المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحج أحكامه

عبدالرحمن الدوسري

صفحة ٤ من ٥

49 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه زيادة بصيرة نافذة في فهم ما يلقى عليكم، وتم ييز الصحيُ من السقيم، والن صُ من الغش، وهكذا لأ ني ذِ ك ر الله يعطيك نسبة شريفة إليه، وي علك في مقام عروج معنوي بانشغالك في ذكره. رابعها: أني في قوله - تعالى -: ﴿ف اذ ك ر وا اللَّي عِن د ال م ش ع رِ الح ر امِ ﴾ [: 198]، قد يحصل به اشتباه في أني ذِ ك ر الله م تص بالحج أو عند المش عر، فأراد العليم الحكيم - سبحانه - ألا يحصل هذا الاشتباه، فأمر بذِ ك ره دوم ا في جميع الأحوال والأزمنة والأمكنة ؛ شكر ا له - سبحانه - على نعمة هدايته لنا في كل شأن من شؤوننا، ذكر ا متواصلا غير منقطع ولا محدد بزمان أو مكان، ثم ي ليعلم أني ذكره - سبحانه وتعالى - يكون بأسائه وصفاتِ ه التي وصف بها نفسه، ووصفه بها رسول ه - عليه الصلاة والسلام - لا الأذكار والأوراد المبتدعة ، فإني أساء الله توقيفية من وحيه فقط، فليرجع في ذلك إلى نصوصِ القرآن والسنة، وقد قال - سبحانه -: ﴿و للَِّيِ الأ س اء الح س نى ف اد ع وه بهِ ا و ذ ر وا اليذِين ي ل حِد ون فيِ أ س ائِهِ ﴾ [180.] والمقصود أنيه ل مي ا كانت نعمة الهداية الإلهية متواصِ لة في كل ِ شيء، وشاخصة لنا أمام كل شيء، وجب أن يكون الذ ِ كر لله م ستمِ رً ا غير منقطع؛ ولهذا قال: ﴿و اذ ك ر وه ك م ا ه د اك م ﴾ [: 198]، وقال: ﴿ف اذ ك ر ونِّ أ ذ ك ر ك م ﴾ [: 152]. وذكر الله المندوب إليه عموما، وفي الحج خصوص ا، هو الذ ِ كر الكامل على الطريقة التي أرشد إليها النب  قولا وفعلا ، من التهليل الكامِ ل والتكبير والتسبيُ والتحميد، ومن أعظمها ما قال : ((خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي في يوم ع رفة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يح يي ويميت، وهو حي لا يم وت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير))1. وما ورد من التكبير عقب كل صلاة من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق ((الله أكبُ، الله أكبُ، لا إله إلا الله، والله أكبُ، الله أكبُ، ولله الحمد))2، والأذكار الأخرى المنصوصة في الأحاديث من التسبيُ والتحميد والاستغفار. فأ مي ا الذ ِ كر المفرد الذي ابتدعته الصوفية وفروعها ، فهذا م الف لهدي المصطفى - 1 رواه الترمذي، وراجع "صحيُ الجامع"، للألبانّ، (3274.) 2 راجع"المغني"، 5/335، دار هجر.

عدد الصفحات ٤٩

50 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه صلى الله علية وسلم - سواء كان مظهر ا، كقوله: (الله الله)، أو مضمر ا كقوله: (هو هو)، فإن هذا من وحي الشياطين، المخالف لرب العالمين ؛ ولذلك قد ينتاب أحد هم شيء من م س ِ الشيطان، فيخيل إليه عكس ذلك، وأني ه واصل إلى الله مكاشف منه، وهذا هو الشيء الثانّ مما أردنا التنبيه عليه، وهو أني ه لا يمكن الاتصال بالذات الع لِ يي ة، ولا معرفة كنهها ، مهما تج رد الإنسان من كل نعمة، وكل مقصد في الدنيا، بل ولا تدنو مِ ن كنهها الأفكار والأوهام، بل إني إدراك كنه أكثر الذوات المخلوقة لله شيء فوق الاستطاعة والطاقة، وإنّي ا أعلى مراتب معرفة الله في الدنيا هي معرفته بآياته وملوقاته، كما أرشدنا إلى ذلك دينه القويم، وأمي ا الذين يريدون وجهه، فذلك بإخلاص المقاصد، وإصلاح الأعمال ؛ حتى يفوزوا بقربه في الفِ ر د وس الأعلى، وينعموا بر ؤية و ج هِ ه ي و م المزيد في الآخرة، وليس شيء من ذلك في الد نيا قطع ا.

عدد الصفحات ٥٠

51 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه احصج كمال الخضوع االتعب دي إني في الحج كمال الخضوع والانقياد لله، بل فيه تج ديد للعهد من الحاج لرب ِ ه أن يلتزم أمره، وأن يتلبب بحكمه، شعار ه منذ إحرامه إلى تح ل له الأول برمي جمرة العقبة والحلق: ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك ))؛ يعني: أنا منقاد لأمرك، متوجه حيث وجهتني، ومتلبب بحكمك لبب ا معنوياً لا حسيً ا؛ لأنه مأخوذ من لبب الدابة، الذي يخضعها لتحمل الركوب والحمولة. فالحاج ي ك ر ِ ر التلبية من صميم قلبه، كتكرير عهود الله أني ه خاضع لتحم ل ما حمله الله به من أمانات التكاليف الإسلامية جميعها، وأمانة حمل الر ِ سالة، والزي حف المق دس بالدي عوة عن طاعة واستسلام دون إكراه أو ت ط ويق، كالدي ابة الملبي بة بغير طوعها ورغبتها، بل هو متلبب بذلك مِ ن تلقاء نفسِ ه عن ح ب وتعظيم. فهذا الشعار الد ِ يني الجليل أعظم من الش ِ ع ارات الجندية المهيجة ؛ لأ ني به إلقاء من المسلم الحاج بقيادته إلى الله، وتح طيم ا لجميع ما تح مل نفسه من الأنانية، وإفناء لشخصيته السابقة، وتجديد ا لشخصية منخلعة عن جميع ماضيها المشوب بش تىي الملابسات باستئناف حياة نظيفة شريفة مقاطعة لجميع نزغات الشياطين، حياة جديدة في تفكيرها وجميع مقاصدها وأفعالها.

عدد الصفحات ٥١

52 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه احصكمة من مشيالية احصج أجرى الله حكمت ه في تنو ع العبادات؛ ليربي المسلمين تربية مثالية ، تج عل من أهلها قدوة صالحِ ة ، تنجذب إليهم بسبها أغلبية البشرية المتطل ِ عة إلى التحر ر الصحيُ والحضارة الحقيقية، وهذان لا يحصلان أبد ا في جل تمع يخضع بعضه أو أغلبه لضغوطِ أفراد ، ومطالبهم، وتشريعاتم النابعة من أهوائهم ، والخادمة لأغراضهم ، والمقدسة والحامية لأشخاصهم فقط، فإني هذا جلتمع متخلف مستعبد؛ لأ ني بعض ه أرباب وغالبيته عبيد، فهم مهما حاولوا قلب الحقيقة بدعوى التقدميي ة والتحرير ، فإنهي ا تقدمية إلى العذاب العاجل في الد نيا من البؤس، والشقاء، والتنكيل، وفساد الأعراض ، وإهدار الكرامة . إنهي ا تقدمية نح و البهيمية، بل البهيمية أفضل، وإنهي ا تح رير من الإنسانية وانسلاخ عنها، وإنّي ا يحصل التحر ر الصحيُ، والتطو ر النافع، والتقدمية الحضارية الصحيحة باطراح هذه الجاهليات الجديدة، التي هي أفظع وأشنع وأسفل من الجاهلية الأولى ، التي حار به ا رسول الله  وواصل أصحابه من بعدهاربتها، وأقاموا الحضارة الإسلامية المعروفة التي لا ترى في الد نيا كلها من خير إلاي وهو من بقاياها وآثارها، وح ري روا أكثر العالم من رِ ق ِ الطواغيت السياسيين والر وحانيين. فإني الجاهلية مهما تنوعت أساؤها ، وزخرفت ألقابها ، وطبل لها المطبلون وزمروا ، فكلها ترجع إلى معنى واحد وقاعدة خبيثة لئيمة ، هي إقامة الفكر البشري إله ا على الناس من دون الله، يبُز باسه من لا يرجع إلى الله في أي ِ شأن من شؤون الحياة، بل قد يبُز هذا الفكر أقزام ا يستهزئون بمقدرات الناس. فمشيا لية الله لىحج اغيره من لبادات الإسلام المتنولة: هي تحرير لعقلِ الإنسان من الأوهام والأضاليل ، التي علقت به من م ك رِ الدي جاجلة والطواغيت، وتطهير لقلب الإنسان، وتصفية له من مح بة غير الله والتعل ق بغير الله، وتخ ليص له من وشائج الأرض والطين وعصبية الجنس المفرقة بين البشريي ة. ولهذا تج د جميع آيات الأحكام المختومة بالوصية بتقوى الله، أو بما يقتضي التخويف من الله، ومهماتا يوجه الله بها نداء ه إلى ذ وي العقول والألباب، كهذه الآية التي أط ل ت الكلام عنها: ﴿و ات يق ونِ يا أ وليِ الأ ل ب ابِ ﴾ [: 197]. وفي تخصيص الله نداءه بالتقوى لأولي الألباب تعريض بأني من لم يتقِ الله ، فليس له لب ولا عقل فطري استقلالي، وإنّي ا عقله مصادر بدعايات الأباطيل المتنوعة، فهم فقدوا

عدد الصفحات ٥٢

53 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه العقل الر وحي الذي يتحقق لهم بوجوده ح س ن المصير في الد نيا والآخرة، ويكتسبون به الحياة الطيبة، وتتوفر به طاقاتم ، ويحصلون به على الأمن والطمأنينة، وإن كان لهم أذهان يستطيعون بها الإبداع في الصناعات والمخترعات، ويستطيعون بها على المكر والعهر السياسي المتقلب، الذي لا يحصدون منه سوى الشرور؛ لأ ني ه عقل مادي يشبه ما تحمله بعض الحيوانات من العمل لصالح حياتا الماد ِ ية.

عدد الصفحات ٥٣

54 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه صيانة احصج من اليفَ ث االفسوق قال تعالى: ﴿ف م ن ف ر ض فِيهِني الح جي ف لا ر ف ث و لا ف س وق و لا جِد ال فيِ الح ج ِ ﴾ [ 197]؛ يعني أني ه من أوجب الحج على نفسه خلال هذه الشهور بأن تلبس به، وألزمه نفسه، فليحترم ما ا لتزمه من شعائر الله، وليص نه من الري فث، الذي هو مقاربة النساء ما دام محرم ا، ومن الفسوق الذي هو الخروج عن حدود الشرع بفعل أي ِ مح ظور يخل بإحرامه، خصوص ا ما نص الله عليه في سورة الحج من قوله: ﴿ف اج ت نِب وا الر ِج س مِن الأ و ثا نِ و اج ت نِب وا ق و ل الز ورِ ﴾ [30.] ومن الفسوق الخصومات والفحش واللجاجة بمفهوم النص ِ على ترك الجدال بقوله : ﴿و لا جِد ال فيِ الح ج ِ ﴾ [: 197]، وتنويع هذه المنهيات في الحج من الله بترتيب عجيب، فابتدأ بالرفث المفسد للحج حسب ما فصله العلماء، ثم ي الفسوق الذي هو الخروج عن أي شيء من حدود الله في الإحرام، ثم ي الجدال الذي كان جاريا بين القبائل في الجاهلية، من التناز ع والتفاخ ر والتنابز بالألقاب، فما أجمل هذا التناس ب بين الكلمات في هذه الآية الكريمة ! ااحصكمة في النهي لن هذه الأشياء: هي تعظيم حرمات الله، فإن الم تلبس بالحج يكون أو لا في إحرام، ثم تزداد عليه الحرمة بدخوله في الحرم، ثم تزداد بمزاولته لأعمال الحج ، فيكون محفوف ا بعظيمِ الحرمات، فيجب عليه أن يكون على أحسنِ حالة وأكملها لحضوره مع الله في تلك الح ر مات. ولهذا ورد الحديث الصحيُ 1 عنه  أني الله يباهي ملائكته بالحجاج. فعلى الحاج ألا يفرط في هذا الحظ العظيم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿و م ا ت ف ع ل وا مِن خ ير ي ع ل م ه اللَّي ﴾ [: 197]، فإني في هذه الجملة التفاتة إلى الخطاب ، مشعرة بحذف تقديره: اتركوا هذه الأمور التي حرمتها عليكم في الحج ؛ لتصفيةِ ن ف وسِ كم من أدران المعاصي، وتح ليتها بالطاعة، فإني ما تفعلوه من خ ير يعلمه الله، وي زكي به نفوسكم ، فيجعل فيها الاستعداد لتحصيل المنافع في الحج، ولا يخ فى عليه - سبحانه - خافية، ولا يضيع من أعمالكم شيئ ا، بل يزيدكم على ثوابها توفيق ا لما يريده منكم ، فاستبقوا الخيرات، وتنافسوا في الأعمال الصالحات في هذا الموسم العظيم، م وسم الحج الذي تج تمعون فيه من جميع الآفاق، 1 أخرجه مسلم في الحج ، باب: فضل الحج والعمرة... 2/983 بمعناه

عدد الصفحات ٥٤

55 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه فإني ه مدرسة إسلامية كبُى، كما أني ه مؤتمر عالمي عظيم. اهنا فوائدي: أحديها: الحكمة في إجمال الن ي ه يِ عن هذه الخصال الثلاثة بقوله - تعالى -: ﴿ف لا ر ف ث و لا ف س وق و لا جِد ال فيِ الح ج ِ ﴾ [: 197]، إني الإنسان فيه أربع قوى: قوة شهوانية بهيمية، وقوة غضبية سبعية، وقوة وهمية شيطانية، وقوة عقلية ملكية. والمقصود من جميع العبادات المتنوعة هو قهر القوى الثلاثة ؛ أعني: الشي هوانِ يي ة، والغضبية، والو همية، فنهى الله - سبحانه - عن الري ف ثِ لقهر الشهوانية، ونه يه عن الفسوق؛ لق ه رِ القوة الغضبية، التي توجب التمر د والغضب، ونه يه عن الجدال؛ لقهر القوة الوهمية التي تح مل الإنسان على الجدال، حتى فيما لا ي وز، كالمراء في الدين، والجدال في ذاتِ الله أو صفاته أو أحكامه. وهذه القوة الوهمية الشيطانية هي الباعثة للإنسانِ على م نازعة الناس و مم اراتِ م وماصمتهم، وبهذا يتي ضُ أني الشر مح صور في هذه الأمور الثلاثة التي نهى الله الحاج عنها، والله عليم حكيم. ثانيها: للرفث معنيان: لغوي وعرفي شرعي ، فمعناه الىغو : هو قول الخنا والف حش، امعناه العيفي الشيلي: كل ما يتعلق بالجماع كما ورد في آية الص ِ يام. ثالثها: قصر الله إخبارنا عن علمِ ه بالخير دون الشر، وهو يعلم الجميع أنه من عظيم رحمته ، وح سن تربيته لعباده ؛ حيث قال: ﴿و م ا ت ف ع ل وا مِن خ ير ي ع ل م ه اللَّي ﴾ [لبقرة : 197]، ففي ذلك فوائد ولطائف يستحِ ق عليها مزيد الشكر، وم داومة الذكر. فمنها وهو ألطفها: إعلامه لنا بستر الشر، وذكر الخير، كأ ني ه يقول: يا عبادي، إذا علمت منكم الخير ذكرته وشهرته، وإذا علمت منكم الشري أخفيته وسترته؛ ر حم ة بكم في الدنيا والآخرة، إذا طهرتم قلوبكم من مح بة غيري الموجبة للإشراك. امنها: أنه إشعار منه بثوابِ الخير وإكرام صاحبه في الدارين، فكأنه - سبحانه - يقول: كل ما تتحملونه - يا عبادي - من أنواع المش قي ة والطاعة في الحج قصد ا لوجهي ، فأنا عالم به، وسأثيبكم عليه، وهذا من بعض كرمه وتشج يعه لعباده. امنها: أن هذا الإعلام يكون فيه تحضيض وتنشيط على فعل الخير والالتذاذ به، كالخادم الذي إذا علم اطلاع سيده على جميع فعله، وأني ه مكافِ ئ ه على النصُ، ازداد نصحه ونشاطه مع التذاذه بما يقوم به، فسبحانك الله مِ ن رحمن رحيم.

عدد الصفحات ٥٥

56 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه احصكمة من مشيالية مناسك احصج 1- التىبية مشروعية التلبية طيلة أعمال الحج؛ لترهف شعور الحاج بأني ه منذ فارق أهله وبلده إلى الحج، فهو م قبل على الله - سبحانه - قاصد له، فيتجرد عن عاداته ونعيمه، وينسلخ من مفاخره ومم يزاته ؛ بحيث ي ساوي الغني الفقير، ويم اثل الصعلوك الأمير والوزير، ويك ون جميع الحجاج من جميع الطبقات في زِ ي كزِ ي ِ الأموات، فإني في ذلك من تصفيةِ الني فس وت ذيبها ما هو إشعار كامل بحقيقة العبودية لله وح د ه والأ خ وة لجميع المسلمين بشكل لا يقدر قدره. 2- الطواف بالبيت وأمي ا طواف الحجاج حول الكعبة البيت الحرام ، فهو تشبه منهم بالملائكة الحاف ِ ين بعرش الله، الطائفين به، المسبحين حوله، لا يفترون، وفي هذا من س و ِ الروح ما لا يصفه الواصفون، ومن م راقبة الله وسد الجوعة الروحية في المسلم إلى ر ب ِ ه المنعم ما لا يقدر أحد قدره ، فكل من يعترف بع ر شِ الرحمن في السماء، وما يحصل حو له من عبادة الملائكة، لا يستنكر وجود بيت الله في الأرض، ت فو إليه أفئدة المؤمنين، وتنتعش أرواح هم بالطواف حوله، وألسنتهم تلهج بضراعة الد عاء على اختلاف ل غاتِ م ولهجاتم، وكل م ن لم يعترف بقرارة نفسِ ه بالعرش الإلهي السماوي، فإنه لا يعترف ببيت لله في الأرض ولا يهضم ما يفعله المسلمون حوله مما شرعه الله. فالقضيي ة قضية إيمان وإلحاد، قضية أغراض في النفوس ضِ دي الإسلام فقط، وقضية تشكيك وتبشير باللادينية، وما يزعمه المستشرقون والمبشرون من أني الحج وتقديس الحجر الأسود أعمال جاهلية، إفك صراح يكذبه الواقع الجا هلي؛ لأ ني الجاهلية تقدس الأصنام المجلوبة إليها من الشام بمكر يهودي دقيق على يد "عمرو بن لحي الخزاعي "، ولم تح ظ الكعبة ولا بواحد من المائة مما تح ظى به أصنامهم، ولم يكونوا يعبدون الحجر الأسود ولا يقدسونه، وإنّي ا هو عندهم احترام للبيت، وللأ ش ه ر الح ر م التي جعلها الله في مِ لي ةِ إبراهيم شهور أمن لذ هاب الحجاج وإيابهم، وتقديس ا للح ر م الذي جعل الله من دخله آمن ا، فكان احترامهم للأمن في الحرم، والأشهر الح ر م مما ترسب عندهم من ملة إبراهيم ، التي كانوا عليها في كونهم مسلمين قبل أن يكونوا عربا . وقد انصبغ بعض المحسوبين على الإسلام بدعاية المستشرقين والمبشرين الماكرين الذين يلبسون للني اس متلف الأثواب، فزعم أني محمد ا  لما كسر الأصنام اضطر إلى قبول كثير

عدد الصفحات ٥٦

57 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه من طقوسهم، التي لا تختلف في الحقيقة كثير ا عن عبادة الأصنام، مثل التمسُ بالحجر الأسود ورجم الشيطان، وأني ه لم يشأ أن يصدمهم دفعة واحدة، وهم الذين اعتادوا تقديس الحجارة، فحطم الأصنام في الكعبة ، وأبقى على الحجر الأسود الذي ظل الناس بعده يقبلونه. وهذا الكلام لا ينطق به إلا من انحدروا في هاوية التقليد القردي، ولم يح ترموا أنفسهم، ولم يقدروا عقولهم، بل رضوا بمصادرتِ ا من أعداء الإسلام، وإلاي فلو رجعوا إلى عقولهم أدنَّ رجوع ، لعرفوا الفرق العظيم بين الأصنام والحجر الأسود من عِ دي ة وجوه: أحديها: أني العرب الجاهليين لم يعبدوا الحجر الأسود، وليس عندهم له قداسة. ثانيها: أني عبادتم للأصنام ليس لذاتِ ا، وإنّي ا هي تم اثيل لرجال صالحين ز يي ن لهم الشيطان تصوير تم اثيلهم؛ ليقتدوا بهم بادئ الأمر، فلما هلك الجيل الأول نقل الشيطان الجيل الثانّ إلى عبادتا، زاعم ا أنهي ا تقربهم إلى الله ز لفى، وأني آباءهم صوروهم لهذا الغرض، هكذا أخبُنا النب  في الحديث الصحيُ1 عن سبب عبادة الأصنام، فعبادتم للأصنام تعطي معنى لا يوجد في الحجر الأسود. ثالثها: أني الحجر الأسود ليس م نفصلا عن الكعبة، وإنّي ا هو جزء منها كحجر زاوية، وكع لم لمبت د أ الطي واف ومنتهاه ، فمن قاس تقبيل ه على تقديس الأصنام ، فليقس تقديس الكعبة والطواف بها على الأصنام، وقد قال بعض المستشرقين وأفراخهم بذلك ، حتى زعم بعض هم أ ني ه أول صنم عبد في الأرض، ولكن بعض أفراخهم من المحسوبين على الإسلام لا ي رؤ على تناو ل الكعبة بشيء من ذلك، بل يقتصر على الحجر الأسود غِ شً ا وم ك ر ا؛ لأ ني ه يعلم أني الذي ينصاع إلى ق وله في ذلك سيؤول أمره إلى الكلام في الكعبة، فالمسألة أمرها عميق، وغِ ش ها فظيع دقيق. رابعها: أني المسلمين لم يعتقدوا في الحجر الأسود ما يعتقده المشركون في الأصنام ، وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في شأنه: "إنّ لأعلم أني ك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنّ ِ رأيت رسول الله  يقبلك ما قبلتك"2. 1 راجع ما رواه البخاري في تفسير سورة نوح من كلام ابن عباس - رضي الله عنه - ح (4920.) 2 متفق عليه رواه البخاري في الحج ، باب تقبيل الحجر، ح (1610)، ورواه مسلم في الحج ، باب استحباب تقبيل الحجر، ح (1270.)

عدد الصفحات ٥٧

58 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه فتقبيل الرسول  والصحابة وعموم المسلمين للحجر الأسود ليس فيه مشابهة لعبادة الأصنام، بل ولا التقاء معهم ؛ لأ ني هؤلاء يبتغون منهم الشفاعة والز لفى، ويرجونهم ويخافونهم جدً ا، بخلاف المسلمين، فإِ ني تقبيلهم للحجر خال من اعتقاد التأثير، ومن جميع ذلك. خامسها: أني الرسول  لم يكن من سيرته وطريقته التدرج في العقيدة، بل عكس ذلك طريقته الصي رامة التامي ة فيها، وحادثة صنم أهل الطائف (اللات) مشهورة ؛ حيث طلبوا منه إمهالهم شهر ا، فلم يم هلهم ولا ساعة، وكان قد ر بّي أمته على ذلك؛ بحيث كان الرجل إذا أسلم خلع على عتبة إسلامِ ه جميع أحوال الجاهلية، وصرامة النب  معروفة، وقد هدم مسجد الضرار وأحرقه بكل ِ سرعة ، ودون مبالاة بملابسات القضية ؛ لأ ني رسالته الع ظمى توجب عليه أن يكون م سير ِ ا لا مساير ا، وص ريح ا لا مداهن ا، وقوياً صارم ا، لا خائن ا مح ابي ا، ولكني المنهزمين هزيمة عقلية بتقبلهم كلام أولئك قد طعنوا في شخصيةِ الرسول  حيث وصموه بالمداهنة والمجاراة، كأ ني ه سياسي مادع مراوغ، بينما أصحاب العقيدة لا يقبلون الحلول ، ولا أنصاف الحلول ، حتى من ذوي السياسية العنصريي ة. فكيف بحامل الدين والر ِ سالة السماوية، خاتم المرسلين يوصم بما لا ي وز أن يوصم به أهل المذاهب المادية الأرضية ؟ فلهذا تطرقت لرد إفك هؤلاء باختصار في هذه المناسبة، ومن ذاق طعم الإيمان بصدق مح بته لله وتفضيلها على كل شيء ، لم يسترب في أمر الطواف واستلام الحجر قطع ا. 3- السعي بين الرفا االمياة ليس سعي المسلمين بين الصي فا والمروة جل رد ذكرى لحادثة تاريخية، وإنّي ا هو حكم شرعي قديم من مِ لي ة أبينا إبراهيم - عليه السيلام - تلك الملة الحنيفية التي جاء بها مح مد  فيجب على الساعي بينهما أن يقصد بسعيه عبادة الله؛ امتثالا لقوله: ﴿إِني الصيف ا و ال م ر و ة مِن ش ع ائِرِ اللَّيِ ﴾ [ 158]، فإني الدين العام يتعلق بقصد القلب، ثم ي لا ب دي من عمل بدنّ يتم له القصد ويكمل، ولكني ه يستشعر الحكمة، أو ما عرف من بعضها ؛ ليحصل له التأث ر في نواحي سلوكه ، فيكتسب من س عيه الني شاط في أعماله الد ِ ينية والد نيوية بلا كلل ولا فتور، م تطلع ا إلى ل طف الله ورحمته، واثق ا به، معتمد ا عليه، قائم ا بحقيقة التوك ل التي قامت بها أم إساعيل، معالج ا أقدار الله بأقداره الأخرى، كما عالجتها أم إساعيل، مميز ا بين حقيقة التوك ل الذي قامت به أم ه وبين طريقةِ اليأس والقنوط التي رفضتها من الأساس ، كما قدمنا ذلك.

عدد الصفحات ٥٨

59 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه 4- الوقوف بعيفة ليفات: ذكروا في معانيها بضعة أقوال أشبه بالخرافات والسفاسف، لم يصُ فيها نقل ولا يهضمها عقل، ومن أجود ما قيل في تسميتها أني إبراهيم وإساعيل ل مي ا د ع و ا الله أن يريهما مناسكهما ، أتاهما جبُيل فعلم إبراهيم المناسك حتى أوصله إلى عرفات ، وقال له: أعرفت كيف تطوف؟ وفي أي ِ موضع تقف؟ قال: نعم، فسمى هذا الموضع عرفة ، االأجود منه: أني الحجاج يتعارفون فيها إذا خيموا، وإذا وقفوا ؛ بسبب س ع ةِ مكانها، االقول الثالث الوجيه: أن اشتقاق عرفة من الاعتراف ؛ لأ ني الحجاج إذا وقفوا في عرفة ، اعترفوا للح ق ِ - سبحانه - بالربوبية، والجلال، والصمدية، والاستغناء عن كل شيء، وبعظيم إنعامه عليهم، واعترفوا على أنفسهم بالفقر والذ ِ لي ة والمسكنة، وشدة الحاجة والعبودية. وليوم عرفة عشرة أساء منها خمسة مشتركة بينه وبين غيره، وخمسة تخصه: أحديها: عرفة لما ذكرناه من التعار ف بين الحجاج، واعترافهم لله بما سبق ذكره. ثانيها: يوم إياس الكفار من دين الإسلام، فقد ن ودِ ي فيه بأمر النب  أن لا يح ج بعد العام مشرك. ثالثها: يوم إكمال الدين. رابعها: يو م إتمام النعمة. خامسها: يوم الرضوان. فتسميته الثانية بيوم الإياس؛ لأ ني الله أنزل في عشيته : ﴿ال ي و م ي ئِس اليذِين ك ف ر وا مِن دِينِك م ﴾ [ 3]. وتسميته الثالثة بإكمال الدين؛ لقوله - تعالى - ضِ م ن هذه الآية: ﴿ال ي و م أ ك م ل ت ل ك م دِين ك م ﴾ [ 3]، فلم يَمر الله بعد ذلك بشيء. وتسميته الرابعة بإتمام النعمة ؛ لأ ني أعظم النعم نعمة الدين، التي ينال أهل ها السي عادتين في الدنيا والآخرة، وقد تم ي ت في ذلك اليوم، وأ مي ا تسميته الخامسة يوم الرضوان، فهي: لأ ني الله ر ضِ ي لهم بدينهم، الذي تم سي كوا به وهو الإسلام، فهي بشارة ب شي رهم بها في ذلك اليوم، فلا يوم أكمل ولا أشرف من اليوم الذي بشرهم فيه بإكمال الدين، فهذا اليوم يوم صِ ل ة الواصلين؛ ﴿ال ي و م أ ك م ل ت ل ك م دِين ك م و أ تم م ت ع ل ي ك م نِع م تيِ و ر ضِيت ل ك م الإ ِ س لا م دِين ا﴾ [المائدة 3] هذه الآية نزلت علينا لاتخذنا ذلك

عدد الصفحات ٥٩

60 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه اليوم عيد ا، فقال عمر: نحن جعلناه عيدين: كان يوم عرفة ، ويوم جمعة1. وقد قلت في ردي على الشاعر القروي الملحد من قصيدتي الميمية الطويلة و ق و ل ك مِن غِش و س وءِ ع قِيد ة = و ت ن قِيصِ ش أ نِ ال ع ر بِ حِيل ة م وهِمِ (ه ب ونِّ بِعِيد ي ع ل ال ع ر ب أ مية ) = و ذ ا مِن ك يا ه ذ ا إِه ان ة جل رِمِ ت ع ام ي ت ع ن ف خ رِ الر ِس ال ةِ و اله د ى = و ت ش رِيفِ جم عِ ال ع ر بِ ب ين الأ ع اجِمِ و نا ش د ت م ش ي ئ ا ك م ط ل بِ م ف لِس = ب عِيد و مح ر وم مِن اللَّيِ أ ج ذ مِ ف ك ي ف ت ِين ال ع ر ب فِيم ا ط ل ب ت ه = و تج ع ل ه م صِف ر ال ي د ي نِ ك م ن ع مِ ي؟ ف ل و ف طِن وا أ و ل و ك ق ت لا و ل ع ن ة = و لم ي ه ب وك ال م ال م ع ح س نِ أ و س مِ و ل كِن يه م ل ميا ن س وا اللَّي أ ه د ر وا = ك ر ام ت ه م أ ن س اه م اللَّي م ك ر مِي ف أ ف ق د ه م إِح س اس ه م و ص و ابه م = و أ ق ع د ه م ع ن ح س نِ ح ظ و م غ ن مِ ف س ر وا ك أ ت ب اع م ق ودِين فيِ ال و ر ى = و ه م ق اد ة الد ن ي ا بِدِين م ق و ِمِ ف ه ان وا و ك ان وا ه اضِمِين إِه ان ة = ك م ي ِتِ جِس م لا يح ِس بمِ ؤ لمِِ و ل س ن ا م ف الِيس ا مِن ال عِيدِ مِث ل م ا = ت و همي ت أ و أ و هم ت أ ت ب اع ك ال ع مِ ي ف أ ع ظ م عِيد أ ن ز ل اللَّي آ ي ة = بِهِ ي و م (ت ع رِيف ) و فيِ (جم ع ة ) نّ ِ ي بِهِ ن ز ِل ني (ال ي و م أ ك م ل ت ... دِين ك م ) = و أ تم م ت ن ع م ائِي ع ل ي ك م بمِ ك ر مِ (ر ضِيت ل ك م دِين ا) ، ف م ن ي ك ص ارِف ا = ل ن ا ع ن ه ف ه و ال م ع ت دِ ي ش ري جل رِمِ ج رِيم ت ه ت ر ب و ع ل ى ك ل ِ س ارِق = لِم ال و با غِي ال عِر ضِ أ و س افِكِ الديمِ ع د و لِر ب ِ ال ع ر شِ لم ي ر ض م ا ر ضِي = ل ن ا ب ل ي ر ى أ ن و اع ك ف ر م ذ ميمِ ف إِناي ل فِي عِيد س عِيد م ك رير = غ بِط ن ا ع ل ي هِ مِن ي ه ود بمِ ر س مِ و م ا م ف لِس مِن عِيدِنا غ ير ك افِر = ك مِث لِك أ و ج هيال دِينِ ال م ع ظيمِ... إلخ وفي قوله - تعالى -: ﴿ف إِذ ا أ ف ض ت م مِن ع ر ف ات ف اذ ك ر وا اللَّي عِن د ال م ش ع رِ الح ر امِ ﴾ [ 198] وجوب الوقوف بعرفة، وأني الحج لا يتم إلا به؛ لأ ني الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفات يد ل على فرضية الحصول بعرفة ز من ا من الوقت قليلا 1 متفق عليه: رواه البخاري في الإيمان ، باب: زيادة الإيمان ونقصانه ، ح (45)، وفي تفسير سورة المائدة ، باب قوله: (اليوم أكملت لكم دينكم)، ح (4606)، ورواه مسلم في تفسير سورة المائدة ، باب قوله - تعالى -: (اليوم أكملت لكم دينكم)، ح (3017.)

عدد الصفحات ٦٠

61 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه كان أو كثير ا، وهذا م الفة لما غيرته الجاهلية من مِ لي ة إبراهيم في الحج، فقد كان بعض هم لا يقف بعرفات زاعم ا أني ه لا يخرج من الح رم، ولا يتركه في وقت الطاعة ، كما زين لهم الشيطان، وبعضهم يقفون، لكني هم ي فارقونها في النهار، وبعضهم لا يسير من م زدلفة حتى تنتشر الشمس، ويخ تفون في غور من الأرض ، ح تىي تنتشر عليهم، وكل هذا من إغواء الشياطين؛ ليلبسوا عليهم دينهم، فجاء القرآن الكريم ؛ ليردي الأمة إلى المناسك الإبراهيمية ، كما ر دي ها إلى الملة الإبراهيمية في الأصول. وليكن الحاج في و قوفِ ه بعرفة م ستشعر ا للموقف العظيم يوم القيامة، الذي ي تمع فيه الناس على حالة واحدة، وفي مستوى واحد، وم عتبُ ا بموقف إخوانه المسلمين، الذين اجتمعوا من كل جنس، ومن كل ناحية لمقصد واحد هو قصد وجه رب ِ العالمين، يسألونه الرحمة وغفران الذنوب، وينظر فيه إلى حقيقة المساواة في هذا الدين الإسلامي ، الذي لا يتميز في إقامة شعائره أحد على أحد مهما اختلفت شخصِ يي ات م، فإن في هذا رمز ا عظيم ا للوحدة وللمساواة العامي ة في كل شيء، تلك المساواة التي لم تحظ بها البشرية، ولن تحظ بها أبد ا في غير الإسلام من مذاهب الدجاجلة والمغرضين. 5- المبيت بُزدلفة: المشعر الحرام هو مزدلفة ، س ِ ي بهذا الاسم؛ لأ ني الناس يقربون فيه من منى ، والقرب يسمى ازدلاف ا، أو لأ نهي م يتمعون فيه ليلا ، والاجتماع أيض ا ي سمى ازدلاف ا، أو لأ نهي م يزدلفون إلى الله - تعالى - يعني يتقربون إليه بالوقوف في عرفة، وازدلافهم منها إلى منى، وتسمى مزدلفة : جمع ا؛ لأ ني ه ي مع فيها بين المغرب والعشاء جمع نسك مؤكد للصلاتين، فالمبيت بمزدلفة واجب إلى ما بعد نصف الليل ، لمن حل فيها قبله، وقيل: يكفي المرور، والأصُ الاقتداء بما فعله النب  والعمل بما قاله، ووقف الترخص على ما رخص فيه ؛ لأن الحج لا يفعل في السنة إلا مرة، وقد يم وت المسلم قبل أن يدركه في السنة الأخرى، فعليه بالاحتياط كما قدي منا. والحاج مأمور بذكر الله في مزدلفة حال المبيت فيها، سواء عند الجبل أ م بعيد ا منه حسب ما يتسنى له المنزل، فيذكر الله بالتذكير والتهليل والتلبية والتحميد والد عاء، ويكون جلتهد ا في ذلك، والأولى اعتبار الأمر في هذه الآية للوجوب لفعله  وقوله((خذوا عني مناسككم، فإنّ ِ لا أدري لع ل ِي لا أحج بعد عامي هذا))، كما في حديث جابر الذي في

عدد الصفحات ٦١

62 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه "صحيُ مسلم"1 وغيره، والأفضل إكمال المبيت، وعدم التعج ل دون حاجة؛ لأن في تكرار الله - سبحانه - للتقوى خلال آيات الحج م لاحظة عظيمة ي ب ألا يتساهل الحجاج فيها... ونحوه. الإفاضة مِ ن مُ زدلفة إلى منى: في قوله - تعالى -: ﴿ثم ي أ فِيض وا مِن ح ي ث أ ف اض النياس و اس ت غ فِر وا اللَّي إِني اللَّي غ ف ور ر حِيم ﴾ [: 199]. المراد الذي يقتضيه السياق أني هذه الإفاضة من مزدلفة إلى منى ؛ لأ ني العطف ب (ثم) يقتضي أني هذه الإفاضة المتقدمة من عرفات في الآي ة السابقة؛ إذ لو كان المراد بهذه الآية الأخيرة الإفاضة من عرفات كما زعم بعضهم، مع أني ه معطوف على قوله: ﴿ف إِذ ا أ ف ض ت م مِن ع ر ف ات ﴾ [: 198]، كان هذا عطف ا للشيء على نفسه، وهو غير جائز، بل يستهجن تقدير الآية: فإذا أفضتم من عرفات... ثم أفيضوا م ن عرفات ، كما لا ي وز تقدير تقديم وتأخير، والأصل عدمه، ولا ي وز الخروج بمعانّ الآيات عن ظاهرها بغير دليل، أو نكتة واضحة. فالمتبادر من معنى الإفاضة أنهي ا الإفاضة من مزدلفة ؛ لأ ني الله - سبحانه - ذكر الإفاضة من عرفات في خطابه ؛ لع مومِ المؤمنين، وهي لا تكو ن إلاي بعد وقوفهم، ثم ي أعقبها بذكر هذه الإفاضة التي لا يصدق معناها إلاي على الإفاضة من مزدلفة. وفي الآيتين إعلام وأمر واضحان بأنهي م سواء في الوقوف بعرفات، وسواء في الدي فع منها بعد الغروب كما بينت ه السنة، وسواء في ذكر الله عند المشعر الحرام، وسواء في الإفاضة إلى المشعر، وأني ه لا م ي ز ة لأ حد على أحد، كما كانت تفعله قريش في الجاهلية ؛ إذ ت س م ِ ي نفسها (بالحمس)؛ يعني: أهل الشدة، ويتقدمون على الناس أو يتأخرون، ويقولون في مثلهم السائر بمزدلفة: "أشرق ثبير كيما نغير ". فالإسلام أبطل جميع ما أحدثت ه الجا هلية من المناسك الإبراهيميي ة، وجعل الني اس سواسية في جميع الأحكام، وخ صوص ا الحج، فهذه الآيات فيها إبطال لِ م ا أحدثوه لأنفسهم من المميزات على غيرهم. 6- احصكمة منَ الذبح: 1 أخرجه مسلم في الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة ، 2/943.

عدد الصفحات ٦٢

63 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه على ذوي الألباب أن يَخذوا عبُة عظيمة للتزو د من التقوى في حكمة الذي ب ُِ ورمي الجمرات في (منى)، وذلك بالنظر إلى أصل التشريع الإلهي ، وم نشئه العظيم، ومكانته المهمة في الدين؛ إذ لا ب دي من معرفة سببه، وهو: أني ه ل مي ا كان لباب الدين صدق مح بة الله، الذي لا يحصل إلا بتقديم مراد الله ومح بوباته على م رادات النفس الإنسانية ومح بوباتا، ابتلى الله أبانا إبراهيم بالامتحان الثالث، فأمره بذبُ ولده، هذا بلاء مبين ؛ لأ ني أحب محبوب، وأعز مطلوب، وأغلى مرغوب عند الإنسان هو ابنه الوحيد الذي ليس له سواه، والذي رزقه الله إياه عند الشيخوخة، فهنا تظهر حقيقة الامتحان والني جاح فيه أو السقوط. فإبراهيم - عليه السيلام - علم المسلمين تعليم ا عملِ يً ا رائع ا الصدق الحقيقيي مع الله، أن يفضلوا مراد الله ومح بوباته على مرادات أنفسهم ومح بوباتا الغالية، فإنه - عليه السيلام - بادر إلى التنفيذ دون م بالاة بالعواطف النفسيي ة، ون ُ في هذا الامتحان، فرحمه الله، وشلي حركة السكين عن حلق ابنه، وفداه بذبُ عظيم، وجعلها س ني ة مؤكدة باقية في المسلمين إلى يوم القيامة؛ ليعاملوا الله معاملة المحب لحبيبه، فيضحوا بمرادات أنفسهم ومح بوباتا في سبيل مراد الله ومحبوبه، فإذا عرف الحجاج هذا المقصود الإلهي، والحكمة العظيمة من تشريع الهدي والأضاحي، وأدركوا هذا الس ِ ري العظيم، عادوا يح ملون ل باب الدين الصحيُ، الذي ي علهم لا يتوانون في تنفيذ شيء من أمر الله، لا تم نعهم لذة النوم وشهوة الفراش عن المبادرة إلى صلاة الفجر؛ تفضيلا لمحبوب الله على محبوب أنفسهم، ولا يم نعهم الطمع في المادة والجشع في الربُ عن ترك الغش ِ ، والغبن، والتطفيف، وأخذ الربا ، وإنفاق السلع بالأيمان الكاذبة، بل يتركون جميع هذا؛ تفضيلا لما يح ِ ب ه الله من الصدق على ما تح به نفوسهم من الطمع، ولا يم نعهم حب الشهوة والطمع في اللذة عن غض ِ البصر والتزام العفة بحف ظ فروجهم ؛ تفضيلا وتقديم ا لما يح ِ به الله من ذلك على ما تحبه نفوسهم وتشتهيه، ولا يمنعهم الشُ وحب الحياة عن الإنفاق في سبيل الله، والجهاد بأنفسهم وأموالهم ؛ تقديم ا لما يريد الله منهم على ما تريده أنفسهم الأ مي ارة بالسوء. وهكذا يستفيد أولو الألباب من شعائر حجهم ما يتزودون به على التقوى. 7- احصكمة من اليمي في رميهم الجمار يعرف المسلمون أنهي م لا يرمون الشيطان، وليس الشيطان بواقف لهم يرجمونه، وإنّي ا يرجمون المواقف التي وقف بها الشيطان لأبيهم إبراهيم، فرجمه فيها، فهم يرجمونها لا لمجرد التي كرار، ولكن للاع تبار والانتفاع ؛ إذ ي ب عليهم أن يتأملوا كيف عرف

عدد الصفحات ٦٣

64 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه أبوهم إبراهيم - عليه السيلام - أني الذي وقف له شيطان؟ والشيطان لا ي رى بصورته ، وإنّي ا وقف له بصورة رجل وقور يتساءل معه عما في يده من الحبل والسكين التي سيذبُ بها الولد، ويناشده الرحمة والحنان، فلما س ِ ع منه تلك الفتنة، التي يريد بها ص دي ه عن تنفيذ أمر الله، عرف أنه الشيطان قد تصور بهذه الصورة ؛ لغرض الإغواء، فرجمه بسبع حصيات تخ سِ ئة له، ولكن الخبيث لم ي ي ئ س، فوقف له م وقف ا آخر بشكل وزِ ي آخر، وخاطبه بفتنة أخرى، فعرف أنه شيطان متمثل لفتنته، فرجمه ح تى و لىي ، ولكنه لم ي ي ئ س من مح اولة فتنته، فوقف له وقفة ثالثة بشكل آخر وزي آخر، محاو لا فتنته بأسلوب آخر، ولكن إبراهيم لم يتأثر إلا بزيادة معرفته له وزيادة صلابته معه، قائ لا له ما معناه: يا هذا، مهما تشكلت أو اختلف منطقك فأنت (أ ز ب الع ق ب ة)؛ أي: شيطان العقبة الذي وقفت لي أول مرة في العقبة، وليس عندي لك إلا الري ج م، فرجمه الثالثة حتى خسأه ويَسه وخ يي ب ظ ني ه. فأولو الألباب من الحجاج يعد ون بهذا الرجم لمواقف الشيطان، ويَخذون من ذلك دروس ا وعبُ ا؛ ليعاملوا كل شيطان من شياطين الجن والإنس بالرجم المع نوي، الذي هو لعنه وبغضه وعصيانه والابتعاد عنه، فيعرفون كما عرف أبوهم إبراهيم أني كل م ن يح اول صدهم عن أمر الله أو فتنتهم عن دين الله، أو إشغالهم عن ذكر الله بأي أسلوب من أساليب الدعاية والنشر، فهو شيطان، سواء كان صحفيً ا أم مذيع ا أم قصصيً ا أم كاتب ا أم شاعر ا أم غير ذلك، فيرجمو نه ببغضه ورفض ما يبثه أو ينشره عليهم، وهذا من بعض فوائد الحج.

عدد الصفحات ٦٤