المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حظوظ المكلفين في القرآن الكريم بين الجلب والدفع

خيرة سرير حاج

صفحة ٧ من ٣٠

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 92 الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ ت َعْلَمُونَ ﴾1 ،يقول ابن العرن في تفسير هذه الآية أنها:" من قواعد المعاملات و أساس المعاوضات ينبنّ عليها و عد أربعا الآية السابقة"، و قوله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْب َيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾2 ، و أحاديث الغرر و اعتبار المقاصد و المصالح3 ،و على هذا السنن جاءت أغلب أحكام المعاملات على هيئة قواعد عامة كحل الطيبات و تحريم الخبائث، و المنع من البغي و الاعتداء و الغش و الخيانة و إيجاب العدل و الأمانة وغيرها... 4 و هو أصل عظيم في رعي مصالح المكلفين و حظوظهم،ذلك أن المعاملات بحاجة إلى اختلاف تفاريعها باختلاف الأحوال و العصور، فالحمل فيها على حكم لا يتغير حرج عظيم على كثير من طبقات الأمة،5 ثم إن من لوازم التفريع كثرة التكاليف فيما الأصل فيه ترك الكلفة، و لا يخلو ذلك من مشقة و عنت جاء الشرع برفعهما عونا للعبد على الامتثال و تقريرا لمصالحه العاجلة و الآجلة، و في ضبط المعاملات بقيد الشرع دفع للتعارض ،و منع من الاسترسال مع دواعي الأهواء و الشهوات. ب. تقرير الشارع : و هو أن يسكت الشارع سواء كان الرسول صلى الله عليه و سلم أو الوحي على أمر شائع بين الناس و معاين من قول أو فعل و يكون عدم إنكاره و بيان فساده دالا على رضا الشارع عنه 6، و في هذا المعنى يقول السرخسي:" سكوت صاحب الشرع عن معا ينة شيء عن تغييره، يكون بيانا منه باعتبار حاله فإن البيان واجب عند الحاجة إلى البيان ، فلو كان الحكم بخلافه لبين ذلك لا محالة و لو بينه لظهر".7 1- سورة البقرة، الآية 188. 2- سورة البقرة، الآية 275. 3- أحكامالقران، مصدر سابق، ج 1، ص137 4- ينظر تعليل الأحكام، مرجع سابق، ص 305. 5- مقاصد الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص 404. 6- طرق الكشف عن مقاصد الشارع، مرجع سابق، ص 191. 7- أصول السرخسي، مصدر سابق، ج2، ص 50 .

عدد الصفحات ١٠٠

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 93 و مثاله إقرار النبي صلى الله عليه و سلم الناس على ما اعتادوه في معاملاتهم، و ما استداموه من مآكل ومشارب و ملابس مما دل على أن جميعها مباح في الشرع، إذ لا يجوز منه صلى الله عليه و سلم أن يقر الناس على منكر محظور، فإن الله تعالى وصفه بالأمر المعروف و النهي عن المنكر فكان سكوته بيانا أن ما أقره داخل في المعروف خارج عن المنكر 1 ، قال عز و جل ﴿يأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَي َن ْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾2، الأمر الذي فهمه جابر- رضي الله عنه - و أبان عنه في قوله:" كُنَّا ن َعْزِلُ وَالْقُرْآنُ ي َنْزِلُ "و في رواية:" لَوْ كَانَ شَيْئًا ي ُن ْهَى عَنْهُ لَن َهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ . "3 ،و هذا من كمال فقه الصحابة و علمهم و استيلائهم على معرفة طرق الأحكام و مداركها. 4 و يدخل في هذا المعنى مرتبة العفو التي جاء النص عليها في القرآن الكريم و بينتها السنة النبوية، و المراد بها في هذا المقام، الترك أي عدم النص في المسألة بتحليل أو تحريم5 ،قال تعا﴿يَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن ت ُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَن ْهَا حِينَ ي ُن َزَّلُ الْقُ رْآنُ ت ُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَن ْهَا﴾.6 و قال صلى الله عليه و سلم{:حدودا فلا تعتدوها، و فرض لكم فرائض فلا تضيعوها و حرم أشياء فلا تنتهكوها و سكت عن أشياء من غير نسيان رحمة من ربكم و لكن رحمة منه، فأقبلوا و لا تبحثوا عنها }7، و الخطاب في قولهفلا تبحثوا عنها} زمن نزول الوحي حتى لا يترتب على بحثهم و تكلفهم الشديد زيادة التكاليف من إيجاب واجبات أو تحريم محرمات 8. 1- كشف الأسرار، مصدر سابق، مصدر سابق، ج 3، ص223 2- سورة الأعراف، الآية: 157. 3- متفق عليه و اللفظ للبخاري 4- أعلام الموقعين،ابن القيم ،تحقيق بشير محمد عيون ،بيروت ، دار البيان ، ط 1 ،1421ه-2000م ،ج1، ص 709 5- الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، ج 8، ص161. 6- سورة المائدة، الآية 101. 7- أخرجه الحاكم مستدركه، كتاب الأطعمة، حديث رقم: 7194 .ج4 ،ص218 8- عوامل السعة و المرونة في الشريعة الإسلامية، يوسف القرضاوي ، ص 15 .

عدد الصفحات ١٠١

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 94 و جاء في الحديثذروني ما تركتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم و اختلافهم على أنبيائهم}1 ،وعن أن الدرداء -رضي الله عنه - مرفوعا قال مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِى كِتَابِهِ ف َهُوَ حَلاَلٌ وَمَا حَرَّمَ ف َهُو حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ ف َهُوَ عَافِيَةٌ فَاق ْب َلُوا مِنَ اللَّهِ عَافِيَتَهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ نَسِيًّا ، ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ :﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾2.}3 و ظاهر هذه النصوص أن هناك أشياء سكت عنها الشارع من غير نسيان لها و إنما رحمة بالناس فهي عفو باقية على الإباحة الأصلية.4 إن مثل هذه المساحة التشريعية المتروكة لاختيار المكلف ،مجال رحب لحرية التصرف في حدود القواعد و الضوابط الشرعية، فكانت القاعدة المقررة أن الأصل في العادات و المعاملات الإباحة، ما لم يرد الدليل بالحظر و التحريم. إلا أنه مما ينبغي ملاحظته أن الاستدلال بمثل هذا السكوت و لو بوجود المقتضي زمن التشريع شرطه عدم معارضة الأصول الكلية، إذ عدم النص لا يقتضي مطلقا عدم الدليل، و لا أجد أبلغ مما ذكره القرطبي في هذا المقام، حيث يقول:" لو التزمنا أن لا نحكم بحكم حتى نجد فيه نصا لتعطلت الشريعة، فإن النصوص فيها قليلة، و إنما هي الظواهر و العمومات و الأقيسة" 5 ، و في وجوب الرد إ الأصول يقول السمعاني:" و أما الشيء إذا كان له أصل في الوجوب أو السقوط فإن السكوت قد يقع عنه في بعض الأحوال استغناء بما تقدم من البيان فيه، و ليس ت كرير البيان واجبا في كل حال ". 6 و هذا باب دقيق من أبواب النظر يقتضي ربط الجزئيات بالكليات و المنطوق بالمسكوت، ح لا ينأى من رام درك أحكام الشرع و مقاصد التشريع بجانبه عن هدى الشارع و مراده. 1- رواه مسدلم في صدحيحهكتاب الفضدائل ، بدداب تدو قيره صدلى الله عليدده و سدلم وتدرك إكثددار سدؤاله عمدا لا ضددرورة إليده أو لا يتعلدق بدده تكليدف ومدا لا يقددع ونحو ذلك،حديث رقم : 1337 ،ج4،ص68 2- سورة مريم، الآية 64. 3- رواه البيهقي في السننالكبرى ،باب مَا لمَ يُذ كَر تحَ رِيمُهُ وَلاَ كَانَ في مَع نىَ مَا ذُكِرَ تحَ رِيمُهُ ممَِا يدُؤ كَلُ أَو يُش رَبُ ،ج10،ص12 4- طرق الكشف عن مقاصد الشارع، مرجع سابق، ص 205. 5- و المراد بها: أن يسكت النبي عليه السلام عن إنكار قول أو فعل قيل أو فعل بين يديه أو في عصره و علم به، ينظر: البحر المحيط، ج4، ص202. 6- قواطع الأدلة، مصدر سابق، ج3، ص453.

عدد الصفحات ١٠٢

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 95 و لهذا السبب تقدم الحديث عن نوط الأحكام بالأوصاف و المعاني الكلي ة، ليكون أصلا ضابطا للسكوت بمعنى ترك النص. و يضاف إلى ذلك ما ذكره العلماء من شروط للاحتجاج بالسنة التقريرية ،باعتبارها فرعا عن تقرير الشارع، وجب الوقوف عندها و قد عد منها أمورا نذكرها فيما يلي:  أن يعلم النبي صلى الله عليه و سلم بالفعل سواء حصل العلم بسماعه أو مشاهدته.1  أن يكون المقر منقادا للشرع بأن يكون مسلما سامعا مطيعا، أما إن كان كافرا فإقراره على الفعل لا يعد إباحة له أو رضا به ،و من ذلك إقراره أهل الكتاب على معاملاتهم و شعائرهم و عقائدهم، و اختلف في المنافق و الظاهر التفريق بين من كان نفاقه خ فيا لا يعلمه جمهور الصحابة، و بين المجاهر بالنفاق، و العتو و العناد، فإن إقراره ليس حجة بلا خلاف، و من ذلك سكوته صلى الله عليه و سلم عن بعض ما كان يفعله عبد الله بن أن سلول، إحالة على ما هو معلوم من تشريعات في تلك الأفعال و أمثالها أو سدا للذريعة. 2  أنيكون قد علم من حاله صلى الله عليه و سلم إنكاره لذلك الفعل قبل وقوعه و بعد وقوعه، حتى يستقر ذلك شرعا ثابتا و حكما راسخا لا يحتمل التغيير و النسخ. 3  أن لا يكون المقر ممن يزيده الإنكار سوءا و يغريه بشر مما هو عليه، و هذا الشرط خاص بغ الرسول صلى الله عليه في أرجح الأقوال لأن الإنكار واجب في حقه لإزالة توهم الإباحة. 4  أن لا يمنع من الإنكار مانع سوى ما تقدم فإن وجد مانع صحيح، أمكن إحالة الإقرار عليه ف يكون حجة و من هذه الموانع، أن يسكت في انتظار الوحي و يعلم ذلك من حاله فلا يكون سكوته قبل البيان حجة.1 1- أفعدال الرسددول صددلى الله عليدده و سدلم و دلالتهددا علددى الأحكددام الشدرعية، محمددد سددليمان الأشددقر، بديروت، مؤسسددة الرسددالة، ط 5،1417هددد- 1996م، ج2، ص109. 2- ينظر: المرجع نفسه، ص 107، البحر المحيط، مصدر سابق، ج4، ص204، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام، البزدوي، ج 3، ص224. 3- أفعال الرسول صلى الله عليه و سلم و دلالتها على الأحكام الشرعية، مرجع سابق، ج2، ص 111. 4- البحر المحيط، مصدر سابق، ج4، ص204.

عدد الصفحات ١٠٣

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 96 و من تقريرات النبي صلى الله عليه و سلم التي يستفاد منها الإباحة إقراره على أكل الضب، أخرج البخاري عن خالد بن الوليد -رضي الله عنه - أنه :" دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ب َيْتَ مَيْمُونَةَ فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذ 2 فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ ف َقَالَ ب َعْضُ النِّسْوَةِ أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ ف َقَالُوا هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ف َرَفَعَ يَدَهُ ف َقُلْتُ أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ف َقَالَ لاَ وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ ق َوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ قَالَ خَالِدٌ فَاجْت َرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ي َنْظُرُ ".3 و قد ذكر ابن القيم من تقرير النبي صلى الله عليه و سلم فيما وجد في عصره و علم به دون إنكار، أمثلة كثيرة انتظمت أبواب العادات و المعاملات، من ذلك إقراره لهم على تلقيح النخل و أنواع التجارات و الصنائع ما لم تشتمل على محرم أو تفضي إلى حرام، و إنشاد الأشعار المباحة و المسابقة على الأقدام، و لبس ما نسجه الكفار من الثياب و إنفاق ما ضربوه من الدراهم و ربما كان عليها صور ملوكهم، و الشبع في الأكل و المزاح المباح و النوم في المسجد... و تقرير الحبشة باللعب في المسجد بالحراب و تقريره عائشة رضي الله عنها على النظر إليهم. 4 الفرع الثاني : ما سكت عنه الشارع لعدم وجود ما يقتض يه: و مثاله النوازل التي حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها و إنما حدثت بعد ذلك، فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها و إجرائها على ما تقرر في كلياتها. 5 و مثل هذا السكوت لا يستفاد منه حكم، لأنه عدم دليل، فكان الأصل العود إلى كليات الشريعة 1- أفعال الرسول صلى الله عليه و سلم، مرجع سابق، ج 2، ص111- 112. 2- بمعنى مشوي 3- رواه البخاري في صحيحه كتاب الأطعمة ،بَاب مَا كَانَ النَدبيِي صَدلَى اللَدهُ عَلَي دهِ وَسَدلَمَ لاَ يَأ كُدلُ حَدتىَ يُسَدمَى لَدهُ فدَديدَع لَمُ مَدا هُوَ ،حدديث رقدم 5391،ج3 ،ص434 4- أعلام الموقعين، مصدر سابق،ج 1 ،ص 709- 710. 5- الموافقات، مصدر سابق، ج 2 ،ص409.

عدد الصفحات ١٠٤

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 97 و أصولها العامة، لإجراء هذه المسائل على وفقها 1 ذلك أنه لما كان من مقاصد الشارع البيان قال تعا ﴿ وَن َزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِب ْيَانًا لِّكُلِّ شَيْء ﴾2، و قال عز و جل﴿مَّا ف َرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْء ﴾.3 و قد تقرر عقلا و شرعا أن النصوص متناهية و الحوادث غير متناهية ، فاستحال أن يكون كل حكم من أحكام تلك الحوادث الجزئية مذكورا صريحا في تلك النصوص بعينه،و لابد أن يكون مندرجا اندراج الجزئيات في الكليات بواسطة عموم اللفظ تارة ،و بوساطة عموم علة الحكم تارة أخرى 4،و ليس الاستدلال محصورا فيما ذكر، إذ ينتظم أدلة الشرع التبعية، من استصلاح و استحسان و عرف، و سد ذرائع، و استصحاب ،و هو آخر الأدلة من حيث النظر ذلك أن المجتهد متى نظر في حكم المسألة، فلم يجد لها نظيرا يستدل به مما ذكر، قضى بردها إلى البراءة الأصلية. و وفق ما تقرر ينبغي النظر في المصالح المرسلة مما لم يرد فيه نص خاص بالاعتبار أو الإلغاء، إذ حملها على المنع لفقد النص غلو و تنطع تنزهت الشريعة عنهما، و إطلاق حكم الإباحة حل لأواصر الشرع، و هو باب للاجتهاد واسع متى تحققت شروطه، و إن وقع فيه الاختلاف بين العلماء ف هو كما يقول ابن العرن:" رحمة للخلق و فسحة في الحق و طريق مهيع إلى الرفق". 5 و إن كان الأصل التشوف إلى الاجتماع و الاتفاق فإن تعذر فتحري الأقرب إلى مراد الشارع، و الأصل أن يجمع عند النظر بين قاعدة التيسير و الاحتياط، و لما كانت العبادات و المعاملات مبين ة على رعي الحظوظ غلب فيها معنى الإرفاق. 1- طرق الكشف عن مقاصد الشارع، مرجع سابق ، ص 198. 2- سورة النحل، الآية 89. 3- سورة الأنعام، الآية 38. 4- هامش الثابت و المتغفكر الإمام الشاطبي، مجدي محمد عاشور ،دن ، دار البحدوث للدراسدات الإسدلامية و الدتراث ، ط 1 ،1423ه-2002م ، ، ص 198، نقلا عن أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة و البدعة، بخيت المطيعي، ص 05- 06. 5- أحكام القرآن، مصدر سابق، ج 2، ص214.

عدد الصفحات ١٠٥

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 98 و سكوت الشارع في هذا المقام، إن كان لا ينتهض دليلا على الأحكام، فإنه ينتظم من معاني رعي الشرع لمصالح المكلفين و حظوظهم، ما لا يغنّ عنه البيان ، من ذلك أن الأصل الذي انبنت عليه الأحكام فيما لا نص فيه جلب المصالح و دفع المفاسد، و رعي تغير الأحوال و الأزمان و هو معنى جامع لمدارك النظر و أصول الاجتهاد يقف عنده المجتهد، فهما و تقريرا و تنزيلا على الوقائع و المستجدات و قد تقدم أنه باب للرفق و الرحمة بالناس عظيم ما تحققت شروط النظر. و هنا يتجلى لنا السر في مشروعية الاجتهاد في هذه الشريعة خاتمة الشرائع، فمهمة المجتهد إزاء ما سكتت النصوص على تفصيل أحكامه أن يبحث عن حكم الله فيها، فما وجد له نظيرا مما صرحت به النصوص ألحق بطريق القياس فإن عجز عن وجدان النظير لجأ إلى تطبيق قواعد الشريعة و هديها في إباحة المنافع و تحريم المضار1 ، و هنا كما يقول القرضاوي:"تتعدد المسالك و تتنوع المآخذ من الفقهاء دون أن تضيق الشريعة ذراعا بواحد منها، ما دام قد وضع في موضعه و استوف شروطه." 2 إلا أنه قد يعترض على ما تقدم من كون الاختلاف المعتبر سبيل إلى الرحمة و التوسعة على المكلفين من غير تتبع للرخص و لا تلفيق مذموم بأن" يأخذ من كل مذهب الأهون بحيث تنحل ربقة التكليف من عنقه"3 ،ما جاء من النصوص في الأمر بالاجتماع و نبذ التفرق، قال تعا :﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ ت َفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ ب َيْنَ ق ُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىَٰ شَفَا حُفْرَة مِنَ النَّارِ فَأَن ْقَذَكُمْ مِن ْهَا ۚ كَذََٰلِكَ ي ُب َيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّ كُمْ ت َهْتَدُونَ ﴾ 4،و قوله تعا :﴿ وَأَنَّ هََٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۚ وَلاَ ت َتَّبِعُوا السُّبُلَ ف َت َفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذََٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ ت َت َّقُونَ ﴾5،و الظاهر أن الاختلاف المقصود بالذم هو الاختلاف في الأصول و العقائد يقول ابن العرن في تأويل النهي عن التفرق و الأمر بالاعتصام أنه يراد به في وجه 1- أصول الفقه الإسلامي، محمد مصطفى شلبي، بيروت ، الدار الجامعية ، ص 385. 2- عوامل السعة و المرونة في الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص 19. 3 - فيض القدير شرح الجامع الصغير،زين الدين محمد عبد الرؤوف المناوي ،مصر ، المكتبة التجارية ،ط 1 ،1356ه ج1 ،ص211 4 - سورة آل عمران ،الآية 103 5 - سورة الأنعام ،الآية 153

عدد الصفحات ١٠٦

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 99 "ترك التخطئة في الفروع والتبري فيها ، وليمض كل أحد على اجتهاده فإن الكل بحبل الله معتصم ، وبدليله عامل ، ...والحكمة في ذلك أن الاختلاف والتفرق المنهي عنه إنما هو المؤدي إلى الفتنة والتعصب وتشتيت الجماعة ، فأما الاختلاف في الفروع فهو من محاسن الشريعة "1 ،و الشاهد أنه صلى الله عليه وسلم قال: {لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي ق ُرَيْظَةَ } فَأَد رَكَ بدَع ضُهُم ال عَص رَ فيِ الطَرِيقِ فدَقَالَ بدَع ضُهُم لاَ نُصَلِّي حَتىَ نَأ تِيدَهَا وَقَالَ بدَع ضُهُم بَل نُصَلِّي لمَ يُرِد مِنَا ذَلِكَ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَبيِِّ صَلَى اللَهُ عَلَي هِ وَسَلَمَ فدَلَم يدُعَنِّف وَاحِدًا مِند هُم }2. وفي هذا المعنى يقول المناوي "ومازال الاختلاف بين الأئمة واقعا في الفروع وبعض الأصول مع اتفاق الكل على تعظيم الباري جل جلاله وأنه ليس كمثله شئ وأن ما شرعه رسوله حق وأن كتابهم واحد ونبيهم واحد وقبلتهم واحدة "3…إلا أن مثل ذلك لا يحمل على إطلاقه فالخلاف في الفروع رحمة من جهة أن خفاء العلم بما يوجب الشدة قد ي كون رحمة و هو كما يقول ابن تيمية من باب قوله تعالى" ﴿يَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن ت ُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾، يقول :" وهكذا ما يوجد في الأسواق من الطعام والثياب قد يكون في نفس الأمر مغصوبا, فإذا لم يعلم الإنسان بذلك كان كله حلالا لا شيء عليه فيه بحال، بخلاف ما إذا علم. "4 ،و قد يكون ذريعة إلى التفرق و النفرة لاختلاف المدارك و الأحكام خاصة لمن خفي عنه سبب الاختلاف المشروع ،و لم تتوطن نفسه على ما كان عليه الرعيل الأول من السعة في طلب الحق فيما تقاربت فيه المآخذ و تماثلت في ه المدارك ، و هذا الفاروق يقول :"لو كنت أردك إلى كتاب الله أو إلى سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لفعلت، ولكنّ أردك إلى رأيي والرأي مشترك "5. وجمعا بين ما تقدم يمكن القول أن الاتفاق مطلوب ،وأن الخلاف إنما هو واقع لتعذر الاجتماع لأسباب أطال العلماء النفس في بيانها دفعا لتوهم التعارض ، و الناظر إلى ما عليه عامة المكلفين 1 - أحكام القرآن مصدر سابق ج 1 ، ص381-382 باختصار 2 - متفق عليه 3 - فيض القدير ، مصدر سابق ، ج1 ، ص210 4 - مجموع الفتاوى ،ج 14 ،ص159 5 - جامع بيان العلم و فضله ،أبو عمر يوسف بن عبد الله القرطبي ،تحقيق فواز أحمد زمرلي ،دار ابن حزم ،ط 1 ،1424ه-2003م ،ج2،ص128

عدد الصفحات ١٠٧

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 100 و خاصتهم يجد أن مقولة الخلاف رحمة قد حملت على غير مقتضاها ،و أجريت على خلاف مقاصدها، فاتسع الرقع و ساد التنازع واختلط الغث بالسمبن و الحق بالباطل ، فكان حريا بالمجتهدين و الحال كذلك تضييق هذه الهوة سدا للذريعة و حفظا للأواصر الشريعة من أن تنقض عراها ، و إنما يكون ذلك برد الجزئيات إلى الكليات و المتشابهات إلى المحكمات،و ال تمييز بين الخلاف المعتبر و الاختلاف المذموم ،و الناظر إلى كتب الفروع يجد أصل رعي الخلاف لائحا بحيث لا ينكر أحد أن المراد تحصيل الحق في أكمل وجوهه، و لا يكون ذلك إلا بتحصيل القدر المتفق ،و إن كان من باب الاحتياط المندوب. المطلب الثالث: المناسبة الفرع الأول: حقيقة المناسبة . المناسبة يعبر عنها بالإخالة و بالمصلحة و بالاستدلال و رعاية المقاصد و يسمى استخراجها تخريج المناط 1 ،ويعرف الوصف المناسب بأنه:" وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودا من شرع ذلك الحكم و س واء كان الحكم نفيا أو إثباتا،و سواء كان ذلك المقصود جلب مصلحة أو دفع مفسدة".2 و في معنى قريب يعرف الرازي الوصف المناسب بأنه:" الذي يفضي إلى ما يوافق الإنسان تحصيلا و إبقاء و قد يعبر عن التحصيل بجلب المنفعة ،و عن الإبقاء بدفع المضرة". 3 و قد يطلق و يراد بها تعيين الوصف للعلية بمجرد إبداء الملائمة بينه و بين الحكم مع السلامة من القوادح بحيث يلزم من ترتيب الحكم عليه حصول مصلحة للخلق، من جلب منفعة لهم أو دفع مضرة لهم. 4 و هي تقوم أساسا على اختبار الوصف عن طريق النظر في مدى تحقيقه لمقاصد الشريعة 1- إرشاد الفحول، مصدر سابق، ص 896. 2- الإحكام في أصول الأحكام، مصدر سابق، ج3، ص339. 3- المحصول، مصدر سابق، ج5، ص157. 4- أصولالفقه الإسلامي، محمد شلبي، ص 257.

عدد الصفحات ١٠٨

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 101 فإذا كان مقيما للمقصد الشرعي مؤديا إلى تحقيق المصالح أو تكميلها أو دفع المفاسد أو تقليلها ،كان وصفا مناسبا حريا أن يتعلق الحكم الشرعي به. 1 الفرع الثاني أقسام الوصف المناسب و الوصف المناسب يقسم عند الأصوليين باعتبارات مختلفة أقربها من المعنى المراد ،تقسيمه بالنظر إلى مدى اعتبار الشرع له ، و هو إما ما معتبر أو ملغى أو مرسل. أولا: المناسب المعتبر هو كل وصف شهد الشرع باعتباره بأحد فروع الأحكام ، أي بأن يورد الفروع على وفقه و مقتضاه ،و إن لم ينص على العلة أو يومئ إليها ،و من ذلك اعتبار الصغر في الولاية على المال و المشقة في السفر.2 ثانياالمناسب الملغى و هو ما ثبت من الشرع إلغاؤه ، و إن ظهرت للمجتهد مناسبته 3 ،ومثاله ثبوت النسب ممن خلق من مائه حقيقة و لكن يكون في فراش لغيره ، فإنه ملغى4 ،بقوله صلى الله عليه و سلمالْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ }5 ،أو التسوية بين الأبناء الذكور و الإناث في الميراث لقوله تعا ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنث َي َيْنِ ﴾.6 ثالثاالمناسب المرسل 1- قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي، إبراهيم الكيلاني، دمشق ، دار الفكر ،ط 1 ،1421ه-2000م ، ص 53. 2- أصول الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي، ج 1، ص647. 3- المرجع نفسه، ص 646. 4- فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، محب الله بن عبد ا لشكور البهاري، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1،1423هد- 2002م، ج2، ص315. 5- رواه البخاري في صحيحه ،كتاب البيوع ،باب تفسير المشبهات ،حديث رقم 2053،ج3 ،ص75 6- سورة النساء، الآية 11.

عدد الصفحات ١٠٩

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 102 و هو ما يشهد لاعتباره أو إلغائه أصل خاص و يسمى الاستدلال و المصالح المرسلة. و قد اختلف في كونه حجة على ثلاثة أقوال:  أنه غير معتبر مطلقا، قال ابن الحاجب و هو المختار و قال الآمدي و هو الحق الذي اتفق عليه الفقهاء.1  أنه حجة مطلقا و هو المشهور عن مالك و نقل أيضا عن الشافعي2 ،و في ذلك يقول الجوي " و من تتبع كلام الشافعي لم يره متعلقا بأصل ،و لكنه ينوط الأحكام بالمعاني المرسلة فإن عدمها التفت إلى الأصول مشبها.3  أنه حجة متى كانت المصلحة التي ينتظمها قطعية كلية ضرورية 4 و المراد بكونها ضرورية أن تكون واحدة من الكليات الخ مس ،و المراد بكونها قطعية أن يكون الجزم بوجودها حاصلا ،و المراد بكونها كلية أن لا تختص ببعض المسلمين دون بعض.5 و لا أحسب أحد خالف في اعتبار هذه المصلحة بل إنها قد تخرج عن معنى الإرسال لتمالئ الأدلة على إثباته، و هو ما ذهب إليه الأسنوي.6 أما الحاجيات فمن اشترط شهادة الأصل الخاص لها بالاعتبار و لو بالجنس القريب أرجعها إلى القياس و من اكتفى بمعنى الملائمة و لو بالجنس بالبعيد، أسندها إلى أصل المصالح المرسلة. 7 و مثل هذه التفرقة فيما يرى الشيخ أبو زهرة تحرير لمحل النزاع حيث يقول:" الشافعية 1- نهايددة السددول في شددرح منهدداج الأصددول، جمددا ل الدددين عبددد الددرحيم بددن الحسددن الأ سددنوي، عددالم الكتددب، ، ج4، ص386، الإحكددام في أصددول الأحكددام، مصدر سابق، ج4، ص195. 2- نهاية السول في شرح منهاج الأصول، مصدر سابق، ج 4، ص386. 3- البرهان في أصول الفقه، عبد الملك بن عبد الله الجوينّ، تحقيق: صلاح بن محمد بن عويضة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبندان،1418هدد- 1998م، ج2، ص163. 4- المستصفى، مصدر سابق، ج1، ص315. 5- نهاية السول، مصدر سابق، ج4، ص388. 6- اصدر سابق، ج4، ص388. 7- ينظدددر في هدددذا المعدددنى: أثدددر الأدلدددة المختلدددف فيهدددا (مصدددادر التشدددريع، التابعدددة في الفقددده الإسدددلامي)، مصدددطفى ديدددب البغدددا، دمشدددق، دار الإمدددام البخددداري، ص 32- 36، نهاية السول، مصدر سابق، ج4، ص388.

عدد الصفحات ١١٠

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 103 و الحنفية يشددون في وجوب إلحاقها بقياس ذي علة منضبطة ،و قال المالكية و الحنابلة إن الوصف المناسب الذي تتحقق فيه المصلحة ،و إن لم يكن منضبطا يصلح علة للقياس ،و إن كان يصلح فالمصلحة المرسلة من نوعه فتكون ثابتة أصلا". 1 إلا أن مثل هذه التفرقة تنحصر في أعمال المناسب المرسل توسعا و تضييقا سواء اعتبر مسلكا من مسالك التعليل أو أصلا خاصا و في ذلك يقول ابن دقيق العيد:" الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحا على غيره من الفقهاء في هذا النوع و يليه أحمد بن حنبل، و لا يكاد يخلو غيرهما من اعتباره في الجملة و لكن لهذين ترجيحا في الاستعمال على غيرهما" 2 ،و من ذلك ما ذكره القرافي بقوله:" المصلحة المرسلة في جميع المذاهب عند التحقيق لأنهم يقيسون و يفرقون بالمناسبات ،و لا يطلبون شاهدا بالاعتبار، و لا نعنّ بالمصلحة المرسلة إلا ذلك". 3 و ما ينبغي التنبيه إليه ما نسب إلى الإمام مالك من الإفراط في الاستدلال و ويز المصالح البعيدة عن معهود الشرع 4 ،فإنه من غير الإنصاف نسبته إلى أقل العلماء باعا، بله إمام دار الهجرة و في ذلك يقول ابن برهان:" لا يظن بمالك على جلالته أن يرسل النفس على سجيتها و طبيعتها فيتبع المصالح الجامدة التي لا تستند إلى أصول الشرع بحال ،على كلي و لا على جزئي". 5 و قد عد الشاطبي أمورا هي من شرائط اعتبار المصالح المرسلة تؤكد هذا المعنى و هي 6  الملائمة لمقاصد الشرع بحيث لا تنافي أصلا من أصوله و لا دليلا من دلائله  أن تكون فيما عقل معناه، من المناسبات المعقولة التي إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول بخلاف ما تقرر فيه معنى التعبد. 1- أصول الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 284. 2- البحر المحيط، مصدر سابق، ج6، ص77. 3- شرح تنقيح الفصول، مصدر سابق، ص 351. 4- قواطع الأدلة، مصدر سابق، ج4، ص492. 5- البحر المحيط، مصدر سابق، ج6، ص77. 6- الاعتصام: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، بيروت، المكتبة العصرية، ط 1،1426هد- 2005م، ج2، ص315- 321.

عدد الصفحات ١١١

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 104 و لذلك التزم الإمام مالك في العبادات عدم الالتفات إلى المعاني بخلاف قسم العادات فإنه استرسل فيه استرسال المدل العريق في فهم المعاني المصلحية.  أن ترجع إلى حفظ أمر ضروري و رفع حرج لازم في الدين و إن نبه إلا أن مراده بحفظ الضرور يات من مصالح العبادات الوسائل لا الغايات أو المقاصد.1 و هذا الأمر الذي استند إليه الدكتور نعمان جغيم في كون المناسب المرسل متعلق المقاصد التابعة دون الأصلية ، و دليل ذلك فيما برى أنها:" تمثل القواعد و الضوابط الكلية للتشريع مما هو أصل في الاستدلال بالمناسب المرسل فهو فرع عنها و لا يتصور أن يكون أصلا لها". 2 و هو تقرير لما تقدم بأن الضروريات و إن لم ينص عليها فتتعلق بأصول خاصة كثيرة و عليه يرتبط الاستدلال بالمناسب المرسل بالحاجيات و التحسينيات متى استندت إلى جنس معهود الشارع في التصرفات 3، و إن خالف الشاطبي في القسم الثاني (التحسينيات) مشترطا أن ترجع إلى أصل خاص. و لبيان علاقة المناسبة بإثبات رعي الحظ يمكن القول، أن المناسب، ما يفضي إلى جلب مصلحة أو دفع مفسدة مما تتلقاه العقول السليمة بالقبول، و الجلب و الدفع ينتظم جنس المصالح فيكون رعي الحظ داخلا كفرد من أفراد المصالح المقصود للشارع جلبها، بشهادة الأصل الخاص أو العام من حيث كونه مفضيا إلى تحقيق ما ثبت قصد الشارع إليه ابتداء و معينا على تحصيله، مع اعتبار شرط التتميم و التكميل، و هو ما نبه إليه الشاطبي في سياق حديثه عن الجهة الثالثة التي تعرف بها مق اصد الشرع بقوله:" و ذلك أن ما نص عليه من هذه المقاصد التوابع هو مثبت للمقصد الأصلي و مقو 1- المصدر نفسه، ج2، ص322. 2- طرق الكشف عن مقاصد الشارع، مرجع سابق، ص 186. 3- المرجع نفسه، ص 183.

عدد الصفحات ١١٢

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 105 لحكمته و مستدع لطلبه و إدامته...، فاستدللنا بذلك على أن كل ما لم ينص عليه مما شأنه ذلك مقصود للشارع أيضا". 1 و قد تقدمت أمثلة المعتبر من العلل و المناسبات لذلك رأيت أن أدرج ضمن الأمثلة بعض التطبيقات المعاصرة للمصالح المرسلة ،مما علم شهادة الشرع لجنسه بالاعتبار باستقراء النصوص الجزئية و القواعد الكليةّ،مع الإشارة إلى أن الخلاف في المثال لا ينفي الاعتداد بأصل الاعتبار. الفرع الثالث:نماذج تطبيقية للمصالح المرس لة : أ - التلقيح الاصطناعي بين الزوجين: أو ما يعرف بطرق الإنجاب الحديثة حال إصابة أحد الزوجين أو كليهما بما يمنع الحمل الطبيعي، و قد أثار جدلا واسعا بين الفقهاء بين قائل بالتحريم سدا لذريعة اختلاط الأنساب ،خاصة في ظل ما نلمسه من فساد للذمم و ضياع للأمانة 2 ،و بين مجيز رعيا لحاجة الزوجين إلى الولد، و هو رأي المجمع الفقهي المنعقد بمكة المكرمة الدورة السابعة ( 11- 16 ربيع الثا 1404هد) و مما جاء عنه:" إن حاجة المرأة المتزوجة التي لا تحمل و حاجة زوجها إلى الولد تعتبر غرضا مشروعا يبيح معالجتها بالطريقة المباحة من التلقيح الاصطناعي" ،مع التنبيه إلى عدم اللجوء إليه إلا في حالة الضرورة و أخذ منتهى الاحتياط و الحذر. و لعل في ذلك مخرجا لضيق شديد قد يجده من تعلقت نفسه بطلب الولد ،و هو مقصد مشروع دون تضييع كلي حفظ النسب، بتحري من وثق بدينه و أمانته من الأطباء ،و لا يط لق الحبل على الغارب فتضيع الضرورات في طريق اكتساب الحاجيات. ب - اختيار جنس الجنين بالطرق الطبيعية دون تدخل طبي: من المسائل التي تثير الجدل ما قد يعمد إليه الزوجين من حمية و غيرها رغبة في جنس معين ذكرا أو أنثى، و هو المعبر عنه 1- الموافقات، مصدر سابق، ج 2 ، ص397. 2- ينظر: النوازل، بكر بن عبد الله أبو زيد، مؤسسة الرسالة، ط 1،1416هد- 1996م، ج1، ص237- 277.

عدد الصفحات ١١٣

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 106 باختيار جنس الجنين بالطرق الطبيعية ، الأمر الذي ذهب إلى جوازه المجمع الفقهي، في دور ته التاسعة عشر، و مما جاء في ذلك "الأصل أن يرضى المؤمن بما قدر له من الولد ذكرا كان أو أنثى، قال تعالى:﴿ي َهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَي َهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ ﴾1 ،و لكن لا بأس أن يرغب المرء في الولد ذكرا كان أو أنثى و يطلب أسباب ذلك بالطرق الطبيعية التي وصفها أهل هذا العلم دون تدخل طبي حقيقي.2 ج- الجراحة التجميلية الحاجية: قد يتعرض الإنسان لبعض التشوهات بسبب الحروب أو حوادث العمل أو حوادث السيارات أو العيوب الخلقية فتكون الغاية من الجراحة إزالة عيب خلقي ظاهر في الإنسان ملفت للنظر أو تشوه حادث، و مستند ذلك أصل رفع الحرج فبقاء مثل هذه التشوهات يمكن أن يتسبب في ضيق و ألم نفسي هو أشد من ألم البدن3 ،و يستأنس لذلك بما جاء في السنة النبوية من حديث عرفجة بن أسعد قال:" أصيب أنفي يوم الكلاب 4 في الجاهلية فاتخذت أنفا من ورق 5، فأنتن علي فأمرني رسول الله صلى الله عليه و سلم أن اتخذ أنفا من ذهب".6 المطلب الرابع: الاستقراء إن المنهج القرآني الذي ينحو إلى الجمع بين الجزئيات و الكليات يفرض توقف النظر عند أصل من أهم أصول الاستدلال، و هو الاستقراء، حيث تنضاف الأحكام و النصوص و العلل الجزئية بعضها إلى بعض ليحصل النظر من خلالها جملة من القواعد الكلية ينبنّ عليها أصل رعي الحظ و قيده بالأوصاف و الضوابط و الشرائط الشرعية. 1- سورة الشورى، الآية: 49 . 2- ينظر: قرار المجمع الفقهي، الدورة التاسعة عشر، 22- 26 شوال1428هد الموافق لد03- 07 نوفم2007. 3- المصددلحة المرسددلة و تطبيقاتهددا المعاصددرة، عبددد ا مددد صددالح، مجلددة جامعددة دمشددق، المجلددد 16، العدددد الأول، سددنة2000م، ص378، وينظددر: فقددد النوازل، مرجع سابق، ج2، ص07- 63. 4- حرب معروفة من حروبهم و الكلاب اسم ماء كان هناك 5- ورق أي فضة 6- رواهالترمذي في سننه، ، باب ما جاء في شد الأسنان بالذهب حديث رقم: 1770 ،ج3 ،ص371 ،و قال حديث حسن.

عدد الصفحات ١١٤

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 107 إلا أنه قبل تحديد مثل هذه العلاقة لابد من الوقوف على تعريف الاستقراء و أنواعه و حجيته الفرع الأول: تعريف الاستقراء أ. لغة: الاستقراء في اللغة من قرأت الشيء جمعته و ضممته، و قرأ الأمر و اقتراه تتبعه و قروت البلاد قروا و قريا و ا ستقريتها إذا تتبعتها. 1 ب. اصطلاحا: عرفه الغزالي بقوله:" أن تتصفح جزئيات كثيرة داخلة تحت معنى كلي حتى إذا وجدت حكما في تلك الجزئيات حكمت على ذلك الكلي به". 2 و عرف بأنه:" تتبع جزئيات كلي ليثبت حكما له 3 و قال الجرجاني:" الاستقراء هو الحكم على كلي بوجوده أكثر جزئياته". 4 و عليه فإن ما ذكر في تعريف الاستقراء لا يخرج عن كونه تتبع جزئيات كلي، و الاستدلال بثبوت حكم فيها على ثبوته في الكلي الذي ينتظمها. الفرع الثاني : أنواع الاستقراء يقسم الاستقراء باعتبار شموله و استغراقه للجزئيات المراد تتبعها لإثبات حكم كلي إلى تام و ناقص. أولا: الاستقراء التام و يعر ف بأنه:" إثبات حكم كلي في ماهية لأجل ثبوته في جميع جزئياته" 5 ،و هو القياس المنطقي و يفيد القطع1، لأن الحكم متى ثبت في كل فرد من أفراد الكلي، ثبت للكلي المكون لها 1- تاج العروس ،مصدر سابق ،ج39 ،ص290 2- معيار العلم في فن المنطق، محمد أبو حامد الغزالي، مصر، المطبعة العربية، ط 2،1346هد- 1927م، ص102. 3- شرح جمع الجوامع، جلال الدين محمد المحلى و معه حاشية العطار على جمع الجوامع ، دار الكتب ال علمية، بيروت، لبنان، ج2، ص385 . 4- التعريفات، مصدر سابق، ص37. 5- نهاية السول، مصدر سابق، ج4، ص377.

عدد الصفحات ١١٥