المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حظوظ المكلفين في القرآن الكريم بين الجلب والدفع

خيرة سرير حاج

صفحة ٩ من ٣٠

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 124 هذا الوصف ثبت باستقراء نصوص القرآن والسنة الدالة على معاني الرحمة ،و رفع الحرج والتكليف بالوسع ،و رفع الإصر و الأغلال، والإثم عم المخطئ و الناسي و المكره ،و مثال ذلك ما جاء في وصف الشريعة الإسلامية بالرحمة : قال تعالى:﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾.1 و قال عز وجل :﴿ف َقَدْ جَاءَكُم ب َي ِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾.2 و قال عز وجل :﴿وَن ُن َزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾.3 و قال صلى الله عليه وسلم{: إنما أنا رحمة مهداة }4 و بذلك ينتظم معنى الرحمة أمرين كما يرى صاحب التحرير: "تخلق نفسه الزكية بالرحمة وإحاطتها بتصاريف شريعته "5 ،أما ما يراه البعض من شدة متوهمة فيجاب عنه بأن الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد وإن كرهتها نفسها و شقت عليه ...، وأرحم الناس بهم من شق عليهم في إيصال مصالحهم و دفع الفساد عنهم6 ،مع التنبيه إلا أن أكثر المشاق تدخل وتتزايد من جهة مخالفة الهوى فالمتبع يشق عليه كل شيء سواء كان في حقيقته كلفة أولم يكن 7 ،ومثل ذلك لا اعتبار له في الشرع لأنه جاء بالمنع من الاسترسال مع دواعي الأهواء ، لما فيها من تضييع لكل خير و اجتلاب لكل شر و هما ضد الرحمة، أما المشاق غير المعتاد ة فمقصود الشرع رفعها بأدلة يضي ق المقام عن حصرها تواطأت على معنى واحد وهو رفع الحرج . 1- سورة الأنبياء، الآية: 107. 2- سورة الأنعام، الآية: 157. 3- سورة الإسراء، الآية: 82. 4- رواه الحاكم في مستدركه ،كتاب الإيمان ،حديث رقم 100،ج1 ،ص83،وقال صحيح على شرطهما 5- التحرير و التنوير.مرجع سابق ، ج 16 ،ص166 6-إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ، ابن القيم ،بيروت ، دار المعرفة ،ط 2 ،1395ه-1975م ، ج2 ،ص174. 7- الموافقات، مصدر سابق، ج 1 ، ص332.

عدد الصفحات ١٣٢

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 125 و يراد به كل ضيق و مشقة حسية كانت أو معنوية تلحق المكلف فتخرج به عن السماحة المعتادة ،ولا تبلغ حد الضرورة المتلفة للأبدان و الأموال .1 و يعرف بأنه ما أوقع على العبد مشقة زائدة عن المعتاد على بدنه أو على نفسه أو عليها معا الدنيا والآخرة حالا أو م آلا ،غير معارض بما هو أشد منه أو بما يتعلق به حق الغير.2 و خرج بهذا التعريف الجهاد و العقوبات و الحدود الشرعية لما فيها من مصالح تربوا على مفسدة المشقة الحاصلة و إن بدت غير معتادة ، من إعزاز لدين الله و الزجر عن انتهاك محارمه والتذر ع إلى الفساد في الأرض قال تعالى:﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ ﴾.3 أما القيد الأخفلبيان لزوم ضمان المتلفات و أروش الجنايات وإن كانت بغير عمد أو من عد يم الأهلية، إذ لا ينتظم معنى رفع الحرج عن المخطئ و الناسي و المكره والمجنون أو من في حكمه إبطال حق الغير. ولقد تضافرت نصوص القرآن الكريم على تقرير أصل رفع الحرج، و ذلك من خلال النص الصريح أو ما جاء في التيسير و التخفيف و التكليف بالوسع. أ - النص الصريح على رفع الحرج: قال تعالى:﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج ﴾.4 قال ابن كثير في تفسير هذه الآية:" أي ما كلفكم ما لا تطيقون ،و ما ألزمكم بشيء فشق عليكم إلا جعل لكم فرجا و مخرجا". 5 1- المقاصد العامة، بن زغيبة، ص 354. 2- رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، يعقوب عبد الوهاب الباحسين، الرياض ، مكتبة الرشد ،ط 5 ،1428ه-2007م ، ص 38. 3- سورة البقرة، الآية: 179. 4- سورة الحج، الآية 78. 5- تفسير القرآن العظيم، مصدر سابق، ج 10، ص99.

عدد الصفحات ١٣٣

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 126 و قال تعا﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَج وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾.1 و قال سبحانه﴿ لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ﴾.2 و في هذه الآيات دلالة ظاهرة على رفع الحرج عن هذه الأمة و إن جاء بعضها خاصا أحكام جزئية و لكننا نجد التعليل عاما برفع الح رج ،فتقرر أصلا كليا يرد إليه التشريع. ب - أدلة التيسير و التخفيف: قال تعالى:﴿ يرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾.3 و قال سبحانه﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾4، و عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَهُ عَند هَا قَالَت {:مَا خُي ِّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ب َيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَأْثَمْ فَإِذَا كَانَ الإِْثْمُ كَانَ أَب ْعَدَهُمَا مِنْهُ }5،وجاء في الأثر لن يغلب عسر يسرين}6. و فيما تقدم من النصوص دلالة ظاهرة على معنى التخفيف و التيسير و أنه مزية هذه الأمة، حيث كانت السمة الغالبة في التشريع ابتناؤه على جلب المصالح و دفع المفاسد، في أيسر كيفية و أرفقها، رعيا لما جبل عليه الإنسان من ضعف، ومنه قوله تعالى:﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَ فِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾7 ، و إن فسره البعض بأنه الضعف من جهة النساء فليس المراد حصر 1- سورة المائدة، الآية 06. 2- سورة النور، الآية 61. 3- سورة البقرة، الآية 185. 4- سورة الشر ح، الآيتان: 05- 06. 5- رواه البخاري في صحيحه ،كتاب الحدود ،باب إقامة الحدود و الانتقام لحرمات الله ،حديث رقم 6786،ج4 ،ص248. 6- رواه الحاكم في مستدركه موقوفا من حديث عمر رضي الله عنه ،باب تفسير سورة آل عمران ،حديث رقدم: 3236،ج2 ،ص358،وقدال :صدحيح علدى شرط مسلم. 7- سورة النساء، الآية 28.

عدد الصفحات ١٣٤

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 127 معنى الآية فيه1 ، فتكون إخبارا عن ضعف الإنسان عاما حسبما هو في نفسه ضعيف يستميله هواه في الأغلب. 2 ج- التكليف بالوسع و الطاقة: قال تعالى:﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ ن َفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾.3 و قال تعا ﴿ لاَ نُكَلِّفُ ن َفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾.4 و التكليف بالوسع المراد به ما يسع الإنسان و لا يضيق عليه و لا يحرج فيه يقول الزمخشري " فالله لا يكلف النفس إلا بما يتسع فيه طوقها، و يتيسر عليه دو ن مدى غاية الطاقة و المجهود...فقد كان في طاقة الإنسان أن يصلي أكثر من خمس و يصوم أكثر من شهر و يحج أكثر من حجة".5 و قد جاء تقرير هذا الأصل في بعض الأحكام الجزئية ،كأحكام النفقات و الوصاية على أموال اليتامى، قال تعالى:﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَة مِّن سَعَتِهِ ۚ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ف َلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ ن َفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ ب َعْدَ عُسْر يُسْرًا ﴾.6 و قال عز و جل ﴿ وَلاَ ت َقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى ي َب ْ لُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ ن َفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾.7 و لعله من الظاهر تلك العلاقة الوثيقة بين التكليف بالوسع و رفع الحرج، ذلك أن الأحكام الشرعية إذا كانت مطلوبة في حدود الوسع و الاستطاعة دون بلوغ غاية الجهد ففي ذلك دلالة ظاهرة على أن الحرج مرفوع ،و أن اليسر سمة هذا الدين و التوسعة على العباد خاصية من خصائصه .1 1- التحرير و التنوير، مصدر سابق، ج5، ص22 . 2- المحرر الوجيز، مصدر سابق، ج 2، ص41. 3- سورة البقرة، الآية: 286. 4- سورة الأعراف، الآية 42. 5- الكشاف، مصدر سابق، ج1، ص520. 6- سورة الطلاق، الآية: 07. 7- سورة الأنعام، الآية 152.

عدد الصفحات ١٣٥

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 128 وقد جاء في بيان أوجه رفع الحرج في القرآن الكريم معاني عدة نذكر أهمها  سعة الإسلام بما جعل الله فيه من التوبة و الكفارات ومن ذلك أن الله عز وجل شرع لعباد ه التوبة بالندم والعزم على ترك العود في المستقبل ،والاستغفار بالقلب و اللسان وقيل لمن قبلنا2 : ﴿ ف َتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاق ْت ُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾3.  ومنه الجوابر و الزواجر، فليس في دين الإسلام مالا سبيل من الخلاص من عقوبته.4  وضع ما يشتد ثقله من التكاليف، فقد كانت الشدائد و العز ائم في الأمم فوضعها الله عن هذه الأمة5 ،قال تعالى:﴿وَيَضَعُ عَن ْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾6. ومن جملة ذلك أنه كان إذا أصاب ثوب أحدهم بو ل قرضه ،وأن لا دية، وأن الحائض لا تؤاكل عندهم ولا تجالس 7.  قصر الصلاة و الإف طار للمسافر، وصلاة الإيماء لمن لا يقدر على غيره ، وحط الجهاد عن الأعمى و الأعرج والمريض وكل صاحب عذر 8. 1- ينظر: رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، صالح بن عبد الله بن حميد، المملكة العربية السعودية، جامعة أم القرى، ط 1،1403هد، ص73. 2- ، أحكام القرآن، ابن العرن، مصدر سابق، ج3، ص309. 3- سورة البقرة، الآية: 54. 4- أحكام القرآن، الجصاص، ج 5، ص90 و ينظر: الكشاف، ج4، ص320 . 5- الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، ج 14، ص452. 6- سورة الأعراف، الآية 157. 7-ينظر أحكام القرآن لابن العرن، ج 2، ص327 و المحرر الدوجيز في تفسدير الكتداب العزيدز، ج 2، ص464، جدامع البيدان عدن تأويدل أي القدرآن، ج 3، ص 168، و من الإصر المرفوع عن هدذه الأمدة مدا حدرم علدى اليهدود مدن الطيبدات جدزاء لظلمهدم قدال تعدالى:﴿ فَدبِظُل م مِّدنَ الَدذِينَ هَدادُوا حَرَم نَدا عَلَدي هِم طَيِّبَدات أُحِلَت لهَُم ﴾(سورة النساء، الآية: 160) و قوله:﴿وَعَلَى الَذِينَ هَادُوا حَرَم نَا كُلَ ذِي ظُفُر وَمِنَ ال بدَقَرِ وَال غَنَمِ حَرَم نَا عَلَي هِم شُحُومَهُمَا﴾ (سدورة الأنعدام، الآيدة: 146 .) 8- أحكام القرآن لابن العرن، ج 3، ص309.

عدد الصفحات ١٣٦

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 129  حل النساء مثنى وثلاث ورباع .1  جعل ما يرغب فيه الناس من قبيل الطاعات وذلك لكي يجتمع باعث الطبع و وازع الشرع فيكونا أدعى للامتثال2، ومن ذلك الاغتسال و التطيب وتنظيف المساجد وتطييبها3 ،و يدخل في هذا المعنى سنن الفطرة وآداب العادات . ثالثا :مقاصد السماحة و رفع الحرج:و هي لا تخرج عن أمرين :تحقيق مقصد التعبد و عموم الشريعة و دوامها . أ - تحقيق مقصد التعبد: بامتثال أوامر الشرع و نواهيه ذلك أن الت شديد على النفس ذريعة إلى بغض العبادة و كراهية التكليف وقد جبلت على خلافه -أي خلاف التشديد- كما أنه مظنة التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد المختلفة الأنواع ، وما قد يترتب عليه من فساد في بدنه أو ضعف قواه4،قال صلى الله عليه و سلم« يَا أَي ُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ »5 يقول النووي في شرح الحديث "وفي هذا الحديث كمال شفقته صلى الله عليه و سلم ورأفته بأمته، لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ولا ضرر، فتكون النفس أنشط والقلب منشرحا فتتم العبادة بخلاف من تعاطى من الأعمال ما يشق، فإنه بصدد أن يتركه أو بعضه أو يفعله بكلفة وبغير انشراح القلب فيفوته خير عظيم ،وقد ذم الله سبحانه وتعالى من اعتاد عبادة ثم أفرط فقال تعالى ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً اب ْتَدَعُوهَا مَا كَتَب ْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۚ فَآت َي ْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِن ْهُمْ أَجْرَهُمْ ۚ وَكَثِيرٌ مِّن ْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾6وقد ندم عبد الله بن عمرو بن العاص على تركه قبول رخصة رسول الله صلى 1- المصدر نفسهالصفحة نفسها. 2- المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص 349. 3-حجة الله البالغة ، ولي الله الدهلوي،تحقيق السيد سابق ، بيروت ، دار الجيل ، ط 1 ،1426ه-2005م ، ج1 ، ص295. 4- الموافقات، مصدر سابق، ص281،الاعتصام، مصدر سابق، ص 205 . 5 - رواه مسلم صحيحه ،كتاب صلاة المسافرين ،باب باب فَضِيلَةِ ال عَمَلِ الدَائِمِ مِن قِيَامِ اللَي لِ وَغَير ِهِ :حديث رقم : 1863،ج2 ،ص188. 6 - سورة الحديد ، الآية 27

عدد الصفحات ١٣٧

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 130 ا عليه و سلم1 في تخفيف العبادة ومجانبة التشديد"2 ،ومنه قوله عليه السلام{: فَإِنَّكَ إِذَا ف َعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ 3 الْعَيْنُ وَنَفِهَتْ 4 الن َّفْسُ }5 . يقول الشاط :"فإن الله وضع هذه الشريعة المباركة حنيفية سمحة سهلة، حفظ فيها على الخلق قلوبهم، وحببها لهم بذلك، فلو عملوا على خلاف السماح والسهولة، لدخل عليهم فيما كلفوا به ما لا تخلص به أعمالهم، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِير مِنَ الأَْمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِْيمَانَ وَزَي َّنَهُ فِي ق ُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴾ 6، فقد أخبرت الآية أن الله حبب إلينا الإيمان بتيسيره وتسهيله، وزينه في قلوبنا بذلك، وبالوعد الصادق بالجزاء عليه"7، و في هذا المعنى يقول ابن عاشور: "السماحة أكمل وصف لاطمئنان النفس و أعون على قبول الهدي والرشاد " 8،فتبين أن من أجل مقاصد السماحة تحصيل معنى الامتثال ،حيث تسد ذرائع بغض العبادة و كراهية التكليف و مظنة الانقطاع ، إلا أن يذعن لهواه فلا عبرة بالترك آنذاك ،إذ لا تعلق له بجهة التشديد أو التخفيف، بقدر ما هو حاصل الاسترسال المفضي إلى الفساد غالبا . ب - تقرير معنى عموم الشريعة ودوامها9 : وصف الشريعة بالسماحة يقتضي معنى العموم والدوام لملائمته لأهل التكليف في حال الخويصة والاجتماع 10، ذلك أن الله عز وجل أراد لهذه 1 - عن عبد الله بن عمرو قَالَ ،" فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَىَّ . قَالَ وَقَالَ لِىَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّكَ لاَ تَدْرِى لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمْرٌ » .قَالَ فَصِرْتُ إِلَى الَّذِى قَالَ لِىَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- ف َلَمَّا كَبِرْتُ وَدِدْتُ أَنِّى كُنْتُ قَبِلْتُ رُخْصَةَ نَبِىِّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-.رواه الشيخان و اللفظ لمسلم 2 - المنهاج شرح صحيح مسلم ،مصدر سابق ،ج 6 ،ص71 3 - هجمت أي غارت قال الأصمعي هجمت ما في الضرع إذا حلبت كل ما فيه ،عمدة القاري شرح صحيح البخاري بدر الدين العينّ ، دار الفكر ،ج16 ،ص8. 4 - قوله نفهت بفتح النون وكسر الفاء أي ضعفت، المصدر السابق ،الصفحة نفسها 5 - رواه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء ، بَاب قدَو لِ اللَهِ تدَعَالىَ {وَآتدَيد نَا دَاوُدَ زَبُورًا} ،حديث رقم 3419،ج2 ،ص482. 6 - سورة الحجرات ،الآية:7 7 - الموافقات ،مصدر سابق ، ج2 ،ص136 8 - مقاصد الشريعة الإسلامية، ابن عاشور، مرجع سابق، ص 271. 9- أصول النظامالاجتماعي، مرجع سابق، ص 25. 10- مقاصد الشريعة الإسلامية، ابن عاشور، مرجع سابق، ص 271. وينظر: ، المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، بن زغيبة ،ص 356.

عدد الصفحات ١٣٨

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 131 الشريعة العمو م باستغراق الناس جميعا ،والشمول بأن تنتظم نواحي حياتهم الفكرية والعقدية والاجتماعية و السياسية، فجعلها سمحة وسطا بين التساهل والتشديد . ويتبين مما سبق وجه الارتباط بين السماحة وإثبات حظ ا لمكلف ذلك أن مما جبل الناس عليه النفور من الشدة والإعنات، وتعلق القصد بهذا الوصف إثبات للحظوظ من جهة ملائمة باعث الطبع، إلا أننا يجب أن نفرق بين أمرين : ظاهرهما التناقض وباطنها الاجتماع ،رفع الحرج وإثبات المشاق المعتادة :ففي الأول الملائمة ظاهرة ، وفي الثاني يوجبه إن عام النظر، ذلك أن في التكليف كبح لجما ح النفس عن الاسترسال مع داعي الهوى ،وتحصيل لمعنى التقوى والخشية ،وهما سبب صلاح المعاش والمعاد ،وفي ك ل حظ وإن كان الأول ظاهرا و الثاني خفيا. الفرع الثالث: ر عي العوائد و الأعراف ينتظم هذا المعنى جملة من القواعد ، اجتمع أهل العلم على تقريرها كالعادة محكمة ،و المعروف عرفا كالمشروط شرطا ، و تغير الأحكام بتغير الأزمان ،و المعنى الجامح ر عي ما اعتاده أهل التكليف، و ألفته نفوسهم و تلقته العقول السليمة بالقبول ،و هو أصل يهرع إليه في فهم النصوص و تنزيل الأحكام على مقتضى معهود الشرع في الت يسير و رفع الحرج ، ولّما كان لهذه الأصل وثيق ارتباط بالمعنى المراد الاستدلال عليه ،كان من الضروري الوقوف على معنى العرف و أقسامه و شروطه و أدلته في القرآن و السنة لتبين وجه الدلالة. أولا :حقيقة العرف و منشؤه: العرف في اللغة : ما يستحسن من الأفعال ،و يأتي بمعاني أخرى كالصبر ، وهو اسم من الاعتراف كقول أحدهم له عليّ ألف عرفا و هو ضد النّكر.1 1- لسان العرب، مصدر سابق، ص 2898.

عدد الصفحات ١٣٩

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 132 أم ا فيالاصطلاح : فيعّرف بأنه:"ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول و تلقته ال طبائع بالقبول "1،و يعّرفه ابن عابدين في رسالته نشر العرف بأنه:"ما استقر في النفوس من الأمور المتكررة المعقولة من الطباع السليمة ".2 و عليه فإنه يقوم على ركنين رئيسين: الاستعمال المتكرر ، ورضاء و قبول أصحاب الطباع السليمة في المجتمع 3،ويخرج بهذا المعنى ما لم يعتده الناس في الأقوال و الأفعال ،و ما لم تتلقاه الطباع السليمة بالقبول، مما ذاع بين الناس من فعل لبعض المنكرات و شرب للمسكرات ...، إلا أن هذه القيود وحدها لا تكفي لاعتباره أصلا في التشريع ،مما جعل الهمم تنصر ف إلى ضبطه بالأوصاف و الشرائط حتى لا يتذرع به إلى القول بالأهواء و الشهوات. و هو ينشأ من ارتياح الإنسان للفعل الذي مال إليه بباعث من نفسه، سواء كان الباعث داخليا أو خارجيا ممّا يدفعه إلى تكراره فيصير عادة له ، فإذا حاكاه غيره فيه بدافع التقليد و تكرّرت هذه المحاكاة، و انتشرت بين معظم الأفراد صارت عادة للجماعات و سمّيت بذلك عرفا.4 إن مثل هذا المفهوم لنشأة الأعراف و ابتنائها على المحاكات للعادات الفردية أو الخاصة ، يبرّر ما ذهب إليه البعض من التفريق بين العادة و العرف على اعتبار أن الأولى أعم لشمولها ما اعتاده الأفراد و المجموع ،و العرف لا يطلق إلا على اعتياد الكل أو الأغلب5 ،و الرأي أن لا أثر عملي للتفريق ، لمجيء العادة و العرف بمعنى واحد كأصل تشريعي في المدونات الفقهية و الأصولية .6 ثانياأقسامه و شرائطه: 1- التعريفات، مرجع سابق، ص 130. 2- نشر العرف ، ابن عابدين، مجموعة الرسائل، ص 114. 3- رفع الحرج، مرجع سابق، ص 339. 4- المدخل الفقهي العام ،مرجع سابق، ج 2 ، ص867. 5- المدددخل في الفقدده الإسددلامي تعريفدده و تاريخدده و مذاهبدده نظريددة الملكيددة و العقددد، محمددد مصددطفى شددلبي، الدددار الجامعيددة ،ط 10، 1405هددد- 1985م، ص260 -261. 6- ينظر في هذا المعنى :أصول الفقه الإسلامي، و هبة الز حيلي، مرجع سابق ،ج2، ص 106.

عدد الصفحات ١٤٠

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 133 ينقسم العرف عند الفقهاء إلى قولي و فعلي كما يقسم إلى عام و خاص و صحيح و فاسد : أمّا العرف القولي: فهو أن يشيع بين الناس استعمال بعض الألفاظ أو التراكيب في معنى معين بحيث يصبح ذلك المعنى هو المفهوم المتبادر منها إلى أذهانهم عند الإطلاق بلا قرينة و لا علاقة عقلية ، ومن ذلك إطلاق لفظ الولد على الابن الذكر دون الأنثى مع أنه في اللغة يشملها. و العرف العملي : هو اعتياد الناس على شيء من الأفعال العادية، أو المعاملات كتعارفهم على بيع المعاطاة، و تعجيل جزء من المهر و تأجيل الباقي 1 . أما العرف العام فهو : الذي يكون معتاداً في جميع البلاد بين الناس أو غالبيتهم ،وذلك مثل عقد الاستصناع ، فإن الناس قد احتاجوا إليه ، ودرجوا عليه إلى يومنا هذا،ومثله بيع المعاطاة ،و الخاص ما كان ساريا بين بعض البلدان دون باقيها ، أو كان بين طائفة دون غيرها من الطوا ئف.2 وهو إما أن يكون صحيحا أو فاسدا، فالصحيح ما لم يخالف قواعد الشرع ، و الفاسد ما جاء بخلافها أو كان مخلا بنص من النصوص.3 والقدر المتفق علىاعتباره العرف الصحيح العام ،و اختلف في الخاص و الراجع أنه معتبر لجريان العمل به في الأحكام المتعلقة بالأيمان و أنواع التعاقدات و الم هور، مما جرت العادة باختلاف الناس فيه بين بلد و أخرى بل و طائفة و أخرى ، إلا أنه ليس في قوّة العرف العام من حيث حا كميته على النصوص تخصيصا و تقييدا.4 و ضابط العرف الصحيح عاما كان أو خاصا قوليا أو فعليا جملة من الشرائط : 1- المدخل الفقهي العام، مرحع سابق ، ج2 ،ص 875 - 878 . 2- المدددخل في الفقدده الإسددلامي، مرجددع سددابق ، ص262 وينظددر: المدددخل الوسدديط لدراسددة الشددريعة الإسددلامية و الفقدده و التشددريع ، نصددر فريددد محمددد واصددل مصر، المكتبة التوفيقية، ص182 . 3- أصول الفقه، البرديسي محمد زكريا ، القاهرة ، دار الثقافة، ص335. 4- في تخصددديص الدددنص العدددام بدددالعرف، يقدددول السددديوطي:" كدددل مدددا ورد بددده الشدددرع مطلقدددا و لا ضدددابط لددده فيددده و لا في اللغدددة يرجدددع فيددده إلى العدددرف"، الأشدددب اه و النظدددائر،جلال الددددين السددديوطي ،بددديروت ، دار الكتدددب العلميدددة ،ط 1 ،1403ه-1983م ، ص 98، وينظدددر: في هدددذا المعدددنى، رسدددائ ل ابدددن عابددددين، مصدر سابق، ج2، ص116.و وهبة الزحيلي، أصول الفقه، ج 2، ص118- 119 .

عدد الصفحات ١٤١

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 134 1 – أن يكون العرف م طردا أو غالبا و المراد بذلك أن يكون عملهم به مستمرا في جميع الحوادث لا يتخلف، لأن العادة إذا كان يعمل بها في وقت دون وقت لا يصح الاحتكام اليها ، و كذلك يشتر ط أن تكون غالبة أي شائعة بين الناس.1 2 – أن يكون العرف ا ر اد تحكيمه في التصرفات قائما عند إنشائها ، و في ذلك يقول السيوطي:"العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن الس ابق دون المتأخر".2 و يضاف إلى هذا المعنى عدم التصريح بخلافه من قبل المتعاقدين لكون التصريح أقوى من الدلالة 3 3 – أن لا يكون في العمل بالعرف تعطيل لنص ثابت أو لأصل قطعي في الشريعة 4 ،ولا يدخل في هذا المعنى تخصيص العرف لعموم اللفظ ،لاتفاق المحققين من أهل الأصول على تخصيص العموم بالمعاني العرفية القائمة حال وروده. و في هذا المعنى يقول الشوكاني:" و الحق أن تلك العادة إذا كانت مشتهرة في زمن النبوة بحيث يعلم اللفظ إذا أطلق كان المراد ما جرت عليه دون غيرها فهي مخصصة، لأن النبي صلى الله عليه و سلم يخاطب الناس بما يفهمون".5 واختلفوا في العرف العملي ، وقد أخذ به الإمام مالك في قوله: بأن الشري فة لا يجب في حقّها الإرضاع تخصيصا لقوله تعالى :﴿ وَالْوَالِدَاتُ ي ُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾1 ،بمقتضى عرف الناس آنذاك . 1- المددددخل الفقهدددي العدددام، مرجدددع سدددابق، ص 897، وينظدددر: موسدددوعة القواعدددد الفقهيدددة، محمدددد صددددقي بدددن أحمدددد البورندددو، دار ابدددن حدددزم، (د.ت)، ج5، ص 338. 2- الأشباه و النظائر في قواعد و فروع فقه الشافعية، مصدر سابق ،ص 96 . 3- موسوعة القواعد الفقهية، مرجع سابق، ج 5، ص338. 4- أصول الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ج 2، ص123، وينظر: رسائل ابن عابدين، مرجع سابق، ج 2، ص116. 5- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، مصدر سابق ،ج 2، ص699 .

عدد الصفحات ١٤٢

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 135 ثالثاالمنهج القرآني في ر عي العو ائد و الأعراف: يستدل على هذا الأصل بجملة من النصوص القرآنية ، و النبوية ،و القواعد العامة المستندة إلى معهود الخطاب في التشريع. - النصوص الخاصة :ومنها قوله تعالى:﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾2، قال القر طبي في تفسير الآية: " والعرف كلّ خصلة حسنة ترتضيها العقول و تطمئن إليها النفوس "3، و ذكر صاحب التحرير في تفسيره أنه :" الذي تألفه النفوس و تستحسنه "4، و فسره ابن عطية بأنه:" كل ما عرفته النف وس ممّا لا ترده الشريعة"5، وخصه ابن العرن بدد" المعروف من الدين المعلوم من مكارم الخلاق و محاسن الأعمال".6 والنظر فيما ورد من معاني للعرف في الآية، يجد أنها لا تختص بما اصطلح عليه الفقهاء و الأصوليون و أن المراد به المعنى الل غوي العام ،و هو الأمر المستحسن المعروف، إلا أنه يستأنس به في تأييد اعتبار العرف بالمعنى الاصطلاحي.7 قوله تعا :﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْق ُهُنَّ وَكِسْوَت ُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾8 والآية رّد لتقدير النفقة إلى ما تعارفه الناس ، و في الجمع بين هذا المعنى و ما ثبت من ر عي حال الأب من حيث اليسار و الإعسار يقول ابن العرن:" قدّروه بالمعروف أصلا في الإيجارات ،و نوعه باليسار و الإقتار رفقا فانتظم الحكمان 1- سورة البقرة، الآية: 233. 2- سورة الأعراف، الآية: 199. 3- الجامع لأحكام القرآن ، مصدر سابق، ج7، ص344. 4- التحرير و التنوير،مرجع سابق ، ج2، ص142. 5- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، مصدر سابق ، ج2، ص491. 6- أحكام القرآن، مصدر سابق، ج 4، ص69. 7- أصولالفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 110. 8- سورة البقرة، الآية: 233.

عدد الصفحات ١٤٣

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 136 و اطردت الحكمتان ،ومن ذلك متعة المطلقة قال تعالى :﴿وَمَت ِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾.1 ومن السنة ما رواه ابن مسعود –رضي الله عنه- موقوفا عليه{:ما رآه المسلمونحسنا فهو عند الله حسن}2، أي ما استحسنه المسلمون و تعارفوه يكون عند الله حسن ،و في حديث هند بنت عتبة لمّا أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكوه بخل زوجها أن سفيان –رضي الله عنهما - فقال :{ خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ }.3 ومن أدلة هذا الأصل في غير المنصوص، معاني يحصلها تتبع معهود الشارع في الخطاب يذكر من جملتها:  إخباره عز وجل عن نعيم الجنة بما هو معهود في موائد العرب ،و ذلك بالإشارة إلى طيبات الجنة بالماء و اللبن و الخمر و العسل والنخيل و الأعناب، مما هو مألوف دون غيرها مما لم تعهد العرب. 4 قال تعالى:﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا، حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾5 و قال:﴿ فِيهَا أَن ْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِن وَأَن ْهَارٌ مِن لَّبَن لَّمْ ي َت َغَي َّرْ طَعْمُهُ وَأَن ْهَارٌ مِّنْ خَمْر لَّذَّة لِّلشَّارِبِينَ ﴾.6 وفي ذلك ردّ على شبهات المغرضين ممّن يتخذون من التمثيل القرآني للنعيم الأخرو ي بما ذكر سببا للطعن فيه ،و حاصله أن الله عزّ وجّل لما انتخب العرب لحمل آخر الرسالات و خاتم الشرائع فضلا منه يؤتيه من يشاء، جاء خطابهم بما ألفته نفوسهم وعهدته ألسنتهم حتى يكون أقرب إلى فهمهم 1- سورة البقرة، الآية: 236. 2- رواهالحاكم في مستدركه ،كتاب معرفة الصحابة ،حديث رقم : 4527،ج3 ،ص89،وقال صحيح الاسناد و لم يخرجاه قال الزيلعي في نصدب الرايدة لم أجده إلا موقوفا على ابن مسعود. 3- رواه البخاري في صحيحه ،كتاب النفقات ، بَاب إِذَا لمَ يدُن فِق الرَجُلُ فَلِل مَر أَةِ أَن تَأ خُذَ بِغَير ِ عِل مِهِ مَا يَك فِيهَدا وَوَلَددَهَا بِدال مَع رُوفِ ،حدديث رقدم : 5049 ،و المراد بالمعروف القدر الذي عرف بالعادة أنه كفاية. 4- الموافقات، مصدر سابق ،ج2 ،ص78 و ينظرالإمام في مقاصد رب الأنام، مرجع سابق، ص 100- 102. 5- سورة النبأ، الآيتان: 31- 32. 6- سورة محمد، الآية: 15.

عدد الصفحات ١٤٤

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 137 وأدعى لامتثالهم، ولا يعنّ ذلك اختصاصهم بالخطاب ،فهم مكلفون بالتبليغ شهداء على الناس كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم شهيد ،وقريبا من هذا المعنى يقول أحد الباحثين : "ثم إن محمدا صلى الله عليه و سلم ،كان ينقل الدين لا للعقول الراجحة الممتازة من المفكرين المثاليين ...و إنما للعالم المتسع حوله، المؤتزر بالمادية بكافة أنواعها ، و كان عليه أن يخاطب الناس على قدر عقولهم ...وأي شيء يومها أكثر توافقا مع تفكيرهم في الجنة ، من أنهار تجري فيها الم ياه و يجري اللبن و العسل،...و الفاكهة و الخضرة الدائمة و الخصب المثمر " 1.  إحالة الشرع على الزوال و الغروب و غيرهما في إناطة أحكام الصلاة و الصيام بهما، و اعتبار أو زان العرب و مكاييلهم قال صلى الله عليه وسلم : {المكيالمكيال أهل المدينة و الميزان ميزان أهل المك ة}2كما تعلق بأهلتهم و نجومهم فيماافترض عليهم من صيام وحج 3 ،قال تعالى:﴿ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾4.  ومنه أننا نجد القرآن الكريم في مقامات الاستدلال على وجود الخالق يحيل المخاطبين إلى المشاهد المعروفة لديهم كذكر الماء و المراعي و النخ يل و الأعناب و الكلأ ،و الزرع و الإبل والمواشي ، قال تعالى : ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَاب وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِن ْوَانٌ وَغَي ْرُ صِن ْوَان يُسْقَى بِمَاء وَاحِد وَن ُفَضِّلُ ب َعْضَهَا عَلَى ب َعْض فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَات لِّقَوْم ي َعْقِلُونَ ﴾5 ،و قال تعالى :﴿ أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِْبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَْرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾ 6، يقول الطاهر بن عاشور تفسير آيات الغاشية :" وقد عُدّت أشياءُ أربعة هي من النَاظرين عن كَثب لا تغيب عن أنظارهم 1 - روح الدين الإسلامي ،عفيف عبد الفتاح طبارة ،بيروت ، دار العلم للملايين، ط 28 ،-1993 ،ص133 ، نقلا عن :روح الإسلام لسيد أمير علي 2- رواه البيهقي في سننهكتاب البيوع ،باب أصل الكيل و الوزن بالحجاز ،حديث رقم 11159،ح6 ،ص52.و صححه الالبا 3- الإماممقاصد رب الأنام، مرجع سابق، ص 101. 4- سورة البقرة، الآية: 189. 5 - سورة الرعد ، الآية 4 6 - سورة الغاشية ،الآيات 17-20

عدد الصفحات ١٤٥

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 138 ، وعُطف بعضها على بعض ، فكان اشتراكها في مر آهم جهةً جامعة بينها بالنسبة إليهم ...فالإبل أموالهم ورواحلهم ، ومنها عيشهم ولباسهم ونسج بيوتهم وهي حمّالة أثقالهم... ونُقل بهم إلى التدبر في عظيم خلق السماء إذ هم ينظرونها نهارهم وليلهم في إقامتهم وظعنهم ،...ثم نُزِل بأنظارهم إلى الأرض وهي تحت أقدامهم وهي مرعاهم ومفترشهم" 1 ،ولو أنه خاطبهم بما يعهدوه و أحالهم في ضروب الاستدلال إلى ما لم يألفوه لما قامت به الحجة و لا وقع الإعجاز ، وان كان ذلك لا ينفي أن القرآن الكريم قد انتظم من دلائل الإعجاز ما تقصر عن دركه الأفهام في بعض أحوال العصور، ليكون وجودها معجزة في عصور قد يضعف ف يها إدراك الإعجاز النظمي2 .  إقرارهم على الصحيح من عوائدهم و أعرافهم و منها أنكحتهم و بيوعهم و معاملاتهم مع إلغاء الفاسد منها و تهذيب ما يستحق التهذيب ،و من ذلك تقدير العدة بالأقراء و الأشهر بعد أن كانت بلا ضبط و لا قيد، فكان الرجل يقول لزوجه:" و الله لا أو يك و لا تحلين أبدا "3 ،فنزل قوله تعالى:﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان ﴾.4  التدرج في تشريع الأحكام لقد كان من أبرز خصائص القرآن الكريم أنه نزل منجما متدرجا في تشريعاته و أحكامه رعيا لأحوال المكلفين، ذلك أنه لم يكن ليصلحهم أن تترتب في حقهم التكاليف جملة ،و قد رسخت في نفوسهم عادات ألفوها، و معتقداتهم ورثوها منها الفاسد و منها الصالح، فكان مما يشق صرفهم عن الفاسد مما ألفوه، و إلزامهم بما لم يعهدوه دفعة واحدة. و من عظمة المنهج القرآني أن تدرج بهم في التشريع بما يحقق امتثالهم امتثالا يليق بعظمته تحصيلا لمصالحهم العاجلة و الآجلة و ذلك من خلال مسلكين: 1 - التحرير و التنوير ،مرجع سابق ، ج 30، ص305-306 2 - المرجع نفسه ، ج 3، ص159 3- ينظر: في سبب نزول الآية، التحرير و التنوير، ج 2، ص403. 4- سورة البقرة، الآية 229.

عدد الصفحات ١٤٦

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 139 أو ترسيخ العقيدة في النفوس :حتى إذا أيقنت بوجود الخالق و عظمته، و آمنت بشديد عقابه و جزيل ثوابه أذعنت بالانقياد يحدوها حادي الخوف و الرجاء، فكان أول ما نزل كما في الحديث عن أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها -{:سورة من المفصل فيها ذكر الجنة و النار حتى إذاثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال و الحرام ،و لو نزل أو ل شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا، و لو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا }1 ثاتياالتدرج في تشريع الأحكام جملة و تفصيلا: أما التدرج في تشريع جملة الأحكام فالمراد به أنها لم تشرع كلها مرة واحدة و إنما شر عت شيئا فشيئا ففي ليلة الإسراء، قبل الهجرة بسنة فرضت الصلاة ،و في السنة الأولى من الهجرة شرع الآذان والقتال، كما شرعت أحكام من النكاح كالصداق و الوليمة، و في السنة الثانية شرع الصوم و صلاة العيدين و نحر الأضاحي و الزكاة، و حولت فيها القبلة و أحلت الغنائم للمجاهدين...2 ،إ أن اكتمل التشريع و قد تقررت أصوله و فروعه، و كلياته و جزئياته فأمكن للناظر أن يلحق المسكوت بالمنطوق، و ينزل الأحكام على واقع المكلفين بأوجه من الاستدلال، أبان عنها خطاب الشارع أو اهتدى إليها النظر. و منه التدرج في تشريع الحكم الواحد ،فكثير من الأحكام، انتقل فيها التشريع من حال إلى حال، و من حكم إلى حكم بطريق النسخ إلى أن وصلت إلى ما تقرر من أحكامها، و مثال ذلك التدرج في تحريم الخمر،ذلك أنهم لما كانوا شديدو الولع بها تدرج الخطاب القرآني في تحريمها بأن أشار إلى ذمها في قوله تعالى:﴿ وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ ت َتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ﴾3 ثم بين أن مضارها أكثر من نفعها قال تعالى:﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْب َرُ مِن ن َّفْعِهِ مَا﴾4، ثم حرمها في أوقات ليكون أدعى على تركها، في قوله عز 1- أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن ، باب تأليف القرآن، حديث رقم: 4993.ج3 ،ص340 2- ينظر: تاريخ الفقه الإسلامي، عمر سليمان الأشقر، عمان، دار النفائس، ط 3،1412هد1991م، ص48- 52. 3- سورة النحل، الآية 67. 4- سورة البقرة، الآية 219.

عدد الصفحات ١٤٧