المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحج أحكامه

عبدالرحمن الدوسري

صفحة ٢ من ٥

17 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه ينبهك على كونه مبارك ا؛ انتهى كلامهما بتصرف قليل جدً ا في آخره . و أقول: إن كان المقصود بالأنوار أنوار العبادة الناشئة مِ ن ح ب ِ الله - تعالى - والإخلاص له، وما يسري في ذلك من البُكة بإذن الله، فهو كلام جميل، والله من وراء القصد. فوائدي: أالها: لمكة أساء كثيرة م شهورة في ك ت ب التاريخ، خصوص ا ما يخ تص بمكة، فلا نطيل في ذكرها. ثانيها: اشتقاق مكة فيه خلاف، فقيل: إنهي ا تمك الذنوب؛ أي: تزيلها، وتم تصها، وقيل: س يت بذلك لاجتلابها الناس من ك ل ِ جانب من جوانب الأرض، فهي تج تلب الصالحين، كما يمك الفصيل ما في الضرع من اللبن، وكما يم ك الإنسان العظم لاستخراج المخ، وقيل: لأنهي ا تمك الفاجر والكافر، وتستخرجه منها، وفي هذا يقول شاعرهم: يا م كي ة ال ف اجِ ر م ك ِ ي م كً ا = و لا تم ك ِ ي م ذ حِ ج ا و ع كي ا ثالثها: للكعبة المشرفة أساء كثيرة، فهي البيت الحرام ، وس ِ يت كعبة ؛ لشرفها وارتفاعها، ومن أشهر أسائها البيت العتيق، وتسميت ه لأسباب عديدة، منها: أني ه أقدم بيوت الأرض، وأني الله أعتقه من الغرق، وأني الله أهلك كلي م ن أراد تخ ريبه، وأني الله أعتقه من أن يكون ملك ا لأحد من الناس، وأن الله يعتق من زاره من النار، إذا لم يفس د شيء من نِ يي تِ ه أو أعماله. رابعها: وأمي ا قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿و م ن د خ ل ه ك ان آمِن ا﴾ [97] فإن هذا من آيات الله البينات في هذه البقعة الطاهرة ، أني م ن دخلها حصل على الأمان مما يهيجه، وهذا إخبار من الله - سبحانه - عما كان معروف ا في الجاهلية، فقد كان أحد هم يلقى قاتل أبيه أو أخيه في الحرم ، فلا يهيجه ولا يم س ه بسوء1، وكان عبدالله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - يقول: "لو وجدت فيه قاتل عمر ما ندهته "2. وقال بعض أهل المعانّ: صورة الآية خبُ، ومعناها أمر، فتقديرها: ومن دخله فأم ِنوه 1 عن عمر بن الخطاب قال "لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه" ؛ أخرجه عبدالرزاق (9228) عن عمر، وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر والأزرقي ؛ راجع الدر المنثور ( 2/270.) 2 قول ابن عمر أخرجه عبدالرزاق 9229.)

عدد الصفحات ١٧

18 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه كقوله - تعالى -: ﴿ف لا ر ف ث و لا ف س وق و لا جِد ال فيِ الح ج ِ ﴾ [ 197]؛ أي: لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا. فأوجب الله الأمن لِ م ن دخله، ور وِ ي ذلك عن جماعة من السلف؛ منهم ابن عباس1، وقال ابن العربي المالكي: وكل من قال هذا ، فقد وهم من جهتين: 1 - أنه لم يفهم من الآية أنيه خبُ عما مضى، ولم يقصد بها إثبات حكم مستقبل. 2 - أنه لم يعلم أن ذلك الأمن قد ذهب، وأني القتل والقتال قد وقع بعد ذلك فيها، وخبُ الله لا يقع بخلاف م بُه، فدلي ذلك على أني ه كان في الماضي، وكلامه لا يعول عليه في جميع النواحي، فمن خصوصياتِ ه وآياته أن جعله الله حر م ا آمن ا، منذ عهد إبراهيم، حتى عهد الجاهلية الذي انحرف أهله والناس عن التوحيد وملة إبراهيم، قال الحسن البصري 2 وغيره "كان الرجل يقتل ، فيضع في عنقه صوفة، فيدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول ، فلا يهيجه حتى يخرج، وهذا من تكريم الله لهذا الحرم ". وقد قال سبحانه: ﴿ف ل ي ع ب د وا ر بي ه ذ ا ال ب ي تِ * اليذِي أ ط ع م ه م مِن ج وع و آم ن ه م مِن خ و ف ﴾ [3 - 4] ﴿أ و لم ي ر و ا أ ناي ج ع ل ن ا ح ر م ا آمِن ا و ي ت خ طيف النياس مِن ح و لهِِم ﴾ [67]، وفي ذلك آيات أخرى، وهي تقتضي الخبُ وا مر، وما جرى من الإخلال بالقتال، فهو فسوق وإخلال بأمر الله. وقد ثبت في الصي حيحين3 عن ابن عباس- رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله  يوم فتُ مكة((إني الله ح ري م مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يومِ القيامة، وإنهي ا لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي ، ولم تحلل لي قط إلا ساعة من الدهر، لا ي ع ض د شوك ها، ولا ي ن في ر ص يد ها، ولا يخ ت ل ى خ لا ها، ولا تحل لقطتها إلاي لمنشد)) الذي هو أحق من كلام ابن العربي وأولى بالقبول والا تباع. ول مي ا أخبُ أبو سفيان النب  بقول سعد بن عبادة حا مل لواء الأنصار: اليوم يوم الملحمة اليوم يوم تستحل فيه الكعبة، قال : ((كذ ب سعد، ولكن هذا 1 راجع تفسير ابن كثير في تفسير الآية 97 من سورة آل عمران 1/603،604. 2 المرجع السابق ، ج1 ص602. 3 أخرجه البخاري "المغازي " باب: من شهد الفتُ، ح (4313)، وفي مواضع أخرى ومسلم في الحج ، باب: تحريم مكة... رقم ( 1353.)

عدد الصفحات ١٨

19 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة))1، وقد أعلن إعلانه المشهور: ((من أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان، فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام ، فهو آمن))، كما هو مذكور في كتب السيرة، وم ن احتج بإباحتها لرسول الله  على دوام إباحتها، فهو غالط أو مغالط؛ لأنهي ا أحلت له ساعة من نهار فقط؛ لتطهيرها من الشرك، ولم تحل لأحد قبله ولا بعده. وقد عقد الإمام ابن القيم فصو لا بديعة في معانّ خطبته  يوم الفتُ، نقتطف المهمي منها للاختصار، وقال منها قوله : ((إني م كي ة حرمها الله ولم يحرمها الناس ))2، فهذا تحر شرعي قدري سبق به قدره يوم خلق هذا العالم، ثم ظهر به على لسان خليله إبراهيم ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهما - كما في الصحيحين عنه قال: ((إني إبراهيم حرم م كة ودعا لها، وحرمت المدينة ودعوت لها ))3، فهذا إخبار عن ظهور التحريم السابق يوم خلق السمواتِ الأرض، ومنها قوله عن مكة: ((فلا يحل لأحد أن يسفك بها دم ا)). وهذا التحريم لسفك الدم المختص بها، وهو الذي يباح في غيرها، ويحرم فيها لكونهِ ا حرم ا، وهذا أنواع: أحديها: وهو الذي ساقه أبو شريُ العدوي لأجله أني الطائفة الممتنعة بها من مبايعة الإمام لا تقاتل، لا سيما إذا كان لها تأويل، كما امتنع أهل مكة من مبايعة يزيد، وبايعوا ابن الزبير، فلم يكن قتالهم ونصب المنجنيق عليهم وإحلال حرم الله جائز ا، بل غير جائز، وإنّي ا خالف عمرو بن سعيد وشيعته، وعارض نصي رسول الله  برأيه، لمي ا شطحت به الأهواء السياسية، فقد روى الشيخان 4 عن أبي شريُ العدوي أنيه قال لعمرو بن سعيد، وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي يا أمير أن أحدثك حديث ا، قال به رسول الله  الغد من يوم الفتُ، سعته أذناي، ووعاه قلب، وأبصرته عيناي حين تكلم به، أنه حمد الله، وأثنى 1 أخرجه البخاري في المغازي ، باب: أين ركز النب الراية يوم الفتُ، ح (4280.) 2 قطعة من حديث، وسيأتي بتمامه، رواه البخاري في العلم ، باب: ليبلغ الشاهد الغائب، ح (104)، ومسلم في الحج، باب تحريم مكة... ح (1354.) 3 متفق عليه، رواه البخاري في البيوع باب: بركة صاع النب ح (2129)، ومسلم في الحج، باب: فضل المدينة... ح (1360.) 4 تقدم تخريه هامش1.)

عدد الصفحات ١٩

20 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه عليه ثم قال: ((إني مكة حرمها الله، ولم يح رمها الناس، فلا يح ِ ل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بهِ ا دم ا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله  فيها، فقولوا له: إن الله أذن لنبيه، ولم يَذن لكم، وإنّي ا أذن لي ساعة من نه ار وعادت حرمتها اليوم، كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب ))، فقيل لأبي شريُ: ما قال لك ؟ قال: "أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريُ، إني الحرم لا ي عيذ عاصي ا ولا فارً ا بخربة )). والخربة: السرقة ؛ قال ابن القيم: "فقد عارض النص النبوي برأيه وهواه "، فقال: "إن الحرم لا يعيذ عاصي ا"، فقال: هو لا يعيذ عاصي ا من عذاب الله، ولو لم يعذه من سفكِ دمه لم يكن حرم ا بالنسبة إلى الآدمِ ي ِ ين، وكان حرم ا بالنسبة إلى الطير والحيوان والبهيم، وهو لم يزل يعيذ الع صاة من عهد إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - وقام الإسلام على ذلك، وإنّي ا لم يعذ طواغيت الكفر (مقيس بن صبابة) و(ابن خطل)، ومن س ي معهما ؛ لأني ه في تلك الساعة لم يكن حرم ا، بل حِ لاً للحرب المباح لرسول الله  لتطهير مكة من الشرك، فلما انقضت ساعة الحرب عاد إلى حرمته، كوضعه يوم خلق الله السموات والأرض. وقد علم النب  أني من الأ مي ة م ن يزع م التأسي به في استحلال الحرم، فقطع الإلحاق، فقال لأصحابه: ((فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ، ولم يَذن لك))؛ انتهت مقتطفاتي من كلام ابن القيم . وأمي ا ما جرى من عا مل يزيد - قبحه الله - فهو من الشذوذ السياسي، وقد عاقبهما الله جميع ا، وأمي ا عمرو بن سعيد فكذلك عاقبه الله بابن عمه عبدالملك الذي فعل من أجله ذلك وقتله قتلة الذل و العار. قال صاحب "المنار": "وأمي ا فعل الحجاج بن يوسف الثقفي - أخزاه الله - فقد قال الأستاذ الإمام: إنه من الشذوذ الذي لا ينافي الات ِ فاق على احترام البيت ، وتعظيمه ، وتأمين م ن دخله، وهذا الجواب مبني على أن أمن من دخل البيت ليس معناه أني البشر يعجزون عن الإيقاع به عجز ا طبيعيً ا على سبيل خرق العادة، وإنّي ا معناه أني ه - تعالى - ألهمهم احترامه لاع تقادهم نسبته إليه - عزي وجلي - وحريم الإلحاد والاعتداء فيه، ولم يكن الحجاج وجنده يعتقدون حلي ما فعلوا من رمي الكعبة بالمنجنيق، ولكني ها السياسة تحمل صاحبها على م الفة الاعتقاد ، وتوقعه في الظلم والإلحاد ، وإن ما يفعل الآن في الحرم - يعني: في عهد الأشراف - من الظ لم و الإلحاد المستمر لم يسبق له نظير في جاهلية ولا إسلام، ولا

عدد الصفحات ٢٠

21 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه ضرورة م لجِ ئة إليه، وإنّي ا هي السياسة السيئة قضت بتنفير الناس من أمراء مكة وشرفائها، وإبعاد عقلاء المسلمين منها". إلى أن قال: "وقد كان الأستاذ الإمام يعتقد اعتقاد ا جازم ا فيه أني ه إذا حج يلقي بيديه إلى التهلكة، وأني ه لا أمان له في الحرم، الذي كان الجاهلي فيه يرى قاتل أبيه، فلا يعرض له بسوء، وإن كاتب هذه السطور محمد رشيد، صاحب "المنار"، يعتقد مثل هذا الاعتقاد، فنسأل الله - تعالى - أن يحقق لنا ثانية مضمون قوله: ﴿و م ن د خ ل ه ك ان آمِن ا﴾ [97]؛ انتهى كلامهما. خامسها: (فائدية مهمة): إقامة الحد في الحر م على نوعين: أحديهما: من ع مِل ما يوجب الحد؛ من قتل أو زنا ، أو سرقة أو رِ دي ة عن الإسلام بسائر أنواعها، فهذا يقام عليه الحد؛ لعدم احترامه للحرم، وعدم مبالاته بحرماته، هذا عل ى أصُ ِ الأقوال عند أكثر جمهور المذاهب. وأمي ا م ن أصاب حدً ا خارج الحرم ، ثم التجأ إلى الحرم، فبعضهم قال: يقام عليه الحد، وبعضهم قال: لا يقام ما دام فيه، ولكنه يخ ر ج بالمقاطعة العامة، فلا يخ اطب ولا ي عامل حتى يضطر إلى الخر و ج. وروى الإمام أحمد بسنده الصحي ُ1 عن ابن عباس، قال "م ن سرق أو قتل في الحل، ثم دخل الحرم، فإني ه لا ي الس، ولا ي كلم، ولا يؤوى حتى يخرج، فيقام عليه الحد، وإن قتل أو سرق في الحرم ، أقيم عليه الحد في الحرم، وقد أمر الله - سبحانه - بقتل م ن قاتل في الحرم فقال: ﴿و لا ت ق اتِل وه م عِن د ال م س جِدِ الح ر امِ ح تىي ي ق اتِل وك م فِيهِ ف إِن ق ات ل وك م ف اق ت ل وه م ﴾ [191]بين اللاجئ والمنتهك فيه من عدة وجوه أحديها: أن الجانّ فيه هاتك لحرمته بإقدامه على الجناية فيه ، بخلاف الجانّ خارِ جه إذا جنى، ثم لجأ إليه، فهو معظم لحرمته ، مستشعر لها بالتجائه إليه، فقياس أحدهما على الآخر باطل. الثاني: أن الجانّ فيه بمنزلة المفسد الجانّ على بساط الملك في داره وحرمه، بخلاف 1 لم أقف عليه عند أحمد، وإنّيا عزاه السيوطي في "الدر المنثور " (2/271)، لابن المنذر والأزرقي عن طاوس عن ابن عباس.

عدد الصفحات ٢١

22 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه م ن جنى خارجه، ثم لجأ إليه، فإني ه بمنزلة من جنى خارج بساط الملك وحرمه، ثم لجأ إلى حرم الملك م ستجير ا. الثالث: أني ه لو لم تقم الحدود في الحرم على الجناة ، لع مي الفساد في حرم الله، فإني أهل الحرم في حاجة إلى صيانة نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، ولو لم يشرع الحد في حق مرتكب الجرائم في الحرم ، لتع طي لت حدود الله، وعم الهول الحرم وأهله ؛ (انتهى باختصار وتصرف ).

عدد الصفحات ٢٢

23 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه مقام إبياهيم قال الله - سبحانه -: ﴿فِيهِ آيا ت ب ي ِن ات م ق ام إِب ر اهِيم ﴾ [ 97] فهذه الآيات هي موضع قدميه الشريفتين اللتين ساختا في الصخرة يوم كان يرتفع عليها حين ارتفاع البناء، وقد كان موضع أصابعه، وأخمص ا قدميه واضحتين، نقل ذلك الأوائل عمي ن رآها، كابن عقيل وغيره، وقال: "فما زالت جهلة الأمة تمسحه حتى اخلولق، وقد خ شِ ي عليه بعض الحكي ام، خصوص ا بعد تصد ع ج رى في الصخرة". وذكر صاحب "الأعلاق النفيسة" أحمد بن عمر بن رسته: "إن ذرع المقام ذراع، والمقام مربع، سعة أعلاه أربعة عشر أصبع ا، في أربعة عشر أصبع ا، ومن أسفله مثل ذلك، في طرفيه من أعلاه وأسفله فيما مضى طوقان من ذهب، وما بين الطوقين من حجر المقام بارز لا ذهب عليه من نواحيه، كلها تسعة أصابع عرض ا، في عشرة أصابع طو لا ، وذلك قبل أن يعل عليه هذا الذي هب الذي هو عليه اليوم، من عمل المتوك ل على الله، وعرض حجر المقام من نواحيه إحدى وعشرون أصبع ا، وسطه مربع، والقدمان داخلتان في الحجر سبعة أصابع، ودخولهما منحرفتان، وبين القدمين من الحجر أصبعان، ووسطه قد استدق من التمس ُ به فيما مضى، والمقام في حوض من ساج مربع، حوله رصاص، وعلى الحوض صفائُ رصا ص مليس بها"؛ انتهى المقصود من نقله. وقد قاسه من علماء العصر بالحجاز بالمقاس الحديث - السنتيمتر - الشيخ محمد طاهر بن عبدالقادر الكردي، الخطاط بالمعارف العامة بمكة، فقد قال في كتابه المسمى "مقام إبراهيم ": وأما حجم المقام الكريم فهو يشبه المكعب، ارتفاعه عشرون سنتيمتر ا، وطول كل ضلع من أضلاعه الثلاثة من جهة سطحه ستة وثلاثون سنتيمتر ا، وطول ضلعه الرابع ثمانية وثلاثون سنتيمتر ا، فيكون مقدار مح يطه من جهة القاعدة نحو مائة وخمسين سنتيمتر ا، وفي هذا الحجر الشريف غاصت قدما خليل الله - تعالى - سيدنا إبراهيم مقدار ا كبير ا إلى نصف ارتفاع الحجر، فعمق إحدى القدمين عشرة سنتيمترات، وعمق الثانية تسعة سنتيمترات، ولم نشاهد أثر أصابع القدمين م طلق ا، فقد انّحى من طول الزي من، ومسُ الناس بأيديهم، وأمي ا موضع العقبين، فلا يتضُ إلا لمن دقي ق النظر والتأمل. وحافة القدمين الملبستين بالفضة أوسع من بطنهما، من كثرة مسُ الناس بأيديهم، وطول كل واحدة من القدمين من سطُ الحجر والفضة سبعة وعشرون سنتيمتر ا، وعرض كل واحدة منها أربعة عشر سنتيمتر ا، أمي ا قياسهما من باطن القدمين، من أسفل الفضة

عدد الصفحات ٢٣

24 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه النازلة فيهما، فطول كل ِ واحدة منها اثنان وعشرون سنتيمتر ا، وعرض كل واحدة منهما أحد عشر سنتيمتر ا. وما بين القدمين فاصل مستدق نحو سنتيمتر واحد، وقد استدق هذا الفاصل مِ ن أثر مسُ الناس له بأيديهم للتبُ ك، وكذلك اتي سع طول القدمين وعرضهما من أعلاهما ؛ بسبب المسُ أيض ا، ومع أني ه قد مر على حجر المقام أكثر من أربعة آلاف سنة، فإن معالمه وهيئة القدمين واضحة بينة، لم تتغير ولم تتبدل، وتبقى كذلك إلى يوم القيامة؛ مصداق ا لقوله - تعالى -: ﴿فِيهِ آيا ت ب ي ِن ات م ق ام إِب ر اهِيم ﴾ [ 97]؛ انتهى المقصود مما نحن بصدده. وقد اعترف كغيره بانّحاء أكثر الآثار الهامي ة من المسُ "تمسُ المخر ِ فين" الذين ي شريع لهم من الدين ما لم يَذن به الله، وقد حدثني شيخ سلفي تقي مأمون بخبُ مؤسف من أخبار الانتهازيين الماديين المنحرفين، هو أني ه في العهد الذي قبل العهد السعودي، كان بعض المشرفين المتصرفين في المقام وغيره يضع الماء - ماء زمرم - في موضع القدمين، ويبيع (الطاسة الصغيرة الكندي ِ الثقيلة ) بريال فضة، فكانت الطاسة تحك بالحجر أحيانا ، وموضع الحك بها قد يشاهده من أمعن النظر فيه. قال: وقد رأيت ذلك الإناء بعيني مربوط ا بسلسلة في شباك الحجر، والله أعلم بما يصنعون، نعوذ بالله من ج رم بلا عمل، ولكن الذي يؤسف له هو ضياع أكثرِ الأثر الثمين، الذي وصفه الله بأنه ﴿آيا ت ب ي ِن ات ﴾ في سبيل المعتقدات الفاسدة والانتهازات، وكل هذا مِن ضعف التوحيد الذي جعلهم يفعلون ما لا ي ؤمرون، ويرجحون مرادات أنفسهم على م راداتِ ربه ِ م العزيز الجبار الواحد القهار، ولكني ه - سبحانه - غالب على أمره، فقد سخر الدولة السعودية الحاكمة لمقدسات الإسلام في هذا العصر لكشفه وإبرازه ؛ لتظهر آيات الله البينات. فهذه الآية البينة لم تكن لغير آلِ البيت الحرام، وهي من الشواهد الأث رية على بناء إبراهيم، ومن بناه ، فهو أحق بالاستقبال من غيره، وقد ذكرت ضبط مقاساته ؛ خدمة للمسلمين. وهذا الحجر الأثري كان موقعه ملصق ا بجدار الكعبة عن يمين الباب، فقد روى البيهقي في سننه أني المقام في زمن النب  وزمن أبي بكر كان ملصقا بالبيت، حتى أخره عمر بن الخطاب، وذكر ابن حجر العسقلانّ في "الفتُ" أني المقام كان في عهد إبراهيم -

عدد الصفحات ٢٤

25 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه عليه السيلام - لزق البيت، إلى أن أخي ره عمر إلى المكان الذي هو فيه الآن، وذكر ابن كثير في تفسير قوله - تعالى -: ﴿و اتخيِذ وا مِن م ق امِ إِب ر اهِيم م ص لًى﴾ [البقرة 125] وقد كان هذا المقام ملصق ا بجدار الكعبة قديم ا، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحِجر - بكسر الحاء - يم نة الداخل من الباب، في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل - عليه السيلام - لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة، أو أني ه انتهى عنده البناء، فتركه هناك، ولهذ ا - والله أعلم - أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم ؛ حيث انتهى بناء الكعبة فيه، وإنّي ا أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب للضي رورة، وهو أحد الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدين، الذين أمرنا بات ِ باعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله (( :اقتدوا بالليذ ي نِ من بعدي أبي بكر وعمر ))1، ولهذا لم ينكر أحد من الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين. وقد ذكر في تفسير الآية: ﴿إِني اللَّي يَ م ر ك م أ ن ت ؤ د وا الأ م انا تِ إِلى أ ه لِه ا ﴾ [النساء 58]أخذ رسول  مفتاح الكعبة، ودخولها، وطمس التماثيل، أنيه أخرج مقام إبراهيم، وكان في الكعبة، فألزقه في حائطها، ثم قال: ((أي ها الناس، هذه القبلة))... إلى آخر كلامه في تفسير هذه الآية، فليراجعه طالب المزيد، فإن ه متصر جدً ا. وقد حصل خلاف هذه السنوات في تحويل المقام عن مكانه إلى ما ي عادله من الشرق ؛ بسبب الضيق والازدحام، وقد أفتى أكثر العلماء بجوازه للضي رورة، التي هي أشد من الضرورة التي حدت بأمير المؤمنين إلى تحويله، وقد أبدوا تعليلات كافية مقنعة لكل منصف، ولكن حصلت معارضة في وقت كانت السماء كثيفة بالغيوم، فتوقف التنفيذ إلى تحريك جديد، نرجو من الله تعجيله، ما دامت السماء صحو ا. والمقصود أني هذا الوحي المبارك أفحم اليهود، ودمغهم بالحقائق التاريخية التي يتجاهلونها؛ لتشكيك المسلمين ، وبلبلة خواطرهم في معركتهم الجدلية الخبيثة الأهداف، والذين جعلوا من تحوي ل القبلة محور ا لجدلهم يبدؤ ون فيها ويعيدون، زاعمين أنهي م ورثة إبراهيم، وأني القدس هي قبلة الأنبياء أجمعين، فدحض الله شبهاتِ م بأمور لا يهلونها، بل حتى عرب الجاهلية يعرفونها كابر ا عن كابر، وهي القداسة العظيمة والفضل الكبير للكعبة البيت الحرام ، التي فيها آيات بينات في غاية الظهور، (إحداها): مقام إبراهيم الذي يعرفه حتى الجاهليون، 1 رواه الترمذي، وراجع "صحيُ الجامع"، ح (1142.)

عدد الصفحات ٢٥

26 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه ويحترمونه، حتى إنهي م جعلوه داخل الكعبة، ويقول فيه أبو طالب: و م و طِ ئ إِ ب ر اهِ يم فيِ الصي خ رِ ر ط ب ة = ع ل ى ق د م ي هِ ح افِ ي ا غ ير نا عِ لِ فالقرآن الكريم يلمس اليهود حق يقة الأمر بطريقة حِ س ِ ية لا تقبل الجدل والمراوغة، ويَمر محمد ا - عليه الصلاة والسلام - أن يصارحهم: ﴿ق ل ص د ق اللَّي ف اتيبِع وا مِلية إِب ر اهِيم ح نِيف ا و م ا ك ان مِن ال م ش رِكِين * إِني أ ويل ب ي ت و ضِع لِلنياسِ ل ليذِي بِب كية م ب ار ك ا و ه د ى لِل ع ال مِين * فِيهِ آيا ت ب ي ِن ات م ق ام إِب ر اهِيم و م ن د خ ل ه ك ان آمِن ا﴾ [96 - 97] هذه الآيات البينات العظيمة الظاهرة المحسوسة تدم على حقيقة دين إبراهيم، وأني ه الميل عن كل شرك وهوى، وقد جرى تأكيد هذه الحق يقة مرار ا، وأوضحت هذه الآيات أني الاتجاه إلى الكعبة هو الأصل الأصيل؛ لكونهِ ا أول بيت وضع للناس قبل بيت المقدس، فلم يبق عند اليهود إلا العناد والاستكبار عن الحق، واستبداله بالباطل كما هي عادتم.

عدد الصفحات ٢٦

27 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه أحكام احصج تعيدف احصج: و الحج في أصل اللغة: القصد، سواء بكسر الحاء - لغة أهل ند - أو فتحها - لغة الحجاز - وكلاهما لغتان معروفتان للعرب. قال ابن جرير: ولم ن ر أحد ا من أهل العربية ادعى فرق ا بينهما في معنى ولا غيره، إلا ما حدثنا به أبو هشام الرفاعي قال: قال حسين الجعفي: "الحج بالفتُ اسم، وبالكسر عمل، وهذا قول أراه عند أهل اللغة". اجوب احصج: قال تعالى: ﴿و للَِّيِ ع ل ى النياسِ حِج ال ب ي تِ م نِ اس ت ط اع إِل ي هِ س بِي لا و م ن ك ف ر ف إِني اللَّي غ نيٌِّ ع نِ ال ع ال مِين ﴾ [آل عمران 97]. ذكر الله الحج بأبلغِ ألفاظ الوجوب وأعظمها وأشدها حتمية ؛ حيث أتى بلام الإلزام، ثم أكده بقوله "على" التي هي من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب ، وفي هذا بيان لحِ ق ِ ه، وتعظيم لحرمته، وتوكيد لفرضيته، فإنه أحد قواعد الإسلام وأركانه. وفي هذه الآية دحض لشبهات أهل الكتاب، فإنهي م لا يحجون، ولا يعترفون بالحج الذي لم يتركه أحد حتى الكف ار في الجاهلية، مما يثبت أنهي م أقرب صلة منهم بإبراهيم على شركهم الفظيع. وقوله - سبحانه -: ﴿م نِ اس ت ط اع إِل ي هِ س بِيلا ﴾ [97]. الاستطاعة القدرة على السير بوجود المؤونة ، وتوفر الصحة والأمن، وعدم الخوف، وهذا يختلف باختلاف الناس كل على حسبه. وقد وردت آثار كثيرة في أني الاستطاعة الزاد والراحلة، ولكني ها ليست صحيحة، وقد ضعفها ابن جرير، وصحُ نحو ما قلناه، وفي هذا الجزء من الآية مسائل: 1 - دل الكتاب والسنة على أني الحج ي ِ ب على التراخي لا على الفور، وهذا هو الصحيُ من أقوال العلماء؛ لأني الآية نزلت بالمدينة عام "أحد" سنة ثلاث من الهجرة، ولم يحج النب  إلاي سنة عشر. 2 - وجوب الحج على جميع الناس إلاي م ن لم يشملهم التكليف، ومن ترك الحج مع القدرة ، فإني ه يم وت يهودياً أو نصرانيً ا. فقد روى ابن جرير بسنده إلى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: قال

عدد الصفحات ٢٧

28 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه رسول الله : ((من ملك زاد ا وراحلة ، فلم يحج، مات يهودياً أو نصرانيً ا))1، وذلك أني الله يقول في كتابه: ﴿و للَِّيِ ع ل ى النياسِ حِج ال ب ي تِ م نِ اس ت ط اع إِل ي هِ س بِي لا و م ن ك ف ر ف إِني اللَّي غ نيٌِّ ع نِ ال ع ال مِين ﴾ [آل عمران : 97]. وفي قوله- تعالى -: ﴿ومن كفر﴾ مكان: ﴿ومن لم يحج﴾ تغليظ في حق تارك الحج، ثم ذكر - سبحانه - استغناء ه عن العالمين، وذلك مما يدل على المقتِ والسخط والخذلان لتارك الحج ، فإن كان الله غنيً ا عن كل العالمين، فإني ه غ نيٌِّ عن ذلك الإنسان وطاعته. روى مسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: "خطبنا رسول الله  فقال((يا أيها الناس، إني الله قد فرض عليكم الحجي فحجوا ))، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا ، ثم قال رسول الله : ((لو قلت: نعم، لوجبت ، ولما استطعتم))، ثم قال: ((ذرونّ ما تركت كم، فإنّي ا أهلك م ن كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه))2. وروى الترمذي عن عبدالله بن عمر قال: جاء رجل إلى النب  فقال: ما يوجب الحج؟ فقال: ((الزاد والراحلة ))3. وعن أبي رزين العقيلي أني النب  أتاه رجل، فقال: إني أبي شيخ كبير ، لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن ، فقال: ((حج عن أبيك واعتمر ))؛ رواه الخمسة وصححه الترمذي4. وروى الإمام أحمد عن ابن عباس عن النب  قال((تعجلوا بالحج - يعني الفريضة 1 راجع"تفسير الطبُي"، برقم ( 7489)، والحديث أخرجه الترمذي في أبواب الحج ، باب: ما جاء في إياب الحج رقم ( 812)، والبيهقي "شعب الإيمان "، رقم ( 3692) إسناده ضعيف ، انظر: النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة (1/91)، (رقم 71)، والإرواء4/162-167.) 2 أخرجه مسلم في الحج باب: فرض الحج مرة في العمر ، رقم ( 1337)، والنسائي"مناسك الحج" باب وجوب الحج ، (5/110.) 3 أخرجه الترمذي في الحج ، باب: ما جاء في إياب الحج وحسنه ، رقم ( 813) و2998)، وابن ماجه، رقم (2896)، وفيه إبراهيم بن يزيد المكي متروك؛ انظر: "إرواء الغليل"، (4/162-167.) 4 أخرجه أبو داود "المناسك" باب: الرجل يحج عن غيره ، رقم ( 1810)، والترمذي، رقم ( 930)، والنسائي (5/117)، وابن ماجه، رقم ( 2906)،و أحمد (4/10،11،12.)

عدد الصفحات ٢٨

29 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه - فإن أحد كم لا يدري ماذا يعرض له ))1. وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "لقد هممت أن أبعث رجا لا إلى هذه الأمصار، فينظروا كل من كان له جدة ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين "2. وروى البخاري عن ابن عباس أني امرأة من جهينة جاءت إلى النب  فقالت: إن أمي نذرت أن تحج ، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: ((نعم، حجي عنها، أرأيتِ لو كان على أم ِ ك دين أكنت قاضية؟ اق ض وا الله، فالله أحق بالوفاء ))3. فضل احصج وعن أبي هريرة أني رسول الله  قال((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبُ و ر ليس له ثواب إلا الجنة ))؛ رواه الخمسة إلاي أبا داود 4. جاء في الصحيح5 عنه : ((من ح جي هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق ، رجع كيوم ولدته أمه))، وهذا لأ ني الإقبال على الله بتلك الهيئة والانكسار والتق ل ب في تلك المناسبات وفق الأمر المشروع يم حو من النفوس ظلمة الذنوب وآثارها السيئة، ويدخلها في حياة جديدة بشخصية جديدة، فإذا أولو الألباب واصلوا صدق هم مع الله بعد الحج بتلبيتهم لجميع أوامره، وانطبعوا بذكره وتكبيره، ولم يدنسوا صحائف هم الجديدة بطاعة الشيطان والهوى، وسيطرت عليهم عبودية الله في جميع نواحي سلوكهم وحياتم، فإنهي م يصنعون حضارة إنسانية كاملة على ضوء الإسلام، وينيرون الطريق لتحر ر الإنسانية تح ر ر ا صحيح ا من الإرهابات والضغوط ؛ لأني الناس لا يتقبي لون الدي عوة إلى عقيدة، خصوص ا في هذا الزمان ؛ 1 أخرجه أحمد ، (1/313.) 2 أخرجه سعيد بن منصور في سننه، ورسته "الإيمان"، وأبو العباس الأصم في حديثه، وابن شاهين في السنة، كما في "جمع الجوامع"، (5/144- ترتيبه 3 أخرجه البخاري في جزاء الصيد ، باب "الحج والنذور عن الميت "، ح (1852.) 4 متفق عليه: رواه البخاري في العمرة ، باب: وجوب العمرة ، ح (1773)، ومسلم في الحج، باب: فضل الحج والعمرة ، ح (1349)، ورواه الترمذي ، ح (933)، والنسائي، (5/112)، وابن ماجه ح (2888.) 5 متفق عليه من حديث أبي هريرة رواه البخاري في المحصر ، باب: قول الله - تعالى -: ﴿ف لا ر ف ث ﴾، ح (1819)، ومسلم في الحج، باب فضل الحج والعمرة ، ح (1350.)

عدد الصفحات ٢٩

30 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه حتى يروا مصداقها الواقعي متم ث ِ لا في حياة أهلها بالمشاهدة. احصج لبادة قبل الإسلام: ابتدأ الله أحكام الحج بقوله: ﴿و أ تمِ وا الح جي و ال ع م ر ة للَِّيِ ﴾ [البقرة 196]، دون أن يقول: كتب عليكم الحج، كما قال: كتب عليكم الصيام؛ لأ ني الحج معروف وقت الن زول؛ لأني ه من شعائر ملة إبراهيم، وكان العرب يقومون ب ه مع إحداث تغييرات أزالها الله عنه ، حتى أعادهم إلى حقيقة المناسك التي أراها أباهم إبراهيم ، مستجيب ا لدعوته لله؛ ﴿و أ رِنا م ن اسِك ن ا ﴾ [: 128]، وقد كتبت في أكثر مِ ن م و ضِ ع أني الإسلام أصيل م تأص ِ ل في العرب، وأنهي م مسلمون قبل أن يكونوا عربا ، عكس ما يزعمه ط غاة القوميي ة مِ ن أنهي م عرب قبل أن يكونوا مسلمين، وأني هذه الدعوى جناية على العرب ، وإهدار لكرامة العرب، بتجريدهم من الن بوات والهداية، وتفضل الأعاجم عليهم في ذلك، وأنهي م لو عقلوا وأدركوا هذه الإهانة من قائلها، لرجموه باللعن والب غض والطرد والإبعاد، ولصرخوا في وجهه الصرخة الصادقة الصافعة القامعة بأنهي م مسلمون قبل أن يكونوا ع ربا ، وأنهي م أبناء سام بن نوح المسلم، ثم ي أتباع ملة إبراهيم أبي المسلمين، وأني الوثنية دخيلة عليهم، تسري بت إليهم بمكر من اليهود على يد "عمرو بن لحي الخزاعي "، الذي ز وي ده اليهود بالأصنام والخمور من الشام، وأغروه على جلبها إلى مكة؛ لتبديل ملة إبراهيم، وقد رآه رسول الله  ير قصبه في النار؛ لأ ني ه أول م ن ب دي ل ملة إبراهيم في العرب. فلِ ك و ن الحج م شهور ا وجوبه عندهم لم يبتدئ موضوعه بذِ ك ر وجوبه كالصيام، إنّي ا أمرهم بإتمام الحج والعمرة إخلاص ا لله؛ لِ م ا جرى عليهم عام الحديبية، ولِ م ا يعلم الله من جريان أمثالها على مدى العصور. اجوب إتمام احصج االعمية االإخلاص فيها: قال تعالى: ﴿و أ تمِ وا الح جي و ال ع م ر ة للَِّيِ ﴾ [196]، فيها الأمر الصريُ من الله للمسلمين بالإخلاص له في إتمام الحج والعمرة على الوجه الكامل، وإني المتلبس بهما يلزمه إتمامهما دون أن يتأثي ر بأحوال اجتماعيي ة، أو أحداث سياسية، أو عواطف عصبية، بل ي ب عليهم ألا يبالوا بجميع ذلك، وألا يقحموا علاقات الأشخاص بالشي عائر الدينية، أو العوائد الاجتماعية، بل يتموا ما تلبسوا به وابتدؤ وه من الأعمال - أعمال الحج والعمرة - لتكون خالصة لله ؛ حتى يمنعوا من ذلك جبُ ا وقهر ا، فإذا لم يحصل الجبُ والقهر، فهم مطالبون بالإتمام، وملزمون بحكم الإحرام ؛ لمراعاتِ م الأشخاص، وغضبهم للأشخاص، دون مراعاتِ م

عدد الصفحات ٣٠

31 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه لرب ِ الأشخاص، ﴿م لِكِ النياسِ * إِل هِ النياسِ ﴾ [: 2 - 3]. والله العليم الخب؛ إذ يوجب إتمام الحج والعمرة على المتلبس بهما، يعلم ما يعترضه ، وما يري عليه من ه و جِ المقاصد البشرية، فيوجب عليه ألا يلتفت إليها ولا يتأثر بها. فالقرآن الحكيم يصدر أحكام ا عامي ة على بني الإسلام، ي ب عليهم م راعاتا وإتمامها لله، دون التأث ر بالعواطف، وحاجات النفوس ؛ حتى يقوم لهم العذر الواضُ بالإحصار، وم ن أفتى بعكس ذلك ، فليس مراقب ا لله، وقد يكون ليس عابد ا لله لمشابهته الذين ﴿اتخي ذ وا أ ح ب ار ه م و ر ه ب انه م أ ر با با مِن د ونِ اللَّيِ ﴾ [ 31]. وفي هذه الآية دليل على أني الحج والعمرة يب إتمامهما على المتلبس بهما، ولو لم يكونا مفروضين، وقد وردت فريضة الحج في سورة آل عمران ، وفي حديث جبُيل وغيره من الأحاديث، وثبت وجوب العمرة من تقديم الرسول العمرة، ومن أح اديث أخرى، مع وجود خلاف يعتبُ الصحيُ منه الوجوب. أشهي احصج: قال تعالى: ﴿الح ج أ ش ه ر م ع ل وم ات ف م ن ف ر ض فِيهِني الح جي ف لا ر ف ث و لا ف س وق و لا جِد ال فيِ الح ج ِ و م ا ت ف ع ل وا مِن خ ير ي ع ل م ه اللَّي و ت ز ويد وا ف إِني خ ير الزيادِ الت يق و ى و ات يق ونِ يا أ وليِ الأ ل ب ابِ ﴾ [ 197.] فيه بيان الوقت الذي يؤدي ى الحج فيه، وأني ه أشهر معلومات يعلمها الناس من قديم قد توارثوا علمها ؛ مما ترسب لديهم من مِ لي ة إبراهيم - عليه السيلام - وهي شوال وذو القعدة وذو الح جة، فالحج يؤدي ى في هذه الشهور حسب منطوق هذه الآية، ولا يصُ الإحرام بالحج قبل دخولهِ ا، ولو قبل دخول شهر شوال بيوم. كما أني الصلاة قبل الوقت لا تصُ ، فبداية التلب س بالإحرام من الحج من أول شوال، ونهايته في التاسع من يوم شهر ذي الحجة صباح ا أو مساء حسب ما يمكنه الوقوف في عرفة ، حسب وسائط النقل السريعة ؛ لأ ني من طلع عليه الفجر قبل أن يدخل حدود عرفة ولو بلحظة واحدة فقد فاته الحج ، وانقلب إحرامه ع مرة، على ما ف صي لوه في كتب الفقه. وفي قوله - تعالى -: ﴿أ ش ه ر م ع ل وم ات ﴾ [: 197] إبطال لغير الشهور القمرية في الأحكام الشرعية ، وإبطال للنسيء الذي عمله كفار الجاهلية؛ تقليد ا للشهور الرومية والفارسية ؛ ليستحلوا بدورتا السنوية ما ح ري م الله، فالآية واضحة في أني الحجي لا يكون

عدد الصفحات ٣١

32 www.alukah.net احصجاحصج:: أحكامه أحكامه -- أسياره أسياره -- منافعهمنافعه إلاي في هذه الأشهر القمرية المعلومة ، وأني ه ينتهي في اليوم الرابع عشر من شهر ذي الحجة؛ حيث يكون النزول فيه إلى مكة. أنساك احصج: اأنساك احصج ثلاثة: التمتع، والإفراد ، والقران، وكل من العلماء فضل نوع ا منها على الآخر، فالحنابلة وأهل الحديث فضلوا التمتع، وجماعة من أهل العلم والحديث فضلوا القران مع سوق الهدي، كفعله - صليى الله عليه وسلي م، وأكثر الأئمة والعلماء ف ضي لوا الإفراد، وهو المناسب لأحوال هذا الوقت الذي تضيع فيه لحوم اله د يِ أو أكثرها بلا فائدة. االمتمتع: هو الذي يحرم بالعمرة، ثم يحل منها، س ِ ي متمتع ا؛ لأنه تم تع بكل ما لا يوز للمحرم فعله من وقت حله إلى وقت دخوله في الحج، أو لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين، فلم يخص العمرة بسفر يقصدها به، والحج بسفر ؛ ولذا وجب عليه ما استيسر من الهدي وهو شاة؛ وذلك لسقوط السفر عنه من ميقاته للحج، أو لسقوط السفر عنه من بلده للحج، قدم محرم ا بالعمرة فتحلل ، واستباح ما يحرم على المحرم فعله، فإذا لم يد ه د يا ؛ لفقده أو عسره ، صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ، كما هو نص الآية. واشترط العلماء لوجوب الهدي على المتمتع شروط ا مذكورة في كتب الفقه ؛ منها أن يكون من غيرِ أهل الحرم، وألا يسافر بين الحج والعمرة مسافة قصر ؛ لأ ني ه يبطل تم تعه، خصوص ا إذا رجع مح رم ا بالحج، ومنها أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، وأن ي نوي التمت ع حال الإحرام وغيرها مما هو مذكور في موضعه. اجوب المحيم لىميأة: روى البخاري ومسلم 1 عن أبي هريرة عن النب  قال((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها ح رم ة ))، وفي لفظ لمسلم وغيره : ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفر ا يكون ثلاثة أيام فصاعد ا إلاي ومعها أبوها أو زوجها أو ابنها أو أخوها أو ذو محرم منها) ). والأحاديث كثيرة صحيحة متوافرة في هذا الشأن، فعلى المسلمين أن ي تي قوا الله في نسائهم وعوراتم، و يعدوا إذا كان الحج الذي هو ركن من أركان الإسلام، لا تؤديه المرأة إلاي 1 رواه البخاري "تقصير الصلاة"، باب: "في كم يقصر الصلاة "، ح (1088)، ومسلم في الحج، باب: سفر المرأة مح ري م... ح (1339.)

عدد الصفحات ٣٢