المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحج أحكامه

عبدالرحمن الدوسري

صفحة ٣ من ٥

33 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه مع ذي محرم، ويسقط عنها إذا عدمت محرم ا، فكيف بالتي يسمُ لها أولياؤها بالسفر إلى بلاد الكفر والخلاعة والإباحية؛ لغرض ليس بركن من أركان الإسلام بدون محرم ؟ وغرضها أقصى ما يكو ن حكمه الإباحة أو الندب، ولكن التربية الماسونية المادية الحديثة أرخصت على الناس أعراضهم، وذلك لقلة تقوى الله في القلوب، والاتجاه المادي الذي قد يكون أغلبه شرك ا، كما نص عليه المصطفى  بقوله((تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم... ))1، إلى آخر الحديث الذي جعل فيه المرء عبد ا لما أحب. والعجب أنهي م يصرحون بالشرك إذا نوقشوا، فيقول أحدهم: أريد تأمين مستقبلها ، فهل تأمين المستقبل بيدك أو بيد الله؟ ثم م ن الذي حماك وحمى أسلاف ك بتأمين مستقبلكم؟ مع أني فعلهم هذا للمرأة إبعاد لها عن أنوثتها الصحيحة الفطرية، وجناية معن وية على مستقبلها، ولكني ه التقليد القردي للغربيين، وزوال الغ ير ة والتساه ل في العِ في ة، وليس هذا موضع بحثه، فلبحثه مواضع خاصي ة أثبتت في الواقع أنهي م جعلوا المرأة جنس ا ثالث ا، وإنّي ا ذكرت هذا استطراد ا. احصج لن الغير: روى أبو داود وابن ماجه2 عن ابن عباس أني النب  س ِع رجلا يقول: لبيك عن شبُمة، قال: ((من شبُمة ؟))، قال: أخ لي، أو قريب لي ، قال: ((حججت عن نفسك؟))، قال: لا، قال: ((حج عن نفسك، ثم ي حج عن شبُمة))، وفي رواية: ((فاجعل هذه عن نفسك، ثم حج عن شبُمة)). وفي هذا الحديث وأمثاله دليل على أني من لم يحج عن نفسه لا يح ج عن غيره. حج الربي: روى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس أني النبي  لقِ ي ركب ا من الحجاج بالروحاء، فقال: ((من القوم؟))، قالوا: المسلمون ، فقالوا: من أنت ؟ قال: ((رسول الله))، فرفعت امرأة إليه صبيً ا، فقالت: ((ألهذا حج؟))، قال: ((نعم، ولك أجر))3، وهذا 1 رواه البخاري في الجهاد ، باب: الحراسة في الغزو.. ح (2887.) 2 رواه أبو داود في المناسك، باب: الرجل يحج عن غيره ، 1/420، وابن ماجه في المناسك، باب: الحج عن الميت، 1/969. 3 رواه مسلم في الحج، باب: صحة حج الصب... 2/974، وأبو داود في المناسك، باب: في الصب يحج،

عدد الصفحات ٣٣

34 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه يعني الفضيلة وإجزاؤه نافلة ، فأما حجة الإسلام فيشترط فيها البلوغ. وقال الإمام أحمد: عن محمد بن كعب القرظي عن النب  قال((أيما صب حج به أهله، فمات أجزأت عنه، فإن أدرك ، فعليه الحج، وأيما رجل مملوك حج به أهله فمات أجزأت عنه، فإذا أعتق فعليه الحج ))1. ما يجتنبه المحيم روى البخاري ومسلم 2 وغيرهما عن عبدالله بن عمر قال: سئل رسول : ما يلبس المحرم ؟ فقال: ((لا يلبس المحرم القميص ، ولا العمامة ، ولا البُنس ، ولا السراويل، ولا ثوبا م سي ه ورس ولا زعفران، ولا الخفين، إلاي أن لا ي ِ د نعلين، فليقطعهما، حتى يكونا أسفل من الكعبين)). وروى البخاري وغيره أني النبِي  قال ((ولا تنتقب المرأة المحرمة ، ولا تلبس القفازين ))3، ولا يوز لها لبس ما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوانِ الث ِ ياب من معصفر، أو خز، أو حلي، أو سراويل ، أو قميص، أو خف، وهذا الحديث يد ل على عدم تخصيص لون الأخضر ونحوه للنساء في الإحرام. حكم المحري: حكم المحصر وهو الممنوع عن دخول البيت، فهذا عليه دم يذبحه ويتحلل، وأقل الهدي شاة، فإن كان قد ساق ه د يا من بلده الذي خرج منه ذبحه، أو نح ره في نفس المحل الذي أحصر فيه؛ يعني: حبس فيه عن البيت، كما فعل رسول الله  عام الحديبية و قوله - تعالى -: ﴿و لا تح لِق وا ر ؤ وس ك م ح تىي ي ب ل غ اله د ي مح ِليه ﴾ [ 196]، هذا حكم ثالث لمن ساق اله د ي وهو بقاؤه على إحرامه ، حتى يبلغ الهدي مح له وهو وصوله الكعبة؛ لقولِه - تعالى -: ﴿ه د يا با لِغ ال ك ع ب ةِ ﴾ [ 95]، و قوله - تعالى -: ﴿ثم ي 1/403، والنسائي في المناسك، باب: الحج بالصغير، 5/91، وأحمد، 1/219،288،244،343، 344. 1 عزاه الزيلعي"نصب الراية"، 3/7 في أول كتاب الحج، لأبي داود في مراسيله 2 رواه البخاري في العلم ، باب: من أجاب السائل... ح (134)، ومسلم في الحج، باب: ما يباح للمحرم... ح (1177.) 3 رواه البخاري في جزاء الصيد ، باب: ما ينهى عن الطيب للمحرم والمحرمة، ح (1838)، وفي أوله زيادة.

عدد الصفحات ٣٤

35 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه مح ِل ه ا إِلى ال ب ي تِ ال ع تِيقِ ﴾ [الحج 33]، فالمحصر يحل له الذبُ بمكان إحصاره ليتحلي ل، وغير المحصر لا يخرج من إحرامه إلاي بذبُ الهدي في الحرم، واقتصر الله من ذكر شعائر الإحرام على حلق شعر الرأس ؛ لأني ه بحلقه له يحصل له التحلل الأول، ثم يكمل التحلل بطواف الإفاضة. وفي قوله: ﴿ح تىي ي ب ل غ اله د ي مح ِليه ﴾ [ 196] خطاب عام للمحصرين والآمنين، فهو خطاب عام لجميع الأمة، لكن المحصر ينحر ما أهداه في الموضع الذي حبس فيه، كما نحر النب  في الحديبية ثم حلق رأسه، وغير المحصر لا ينحر الهدي إلاي في الحرم الذي هو محله، ويلتزم بأحكام الإحرام، كما فصلها الفقهاء في أبواب المناسك من كتب الفقه. فديدة الأذى: حكم المريض ومن برأسِ ه جراح أو قمل يؤذيه أن يحلق رأسه ، وعليه الفدية من صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبُ شاة؛ لحديث كعب بن عجرة المشهور 1، وهو يرد على القائلين بأني الفدية صوم عشرة أيام ، أو إطعام عشرة مساكين ، أو ذبُ شاة، وفي قدر الإطعام اختلاف م ذكور في موضعه من مباحث المناسك، ولكني الصحيُ هو ما ورد في بعض ألفاظ حديث كعب أني النب  قال له((تصدي ق بثلاثة أصواع من تم ر على ستة مساكين))، وبه قال الإمام أحمد، لكن قال بنصف ذلك من الحنطة، ومحل الإطعام والفدية بمكة على فقراء الحرم في أصُ الأقوال. 1 الحديث متفق عليه ، رواه البخاري في المحصر ، باب: قول الله - تعالى -: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَيِدضًا ﴾ [: 184]، ح ( 1814)، وفي مواضع أخرى ، ورواه مسلم في الحج ، باب: جواز حلق الرأس للمحرم، ح (1201.)

عدد الصفحات ٣٥

36 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه منافع احصج العبرة في احصج إدقالًا ا فضيىة بأميدن: أحديهما: الإخلاص لله بفِ ع له، ولهذا قال - سبحانه وتعالى -: ﴿و أ تمِ وا الح جي و ال ع م ر ة للَِّيِ ﴾ [: 196] بأن يكون صادر ا عن حب الله، وجرعة ر وحية إلى ر ؤية بيته، وإقامة مناسكه وتعظيم شعائره، كما قال تعالى: ﴿ذ لِك و م ن ي ع ظ ِم ح ر م اتِ اللَّيِ ف ه و خ ير ل ه عِن د ر ب ِهِ ﴾ [: 30]، وقال: ﴿ذ لِك و م ن ي ع ظ ِم ش ع ائِر اللَّيِ ف إِنهي ا مِن ت ق و ى ال ق ل وبِ ﴾ [ 32]، لا أن يحج للرؤية والسياحة ومشاهدة ما يقال عنه، فإني كثير ا من المحسوبين على الإسلام لا ي صلي، ولكنه يحج، أو يكون مغرق ا في فعل المعاصي، ويكثر من الحج، أو يحج لأجل الكسب والتجارة قصد ا ورأس ا، لا أن يكون أصل مقصده الحج، ولكن يستعين بالتجارة ويتروض عليها، فإني م ن كان قصده الحج بنية خالصة لا يضره الاشتغال بالتجارة، ولا يرح من إخلاصه. ولكن الذي لولا الأعمال التجارية ما ذهب إلى الحج، ولكن يذهبه إلى الحج ظروف اقتصادية، كالتحجيرات على التجارة بالأنظمة العصرية، فيستغل اسم الحج عن المراقبة والتفتيش؛ ليرجع من الحجاز بأموال لولا الحج ل م ا دخلت بلاده، وكذلك الاشتغال في مصارفات وتريبات شتىي ملة بالنية، بل مسقطة لها من الأساس. ومنهم من يحج للر ِ ياء والسمعة؛ لينال لقب (الحاج)، الذي يغضب على من لم يسمه به، حتى إني بعض هم يستدين بالربا ؛ ليحجي ويح ظى بهذا اللقب، إلى غير ذلك من المقاصد الهادمة لحقيقة الحج من الأساس. وقد قال : ((إنّيا الأعمال بالنيات ، وإنّي ا لكل امرئ ما نوى ))1، فهذا الحديث الشريف أصل عظيم في جدوى الأعمال وقبولها عند الله ، فكيف بمن يحج للتجسس على دول الإسلام لدولة ع لمانية، أو دولة شيوعية ونحوها من دول الكفر؟ وكيف بمن يحج ليأخذ تصاوير لمشاهد الحج؟ إمي ا يتكسب بها في الأفلام السينمائية ونحوها، أو يَخذها للتشهير والس خرية ؟ فما أكثر م ن يح ج لقصد منكر، أو هو متلبس بالمنكر من استدانته بالر ِ با للحج ونحو 1 متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب، رواه البخاري في أول كتاب ب د ء الوحي ، ح (1)، ومسلم في الإمارة ، باب قوله : ((إنّي ا الأعمال...))، ح (1907.)

عدد الصفحات ٣٦

37 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه ذلك، وقسم كبير من حجاج هذا الزي مان لا يخ طر ببالهم ما يريده الله منهم في الحج، وإنّي ا يحج لزيارة النب  كما هو مشهور عند بعضِ أهل الأمصار: (نزور أبا إبراهيم) ؛ يعني: الرسول  فلا يعرفون للحج معنى غير ذلك، ومنهم منج لأجل الاحتفالِ به إذا رجع، ومنهم من يح ج للتلص ص في هذا الز ِ حام المنقطع النظير، ولهذا فقد يرجع كثير من الحجاج وهو متلبس بالآثام، أو بأنواع من الش ِ رك لا يزداد بها الإخلا ص إلا شرود ا عن صراط الله. وينبثق من قاعدة الإخلاص أكل الحلال، والحرص على اكتسابه، واجتناب الحرام وتطهير المكسب؛ ح تىي يكون ساعي ا لِ م ا يحصل به ق بول العمل ، وم ضاعفة الأجر واستجابة الد عاء في تلك المواقف العظيمة، وأن يخ رج من مظالم الناس ، وخصوص ا أموال المسلمين وأعراضهم. ثانيها: شهود المنافع العامي ة في الحج وتحصيلها؛ فقد أجمل الله حكمة الحج بقوله: ﴿لِي ش ه د وا م ن افِع له م ﴾ [: 28] على الإطلاق، فتشمل المنافع السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والأدبية ، فعلى حجاج بيت الله الحرام تح قيق الحكمة من الحج بتحصيل هذه المنافع؛ فإني الله - سبحانه - جعل الحج لعباده م ؤتمر ا عالميً ا سنوياً خصوصيً ا وعموميً ا، شعبيً ا وحكوميً ا، تلتقي فيه جميع الأجناس والطوائف الإسلامية على مستوى واحد، وفي أماكن م تعددة من شعائر الله، يلتقي فيها الكبير والصي غير، والغ نيِ والفقير، ومن لم يلتقِ بالآخر حول الكعبة التقى حول زمزم، أو التقوا في المسعى بين الصي فا والمروة، أو في سائر الأسواق والمنازل، أو في طريق منى وعرفات، أو في المخيم في أحدِ هما، أو في مزدلفة ، أو مسجد الخيف وغيره، في ذ هابهم إلى تلك المشاعر وإيابهم، فإني الله العليم الحكيم ج ع ل هذه التنق لات لحكمةِ الالتقاء والتعار ف، حتى في رمي الجمرات وطريقها. فينبغي للحجاج اغتنام الفرصة في هذا المؤتمر العظيم ، الذي يح صل لهم شهود منافع في جميع نواحي الحياة، ي فضي كل جنس منهم إلى الآخر بمشاكله المختلفة، فيتدارسونها ؛ ليوجدوا لها الحلول، ويتحسس كلٌّ منهم آلام الآخر؛ لي عالجوها على ضوء دينهم، فيرفد بعضهم بعض ا رفد ا حسيً ا، ورفد ا معنوياً في كل ناحية من نواحي الحياة، فإني الح جي مؤتمر إسلامي عمومي لتوحيدِ غاياتِ المسلمين، وتوجيههم إلى مصادرِ الحياة الطي ي ِ بة الصحيحة، فإني الدين و الد نيا مترابطان في نظر الإسلام؛ لأ ني الدين يم د الأرواح بالإيمان الصحيُ المدعم بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة، أما أمور الدنيا فتمد المسلمين بعناصر القوة والني ماء مع جعلها وسيلة لا غاية.

عدد الصفحات ٣٧

38 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه وما قيمة الحج للمسلمين إذا لم يقتبس بعضهم من بعض حلو لا لمشاكلهم الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟ وما قيمة حجهم إذا لم يقم بعضهم برفد بعض رفد ا مادياً ومعنوياً ؟ وكذلك في الحج شهود منافع لهم في الني واحي الاقتصادية؛ ليكون كالمعرض العام لمنتجاتِ م وجللوباتِ م؛ مما يحصل انتفاع بعضهم بما ينتجه البعض الآخر من مصنوع أو مزروع، وإنعاش بعضهم البعض، وتشجيع بعضهم لبعض؛ ولهذا قال - سبحانه وتعالى -: ﴿ل ي س ع ل ي ك م ج ن اح أ ن ت ب ت غ وا ف ض لا مِن ر ب ِك م ﴾ [ 198]؛ يعني: بالتجارة التي لا تخل بأصل نية الحج، فإني في الحج غايات سامية تعود بالإنسان إلى فطرته الأصيلة، وت طهره مما ران على قلبه ، وما غشاه من صنوف الأنانية والولوع بالمادية ، فالحج فيه ترك ومنُ مع ا، فيه ترك للمظاهر الزي ائدة على الفطرة الإنسانية ، والفاتنة للإنسان، والمقسية لقلبه، وفيه منُ عن طريق الهدي والأضحية مما ينتفع به من بهيمة الأنعام، وأنواع المواساة الأخرى لمن يلتقي بهم من إخوته الحجاج، فيعمل على إرشادهم وعلى رفع مستواهم فكرياً ومادياً . وبذلك تصب عبادة الحج في الغاية نفسها، التي تدف إليها عبادة الصلاة والزي كاة والصوم من الوحدة الدينية التي يوجبها الله على جميع المسلمين؛ ليكونوا كالب نيان يشد بعضه بعض ا، وكالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر؛ لأ نهي م إذا تحقق لهم اتجاه واحد، حصلوا على الاستقامة والات ِ زان في س لوكهم، فلا يتأرجُ بعض هم بين شيئين م تناقضين يكون للواحد منهم بسببها شخصيات م تعددة، يلبس اليوم وجه ا، ويلبس في غ د وجه ا آخر، فلا ب دي للمسلمين من تحصيلِ المنافع التي شرع الله الحج من أجلها، لا أن ينقلب الحج إلى زحام ولكام، وشتم وجدال، واستمرار على الجهل والتناف ر، كما هي الحالة الآن لأكثرهم، والعياذ بالله .

عدد الصفحات ٣٨

39 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه احصج مِ ن ألظم المشاهِ دي والحج من أعظم المشاهد والمؤتمرات العالمية، التي يزدوج فيه الد نيا والدين، كما قدمنا ذلك، ولهذا فإني خ صوم الإسلام يحسدون المسلمين عليه، فيصمونه بالوصمات الفاجرة ؛ تنقيص ا لشأنه، وللإسلام الذي شرعه، ويدون من المتفرنين الذين كسب تهم الماسونية كسب ا رخيص ا م ن يتقبل تلك الوصمات البعيدة عن الحقيقة، وقد ذكرت في غير موضع أني الح جي ليس مِ ن أعمال الجاهلية، بمعنى أني ه ليس م نبثق ا منها، وإنّي ا هو من مِ لي ة إبراهيم إمام المسلمين وأبي الأنبياء بانّ البيت، الذي قال الله فيه: ﴿إِني أ وي ل ب ي ت و ضِع لِلنياسِ ل ليذِي بِب كية م ب ار ك ا و ه د ى لِل ع ال مِين * فِيهِ آيا ت ب ي ِن ات م ق ام إِب ر اهِيم و م ن د خ ل ه ك ان آمِن ا﴾ [ 96]. وإن العرب لمي ا كانوا في الأصل القديم م سلمين، ثم ي كانوا على ملة إبراهيم، صارو ا يحجون البيت ، وينسكون النسائك، ويقتبسون الأخلاق المنقطعة النظير من ملة إبراهيم، فقيامهم بأعمال الحج ناشئ من ملة إبراهيم، وليس فيه شيء من وثنيتهم سوى ما أحدث لهم الشيطان من التغييرات فيه، التي أزالها الإسلام، وأعادها إلى ملتها الأولى، كطوافهم بالبيت عراة من الثياب، التي تلبسوا فيها بمعصية الله. وقد أنصف المسلمين في الحج (فيليب جلب)؛ حيث قال في تاريخه المشهور: "ولا يزال الحج على كر ِ العصور نظام ا لا يبار ى في تشييد ع ر ى التفاه م الإسلامي، والتأليف بين متلف طبقات المسلمين، وبفضله يتسنى لكل ِ م سلم أن يكون ر حي الة م ري ة في حياته على الأقل، وأن ي تمع مع غيره من المؤمنين اجتماع ا أخوِ ياً ، ويوحد شعوره مع شعور سواه من القادمين من أطراف الأرض، وبفضلِ هذا النظام ي ت ي سي ر للز نوج والبُبر والصيني ِ ين والفرس والتر ك والعرب وغيرهم، أغنياء كانوا أم فقراء، عظماء أم صعاليك أن يتآلفوا لغة وإيمانا وعقيدة، وقد أدرك الإسلام ناح ا لم يتفق لدين آخر من أديانِ العالم في القضاء على فوارِ قِ الجنس واللون والقوميي ة، خاصي ة بين أبنائه، فهو لا يعترف بفاضل بين أفراد البشر، إلاي الذي يقوم بين المؤمنين وبين غير المؤمنين - يعني من تقوى الله - ولا ش كي أني الاجتماع في مواسم الحج أدي ى خدمة كبُى في هذا السبيل؛ انتهى كلامه المو افق في الحج للصي واب، مع أني ه له زلقات فظيعة في تاريخه، جره الحقد إليها أو التقليد لغيره، خصوص ا في تعليله للغزوات والأحكام وغيرها مما هو خطير يوج ب على أنفسنا تحذير القارئ منه بمناسبة ما نقلناه عنه هنا؛ حتى لا يحصل الاغترار. وأقول: إني ما قاله عمي ا أداه الحج من الخدمات للمسلمين سيتضاعف - إن شاء الله - مع حصول الو ع ي، وارتفاع الكوابيس الحسية والمعنوية عن المسلمين، وتخلصهم من

عدد الصفحات ٣٩

40 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه ملفات الاستعمار من الغزو الفكري ، والمنتفعين من تركته وتوزيعه وتنفيذه.

عدد الصفحات ٤٠

41 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه تقوى الله في احصج وفي قوله - تعالى -: ﴿و ات يق وا اللَّي و اع ل م وا أ ني اللَّي ش دِيد ال عِق ابِ ﴾ [ 196] أمر منه - سبحانه - لعباده بالتزام تقواه في أداء فريضةِ الحج على الوجه الأكمل، بالمحافظة على امتثالِ الأوامر فيه المصححة لفعله، والمقومة لأخلاقِ أهله، والمضاعفة لأجورهم، وباجتناب النواهي والمحظورات الم خِ لي ة بحجهم ، والمكلفة لهم بأداء الفدية ، والمنقصة من أجورهم، فإني ه لا يتم لهم حجهم كاملا إلاي بتقوى الله ومراقبته ، لا سيما في تحصيل المنافع التي إذا عملوا على تحصيلها في الحج كملت هدايتهم، وحصلوا على السي عادة بالوحدة والتضام ن؛ ليرتبطوا بحبل الله جميع ا باجتماعهم حول ب يتِ ه المبارك والتقائهم فيه، م تجردين عن جميع الأغراض النفسية، كما تج ري دوا عن المخيط، فتتلاقى أبدانه م وقلوبهم حول الكعبة التي يتجهون إليها في جميع أوقات صلاتم، م عتزين أعظم اعتزاز بنسبهم الديني ، الذي هو أعلى وأغلى من جميع الأنساب، والذي يحقق لهم الوحدة الكبُى إذا تم سكوا به، فكانوا هم الكثرة الكاثرة بين الأمم، وهم القوة التي لا يوقف في وجهها - بإذن الله. فلهذا يوصيهم الله بتقواه في سلوكِ ما أمرهم به من تحقيق المنافع بالحج، وأدائها مشبعة بروح الحب والتراح م والتعاط ف والتفاه م، لا بالتسابق والازدحام وسوء المعاملة ؛ مما يحدث النفرة. يتقي الحاج ربي ه في إخوته؛ المسلم المشارك له في أداءِ هذه الشي عيرة المباركة، فيكون له معوانا على ك ل ِ خير، ببشارة وجه ، وصفاء قلب، ويتقي الحاج ر بي ه في ترك الز ِ حام، خصوص ا للنساء، ويتقي ر بي ه باجتناب الب خل وسوء الظن، ويتقي ربه بحفظ لسانه ، وغض بصره، ويتقي الله برحمة الأعمى والضعيف ، وتوقير الكبير، ورحمة الصغير، ويتقي الله بتعليم الجاهل ، وإرشاد الضال، ويتقي الله بصيانة حجه عن الري ف ث والفسوق والجدال، كما سيأتي. ويتقي الله بحفظ وقته عن كل إسفاف، وإشغاله بذكر الله وقراءة القرآن، الذي هو مطردة لشياطين الجن، وتعليم أو إرغام لشياطين الإنس، ويتقي الله بالن صُ لكل مسلم، كما يتقي الله بالحرص على فعل الأفضل، وتح ري متابعة النب  فإنيه يقول للحاضرين معه في حجته عند أداء كل شعيرة من شعائر الحج: ((خذوا عني ِ مناسككم))1، فيتقي الله في عدم الترخ ص لما لم يرخص فيه إلاي للضعفاء والسقاة و نحوهم؛ لأ ني الحج لا يتكرر كالصلاة. 1 رواه مسلم في الحج باب استحباب رمي جمرة العقبة 2/943.

عدد الصفحات ٤١

42 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه ويتقي الله في مراعاة جميع أعمال الحج من ركن وواجب ومندوب، دون تساه ل في أي شيء منها في جميع ما قدمنا من عقوبات الله؛ ﴿أ ني اللَّي ش دِيد ال عِق ابِ ﴾ [: 196]، عقابه ليس كعقابِ غيره؛ لشِ دي ةِ إيلامه ودوامه، وقد يعجله في الد نيا بإنزال عاهة به، أو داهية عليه، أو تسليطِ ظالم، أو صدم سيارة، أو غير ذلك من عقوبات الله المتنوعة، وإمي ا يؤجلها في البُزخ أو في القيامة، وذلك أشد وأفظع. وقد أكثر الله في آيات الحج - على قلتها - من وصية لعباده بالتقوى؛ لأ ني ه يحصل في الحج من أسباب التقوى ما لا يحصل لغيره، وذلك مع الو ع ي الصحيُ لحقيقةِ الحج ومغزاه ، ولهذا ن ِ د الله يخ اطب الواعين بقوله: ﴿و ات يق ونِ يا أ وليِ الأ ل ب ابِ ﴾ [197]؛ يعني: يا من له لب وعقل يفكر به، فليستنر بعقله في تلك المشاعر العظيمة؛ ليستفيد منها تقوى الله، يا من تج رد عن لبس المخيط، استعمل عقلك هل ينفعك تج رد ما لم تتجرد عن شهواتِ ك وم طامِ عِ ك المغضبة لله ؟ هل ينفعك التجر د عن المخيط وأنت لم تتجرد عن مح بوباتك المخالفة لمحبوبات الله؟ هل ينفعك الطواف ببيت الله وأنت غير مطيع لله؟ هل ينفعك الطواف ببيت الله وأنت متلبس بمعصية الله غير متق لله؟ هل ينفعك الطواف وأنت م ستصحب أهل ك بملابِ سِ هن القصيرة وأزيائه ن الفاتنة، وهذا من أعظم معاصي الله؟ ماذا انتفعت بالحج وأنت على هذه الحال؟ وكيف تلتزم الملتزم لتسأل الله من فضله، وأنت لم تكن تلتزم طاعته وتنفيذ شريعته ؟ بل كيف يرجو قبول طوافه من يستصحب امرأة متبُجة تفتن من رآها ، سواء كانت زوجتك أ م قريبتك ؟ وماذا تنتفع برؤية مقام إبراهيم وأنت لم تقتدِ به في الولاء والبُ اء والفداء والتضحية؟ إن الذي يرى مقام إبراهيم وما ذلل الله من الصخرة ؛ بسبب تحقيقه للتوحيد، ي ب عليه أن يتبع ملته في البُاءة من الكفار وعداوتم، ولو كانوا أقرب قري ب؛ امتثالا لقول الله في الآية الرابعة والخامسة من سورة "الممتحنة"1، وأن يفضل ما يحبه الله ويقدمه على مح بوبات نفسه، وأعز عزيز عليه، كما فعل إبراهيم - عليه السيلام - بإخراجه أحب حبيب إليه ، وأعز عزيز لديه، من جنان الشام وجوها اللطيف ؛ ليضع هم فيما أمره الله بواد غير ذِ ي زرع، ممحلة أرضه، حرور جوه، غير مبال بعاطفته في سبيل مراد ربه. 1 هي قولالله - تعالى -: ﴿إِلاي ق و ل إِب ر اهِيم لأِ بِيهِ لأ س ت غ فِر ني ل ك و م ا أ م لِك ل ك مِن اللَّيِ مِن ش ي ء ر ب ين ا ع ل ي ك ت و كيل ن ا و إِل ي ك أ ن ب ن ا و إِل ي ك ال م صِير * ر ب ين ا لا تج ع ل ن ا فِت ن ة لِليذِين ك ف ر وا و اغ فِر ل ن ا ر ب ين ا ﴾ [4 - 5].

عدد الصفحات ٤٢

43 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه ينبغي للحاج أن ينطبع بالاقتداء بأبيه إبراهيم حينما يرى آثاره، فيحقق الملة الحنيفِ يي ة التي هي الولاء في الله، والبُاء في الله، والحب في الله، والبغض في الله، والتضحية بمرادات النفس ومح بوباتِ ا في سبيل مراد الله ومح بوبه؛ ليكون متبع ا لملة إبراهيم حنيف ا، وإلاي فماذا استفاد من حجه؟ إني ه لم يستفد ولم ينتفع؛ لنقصِ تفكيره، فهذا النوع ليسوا مِ ن أولي الألباب الذين خ صي هم الله بالخطاب في أمره بالتقوى ، وكذلك أولو الألباب إذا شربوا من زمزم، ثم سعوا بين الصي فا والمروة، تذكي روا ما حصل لأم إساعيل التي هي أم لأكثر العرب والمسلمين، من عمل السبب المرضي لله بص ع ودها على الصفا؛ لالتماس المسعف، ونزولها وس عيها إلى المروة لهذا الغرض، مستمطرة رحمة الله، غير متواكلة مضطجعة حول طفلها تنتظر ا لموت، كشأن الس فهاء اليائسين القانطين، بل سعت لطلب الر ِ زق والغ و ث من قوة توكلها على الله، وطلبها لمدده، ورفضها للتواكل المذموم. ثم يتذكرون مدد الله لها، وإسعافه العظيم بإنباع هذا الماء ، الذي هو معجزة خالدة لا تزال ملايين البشر تشرب منه منذ زمن طويل، وتت وضأ وتغتسل وتتزود منه إلى بلادها، لم ينضب ولم ينقص، ثم هو ري وغذاء يكفي من اقتصر عليه عن الطي عام، كما ورد في حديث أبي ذر الغفاري 1 وكما هو جلرب، وقد أشاع الفجرة حوله إشاعات عديمة الص ِحي ة، كذبها الفحص الطب والحمد لله، فالحاج اللبيب إذا استعمل عقله يكتسب من هذه القصة فوائد: إحدياها: أني الله - سبحانه - لم يضيع ذرية إبراهيم الذين تركهم في هذا الموضع الموحش الخالي من أي ماء وغذاء استجابة لأمره، فهكذا لا يضيع ذرية المسلم إذا تركهم سائر ا في دعوة الله أو غازيا في سبيله، بل يلطف بهم كما لطف بذرية أبيه إبراه يم، فإن لطف الله ليس موقوف ا عليهم، بل يشمل كل محسن كما قال تعالى: ﴿إِني ر حم ة اللَّيِ ق رِيب مِن ال م ح سِنِين ﴾ [56.] ثانيها يعرف أني مِ ن سنة الله الكونية عدم الاعتماد على القدر، وأني تقدير القدر الأزلي لا يقضي بترك الأسباب والعمل بل ي وجبها، كما قال : ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له))2، فأم إساعيل مع قوة توكلها على الله لم تترك الأسباب ، بل عملت على التماس 1 روى حديثه الإمام مسلم في الفضائل، باب: فضل أبي ذر، وفيه أنه مكث بمكة ثلاثين ليلة ما له طعام غير ماء زمزم؛ (متصر صحيُ مسلم، للمنذري )، ص 354 (1704.) 2 متفق عليه من حديث علي، رواه البخاري في مواضع منها كتاب التفسير ، باب: ﴿ف س ن ي س ِ ر ه لِ ل ي س ر ى﴾، ح

عدد الصفحات ٤٣

44 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه المسعف لها، وأخذت تصوب النظر ذات اليمين والشمال، تارة على الصي فا، وتارة على المروة، وهي القائلة لإبراهيم بعد تساؤلها المتكرر عن وضع هم في هذا المكان، وعدم إجابته لها: "آلله أمرك بهذا ؟"، قال: نعم، قالت: "إذ ا لا يضيعنا"1، فالمؤمنون بالله من قديم الزمان لم يعرفوا الجبُ ولا الاتكالية من عقيدة القدر ، كما يزعمه الملاحِ دة في هذا الزمان. ثالثها: يعرف أن الفرج يَتي عند الكرب، وأني مع الع سر ي س ر ا، وذلك من حسن تربية الله لعباده؛ حتى لا ي سيئوا ف ه م التوكل، وفهم القدر في تكلوا عن العمل، بل يواصلوا العمل، ويد وا في طلب الإغاثة الحسية والمعنوية، حتى يَتيهم الفرج والنصر والمدد. اها هنا فوائدي: إحدياها: ت كرار الله أمره للحجاج بالتي قوى منه ما هو م قيد بأفعال الحج نفسِ ها، ومنه ما هو للماضي، وما هو للمستقبل، وليس منه ما ي ع د من التكرار ، بل كل أمر له ملابسته الخاصة، وصفوة القول فيه - إن شاء الله - هو: أني الحج لما كان من م كفرات الذنوب ومما لا يتكرر فعله، أك ث ر الله فيه مِ ن وصية عباده الحجاج بالتزام التقوى في أداء كل ِ شعيرة من شعائره، وأن يكون الحاج متدرع ا بالتقوى قبل التلبس بالحج، فإن كان م قص ِ ر ا، فليستدرك الأخذ بجميع وسائل التقوى بعد تلبسه بالحج، وفي أثناء م زاولته لجميع أعمال الحج ؛ ليحظى من الله الكريم بتكفير ما سلف من ذنوبه، حتى يرجع من حجه مغفور ا له، مع العلم أني هذا الغفران مشروط بالاستدامة على التقوى، حتى لا يح صل منه ما يدنس صحائفه، ويرح شخصيته المتجددة بالحج. ولهذا كان ختام الله - سبحانه - لآيات الحج: ﴿و ات يق وا اللَّي و اع ل م وا أ نيك م إِل ي هِ تح ش ر ون ﴾ [ 203]، وذلك إياب من الله على الحاج أن ي تي قي فيما بقي من عمره، وألا تخدعه الأمانّ ووساوس الشيطان، فيقول: سأ ك ر ِ ر الحج؛ ح تىي يغفر لي مرة ثانية، فإني ه لا يدري هل يتمكي ن مما نوى أو يتوفاه الله، وهو مل بزاد التقوى، وليحرص على دوام تخسئة إبليس، فلا يعمل ما يفرحه بعد حزنه في يوم عرفة ، ففي م و طي أ الإمام مالك عن عبدالله بن ك ر ي ز أني ر سول الله  قال((ما رؤي الشيطان يوم ا فيه أصغر، ولا أحقر ، ولا أدحر، ولا أغيظ منه في يوم عرفة ))، وذلك لما يرى من تنزل الرحمة وتج اوز الله عن الذنوب (4949)، ومسلم في القدر، باب: كيفية خلق الآدمي ، ح (2647.) 1 قطعة من حديث طويل، رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ، باب: يزفون ، ح (3364.)

عدد الصفحات ٤٤

45 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه العظام، ((إلاي ما رأى يوم بدر))، قيل: وما رأى يوم بدر ؟ قال: ((أ م ا إنه قد رأى جبُيل يقود الملائكة))؛ يعني: يرتبهم ويسويهم. وخت م الله آيات الحج بقوله: ﴿و ات يق وا اللَّي و اع ل م وا أ نيك م إِل ي هِ تح ش ر ون ﴾ [ 203]؛ أي: خذوا لأنفسِ كم وقاية من م وجبات سخطه وعقابه ، بالتزام أوامره ، وحفظ حدوده، والحرص على تصحيُ أعمالِ كم من كل م بطل لها، أو م نتقص لأجرها، أو لِ م ا يلب عليكم أوزار ا أو نقص أجور؛ بسبب م ن يقلدكم في أعمالكم، خصوص ا م ن هو في رفقتكم، ولا يعزب عن بالِ كم ذلك العرض الأكبُ على الله، فإني كم إليه تحشرون، ولا يخ فى عليه منكم خافية، فإياكم و التفريط، فض لا عن الخلل والتقصير، فإني ه لا ينفعكم أبد ا سوى التذرع بالتقوى في جميع أحوالكم. امن تقوى الله المكير ذكيها في احصج: أن يتابع الحاج سنة نبيه  فلا يعمل مناسِ كِ ه عملا لم يعمله في حجه من استلام غير الحجر الأسود والركن اليمانّ، فلا يتمسُ بجدار الكعبة ولا بشيء من كسوتا ، أو ع رى الحديد الذي يم سكها، ولا يتمسُ بمقام إبراهيم، فض لا عن الشباك الذي عليه، فإني أقدام محمد  أفضل من قدم إبراهيم، وقد حفظ الصي حابة في عهده مواضع صلي ى بها، فلم يتمسي حوا بموضع قدميه ولا آ ثارها، وهم أشد الناس حبً ا له، وكذلك لا يتمسُ بشيء من حجرته الشريفة، ولا يذهب إلى أي موقع لم يذهب له  ولا يدعو بدعاء مبتدع لم يدع به النب  ولم يرشد إليه، وما يزعمه الجهال والمغرضون من دعوى أمكنة ، كمسحب الكبش لإساعيل على الجبل الشرقي من منى، أو الغار الذي في جبل النور ونحوه، أو م بُك ناقة رسول الله - عليه الصلاة والسلام - في قباء، أو غير ذلك مما لم يرد به أثر عن النب  فكل هذا من البدع التي لم يعرفها أهل القرون المفضلة ولم يندب إليها الشارع، بل هي داخلة في قوله : ((من أح د ث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) )؛ متفق عليه1؛ أي: مردود عليه، غير مقبول منه، ولا مأجور فيه، ثم هي داخلة في قوله : ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي،سي كوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإني كل محدثة بدعة، وكل بدعة 1 من حديث عائشة - رضي الله عنها -: رواه البخاري في الصلُ ، باب: إذا اصطلحوا على.. . ح (2197)، ومسلم في الأقضية، باب: نقض الأحكام، ح 17 (1718.)

عدد الصفحات ٤٥

46 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه ضلالة))1، وفي نص آخر: ((وكل ضلالة في النار) ). وقد كتب علماء السنة في متلف العصور كتب ا في بيان البدع وبواعثها، والني هي عنها، فينبغي الحرص عليها، وقراءة ما فيها ؛ ليحذر القارئ من سلوك أي ِ بدعة تخل بالعقيدة أو تح بط العمل، فإني مِ ن أعظمِ أنواع التي قوى حرص المؤمن على م تابعة نبيه - عليه الصلاة والسلام - ورفض كل بدعة، ولهذا ند الله - سبحانه - يخ تم آياتِ الحج من هذه السورة بتذكير الحجاج بالحشر، ذلك الحشر الأكبُ إليه وحده بمناسبة الحشر الأصغر في الحج ؛ ليلتزموا التقوى غاية الالتزام ، وهما أمران ينبغي التنبيه عليهما. التزاد احصسي االمعنو : في قوله - تعالى -: ﴿و ت ز وي د وا﴾ أمر منه لعباده وللتزود الحسي والمعنوي، فأمرهم بهذه الآية بأن يتزوي دوا من الطي عام ما ي كفيهم في س فرِ هم؛ حتى لا يكون أحد منهم عالة على غيره، ولا يعذب نفسه وهو في سفر طاعة، فهو م ن هِ ي عن تج ويع نفسِ ه وتعذيبها في جميع الأزمنة والأمكنة والأحوال، فكيف في حال سفره إلى الحج وإقباله على رب ِ متكفل برزقه، ضامن له أن يخلف عليه ما أنفق؟ كما قال تعالى: ﴿و م ا مِن د ابية فيِ الأ ر ضِ إِلاي ع ل ى اللَّيِ رِز ق ه ا و ي ع ل م م س ت ق ريه ا و م س ت و د ع ه ا ك لٌّ فيِ كِت اب م بِين ﴾ [6]، وقال: ﴿و م ا أ ن ف ق ت م مِن ش ي ء ف ه و يخ لِف ه و ه و خ ير الريازِقِين ﴾ [39.] وقد قال بعض المف س ِ رين في قوله - تعالى -: ﴿و ت ز وي د وا﴾: إني الله أنزل هذه الآية ر د ع ا لأهل اليمن؛ لأ نهي م يتركون ال تزو د للسفر، زاعمين أني هذا من مقتضيات التوكل على الله، فروى البخاري 2 عن ابن عباس أني ه قال: "كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ، ويقولون: نحن متوكلون ، ثم يقدمون، فيسألون الناس"، فنزلت هذه الآية ، وعلى هذا فيكون المراد بالتقوى هنا اتقاء الله بترك الس ؤال، الذي فيه إذلال للحاج ببذل ماء وجهه، ولكن ظاهر الآية لا يقتضي أني الن زول كان لهذا السبب، فهناك أحاديث كثيرة في المنع من السؤال، وفيها تح ذير م يف رادع لمن يسأل دون حاجة. وهذه الآية معناها واضُ الدلالة على عموم التزو د الحسي كما أسلفناه، والتزود 1 رواه أبو داود ، ح (4607)، والترمذي، ح (2676)، وابن ماجه، (43)، و(44)، وأحمد 4/126- 127. 2 رواه البخاري الحج، باب: قوله - تعالى -: وتزودوا... ح (1523.)

عدد الصفحات ٤٦

47 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه المعنو ي من الأعمال الصالحة ببذل البُ والمعروف، والزيادة في أعمال الطاعات والقربات، كما يستفاد ذلك من التعليل في الآية نفسها بقوله - تعالى -: ﴿ف إِني خ ير الزيادِ الت يق و ى﴾ [ 197]، وهي التوق ِ ي من جميع ما يسخط الله باجتناب المنهيات، والتزو د من فعل الطاعات على اختلافها؛ إذ لا يصُ تعليل التقوى بأ نهي ا خير زاد، إلاي بمعنى التزو د من جميع م قتضيات التقوى ، ولا ش كي أن التقوى هي الزاد الصحيُ ، الذي يحصل صاحبه على السي عادتين في الد نيا والآخرة. فالتقوى زاد معنوي إذا اجتهد المسلم في تحصيله فاز بتحصيل الزاد الحسي، من سعة الرزق ، وتيسير الأمور، وتفريج الكربات، كما قال تعالى: ﴿و م ن ي تيقِ اللَّي ي ع ل ل ه م ر ج ا * و ي ر ز ق ه مِن ح ي ث لا يح ت سِب ﴾ [ 2.3]﴿و م ن ي تيقِ اللَّي ي ع ل ل ه مِن أ م رِهِ ي س ر ا ﴾ [ 4]﴿و م ن ي تيقِ اللَّي ي ك ف ِر ع ن ه س ي ِئ اتِهِ و ي ع ظِم ل ه أ ج ر ا ﴾ [ 5.] قوله- سبحانه -: ﴿و ت ز ويد وا ف إِني خ ير الزيادِ الت يق و ى ﴾ [ 197]، فيه أمر مزدوج من الله لعباده بالتو ق ِ ي مما يضرهم في الد نيا والآخرة، وذلك أني الإنسان له سفران: سفر في الدنيا، وسفر من الد نيا إلى الآخرة، وكل سفر منهما له زاد ضروري، فسفر الدنيا زاده الطعام والشراب والمركب والمال الاحتياطي، والحصول عليه يخلص الإنسان من شرور قصيرة، وب ؤس قد يتلافاه إذا قصر فيه، أو يح ظى بمن ي سعفه، ولكني الزاد الخط ير هو زاد السفر من الد نيا إلى الآخرة، وهو زاد التقوى، فهذا لا ب دي من تحصيله؛ لأ ني في الحصول عليه خلاص ا من عذاب أليم، وشرور دائمة متيقنة، وبؤس مطبق لا ينقطع، ومن قصر في تحصيل هذا الزاد تحقق شقاؤه ؛ لعدم قدرته على الاستدراك ، وعدم تحصيله لأي ِ مسعف، كما قال تعالى: ﴿و ات يق وا ي و م ا لا تج زِي ن ف س ع ن ن ف س ش ي ئ ا و لا ي ق ب ل مِن ه ا ش ف اع ة و لا ي ؤ خ ذ مِن ه ا ع د ل و لا ه م ي ن ص ر ون ﴾ [48]، فلهذا وجه الله النداء لأولي الألباب ؛ كي يتزودوا لسفر الآخرة. ذكي الله في احصج: في قو له - سبحانه -: ﴿و اذ ك ر وه ك م ا ه د اك م و إِن ك ن ت م مِن ق ب لِهِ ل مِن الضيال ِين ﴾ [198]- سبحانه- للأمر بذكره ؛ ليحصل الاهتمام الصحيُ من عباده بذكره وعدم الغفلة، فإني ه في أول الآية نصي على ذكره دون مبُر على ذكر المبيت ؛ لأن ذكر الله عند المشعر الحرام يستلزم المبيت والوقوف، أمي ا التنصيص على المبيت، فقد ي كت فى بفعله دون الذكر، فمنصوص الآية الكريمة يد ل على الاهتمام بالذكر الناشئ عن ح ب صحيُ

عدد الصفحات ٤٧

48 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه وشكر صريُ ؛ ولذا ختم الآية بتكرارِ الأمر بذكره م عللا سببه بقوله - تعالى -: ﴿و اذ ك ر وه ك م ا ه د اك م ﴾ [: 198]؛ يعني: اذكروه ذكر ا حسن ا، اذكروه ذكر المحب لحبيبه؛ لأ ني ه أعلى وأغلى حبيب للمؤمنين، اذكروه ذكر الشاكرين له على أعظم نِ ع مة، وأكبُ منحة ومنة، ألا وهي نعمة الهداية التي طهرت قلوبكم من الش ِ رك، وحررتا من رِ ق ِ الأصنام الصامتة والناطقة، ووجهتها إلى ما يسعدها، تلك الهداية التي تؤهلكم للجهاد والقيادة العالمية، تلك الهداية التي تنجيكم من السكر المعنوي، والسفه المطبق، والرق المعنوي المسيطر على كل ِ م ن لم يحظ بهذه الهداية؛ ولهذا قال - سبحانه -: ﴿و إِن ك ن ت م مِن ق ب لِهِ ل مِن الضيال ِين ﴾ [: 198]؛ يعني: وقد كنتم من قبل هذه الهداية من الضالين، أو المعنى: وما كنتم من قبله إلاي ضالين، ف "إن" هنا تكون بمعنى "ما" أو بمعنى "قد". ولا ش كي أنهي م قبل هداية هذا الوحي المبارك من الضالين، سواء في أصول الدين، كتوحيد الله والكفر والطاعات، أم في فروع الدين كأحكام الحج وغيره، فإني الضلال كان شاملا لجميع نواحي الحياة، وإنعام الله عليهم بالهداية إنعام ا شاملا لهدايتهم في جميع شؤون الحياة. ولهذا ن د الله كثير ا ما يوصينا بذكره وتكبيره في كثير من تشريعات دينه ، كما في الصيام، وذبُ الهدايا والضحايا، وغير ذلك، فكأني ه - تعالى - يقول: لقد أمرتكم بذكري ؛ لتكونوا شاكرين لهذه الن ِ عمة. وقد تكلم العلماء على النكتة في تكرير الأمر بالذ ِ كر؛ حيث قال أالً : ﴿ف اذ ك ر وا اللَّي عِن د ال م ش ع رِ الح ر امِ ﴾ [198]، ثم قال: ﴿و اذ ك ر وه ك م ا ه د اك م ﴾ [: 198]، فقالوا: أالً : إني الذكر في كلام العرب على ضربين: ذكر بالقلب عن الغفلة والنسيان، وذكر بالنطق باللسان بهما يحصل كمال العبودية، إذا اقترن ذلك بالحب والتعظيم؛ لأ ني ه ذكر متكامل ينهى عن الفحشاء والمنكر، كما قال - سبحانه -: ﴿و ل ذِك ر اللَّيِ أ ك بُ ﴾ [: 45]. ثانيًا إن المراد مواصلة الذكر كأنه يقول لهم: اذكروا الله ذكر ا بعد ذكر. ثالثها: أني ه أمرنا بذكره عند المشعر الحرام إشارة إلى القيام بوظائف الشريعة ، ثم ي قال بعده: ﴿و اذ ك ر وه ك م ا ه د اك م ﴾ [لبقرة : 198]؛ يعني أني هذا الذ ِ كر الثانّ يقربكم من مراتب الحقيقة لاستغراق قلوبكم في ذكره، تشرق عليكم أنواره المعنوية التي تكتسبون بها

عدد الصفحات ٤٨