الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 140 و جل:﴿ لاَ ت َقْرَبُواْ الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ ت َعْلَمُواْ مَا ت َقُولُونَ ﴾1 و جاء التحريم القاطع قوله:﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَ لِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ﴾2 . ثم إننا لو نظرنا إلى المنهج القرآني في التدرج وجدناه يتردد بين الانتقال في الأحكام من الأخف إلى الأشد ومن الأشد إلى الأخف أما مثال الأول: التدرج في تقرير بعض العقوبات من اليسير إلى الشديد، كما هو الحال ف عقوبة الزناة التى كانت أول التشريع إيذاء وحبسا في البيوت ،قال تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُ وهُنَّ فِي الْب ُيُوتِ حَتَّىَ ي َت َوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ الل هُ لَهُنَّ سَبِيلاً* وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَن ْهُمَا إِنَّ الل هَ كَانَ ت َوَّاباً رَّحِيماً ﴾3 ثم نسخت بحدالجلد للزاني غير المحصن، والرجم للمحصن . ومنه التدرج في تشريع الصوم حيث شرع أولاً مخيراً بينه وبين الفدية عنه، بالنسبة للقادرين على الصوم، ثم ألغى هذا التخيير، وتعين الصوم وحده عليهم قال تعالى ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً ف َهُوَ خَي ْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَي ْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُ مْ ت َعْلَمُونَ ﴾4 ثم قال عز وجل : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ ف َلْيَصُمْهُ ﴾5 يقول السعديا كانوا غير معتادين للصيام وكان فرضه حتما فيه مشقة عليهم درجهم الرب الحكيم بأسهل طريق، وخيرَ المطيق للصوم بين أن يصوم وهو أفضل أو يطعم، ولهذا قال :﴿وَأَن تَصُومُوا خَيد رٌ لَكُم ﴾ ثم بعد ذلك جعل الصيام حتما على المطيق وغير المطيق، يفطر ويقضيه في أيام أخر"6 ،وقيل الجمع بين الآيتين غير ذلك، إلا أن الأول الأقرب من عادة الشارع في تدرج تشريع التكاليف التي فيها مشقة على الناس من تغيير معتادهم7. 1- سورة النساء، الآية 43. 2- سورة المائدة، الآية 90. 3 - سورة النساء : الآيتان 15-16 4 - سورة البقرة ، الآية :184 5 - سورة البقرة الآية 185 6 - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ، عبد الرحمن بن ناصر السعدي ، تحقيق عبد الرحمن اللويحق، الرياض ،دار السلام ،ط 2 ،1422ه- 2002 م، ص85 7 - التحرير و التنوير ، مصدر سابق ،ج 2 ، ص167
عدد الصفحات ١٤٨الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 141 ومثال الانتقال من الأشد إلى الأخف قوله تعالى:﴿يَ ا أَي ُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ ي َغْلِبُواْ مِئَت َيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ ي َغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُو اْ بِأَن َّهُمْ ق َوْمٌ لاَّ ي َفْقَهُونَ ﴾1 ثم قال تعا:﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ ي َغْلِبُواْ مِئَت َيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ ي َغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾2،فجاء التخفيف بعد التشديد تأكيدا على رحمة الخالق عز وجل و دربة على الامتثال و مرانا على الطاعة ، و رعيا لأحوال المكلفين حال التخفيف و حال التشديد، و تلك جملة مقاصد التدرج و النسخ في القرآن،لا تنفك عنه ، وبيان ذلك فيما تقدم أن الجملة منفرة فجاءت التكاليف تتر ى يسبق بعضها بعضا و يقدم بعضها لبعض ،يقول الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَق ُرْآنًا ف َرَق ْنَاهُ لِت َقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْث وَنَ زَّلْنَاهُ ت َنْ زِيلا ﴾3 ":ونزلناه تنزيلا" مبالغة وتأكيداً بالمصدر للمعنى المتقدم، أي أنزلناه نجما بعد نجم ولو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفر وا "4 ، و في هذا المع يقول الإمام الشاطبي: "وكانت أقرب إلى التأنيس حين كانت تنزل حكما حكما وجزئية جزئية؛ لأنها إذا نزلت كذلك، لم ينزل حكم إلا والذي قبله قد صار عادة، واستأنست به نفس المكلف الصائم عن التكليف وعن العلم به رأسا، فإذا نزل الثاني كانت النفس أقرب للانقياد له، ثم كذلك في الثالث والرابع ... فلو نزلت دفعة واحدة لتكاثرت التكاليف على المكلف، فلم يكن لينقاد إليها انقياده إلى الحكم الواحد أو الاثنين." 5،ثم أنها ترددت بين التخفيف و التشديد بما فيه جلب الصلاح و دفع الفساد تعويدا للنفوس على الامتثال حيث يشق الإلزام بما ليس من المعهود ،و حمل على الإذعان تحصيلا لمعاني الابتلاء و الاختبار. يتبين من خلال ما سبق تلك الدلالة الظاهرة لأ صل ر عي العوائد و الأعراف على إثبات ح ظوظ المكلفين ويمكن أن نجملها في أمرين : 1 - سورة الأنفال الآية 65 2 - سورة الأنفال الآية 66 3 - سورة الإسراء ،الآية 106 4 - الجامع لأحكام القرآن ،مصدر سابق ،ج 13 ، ص 188 5 - الموافقات ،مصدر سابق ، ج2 ،ص94
عدد الصفحات ١٤٩الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 142 تحقيق مقصد التعبد وقد تقدم في كثير من المواضع . إن في تقرير أصل الاحتكام إلى الصحيح من العوائد و الأعراف في فهم النصوص و تنزيل الأحكام إثبات حظ المكلف من جهة ر عي المألوف مما للنفس ميل إلى تحصيله ورغب ة عن تركه و تبديله ، لما للعادة من سلطان على الأقوال و الأفعال ، يقول السر خسي:" وفي النزع عن العادة الظاهرة حرج بين "1، وقد تقدم أنه مرفوع في شريعة الإسلام ،لذلك وجب في حق المجتهد متى رام د رك مقاصد التشريع تحقيقا و فهما و تنزيلا ،العلم بأعراف النا س وهو معنى اجتمعت عليه أصول المذاهب. و في ذلك يقول القرافي :" فمهما تجدّد في العرف اعتبره ،ومهما سقط أسقطه، و لا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك... ،و الجمود على المنقولات أبدا إضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين".2 ويرى ابن عابدين أن من شروط المجتهد معرفة عادات الناس ، لأن كثيرا من الأحكام يتغير بتغير أعراف الناس لفساد الزمان ، أو حدوث ضرورة بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه للزم منه المشقة ، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف. 3 وقد يعترض على هذاالاستدلال بما رّده الشارع من أعراف وعادات ألفها العرب زمن الخطاب ، ومن ذلك ما شاع بينهم من أنكحة فاسدة و استباحة لبعض المنكرات وشرب المسكرات و و أد البنات وغيرها من أنواع الفساد ، و الإجابة عن ذلك مرّدها إلى شروط اعتبار الأعراف من جهة ،ومن جهة أخرى فإن الشارع لم يثبت من الح ظوظ لأهل التكليف إلا ما كان فيه ح ظ بجهة الحقيقة لا 1- المبسوط ، شمس الدين السر خسي، بيروت دار المعرفة، (د.ت)، ج 13، ص14- 15. 2- الفروق ،مصدر سابق ،ج1، ص 314. 3- مجموعة الرسائل، مصدر سابق، ج 2، ص125. وينظر في هذا المعنى: المبسوط، السرخسي، مصدر سابق، ج 16، ص62.
عدد الصفحات ١٥٠الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 143 التوهم، وفيما ذكر مصالح موهومة مآلها إلى فساد ، و بذلك يكون الشارع قد جمع بين التقرير و التغيير 1، بر عي الصحيح من العوائد ورّد الفاسد منها تعلقا بحظوظ أهل التكليف. الفرع الرابع: ابتناء الشريعة على جلب المصالح و دفع المفاسد، فيما عقل معناه أو لم يعقل (المنهج القرآني في دوران الأحكام بين التعبد و التعليل) لقد دأب معظم الباحثين في هذا المقام على التنبيه على الأصل العقدي لاختلاف العلماء في مسألة التعليل من حيث مدى إفضائها إلى إثبات الغرض لله عز و جل و هو منزه عن ذلك سبحا نه و التحسين و التقبيح العقليين، إلا أن هذه المرحلة و إن كانت ذات أهمية في التأصيل و ربط مسائل الشريعة بأصولها الاعتقادية و فروعها الفقهية و الأصولية، إلا أنه قد آثرت أن يبنى الاستدلال على الراجح من جملة الأقوال و ما عليه المحققون من أهل العلم، اكتفاء بما كتب في مقامات ذكر الخلاف و بناء على ما تقرر من نوط أحكام الشريعة بالعلل و المصالح. يقول الريسوني:" و أما إذا تركنا جانبا علم الكلام و معاركه و تأثيراته، فإننا لن نجد إلا القول بالتعليل و ممارسة التعليل تطبيقيا...، و كلما رجعنا إلى الوراء حيث ي نعدم أو يتضاءل تأثير علم الكلام في المجال الفقهي و الأصولي كلما وجدنا التعليل مسألة مسلمة ". 2 و بالعودة إلى أصول الأدلة نجد من تظاهر النصوص و الأحكام و العلل و المعاني ما يقطع به أن الشريعة معللة بجلب المصالح و دفع المضار ،و هو أصل نطقت به عبارات أهل الع لم ،و قررته مدوناتهم إحالة على موارد التشريع، يقول ابن القيم:" و القرآن و سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم مملوآن من تعليل الأحكام بالحكم و المصالح... و لو كان هذا في القرآن و السنة في نحو مائة موضع لسقناها و لكنه يزيد على ألف موضع " 3. و يقول العز بن عبد السلام:" و لو تتبعنا مقاصد ما 1- ينظر في هذه القاعدة: مقاصد الشريعة الإسلامية للطاهر بن عاشور، مرجع سابق، ص 340، و الإمام في مقاصد رب الأنام، ص 112 . 2- نظرية المقاصد، مرجع سابق، ص 244. 3- مفتاح دار السعادة، مصدر سابق، ج2، ص22.
عدد الصفحات ١٥١الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 144 في الكتاب و السنة لعلمنا أن الله أمر بكل خير دقه و جله، و زجر عن كل شر، دقه و جله، فإن ا يعبر به عن جلب المصالح و درء المفاسد، و الشر يعبر به عن جلب المفاسد و درء المصالح " 1، و دليل ذلك قوله تعالى:﴿ فَمَن ي َعْمَلْ مِث ْقَ الَ ذَرَّة خَي ْرًا ي َرَهُ ، وَمَن ي َعْمَلْ مِث ْقَالَ ذَرَّة شَرًّا ي َرَهُ ﴾.2 ثم يقول و أجمع آية في القرآن في الحث على المصالح كلها و الزجر عن المفاسد بأسرها قوله تعا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَي َن ْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْب َغْيِ ﴾.3 إلا أن القطع بابتناء الشريعة على جلب المصالح و دفع المفاسد لا يعنّ أن التعليل بالأوصاف الظاهرة و المعاني البينة أصل مطرد في جل أحكامه، إذ يقابل ما يحصله النظر بطريق النص أو الاجتهاد من علل و حكم، أحكام يقف عندها، فلا يدرك لها معنا خاصا أو علة تعقل دون تكلف أو افتيات على الشرع و هو المراد بمنهج الترديد بين التعبد و التعليل. و لبيان حقيقة هذا المنهج و علاقته بحظوظ المكلفين نقف عند تحقيق معنى التعبد و التعليل و متعلقهما من العبادات أو المعاملات، مع تقرير قاعدة "الأصل في العبادات التعبد و في المعاملات الالتفات إلى المعاني، ثم بيان وجه الحظ و المصلحة حال التعبد و حال التعليل و حال التردد بين التعبد و التعليل. تحقيق معنى التعبد و التعليل: أولا: حقيقة التعبد التعبد في اللغة: من العبادة و المراد بها الطاعة و الخضوع و التذلل و تعبد الرجل إذا اتخذه عبدا. 4 1- قواعد الأحكام، مصدر سابق، ص463 2- سورة الزلزلة، الآيتان 07- 08. 3- سورة النحل، الآية 90. 4- لسان العرب، مصدر سابق، المجلد الرابع، ج 32، ص2777،2778.
عدد الصفحات ١٥٢الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 145 أما في الاصطلاحفالمراد به الوقوف عند الأحكام الشرعية المنصوصة ،و عدم إدراك علل لها على الخصوص و إلى هذا المعنى ذهب كثير من العلماء. 1 و من ذلك ما جاء في تقسيم الغزالي للأحكام الشرعية إلى قسمين: تعبدات و تحكمات جامدة لا تعقل معاينها ،وما يعقل معانيه و مقاصد الشرع منه 2، ويرى الشاطبي أن التعبد راجع إلى عدم معقولية المعنى،3 والى ذلك ذهب ابن عاشور 4. و يرى الدكتور مصطفى شلبي أن التعبد يأتي على معني 5 ما لا يعقل معناه على الخصوص و إن فهمت حكمته إجمالا و هذانع التعدية و القياس. ما يكون لله فيه حق، إذا قصده المكلف بالفعل أثيب عليه و يستحق العقاب على تركه، و هو يستفاد من مجرد ورود الطلب من الشارع أمرا كان أو نهيا و هذا المعنى لا ينافي القياس و التعدية. و المراد المعنى الأول من تعذر جهة تعقل المعنى الخاص و إن علمت الحكمة الإجمالية و هي نوط الأحكام بالمصالح طردا مع معهود الشارع في ذلك و مرونة للعباد على الانقياد. و ما ينبغي التنبيه إليه أنه لا يعرف في تميز التعبديات عن غيرها من الأحكام المعللة وجه معين، غير العجز عن التعليل بطريق من الطرق المعبرة على ما هو معلو م في مباحث القياس من علم 1- الحكم الشرعي بين النقل و العقل، ص 337، نقلا عن القياس في العبادات،محمد منظور الهي ، الرياض ، مكتبة الرشد ، ط 1 ،1424ه– 2004م ، ص 265. 2- أساس القياس،أبو حامد الغزالي، تحقيق ، فهد بن محمد السدحان ، الرياض ، مكتبة العبيكان ، ط 1 ،1413ه-1993م ،ص 104. 3- و في ذلك يقول:" و الدليل على ذلك أن التعبد راجع إلى عدم معقولية المعنى"، الموافقات، مصدر سابق،ج 2، ص 318 4- يقددول الطدداهر بددن عاشددور في بيددان معددنى التعبددد:" أن الشددريعة تعبدددتنا بددذلك الحكددم و لم تشددرح مرادهددا مندده"، مقاصددد الشددريعة الإسددلامية، مصدددر سددابق، ص 44. 5- تعليل الأحكام، مرجع سابق، ص 299.
عدد الصفحات ١٥٣الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 146 الأصول1،يقول ابن عابدين:" ما شرعه الله إذا ظهرت لنا حكمته قلنا إنه معقول المعنى و إلا قلنا أنه تعبدي".2 ثانيا: حقيقة التعليل التعليل في اللغة: تبيان علة الشيء، و يراد به ما يستدل به من العلة على المعلول. 3 أما العلة فتأتي في اللغةبمعان مختلفة أهمها المرض و السبب و الحدث يشغل صاحبه عن الأمر.4 أما في الاصطلاح فقد اختلف في تعريفها على أقوال نذكر أهمها: 5 أنها المعرفة للحكم بأن جعلت علما على الحكم إن وجد المعنى و جد الحكم أنها موجبة للحكم على معنى أن الشارع جعلها موجبة لذاتها و هو قول الغزالي. 6 أنها الباعثة على التشريع بمعنى أنه لابد أن يكون الوصف مشتملا على مصلحة صالحة لأن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم. و أنها التي يعلم الله صلاح المتعبدين بالحكم لأجلها و للعلة أسماء تختلف باختلاف الاصطلاحات فيقال لها: السبب و الأمانة و الداعي والمستدعي و الباعث و الحامل و المناط و الدليل و المقتضي و الموجب و الحامل. 7 و الذي يعنينا في هذا المقام لفظ العلة بمعنى الحكمة أو المقصد من التشريع، و قد عده البعض الاستعمال الأصلي و الحقيقي لمصطلح العلة، ثم غلب استعماله فيما بعد بمعنى الوصف الظاهر المنضبط 1- أحكام المعاملات المالية بين التعبد و معقولية المعنى عمر محمد عبد العزيز، الإمارات.ع.م، إدارة البحوث، ط 1،1431هد2010م، ص 43. 2- رد ا تدار علددى الددر المختددار، ابدن عابدددين، تحقيدق: عددادل أحمدد عبددد الموجدود، علددي معدوض، الريدداض، دار عدالم الكتددب، ط 1423هددد2003م، ج2، ص 135. 3- المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، مصر، مكتبة الشروق، ط4،1425هد- 2004م، ص613. 4- لسان العرب، مصدر سابق، المجلد الرابع، ج 36، ص3080. 5- الإبهاج في شرح المنهاج ، ج 3، ص45. 6- إرشاد الفحول، ص 870، البحر المحيط، ج5، ص112 . 7- إرشاد الفحول، مرجع نفسه، ص 871.
عدد الصفحات ١٥٤الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 147 الذي تناط به الأحكام الشرعية، على أساس أن الحكمة و هي مناط الحكم و مقصوده في حقيقة الأمر ترتبط غالبا بذلك الوصف الظاهر المنضبط الذي يسهل إحالة الناس عليه في تعرفهم لأحكام الشرع 1 ،المعنى الذي عبر عنه الشاطبي بقوله:"...و أما العلة فالمراد بها الحك م و المصالح التي تعلقت بها الأوامر أو الإباحة و المفاسد التي تعلقت بها النواهي...فعلى الجملة العلة هي المصلحة نفسها أو المفسدة نفسها –لا مظنتها- كانت ظاهرة أو غير ظاهرة، منضبطة أو غير منضبطة" 2. الأصل في العبادات التعبد: في هذا المعنى يقول الغزالي:" أما العبادات و المقدرات فالتحكمات فيها غالبة و إتباع المعنى نادر".3 و هو أصل ثابت باستقراء النصوص و تتبع موارد الأحكام و يستدل على ذلك بما يأتي:4 الاستقراء :و مثاله في أحكام الطهارة أنها تتعدى محل موجبها كالغسل والوضوء و اختصاصها بالماء الطاهر مع إمكان النظافة بغيره ،وشرع التيمم بدلا عن فقد الماء ،وظاهره لا يقتضي الإنقاء والتطهير ، وكذلك الصلوات خصت بأفعال مخصوصة على هيآت مخصوصة إن خرجت عنها لم تكن عبادات. أن الشارع توسع في بيان أوجه العلل و المصالح في أبواب العادات و المعاملات دون العبادات،ولو كان المقصود ال توسع في وجوه التعبد بما حدّ ولم يحدّ لاتسع في ها ،بدليل أن الشرع مجال تعقل المعاني، وهو دليل على أن المقصود الوقوف عند ذلك المحدود إلا أن يتبين بنص أو إجماع معنى في بعض الصور فيتبع وإن اختلف في ذلك.5 أن العقلاء لم يهتدوا لوجوه التعبدات في أزمنة الفترات اهتدائهم لوجوه معاني العادات مما ينتصب دليلا على أن العقل لا يستقل بدرك معانيها فضلا عن وضعها. 1- نظرية المقاصد، مرجع سابق، ص 24. 2 - الموافقات ، مصد سابق ، ج1 ، ص265 3- شفاء الغليل، مصدر سابق، ص 203. 4- ينظر: الموافقات، مصدر سابق، ج 2 ،ص 300-301، و تعليل الأحكام، ص296- 297. 5- تعليل الأحكام، مرجع سابق، ص 296.
عدد الصفحات ١٥٥الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 148 أن العبادات حق خالص لله عز وجل ولا سبيل إلى معرفة هذا الحق كما وكيفا وزمانا ومكانا و قضاء و أداء إلا من جهته وعلى الحد الذي وضعه، دون زيادة عليه وهو أصل ع ظيم للتفرقة بين البدعة و المصالح المرسلة و الاستحسان.1 وقد يع تر ض على هذا الأصل بما جاء في بيان القرآن الكريم والسنة النبوية لحكم العبادات و مصالحها قال تعالى:﴿إِنَّ الصَّلاةَ ت َن ْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ ﴾2 وقال تعا﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَت ُزَكِّيهِم بِهَا﴾.3 وفي ذلك يقول ال ريسوني: "و خفاء الحكمة والقصد في بعض تفاصيل العبادات من مواقيت و أعداد و كيفيات لا ينتهض سببا لقلب المسألة من أساسها ،و اعتبار الأصل في العبادات هو التعبد و عدم التعليل".4 ولعل الإجابة عن مثل هذهالاعتر اض في التنبيه على مرادهم بالقول أن الأصل في العبادات التعبّد وهو أنها ليست معلّلة تعليلا ينتج قياسا في الغالب، خروج ا عن الخلاف في جوازه في بعض الأحكام عند من يقول بذلك ، إلا أنه استثناء لا يقدح في الأصل، أمّا كونها معلّلة تعليلا إجماليا بمصالح العباد بدليل النص أو الاستقرا ء فمما لا خلاف فيه ،و لا تعارض بين ما تقدم و ما ذكره الكيلاني من ثبوت الالتفات إلى معنى الحكم العبادي و النظر في حكمته و اعتماد هذه الحكمة في تكييف الحكم الشرعي استدلالا و ترجيحا، 5 خاصة في أبواب العبادات المالية و الطهارات، إذ لكل قاعدة كلية، جزئيات قد تخرج عنها، فلا يقضى بانخرام الكلي لخروج بعض الجزئيات عنه و هذا معنى قولهم أن الغالب فيها " التحكم خاصة و أن معظم ما جاء في تعليل العبادات حكم عامة و هذه الحكم العامة لا تعطي علة 1- ينظر الاعتصام، مرجع سابق، ص 308 و ما يليها 2- سورة العنكبوت، الآية: 45. 3- سورة التوبة، الآية: 103. 4- علاقة مقاصد الشريعة بأصول الفقه،مرجع سابق ،ص 64. 5- قواعد المقاصد، مرجع سابق، ص 239
عدد الصفحات ١٥٦الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 149 خاصة يدرك بها كل حكم 1. يقول الشاطبي:" أكثر العلل المفهومة الجنس في أبواب العبادات غ مفهومة الخصوص "2،ذلك أن الحكم الأصل فيه أن يدور مع العلة القياسية وجودا و عدما،و لو ثبت ذلك في كل عبادة لأمكن نقضها بانتفاء العلة، و لا يقول بذلك منتسب لشرعة الإ سلام. أما كون هذه العلل تنتهض حال الاجتماع لتقرير القواعد و الأصول الكلية فهو أمر يوجبه عمق التتبع و قوة النظر، و من تلكم القواعد المستقرأة قاعدة الضبط و التحديد، و التيسير و الاحتياط و غيرها. الأصل في المعاملات التعليل بمصالح العباد: و هو معنى تضافر ت على تقريره المدونات الأصولية و مما جاء في ذلك ما ذكره السمعاني في قواطع الأدلة بقوله:" أصل عقود المعاملات معقولة المعنى إلا أن الشرع أثبت فيها أنواع من التعبدات يلزم اتباعها و لا يجوز تجاوزها و تعديها " 3، و يرى الغزالي أن المعاملات مبنية على المصالح الظاهرة، فيكون فيها التعبد نادرا و في ذلك يقول:" إن ما يتعلق من الأحكام بمصالح الخلق من المناكحات و المعاملات و الجنايات و الضمانات و ما عدا العبادات فالتحكم فيها نادرا " 4، و عدها ابن العرن في بيانه لأقسام الأحكام، مما يجري فيه التعليل قطعا و تلحق فيه الفروع بالأصول. 5 و في هذا المعنى يقول السمعاني:" وجه انقسام الشرع إلى هذين القسمين هو أن بعضها لا يعقل معانيه ليتحقق الإسلام لأمر الله عز و جل و بعضها ما يعقل معناه ليتم شرح الصدور بتعليل ما يعقل معناه "6، و قد دل على ذلك أمور منها:1 1- القياس في العبادات، مرجع سابق، ص 416. 2 - الموافقات ، مصدر سابق ، ج2 ، ص302 3- قواطع الأدلة، مصدر سابق، ج4، ص121. 4- شفاء الغليل، أبو حامد الغزالي ،تحقيق محمد الكبيسي ،بغداد ،مطبعة الارشاد ،ط 1 ،1390ه– 1971م، ص 203. 5- المحصول في أصول الفقه، أبو بكر بن العرن، الأردن، دار البيارق، ط 1،1420هد- 1995م، ص133. 6- قواطددع الأدلددة في أصددول الفقدده، منصددور بددن محمددد السددمعاني، تحقيددق: عبددد الله بددن حددافظ الحكمددي، م.ع.س، مكتبددة التوبددة، ط1،1419هددد- 1998م، ج4، ص71 .
عدد الصفحات ١٥٧الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 150 أ. الاستقراء: حيث ثبت بتتبع النصوص و الأحكام ر عي الشارع لمصالح العباد في العادات و دورانها معها حيثما دارت ، و من ذلك أن الشيء الواحد يمن ع في حال لا تكون فيه مصلحة فإن كان فيه مصلحة جاز ،ومن ذلك جواز القرض و تحر يم الربّا . ب. أن الشارع توسع في بيان العلل و الحكم في تشريع باب العادات و أغلب ما علّل فيها بالمناسب الذي إذا عرض على العقول تلقته بالقبول، و هذا تنبيه منه سبحانه و تعالى للالتفات إلى المعاني لا الوقوف عند النصوص. ت. أن أرباب العقو ل في زمن الفترات قد اعتبروا المصالح في كثير من العادات فأقرت منها الشرائع الشيء الكثير مما فيه صلاح الناس، و استقامة معاشهم بخلاف العبادات. ث. مشروعية الكثير من المعاملات مما للناس حاجة إلى تحصيله و إن جاء القياس بخلافها 2 ، و مثالها الإجارة و المسا قاة و الجعالة والسلم و الوصية ،وفي وجه مخالفتها للقياس أن الإجارة بيع معدوم لأن المنافع حال العقد معدومة و الأصل أن يتقابل العوضان، و السلم مقابلة معدوم بموجود وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عنده ،وكذلك المساقا ة و المضاربة عقود على منافع معدومة بأعو اض معدومة حال العقد ،و الوصية تمليك مضاف إلى حال زوال الملكية ،إلا أن القدر الجامع بينها شرعها استثناء تعلقا بمصالح الناس في المعاش و المعاد. ج. اختلاف شروط صحة المعاملات و صفاتها ، و آثارها، حسب اختلاف إفضائها إلى تحقيق مصالح العباد ،ومن أمثلة ذلك اعتبار الشارع التوقيت شرطا في الإجارة ،و المنع منه في النكاح لترتب المصلحة عليه في الأول و الكرّ على أصله بالبطلان في الثاني، و اعتبار اللزوم في عقود كالبيع و الأوقا ف و الضمان على حين اعتبر الجواز في عقود أخرى ،كالوكالة و الجعالة لاختلاف وجه المصلحة فيها.3 1- الموافقات، مصدر سابق،ج 2، ص 305- 703. 2- ينظر: البرهان، ج2، ص931، و اشباه و النظائر للسيوطي، ص 117- 118. 3- ضوابط المصلحة، مرجع سابق، ص 83- 84.
عدد الصفحات ١٥٨الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 151 دالأصل في العادات التوسع و الزيادة على ما هو كائن لذلك جاءت أحكامها معلّلة بما يضبطها بقيد الشرع دون التوقف عند النصوص بخلاف العبادات. 1 إلا أنه مما ينبغي الوقوف عنده أن للتعبد نصيبا في المعاملات لا يصح إهداره ومن ذلك الذبح في المحل المخصوص في الحيوان المأك ول ،و المفروض المقدّر في المواريث و العدد باختلاف أنواعها و طرق احتسابها و موجبها من طلاق أو وفاة .2 بالنظر إلى ما تقدم و ما سيقت المسائل للدلة عليه يمكن أن يطرح السؤال الآ تي : ما وجه الحظ حال التعبد و حال التعليل و حال التردد بين التعبد و التعليل . و في ذلك يمكن القول: أن المقصد من مقام التعبد ، كمال الرق و الانقياد، حيث لا معاني تعقل تميل النفس إليها و يأنس الطبع بها، يقول الغزالي:" فأما ترددات السعي و الجمار و أمثال هذه الأعمال فلاحظ للنفوس فيها، و لا أنس للطبع بها، و لا اهتداء للعقول إلى معانيها، فلا يكون في الإقدام عليها باعث إلا الأمر المجرد، و قصد الامتثال للأمر من حيث أنه واجب الإتباع فقط، و فيه عزل للعقل عن تصرفه و صرف النفس و الطبع عن محل أنسه، فإن كل ما أدرك العقل معناه مال الطبع إليه ميلا ما فيكون ذلك الميل معينا للأمر و باعثا معه على الفعل فلا يكاد يظهر به كمال الرق و الانقياد " 3، فيكون حظ المكلف متشوفا إليه باعتبار المآل، إذ في مجرد الامتثال حال خفاء المعا تحصيل للخشية و هي سبب صلاح المعاش و المعاد بدلالة النصوص و الاستقراء.ويقول أحد الب احثين :"و المعاني المجردة لوترك أمر تحديدها إلى العباد أنفسهم يعبدون الله عليها بما تصوروه...لم يكن ما يأتون به امتثالا لشرع، بل أمر من عند أنفسهم مخترع،و لافترقوا فيه افتراق وجهات النظر، فإذا الدين و العبادة ،مجرد عادات تستطاب،فتنعكس الأوضاع و بدلا من أن يكون لمبادئ الدين القيادة في توجيه 1- مقاصددد الشددريعة تأصدديلا و تفعيلا،محمددد بكددر اسماعيددل حبيددب ،سلسددلة دعددوة الحددق ، كتدداب شددهري محكددم ، السددنة 22 العدددد216، سددنة1427، ص 198. وينظر: طرق الكشف عن مقاصد الشرع، مرجع سابق، ص 202. 2- تعليل الأحكام، مرجع سابق، ص 297. 3- إحياء علوم الدين، مصدر سابق، ج1، ص274.
عدد الصفحات ١٥٩الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 152 النفوس و إصلاحها،تكون النفوس قد اتبعت أهواءها باسم الدين،و انسلخت مما كلفت به من مظاهر التعبد على وجه خاص " 1. وهو أظهر حال التعليل بما يغنّ عن البيان، ويقتصر في ذلك على أمور: أن الاحتكام إلى ضابط الشرع أبلغ في تحقيق المصلحة مما يراه العبد كذلك، ذلك أن الله عز وجل أعلم بعباده و بأسباب صلاحهم و فسادهم، و أن العقول مهما بلغت من قوة النظر و صحة الفهم لا تستقل بدرك المصالح تفصيلا ،فجاءت الأوامر و النواهي في باب العادات و المعاملات معلّلة بجلب الصلاح و دفع الفساد و إن تفاوت في تحصيلها النظر. إن أبواب العادات و المعاملات مما للنفوس ميل إلى طلبهاكتسابا و انتفاعا ، لما فيها من نيل للمستلذات و سدّ للخلا ت وللناس في ذلك منازع ومشارب ، فإن تركوا من غير ضابط الشرع ساد التنازع و غلب الخصام و آل الأمر إلى فساد2، لاختلاف الأهواء و لأغراض قال تعالى :﴿وَلَوِ ات َّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ ﴾.3 و في ذلك يقول شارح المنهاج :"ولمّا كان كل فرد من أفراد النوع يشتهي و يحب بمقتضى طبعه طلب ما يلائمه و ينفر و يغضب على من يزاحمه ، فيخشى أن يقع الجور و يختل النظام ،شرعت الأحكام المتعلقة بفصل الخصومات وإثبات الحقوق على الوجه الأكمل".4 نوط أحكام المعاملات بالعلل الجزئية و المعاني الكلية سبيل إلى تحقيق مقاصد الشرع انتظام أحوال الأفراد و الجماعات فيما عهد من التصرفات و في النوازل التي لا نص فيها و إلا "خلت 1-الحكم الشرعي بين العقل و النقل،الصادق بن عبد الرحمن الغرياني ،دار ابن حزم ،ص 345 . 2- ينظر: مقاصد الشريعة تأصيلا و تفعيلا، مرجع سابق، ص 200 . 3- سورة المؤمنون، الآية: 71. 4- نهاية السول في شرح منهاج الأصول، ج 4، ص349.
عدد الصفحات ١٦٠الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 153 الوقائع لعدم كفاية العمومات 1 ،و في ذلك تحصيل لما سبق و تقرير الإثبات الحظوظ ، حال تغير الأزمان و الأماكن و الأحوال . أنهأدعى للامتثال ذلك أن للنفوس تطلع إلى جلب الملائم و في بيان مصالح العباد ر عي لحظهم على هذا الاعتبار، و في ذلك يقول الآمدي :"أنه إذا كان معقول المعنى كان أقرب إلى الانقياد وأسرع في القبول فكان أفضى إلى تحصيل مقصود الشارع من شرع الحكم"2. و حاصل ذلك أن إناطة الأحكام بمنهج التردد بين مقام ات التعبد و التعليل ، يحقق التعبد المطلق من حيث الجمع بين ح ظوظ المكلفين و مقام الربوبية ، لأن في رعي الحظ مداومة المكلف على امتثال الأحكام و في نفي الحظ تحصيل للخشية.3 التفريق بين المتماثلات و الجمع بين المختلفات : إن كان الأصل الجمع ب ين النظائر و التفريق بين الضرائ ر ر عيا لفطرة العقول و ت يسيرا لتحصيل الفر و ع من الأصول 4 ،فقد ثبت باستقرا ء النصوص الجمع بين المختلفات و التفريق بين المتماثلات ، و أدلة ذلك من ثورة في كتب الأصول و الفروع . منها التسوية في الفدية بين قتل الصيد خطأ أو عمدا ،و التسوية بين الزنا للمحصن و الردّة في إيجاب القتل ،و الوطء في الصوم و الظهار في إيجاب الكفارة ، ومن التفريق بين المتماثلات إيجاب الغسل بخروج المنّ دون البول ،و الغسل من بول الجارية دون الصبي ،و قطع السارق دون الغاصب 5 . و النظر في هذه القاعدة من حيث دلالتها على إثبات اظوظ ينتظم أمورا ثلاثة: أولا: أنها لا تنهض دليلا على ردّ العمل بالقياس و تعليل الأحكام بالمناسب من المصالح. 1- فواتح الرحمو ت، مصدر سابق، ج2، ص 363 . 2 - الإحكام ،مصدر سابق ، ج3 ، ص332 3- محاضرات الدكتور الأخضري في مقاصد الشريعة 4- الإمام في مقاصد رب الأنام، مرجع سابق، ص 122 5- المحصول، الرازي، ، ج5، ص109.
عدد الصفحات ١٦١الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 154 ذلك أن:" القياس بجامع و المختلفات يجوز اجتماعها في صفة مشتركة تصلح لأن تكون هي الداعي و المقتضي للحكم و تشريكها فيه ثم إن من المتم اثلات ما يجوز افتراقها لعدم صلاحية الجامح أو وجود معارض في الأصل أو في الفرع يقتضي عدم التماثل بينهما ".1 و يضاف إلى ذلك أن امتناع القياس في صور معدودة لا يقتضي امتناعه من أصله إذا لا يقدح في الأصل و رود بعض الصور النادرة على خلافه .2 ثانيا حمل ما ورد من جمع للمختلفات و تفريق للمتماثلات على التعبد الذي لم تد رك علته أو على مقتضى العلة الإجمالية عملا بالمعهود الشرعي القاضي بتعليل الأحكام ، و في ذلك حكمة بالغة حيث يتردد المكلف بين التعبد و التعليل تحقيقا لمقام التعبد.3 ثالثا أن المعاني التي لأجلها جمعت الضرائر و ف رّ قت النظائر إمّا أن تخفى فيتقرر ما تقدم و إما أن تظهر فيتمسك بها دون تعسف4 ،و من ذلك التفريق بين الرجال و النساء فيما يرّد إلى الجبلة من عوارض المساواة و فيما لا مصلحة للجمع بينهم فيه وقد تقدم . و الأصل الجامع التفات الشارع إلى المعاني و المصالح حال التفريق و حال الجمع و إن ظهر تماثل الحقائق أو تمايزها ممّ ا يقرّر دوران الأحكام مع المصالح و جودا و عدما حال الخفاء و حال الظهور ،ذلك أنه إن كان من الصلاح موافقة المنقول للمعقول ، فلا يقل عنه صلاحا قيد العقول بلجام الشرع ، حيث يتقرر التوقف و تسريح النظر حيثما ثبت ذلك. الفرع الخامس : الوسطية وصف جامع: 1- إجابة السائل شرح بغية الآمل ،مصدر سابق ،ص 172 2- الإبهاج شرح المنهاج، مصدر سابق، ج 3، ص23.و المحصول، مصدر سابق، ج5، ص114. 3- الإمام في مقاصد رب الأنام، مرجع سابق، ص 126- 127. 4- و في ذلددك إشدددارة إلى بعددض مدددا أورده ابدددن القدديم مدددن توجيهدددات للجمددع بدددين أوجددده التفريددق بدددين المتمددداثلات و الجمددع بدددين المختلفدددات ممددا ظددداهره ال تعسدددف كالتفريق بين بول الصبي و الصبية. ينظر: أعلام الموقعين، مصدر سابق ،ج1، ص424 و الإمام في مقاصد رب الأنام، مرجع سابق، ص 126.
عدد الصفحات ١٦٢الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 155 الوسطيةفي التشريع من الكليات التي قررتها نصوص لقرآن و السنة حتى بلغت مبلغ القطع، حيث تظاهر في ذلك أفراد الأدلة و مجموعها، فإن الناظر في منظومة التشريع، ليقطع بأنها جارية على الطريق الوسط الأعدل الذي لا ميل فيه، أما ما ظهر فيه شيء من النزوع إلى أحد طرفي التشديد و التخفيف، إنما هو لمقابلة انحراف واقع أو متوقع 1، و مثاله فعل الطبيب الحاذق، الذي يصف من أنواع العلاج حال دخول الأدواء و الأسقام ما فيه الشفاء ،و إن كان على غير المعتاد في جانب التوسط و الاعتدال، و مثل هذا الوصف لا يخرج عما تقدم في مباحث الفطرة و السماحة و رعي العوائد و غيرها، إنما ينتظمها جميعا إذ كان من وسطية الإسلام أنه دين الفطرة التي لا يصلحها إلا التوازن و الاعتدال و دين السماحة في غير استرسال أو ميوعة.... و فيما يأتي بيان لحقيقة الوسطية و شواهدها في القرآن و السنة و علاقتها برعي حظوظ المكلفين. حقيقة الوسطية أولا: الحقيقة اللغوية الوسط بفتح السين اسم لما بين طرفي الشيء و هو منه و قد يأتي صفة بمعنى خيار و أفضل، من جهة أن أوسط الشيء أفضله و خياره كوسط المرعى خير من طرفيه. 2 و واسطة القلادة الجوهر الذي في وسطها و هو أجودها3 و الوسط العدل جاء في اللسان"وسط الشيء و أوسطه أعدله".4 و يقال أيضا:" شيء وسط أي ب الجيد و الرديء". 5 ثانيا: الحقيقة الشرعية 1- ينظر: الموافقات، مصدر سابق، ج 2،ص 671. 2- لسان العرب، مصدر سابق، المجلد السادس، ص 4861. 3- الصحاح، مصدر سابق، المجلد الثالث، ص1167. 4- لسان العرب، مصدر سابق، المجلد السادس، ص 4832. 5- الصحاح، مصدر سابق، المجلد الثالث، ص1167.
عدد الصفحات ١٦٣