الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 108 و استثنى البعض في تعريف الاستقراء التام صورة النزاع من أن يشملها التتبع ،فخرج بذلك عن كونه قطعيا لاحتمال مخالفة تلك الصورة لغيرها. 2 ثانياالاستقراء الناقص :و هو" إثبات الحكم لثبوته في أكثر جزئياته ويسمى إلحاق الفرد بالأعم الأغلب"3 ،و ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه حجة لإفادته الظن و العمل بالظن لازم في الشرعيات 4 و في ذلك يقول الغزالي:" إن قصور الاستقراء عن الكمال أوجب قصور الاعتقاد الحاصل عن اليقين و لم يوجب بقاء الاحتمال على التعادل كما كان، بل رجح بالظن أحد الاحتمالين و الظن في الفق ه كاف و إثبات الواحد على وفق الجزئيات الكثيرة أغلب من كونه مستثنى على الندور". 5 و خالف في ذلك الرازي حيث ذهب إلا أنه لا يفيد الظن إلا بدليل منفصل، ثم بتقدير حصول الظن كان حجة6، و محل الخلاف على ذلك هو كونه يفيد الظن لا أن الظن المستفاد منه حجة 7 و ما يظهرأن الاستقراء الناقص حجة متى تعذر استغراق جميع الجزئيات بالتتبع و النظر، أو ثبت اطراد أحكامها بحيث يعلم دخولها في حكم الجزئيات المستقرأة. و لا يقدح فيه متى استوف شرائطه خروج بعض الجزئيات عنه، ذلك لأنه إنما يكون لدخولها تحت كلي آخر، لما علم من تداخل القواع د الشرعية و تكاملها، أو لوجود أمر خارجي منع من جريان الحكم الكلي فيها كتخلف شرط أو وجود مانع، أو أن تكون غير داخلة أصلا تحت ذلك الكلي و إنما ألحقت به لشدة شبهها بجزئياته. 8 1- الإبهاج في شرح المنهاج، مصدر سابق، ج 3، ص173. 2- شرح جمع الجوامع بحاشية العطار، مصدر سابق، ج 2، ص385. 3- الإبهاج في شرح المنهاج، مصدر سابق، ج 3، ص173. 4- نهاية السول، مصدر سابق، ج4، ص377. 5- معيار العلم، مصدر سابق، ص105. 6- المحصول، مصدر سابق، ج6، ص 161. 7- الإبهاج في شرح المنهاج، مصدر سابق، ج 3، ص174. 8- طرق الكشف عن مقاصد الشرع، مرجع سابق، ص 276- 179، باختصار و تصرف
عدد الصفحات ١١٦الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 109 وفي ذلك يقول الشاط الأمر الكلي إذا ثبت كليا فتخلف بعض الجزئيات لا يخرجه عن كونه كليا، و أيضا فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي، لأن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت... ،و أيضا فإن الجزئيات المتخلفة قد يكون تخلفها لحكم خارجة عن مقتضى الكلي فلا تكون داخلة تحته أصلا، أو تكون داخله لكن لم يظهر لنا دخولها أو داخلة عندنا لكن عارضها على الخصوص ما هي به أولى".1 أما خلافهم في اشتراط الأكثرية أو الأغلبية بالنسبة إلى الجزئيات المستقرأة ، فمعلوم أن النظر في الأكثر أولى و أفضل من النظر في الأقل لذلك كان حريا بالمجتهد استفراغ الوسع في التتبع و الاستقصاء بما يورث الظن الغالب ،إلا أن يتعذر ذلك لندرة الجزئيات ، وقد لا تدعوا الحاجة إليه أصلا لاطراد الجزئيات المستقرأة أو وجود ما يقوي و يؤكد المعنى الكلي الثابت بطريق الاستقراء 2. الفرع الثالث :دلالة الاستقراء على رعي حظوظ المكلفين بعد بيان حقيقة الاستقراء و أقسامه فإن التساؤل الذي يبقى مطروحا، ما دلالة الاستقراء على أصل رعي الحظ في القرآن الكريم؟ و إجابة عن ذلك يمكن القول أن علاقة الاستقراء بالمعنى المراد الاستدلال عليه تنتظم أمورا أهمها: أولا :إثبات أصل رعي الحظ :و ذلك من خلال تتبع النصوص الجزئية و آحاد الأدلة التي تنتظم المعنى المراد بالاستدلال ، و هو خلافا لما قد يتصور ليس تحصيلا لما ثبت بالنص ذلك أن الثابت صورة جزئية و أصل رعي الحظ كلي لا تقرره آحاد الأدلة ،إلا متى انضاف بعضها إلى بعض،إلا أن تكون من قبيل العموم الذي لا يعتريه التخصيص فتنتهض قواعد كلية يبنى عليها غيرها، و هي مسألة أخرى. و مثال ذلك لو نظرنا إلى ما جاء في تعليل الصلاة بحصول الرزق و الزكاة بنماء الأموال و البركة، والصوم بكونه جنة، و الحج بشهود المنافع ،و قد تقدمت أمثلتها في غير موضع من هذه الدراسة،تقرر 1- الموافقات، مصدر سابق، ج 2 ،ص53-54. 2 - فصول في الاجتهاد و المقاصد ، مرجع سابق ، ص 90 بتصرف و اختصار
عدد الصفحات ١١٧الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 110 بذلك معنى مشك و هو حصول حظ المكلف في طريق الامثتال من حيث المآل،إذ المقصد الأصلي من العبادات الإذعان و التسليم و الخضوع لأوامر الله عز و جل و نواهيه،فكان رعي الحظ مقصدا تبعيا متمما و مكملا للمقصد الأصلي. أما في العادات و المعاملات فأصل رعي الحظ أكثر جلاء ذلك أننا لو تبعنا أحكام المناكح و المشارب و المساكن و الملابس و أنواع التصرفات و الأعمال و الأقوال لوجدنا أنها متعلق الإباحة ،إجمالا من حيث الجزء لا الكل و من حيث رجوعها إلى اختيار المكلف ،و هو ظاهر في إثبات رعي الحظ إذ جعل الله عز و جل للمكلف التسبب إلى تحصيل حاجاته على الوجه الذي يراه مصلحة ، و التشوف إلى ذلك في أفعاله و أقواله و تصرفاته و أناط ذلك بفعله و اختياره، متى كان على مقتضى الشرع و الحد الذي حده. ثم إننا لو استقرأنا أحكام المعاملات و العادات وجدنا أنها قد تشرع ،و إن جاءت بخلاف الأصل و مثاله الإجارة و الج عالة و السلم و الوصية، و في ذلك حظ للنفس ظاهر. ثانيا :ضبط أصل رعي الحظ بالضوابط و الشرائط و الأوصاف الشرعية ،و ترتيب الحظوظ المعتبرة على وزان من رعي الأولويات و النظر في المآلات، و الترجيح بين المصالح و المفاسد، الأمر الذي انتظمته القواعد الفقهية و المقاصدية التي استندت إلى أصل الاستقراء . ثالثا :تقرير الكليات التشريعية التي يرد إليها في الحكم على الحظوظ الجزئية المرسلة عن شهادة النص أو الأصل الخاص، وفق منظومة الإلحاق أو ما يعبر عنه بالقياس الكلي أو العام ذلك أن وظيفة الاستقراء لا تخلوا من أمرين: إيجاد و صياغة و تقرير القاعدة الكلية أو الأمر الكلي المستخلص من تصفح الجزئيات وتتبعها ، و إجراء القياس و الحمل على القاعدة الكلية ، فيتم بموجب ذلك إلحاق الجزئي بكليه و الفرع بأصله
عدد الصفحات ١١٨الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 111 و النوع بجنسه ، وهو ينتظم جملة من أصول الاستدلال كالمصالح المرسلة و الاستحسان و المقاصد الاستقرائية وغيرها 1. المطلبالرابع: الأوصاف الكلية للشريعة من المسالك المعتبرة في الاستدلال على رعي حظوظ المكلفين النظر في الأوصاف الكلية للتشريع ،و المراد بها في هذا المقام:"الصفات البارزة التي تعلق بها المنهج التشريعي العام ،في محاكمة الوقائع ،و أذن في الاحتكام إليها،حال تعدد الأزمنة و الأمكنة و الأشخاص ،لتكون قانونا عاما في الفتيا و الاستدلال "2 ،و يأتي في مقدمتها وصف الفطرة والسماحة و رعي العوائد و الوسطية ،و فيما يأتي بيان لحقيقة هذه الأوصاف و علاقتها بالمعنى المراد الاستدلال عليه : الفرع الأول: الفطرة الفطرة أصلها اسم هيئة من الفطر و هو الخلق قال تع الى:﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَي ْهَا﴾3 ،و قد اختلف المفسرون في بيان المعنى المراد بالفطرة على أقوال عديدة ، فذهب البعض إلى أن المقصود بها التوحيد 4،وقيل دين الإسلام، و المراد بفطرهم على د ين الإسلام خلقهم قابلين له غير نابين ولا منكرين له لكونه مجاوبا للعقل مساويا للنظر الصحيح حتى لو تركوا لما اختاروا عليه د ينا آخر5 1 - فصول في الاجتهاد و المقاصد ، مرجع سابق ،ص 92 و ينظر ص137 2-الإمام في مقاصد رب الأنام ،مرجع سابق ،ص 95.. 3- سورة الروم، الآية 30. 4- مفاتيح الغيب، مصدر سابق، ج3، ص121 . 5- روح المعدداني، الألوسددي أبددو الفضددل شددهاب الدددين السدديد محمددود، تحقيددق: السدديد محمددد السدديد، سدديد إبددراهيم عمددران، القدداهرة، دار الحددديث، 1426هددد- 2005م، ج21، ص54.
عدد الصفحات ١١٩الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 112 ،جاء في الصحيحين عن أن هريرة قال صلى الله عليه وسلم {: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تولد البهيمة بهيم ة جمعاء هل تجدون من جدعاء}1. و قال ابن عطية:" و الذي يعتمد عليه من تفسير هذه اللفظة أي الفطرة أنها :" الخلقة و الهيئة في نفس الطفل التي هي معدة مهيأة لأن يميز بها مصنوعات الله عز وجل ويستدل بها على ربه و يعرف شرائعه ويؤمن به "2،و الفطرة بهذا المفهوم لم تخرج عن الاستعداد العقلي للاستدلال على الخالق عز وجل وقبول شرعه اعتقادا وعملا ،وقد أكد ابن عاشور هذا المعنى مبرزا ارتباطه بأوصاف الشريعة الإسلامية و خصائصها العامة، لذلك فقد جاءت الفطرة عنده على معنيين: معنى عام: و يراد به النظام العام الذي أوجده الله عز وجل في كل مخلوق جسدا أو عقلا .3 معنىخاص: ويطلق على الفطرة الباطنية العقلية وهو المراد باختصاص الإسلام بوصف الفطرة وفي ذلك يقول "و معنى وصف الإسلام بالفطرة أنه جار على ما فطر عليه البشر عقلا"4،وهو يريد بذلك التفري عات الشرعية لأن أصول الاعتقاد مما اشتر كت فيه كل الأديان ، ويبين هذا المفهوم في موضع آخر فيقول: "وصف الإسلام بأنه فطرة الله معناه أن الاعتقاد فيه جار على مقتضى الفطرة العقلية وأما تشريعاته و تفاريعه فهي إما أمور فطرية أيضا ،أي جاري ة وفق ما يدركه العقل ويشهد به ،وإما أن تكون لصلاحه بما لا ينافي فطرته ، وقوانين المعاملات راجعة إلى ما تشهد به الفطرة ، لأن طلب المصالح من الفطرة ".5 1- متفق عليه 2- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ، أبو محمد عبد الحق بن عطية ،تحقيق عبد السلام عبد الشدافي ، بديروت ، دار الكتدب العلميدة ،ط 1 ،1422ه -2001م ،ج4 ، ص336 ، 3- مقاصد الشريعة، مرجع سابق، ص 261. 4- أصول النظامالاجتماعي، محمد الطاهر بن عاشور، تونس ،الشركة التونسية للتوزيع ، ص 17،ينظر: المقاصد العامة، بن زغيبة، ص 75- 76. 5- التحرير و التنويرمرجع سابق ، ج 21 ، ص91
عدد الصفحات ١٢٠الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 113 وفي هذا تأكيد لما سبق بأن اراد بالفطرة كوصف اختص به الإسلام هي الفطرة العقلية ، ولعل مثل هذا التأكيد راجع إ لى مكانة العقل كمناط للتكليف ، به تعقل خطاب الشرع و فهم معانيه وامتثال أوامره و نواهيه ،إلا أن المعنى الأول أقرب من حيث الملائمة بين حاجات الجسد والروح و العقل، لما لكل منها من تأثير فدفعة الجسد قوية كما دفعة الروح والعقل ، و طلب النفس للملائم تجتمع فيه عناصر تكوينها،و إن كان هناك من يخالف في هذا المعنى فيرى التفرقة بين الفطرة كاستعداد عقلي و خلقي و بين مجموعة الغرائز الدنيا ، حيث تقتضي الفطرة تنمية الجانب الروحي بيمنا تختص الغرائز بالجانب المادي1 ،وهو إن كان صحيحا من حيث الطرح النظري ،إلا أننّ لا أرى في النظر الجزئي لمكونات الوجود الإنساني فهما لحقيقة هذا الوجود و حاجاته و استعداداته و الله أعلم. ولذلك فإنه يراد ب ر عي الفطرة في الإسلام ملائمته لمجموع الحاجات و الاستعداد العقلية التي يقوم عليها الوجود الإنساني سالمة من الرعونات و الأوهام والتخيلات ،وهو معنى لا يستفاد من دليل جزئي أو مجموع من الأدلة الجزئية إنما تعبر عنه منظومة التشريع و المنهج القرآني والنبوي في شرع الأحكام بوجه تتلقاه العقو ل السلمية بالقبول ،و لا يتناف مع ما جلبت النفوس عليه من طلب للملائم ودفع للمنافر ،مما يستدعي امتثالها امتثالا يليق بشر عه عز و جل بجهة التفضل والامتنان . وفي ذلك يقول الدكتور الأخضري :" و نحن إذا أنعمنا النظر في مراد الشارع وجدناه يدعو إلى التزام الفطرة بفعل ما به قيامها ودفع ما من شأنه أن يرتب خللا فيها واقعا أو توقعا لكي تكون منتجة وداعية إلى المسارعة في الخيرات "، ويعرف بهذا الاعتبار الفطرة بأنها:" الاستعداد الخلقي لقبول النفع و دفع الض ر ر كما أراد الخالق وهي ما كان عليه المكلف قبل الاحتكام إلى الأهواء و الأوهام والتخيلات ".2 1- قضددددية الخددددير و الشددددر في الفكددددر الإسددددلامي أصددددولها النظريددددة و جوانبهددددا التطبيقيددددة، محمددددد السدددديد الجلينددددد، دار العلددددوم، جامعددددة القدددداهرة، ط 2،1981م، ص 240. 2- الإمام في مقاصد رب الأنام ،مرجع سابق ، ص 70.
عدد الصفحات ١٢١الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 114 وما ينبغي التنبيهإليه أن وصف الفطرة دليلا على إثبات حظوظ المكلفين لا يراد به ما ذهبت إليه بعض النظريات من أن منشأ الحقوق هو الطبيعة البشرية مما تفرضه من دواعي و حاجات،إنما المراد بيان ما ثبت بدليل الاستقراء من ر عي الشارع الحكيم لمقتضيات الفطرة تفضلا منه و إحسانا و على وجه هو أبلغ في تحقيق المصالح ودفع المفاسد مما يتصوره الإنسان كذاك. و على هذا الأساس يمكن أن ينظر إلى إثبات حظ المكلف بدليل الفطرة من أوجه عدة: أولا : موافقة المنقول للمعقول: من الأصول الثابتة أن ما علم بصريح العقل الذي لا يختلف فيه العقلاء لا يتصور أن يعارضه الشرع و لا يأتي بخلافه ،يقول ابن القيم:"و نحن نعلم قطعا أن الرسل لا يخبرون بمحال العقول و إن أخبروا بمحارات العقول فلا يخبرون بما يحيله العقل ،و إن أخبروا بما يحار فيه و لا يستقل بمعرفته" 1 ،و قد عضد الشاطبي لهذا الأصل من الأدلة، ما يزيل كل شبهة و يدفع كل اعتراض فكان من جملتها: أنه لو و قع التنافي بين الأدلة الشرعية و قضايا العقول لم تكن أدلة للعباد على حكم شرعي و لا غيره، و بيان ذلك أنها نصبت في الشريعة لتتلقاها عقول المكلفين حتى يعملوا بمقتضاها، و لو نافتها لم تتلقاها فضلا أن تعمل بها،ذلك من جهة التكليف بما لا يصدقه العقل و لا يتصوره بل يتصور خلافه و يصدقه، فإذا كان كذلك امتنع على العقل التصديق ضرورة، فلو فرض ورود التكليف المنافي للتصديق لكان تكليفا بما لا يطاق و هو منتف. أن مورد التكليف هو العقل حتى إذا فقد ارتفع التكليف رأسا ،و هذا واضح في اعتبار تصديق العقل بالأدلة في لزوم التكليف، و لو افترض غير ذلك لاستوى العقلاء و غيرهم و هو باطل. 1- الصواعق المرسلة، ابن القيم ،تحقيق علي بن محمد الدخيل الله ،الرياض ،دار العاصمة ، ج3، ص830.
عدد الصفحات ١٢٢الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 115 أنه لو ثبت التنافي بين أدلة الشريعة و قضايا العقول لكان الكفار أول من رد الشريعة به، لما ثبت من حرصهم على رد ما جاء به رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى وصفوه بالساحر و الشاعر و المجنون1. و شواهد ذلك في القرآن الكريم كثيرة ،منها امتنان الخالق عز و جل بالسمع و البصر و الفؤاد و يراد به العقل2 ، قال تعا﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ ﴾3، و قال تعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ ﴾.4 و وجه الدلالة أمرين: أحدهما أن مصدر العقل هو إرادة الخالق عز و جل و كذلك النقل فلا يصح تعارضهما لوحدة المصدر ،و الثاني حصول الامتنان بالعقل لا يصح مع وقوع التعارض بينه و بين مقتضيات خطاب الشارع، إذ لا يكون و الحال كذلك محل امتنان. و يؤكد هذا المعنى عديد الآيات الداعية للتفكير و النظر، قال تعالى: ﴿ إنَّ فِي خَلْقِ السَّ مَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالن َّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ ب َعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّة وَتَصْرِيفِ ال رِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ ب َيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآَيَات لِّقَوْم ي َعْقِلُونَ ﴾.5 و قال تعا﴿ أَف َلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ ف َتَكُونَ لَهُمْ ق ُلُوبٌ ي َعْقِلُونَ بِهَا ﴾.6 و قال﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ ق َلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾.7 1 - الموافقات ، مصدر سابق ، ج3 ،ص27-28 2- ينظر: التحرير و التنوير، مرجع سابق، ج 3، ص241، ج4، ص232. 3- سورة الملك، الآية: 23. 4- سورة المؤمنون، الآية: 78. 5- سورة البقرة، الآية: 164. 6- سورة الحج، الآية: 46. 7- سورة ق، الآية: 37.
عدد الصفحات ١٢٣الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 116 إن مثل هذه الدعوة تؤكد مكانة العقل في الخطاب القرآني و تنبه الإنسان إلى أنه من أخص خصائصه التي يتجرد بالتنازل عنها عن إنسانيته، قال تعالى: ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ ي َعْقِلُو نَ ﴾.1 و لو كان المنقول مما يعارض المعقول لأدى الأمر بإعمال الفكر و النظر إ نقيض المقصود و لانتفى وقوع الاحتجاج بدلالة العقل، و هو باطل. فكان من أخص حظوظه التي انبنت على أصل رعي الفطرة حظه في الفهم بأن لم يخاطب إلا بما يتلقاه العقل السليم بالقبول ،وقبل ذلك ما جبل عليه من استعداد لمعرفة الخالق و توحيده مما هو باعث ومعين على الفهم و الامتثال. ثانيا :رعي الحقائق ونبذ الأوهام و التخيلات: من أعظم أوصاف ما جاء به خطاب التشريع مراعاته للمعاني الحقيقة، و هي التي لها تحقق في نفسها بحيث تدرك العقول السليمة ملائمتها للمصلحة و منافرتها لها، إدراكا مستقلا عن معرفة عادة أو قانون، كإدراك كون العدل نافعا و كون الاعتداء على النفوس ضارا، فلا عبرة بما تميل إليه العقول الشاذة2، و تشمل الحقائق هنا الاعتبارات، و هي المعاني التي توجد في اعتبار المعتبر بحيث مندوحة للذهن عن اعتبارها، لأن لها تعلقا بالحقائق، و مثالها الأمور النسبية كالزمان و المكان و الإضافات كالأبوة، و نبذ الأوهام و التخيلات و يراد بها المعاني التي يخترعها الوهم من نفسه ،دون أن تصل إليه من شيء متحقق في الخارج. 3 1- سورة الأنفال، الآية: 22. 2- مقاصد الشريعة الإسلامية، الطاهر بن عاشور، مرجع سابق، ص 251. وينظدر: مقاصدد قرآنيددة ينداط بهددا التمكدين الأسددري، علدي أسددعد، مجلدة جامعددة دمشدق للعلددوم الاقتصدادية و القانونيددة، المجلدد 26، العدددد الثداني، سددنة2010، ص 472 . 3- أصول النظامالاجتماعي، مرجع سابق، ص 29، ومقاصد الشريعة، ص251.
عدد الصفحات ١٢٤الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 117 و من إبطال اعتبار الأوهام في القرآن الكريم إبطال أحكام التبنّ و تحريم ما لا مضرة فيه كالبحيرة 1 و السائبة2 و الوصيلة3 و الحام4، قال تعا﴿ مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُل مِّن ق َلْب َيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ الَّلائِي تُظَاهِرُونَ مِن ْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَب ْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ ق َوْلُكُم بِأَف ْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ ي َقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ ي َهْدِي السَّبِيلَ ﴾5، و قال عز و جل﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَة وَلاَ سَائِبَة وَلاَ وَصِيلَة وَلاَ حَام وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ ي َفْت َرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾6. و من السنة النبوية النهي عن الطيرة و الهامة،عن أن هريرة -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلملا عدوى و لا هامة7 و لا طيرة8 و أحب الفأل الصالح9.}10 و عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول كان أهل الجاهلية يقولون إنما الطيرة في المرأة و الدابة و الدار، ثم قرأت: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَة فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَن ْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَاب مِنْ ق َبْلِ أَنْ ن َب ْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾11 .}12 1- البحديرة: هددي الناقددة كدانوا يشددقون أذنهددا نصددفين طدولا علامددة علددى تخليتهدا أي أنهددا لا تركددب و لا تنحددر و لا تمندع مددن مدداء، و لا عدن مرعددى و يكددو ن لبنهددا لأصنامهم و إنما يجعلونها بحيرة إذا نتجت عشرة أبطن و قيل خمسة أبطن و كان الخامس ذكرا. 2- السائبة: البعير أو الناقة تجعل نذرا عن شفاء أو مرض أو قدوم أو سفر، فيقول أجعله لله سائبة و حكم السائبة كالبحيرة في تحر الانتفاع . 3- الوصيلة: الشاة تلد أنثى بعد أنثى فتسمى وصيلة لأنها وصلت أنثى بأنثى، و قيل الوصيلة أن تلد الشاة خمسة أبطدن، و قيدل سدبعة فدالأخإن كدان ذكدرا ذبحوه لأصنامهم و إن كانت أنثى استحيوها، 4- الحام: فحل الإبل إذا أنتجت من صدلبه عشدرة أبطدن فيمندع مدن أن يركدب أو يحمدل عليد ه و لا يمندع مدن مرعدى و لا مداء. و حكمده في الانتفداع كالسدائبة، ينظر: في تفسير الآية التحرير و التنوير، ج7، ص72- 74. 5- سورة الأحزاب، الآية 04. 6- سورة المائدة، الآية 103. 7- الهامة: اسم طائر كانوا يتشاءمون به و قيل روح من لم يدرك ثأره 8- التشاؤم بالطير ونحوه. 9- الكلمة الحسنة يسمعها المؤمن 10- رواه مسلم في صحيحه، باب الطيرة و الفأل، حديث رقم: 5936. ج7 ،ص33 11- سورة الحديد، الآية:22. 12- رواه الحددداكم في مسدددتدركه ،كتددداب التفسدددير ،بددداب تفسدددير سدددورة الحديدددد ،حدددديث رقدددم 3854،ج2 ،ص565 ،و قدددال حدددديث صدددحيح الإسدددناد و لم يخرجاه، و جاء في الصحيح من كلام النبي صلى الله عليه و سلم و الظاهر أن المراد به غير الشؤم الذاتي و إنما قلة الانتفاع .
عدد الصفحات ١٢٥الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 118 و ما ثبت عنه صلى الله عليه و سلم أن الشمس كسفت يوم مات إبراهيم فقال الناس أنها كسفت لموته، فقال صلى الله عليه و سلم إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ ي َنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَد وَلاَ لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَي ْتُمْ فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ }1 إن مثل هذا التوجيه من الشارع يورث سدادا في الفكر و صوابا في العمل 2 ،ذلك أن ابتناء الأقوال و الأفعال و التصرفات على هدي الشرع في رعي الحقائق و نبذ الأوهام تحصيل لمقاصد الشارع ، و تحصين لمدارك الفكر فلا يجتمع حسن النظر و سلامة الفهم و صحة الامتثال إلا بذلك. و قد يستثنى من الأصل المذكور التوسل بالأوهام في تحصيل مراد الشارع، متى ثبت إفضاؤها إلى تحصيل المطلوب، فتكون مطلوبة طلب الوسائل لا الغايات ،و على جهة الاستثناء لا الأصل ، و منه قوله عز و جل تشنيعا لفعل الغيبة ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾.3 ثالثاالتكليف بما يقيم الفطرة و لا ينافيها :إن المتتبع لخطاب الشارع يجد أن أحكامه قد خلت مما ينافي الفطرة ،لذلك لا نجد فيه تكليفا بتغيير الأوصاف الجبلية أو منع مقتضياتها المتعلقة بضرورات و حاجات الوجود الإنساني، وفي ذلك يقول الشاطبي:" الأوصاف التي طبع عليها الإنسان كالشهوة إلى الطعام و الشراب لا يطلب برفعها ولا بإزالة ما غر ز في الجبلة منها فإنه من التكليف بما لا يطاق .... ولكن يطلب قهر النفس عن الجنوح إلى ما لا يحل و إرسالها بمقدار الاعتدال فيما يحل".4 1- رواه البخاري في صحيحه، كتاب الكسوف ،باب الصلاة في كسوف الشمس، حديث رقم: 0431 .ج1،ص321 2- و في هدذا المعديقدول ابدن عاشدور:" فمدا ظندك بعقدول أمدة ربتهدا الشدريعة علدى مثدل هدذا السدداد كيدف تنشدأ أمدة حكيمدة... و لدو لا مدا أدخدل عليهدا مدن تحريف الأفهام و تصديق الأوهام لكانت تاجا فوق جميع الهام... أصول النظام الاجتماعي، ص 38 . 3-سورة الحجرات ،الآية 12 4- الموافقات، مصدر سابق، ج 2 ،ص108.
عدد الصفحات ١٢٦الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 119 و المراد أن التكاليف الشرعية رعت الحاجات و البواعث الفطرية ، إلا أنها وضعت حدودا في طريق التحصيل و الانتفاع هي أقوم بجلب الصلاح و دفع الفساد . و الحديث عن داعي الشهوة يستدعي التنبيه على داع ليس أقل منه أهميته و هو الباعث الخلقي مما كان في أصل الجبلة ،فالناس لم يفطروا على جهة واحدة من الحلم و الغضب والجود والسخاء و الإقدام و الإحجام، و من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم{: إِن فِيكَ خَصْلَت َيْنِ يُحِب ُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ }1، و يقرر الشاط بي أن ما جبل عليه الإنسان من مثل هذه الأوصاف لا يتعلق به الطلب ابتداء، إنما ينصرف إلى قرائ نه أو سوابقه أو لواحقه .2 و تقريرا لمعنى رعي الجبلات في التكاليف انتظ م قسما وافرا من أحكام العبادات و المعاملات معنى الإباحة والعفو والبراءة الأصلية ،فجعل الشارع للمكلف التسبب إلى تحصيل ما جبل عليه من حب للشهوات و نيل للملذات ، وأناطه باختياره حيث لا يترتب الفساد ،لاختلاف الطبائع والقدرات والحاجات . ومما ابتنى على أصل الفطرة من الحظوظ تعيين أصحاب الحقوق و بيان أولوية بعض الناس ببعض الأشياء، أو بيان كيفية تشاركهم في الانتفاع بما يقبل التشارك على طريق فطري عادل، لا تجد النفوس فيه نفرة، و لا تحس بهظيمة ، فكان من أعظمها تلك الحقوق الراجعة إلى أصل التكوين،ومثالها ،حق المرء في تصرفات بدنه و حواسه و مشاعره ، وحقه أيضا فيما تولد عنه ..."، 3 و يدخل في هذا المعنى،رعي فوارق الجبلة فيما لا مساواة فيه من الحقوق والواجبات ومن ذلك نو ط أحكام القوامة و الإمامة بالرجال ، واثبات حق الحضانة والنفقة للنساء ، وهو الذي عبر عنه الطاهر بن عاشور بعوارض المساواة ،ح يث يقول :"و أعنّ بالعوارض اعتبارات تلوح في أحوال معروضات المساواة 1- رواه مسلم في صحيحه ،كتاب الإيمان ،باب الأَم رِ بِالإِيمَانِ بِاللَهِ وَرَسُولِهِ وَشَرَائِعِ الدِّينِ وَالديعَاءِ إِلَي هِ .حديث رقم : 17 ،ج1 ،ص36 2- الموافقات، مصدر سابق.ج2 ، ص ،107 3 - مقاصد الشريعة السلامية ،الطاهر بن عاشور ،ص 422-423 باختصار و تصرف يس
عدد الصفحات ١٢٧الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 120 فيصير إجراء المساواة في أحوال تلك المعروضات غير عائد بالصلاح في بابه 1، و هي تنقسم إلى جبلية و شرعية و سياسية...، وما يهمنا في هذا المقام أن الشارع الحكيم أقر أصل المساواة بين المكلفين في الانتساب إلى الجامعة الإسلامية و إعطاء الحقوق المخولة في الشريعة، و إن حصل التفاوت في تقرير بعضها فهو لا يخرج عما تقدم في رعي الفطرة ،ذلك أنهم مجبولون على التفاوت ،فكانت المساواة هي الأصل إلا أنه يرد عليها ما يرد على غيرها من تخصيص و تقييد ، و الشاهد أن أحك ام القرآن و السنة عامة ما لم يدل الدليل على التخصيص 2. رابعاتحريم مظاهر الانحراف عن الفطرة: تقدم أن الشارع الحكيم رعى الفطر السليمة وجودا بشرع ما به قيامها، على أساسا من رعي الحقائق و نبذ الأوهام ،و لحفظها من جانب العدم، و دفع كل خلل واقع أو متوقع، حرم ذ رائع الانحراف و صوره،و هي تتسع لتنتظم أنماط الفكر و الاعتقاد و السلوك، و ليس المراد في هذا المقام تتبع الجزئيات و استغراق الصور،و إنما يكتفي بنماذج توضح المراد، و لعل أهمها في الجانب الاعتقادي التوجه بالعبادة لغير الله، أو عبادته بغير ما شرع، و تشريك الخلق فيما الأصل إفراد الخالق به، قال تعالى: ﴿ أَغَي ْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْء ﴾3، وقال عز و جل﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾4. إن الانحراف عن فطرة التوحيد قد تعبر عنه النفس في أنماط من السلوك الشاذ تنأى بها عن صور التسببات الشرعية التي جعل الخالق التوسل بها إلى إشباع الحاجات و سد الخلات، على وزان من الوسطية و الاعتدال، بما يوافق هديه و يحقق مقصده من الخلق، ذلك أن الله عز و جل خلق الخلق لغاية، و فطرهم على ما فيه تحصيل هذه الغاية، و شرع لهم من الأسباب ما يعينهم على ذلك، دون هدر لحاجاتهم أو إغفال لحظوظهم فكان الخروج عن هذا السنن الإلهي ذريعة إلى الإسراف و الظلم 1 - المرجع نفسه ، ص 331 2 - أصول النظام الاجتماعي ، مرجع سابق ،ص 144-150 3- سورة الأنعام، الآية 164. 4- سورة لقمان، الآية 13.
عدد الصفحات ١٢٨الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 121 و الفساد، و مثال ذلك ما عهدته العرب في وأد البنات، إذ الأصل محبة ا باء للأبناء و السعي في طلب أسباب العيش لهم، ثم تجد الواحد منهم يهوي إلى فلذة كبده فيدسها في التراب، قال عز و جل:﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ ، بِأَيِّ ذَنب قُتِلَتْ ﴾1، و قال تعا﴿وَلاَ ت َقْت ُلُواْ أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاق ﴾2، و لم يثبت من قتلهم أولادهم إلا وأدهم للبنات خشية الفقر و المعيرة. و ما شاع بين قوم لوط من الفاحشة، قال عز و جل: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ ق َوْمٌ مُّسْرِفُونَ ﴾3، يقول ابن عاشور بيانا لحقيقة هذا الانحراف:" و وجه تسمية هذا الفعل الشنيع فاحشة و إسرافا، أنه يشتمل على مفاسد كثيرة، منها استعمال الشهوة المغروزة في غير ما غرزت عليه لأن الله خلق في الإنسان الشهوة الحيوانية لإرادة بقاء النوع بقانون التناسل، حتى يكون الداعي إليه قهري ينساق الإنسان إليه بطبعه، فقضاء تلك الشهوة في غير الغرض الذي وضعها الله لأجله اعتداء على الفطرة. 4 و يمكن أن نقول إجمالا أن كل تعد لحدود الشارع خروج عن الفطرة ،ذلك أن أهم معانيها الوسطية و الاعتدال بين طرفي الإفراط و التفريط. و مما ذكره صاحب الت حرير في بيان أسباب الانحراف عن الفطرة :5 خلل يعر ض عند تكوين الفرد في عقله أو في جسمه، فينشأ منحرفا عن تلك الفضيلة لتلك العاهة. خواطر خيالية تحدث في النفس مما توسوس به مخالفة لما عليه الناس فيفكر صاحبها في تحقيقها. 1- سورة ا لتكوير، الآيتان:08- 09. 2- سورة الأنعام، الآية: 151. 3- سورة الأعراف، الآيتان 81. 4- التحرير و التنوير،مرجع سابق، ج8، ص232. 5- المرجع نفسه ، ج2، ص286.
عدد الصفحات ١٢٩الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 122 صدورأفعال من الفرد بدواع حاجية أو تكميلية و يجدها ملائمة فيلازمها حتى تصير له عادة و تشتبه عنده بالطبيعة بعد طوال المدة ،و يمكن أن تضاف إلى مفسدات الفطرة : تزيين الشيطان : فقد دلت نصوص القر آن والسنة أن للشيطان أثرا في الانحراف عن الفطر السوية قال تعالى:﴿فَبِمَا أَغْوَي ْتَنِي لأَق ْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، ثُمَّ لآتِي َن َّهُم مِّن ب َيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْث َرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾1. وقال عز و جل:﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَي ْتَنِي لأُزَي ِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِي َن َّهُمْ أَجْمَعِينَ ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِن ْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾2. و قال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي{: وَإِنِّى خَلَقْتُ عِبَادِ ي حُن َفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِن َّهُمْ أَت َت ْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَت ْهُمْ 3 عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَت ْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِى مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا }4 الجهل: وأكثره إفسادا المركب ،و هو الاعتقاد الجازم غير المطابق للواقع، فيمنعه ذلك من تطلب الحقائق أو قبول المخالف خاصة متى اجتمع الجهل مع صفة العجب و المرا ء قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ ن ُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْي ُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّن ْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَن َّهُمْ يُحْسِنُونَ صُن ْعًا ﴾5. فكان حريا بالمجتهد بذل الوسع في التمييز بين ما هو من الفطرة حقيقة، أو ما يلائمها ،و ما قد يلتبس بها من أو هام ،وهي مهمة لا يتصدى لها إلا عالم بمقامات الخطاب الشرعي ،و أحوال المكلفين لما علم من سلطان العادات على النفوس وتزيين الأهواء والشهوات ،وهو أمر بالغ الأهمية ذلك أن 1- سورة الأعراف، الآيتان 16- 17. 2- سورة الحجر، الآيتان: 39- 40. 3- اجتددالوهم أَي : اِس ددتَخَفيوهُم فَددذَهَبُوا بهِِددم وَأَزَالُددوهُم عَمَددا كَددانُوا عَلَي ددهِ ، وَجَددالُوا مَعَهُددم فيِ ال بَاطِددل ، كَددذَا فَسَددرَهُ اله َددرَوِيي وَآخَددرُونَ ،وقيددل: اِج تَددالَ الرَجُددل الشَددي ء ذَهَبَ بِهِ ، وَاج تَالَ أَم وَالهم سَاقدَهَا ، وَذَهَبَ بهَِا.شرح النووي على مسلم ،ج 17 ،ص197. 4- رواه مسدلم في صددحيحه، كتدداب صددفة القيامدة والجنددة والنددار ، بدداب الصِّددفَاتِ الَدتىِ يدُع ددرَفُ بهَِددا فِ الددديند يَا أَه دلُ الج َنَددةِ وَأَه ددلُ النَارِ ،حددديث رقددم : 7385 ،ج8 ،ص158. 5- سورة الكهف، الآيتان 103- 104 .
عدد الصفحات ١٣٠الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 123 "إهمال الطبائع ذريعة لاستيلاء الغفلة على القرائح و السآمة على النفوس ،و استبداد سوء العادة بها "1 وإدخال ما ليس من الفطرة في معناها تلبيس يفتح باب تحكيم الأهواء ،و القول على الله بغير علم، قال تعالى:﴿وَلَوِ ات َّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ ﴾2. الفرع الثاني السماحة و اليسر الأصل الثاني الذي يبنى عليه إثبات الحظوظ في القرآن الكريم السماحة واليسر و للوقوف على وجه الارتباط نبين معنى السماحة ومظاهرها . أولا :حقيقة السماحة: السماحة في اللغة: بمعنى الجود و المسامحة و المساهلة.3 أما في اصطلاح أهل المقاصد فقد عرفت بأنها :"سهولة المعاملة فيما اعتاد الناس فيه المشادة فهي وسط بين الشدة والتساهل " 4 ،أو " السهولة المحمودة فيما يظن التشديد فيه ومعنى كونها محمودة أنها لا تفضي إلى ضر أو فساد ".5 وفي التعريف الثاني ضبط لمعنى السماحة فيخرج توهم التوسط والتيس ير إذا أقضى إلى نقيض مقصود الشرع ،ومن ذلك ما يدعيه البعض من ضرورة تغيير الحدود و العقوبات ال شرعية ملائمة لم قصد رفع الحرج وهو بخلاف ما ادعو ا. ثانيا :مظاهر السماحة و شواهدها في القرآن الكريم و السنة النبوية: 1- موار التكليف فيما يقتضيه الشرع ما لا يقتضيه، مرجع سابق ، ص 137. 2- سورة المؤمنون، الآية: 71. 3- لسان العرب، مصدر سابق، ج 7، ص2088، وينظر: تاج العروس، ج6، ص84. 4- أصول النظام الاجتماعي، مرجع سابق، ص 25. 5- مقاصد الشريعة ، الطاهر بن عاشور ، مرجع سابق ،ص 269
عدد الصفحات ١٣١