاهدين المسلمي ، وعهد حسان إليهما با لقيادة. (1 /82 ) هكذا قض العرب المسلمون على آخر حركة للمقاومة قام بها أهالىي البلاد، إذ كانت الكاهنة هي الحصن الأخي الذي احتم وراءه الي بر والروم، فلما سقطت انتهت كل مقاومة، ولم يبق أمام العرب بعد ذلك إلا "غبار قبائل". أما عن "قرطاجنة" الت ي استعادها الرو م "سنة 78هـ" بعد حملة حسان بن النعمان الأولى فقد سار إليها حسان، وطرد منها الحامية الرومية الت ي استقرت فيها بقيادة البطريق يوحنا، واستولى على المدينة عنوة وقام بتخريبها حت "صارت كأمس الغابر" كما يقول ابن عذارى 1. ولم يعد لها بعد ذلك أثر يذكر، غي أن الفرنس يي عندما احتلوا إقليم تونس -ي العصر الحديث ف - ي أحيوها من جديد ف صورة ضاحية لمدينة تونس الحالية، وعرفت باسمها الفرنسي، وهو "قرطاج" وقد أصبحت الآن جزءا من مدينة تونس. وإذا كان عمرو بن العاص عندما دخل "الإسكندرية" فاتحا -ي المرة الثانية ف -

عدد الصفحات ٩٣

أقسم ليهدمن سورها، فإن حسان بن النعمان قرر أن يتخلص من "قرطاجنة" كلها، وهي الباب الذي يأب ي منه الروم، وذلك بسبب تطرفها وصعوبة الدفاع عنها2 . ي المغرب وبداية التحول الفعلىي لأهل أعمال حسان بن النعمان الإصلاحية ف البلاد إلى الإسلام: بهذا يكون حسان بن النعمان قد أتم فتح "إفريقية" و"المغرب الأوسط"، ورأى أن عليه -ي إكمال الأعمال العسكرية قبل أن يسي سل ف - أن ينظم هذه البلاد الواسعة الت ي دانت بعد ما يقرب من ستي " 60" عاما منذ بدأ عمرو بن العاص فتحها "سنة 21 /هـ642م"؛ فقام ببعض الأعمال الإنشائية والإدارية المهمة، ي ب كان لها الأثر البعيد ف لاد المغرب، وتثبيت الإسلام فيها إلى آخر الدهر إن شاء الله، فمن ذلك: 1- أنه اهتم بعمران مدينة "القي وان" على نحو تتسع معه لجموع العرب والمسلمي الت ي سكنتها حت أصبحت المدينة جديرة بمركزها كعاصمة للبلاد بدلا من __________ 1 البيان المغرب 1 /35 ." 2 راجع: تاريــــخ المغرب العرب ي، للدكتور سعد زغلول عبد الحميد، ص" 194- 195 ." (1 /83 ) ي المدينة يوجه منها "قرطاجنة"، كما أنه جدد مسجدها وأحسن بناءه، وأقام ف شئون البلاد ويدير أحوالها. وقد عمرها المسلمون حت انتشر فيها العمران،

عدد الصفحات ٩٤

واتسعت رقعتها 1 . 2- ولم يكن حسان مطمئنا من ناحية الروم، وكان يرى أن سقوط "قرطاجنة" وتخريبها لا يمنع من عودتهم إلى مكان آخر من الساحل، فعول على إنشاء ميناء إسلامي جديد على مقربة من "قرطاجنة" ليشرف على البحر، ويحول بي الروم ي بناء مدينة "تونس" وبي الاقي اب. ومن هنا شرع ف 2 "سنة84 /هـ703م"، وتزويدها بدار صناعة لبناء الأساطيل. وعلى الرغم من أن "تونس" لم تزد -ي عهد حسان بن النعمان عند إنشائها ف - عن محرس صغي به بعض المساجد والمباب ي السكنية ودار صناعة السفن -فإنها ي ولاية عبيد الله بن الحبحاب " ستصبح بعد ذلك بثلاثي سنة ف 116-123هـ ثغر إفريقية الكبي ، ويتكون في ها أسطول عظيم يغزو المسلمون به جزيرة "صقلية" وجنوب إيطاليا، بل وجنوب ي فرنسا، ويمهدون به السبيل للسيطرة على غرب البحر الأبيض المتوسط 3 . 3- ي الجيش العرب ي وكان حسان بن النعمان أول من أدخل الي بر بشكل منظم ف ي الإفريق ي وحرص على أن يشرك معه نفرا من أهل القبائل ف حروبه، وجعل ي الحرب شرطا لتأمينهم، أي إنه فرض الخدمة العسكرية على اشي اكهم معه ف أهلها البلاد، جنبا إلى جنب مع العرب. وكانت تلك خطوة موفقة استطاع بها حسان أن يضمن ولاء الي بر، وأن يحبب إليهم الإسلام. وإذا كان الغرض من الفتح الإسلامي هو نشر الإسلام والتعريب -وتلك هي رسالة المسلمي - فإن انضمام ي الإسلام. الي بر إلى الجيش العرب ي، يعت ي دخولهم ف __________ 1 فتوح مصر والمغرب لابن عبد الحكم ص 201"، البيان المغرب 1 /38"، الكامل "4 /136 ." 2 سميت بذلك؛ لأنه توجد قرب موضعها قرية قديمة تسم "تينس Tynes "

عدد الصفحات ٩٥

وكانت الأرض ا لت ي أقيمت عليها المدينة تسم "ترشيش" -أو "ترسيس" "بالمهملتي "، وتقع على جزء من خليج واسع يسم "خليج رادس" "راجع: ي ذكر بلاد إفريقية والمغرب للبكري المغرب ف -ص 37،84 ." 3 راجع: فجر الأندلس، لحسي مؤنس، ص 45ي "، وتاريــــخ البحرية الإسلامية ف حوض البحر المتوسط للدكتور العبادي، والدكتور السيد عبد العزيز سالم، ج 2، ص" 28-34 ." (1 /84 ) ي حروبه ويجعل لهم نصيبا من الغنائم ولم يكتف حسان بأن يشرك هؤلاء الي بر ف ي وإنما رتب لهم أعطيات تصرف لهم من بيت المال، وساوى بينهم وبي العرب ف ي المعاملة، فأحبه الي بر، وأخلصوا هذا العطاء وف للدولة، حت صاروا -يفيما بعد- نواة لفتح شبة الجزيرة الإيبي ية "إسبانيا" 1 . 4- اهتم حسان بتعليم الي بر القرآن وأصول الإسلام، وعهد بهذه المهمة إلى ثلاثة عشر فقيها من أفاضل التابعي 2. وبطبيعة الحال كان تعليم القرآن لهؤلاء الي بر وغي هم يعت ي تعليمهم اللغة العر بية، ونشر الأخلاق الإسلامية، واكتسابهم إلى العروبة بصفة نهائية، وبذلك سار التعريب جنبا إلى جنب مع الإسلام منذ البداية. 5- قسم الأراض ي خططا للي بر، أي اختص كل قبيلة بخطة تتصرف بها، وتؤدي مالها، وتكون مسئولة عنها. 6- دون الدواوين، أي نظم شئون الحكومة، وعي ا لموظفي على نواجي الإدارة؛ من خراج، وزكاة، وجند، وما إلى ذلك، واختارهم من ذوي الحزم والحصافة، ومن ذوي الدين والإخلا والي اهة 3 .

عدد الصفحات ٩٦