المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حظوظ المكلفين في القرآن الكريم بين الجلب والدفع

خيرة سرير حاج

صفحة ٦ من ٣٠

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 76 الكلية أو المآل فتختلف، ليعتريها طلب الفعل أو الترك جازما كان أو غير جازم فكان حريا بالنظر الوقوف عند هذه الأحكام. ثالثا: المباح من حيث الكلية و الجزئية يرتبط المباح ارتباطا و ثيقا بحظوظ المكلفين ذلك أن ما أثبته الشارع للمكلف من مصالح خاصة، الغالب فيه أن يكون مطلوبا على جهة الندب أو التخيير لوجود المقتضى من داعي الجبلة، إلا أن معنى التخيير فيه لا يرد بإطلاق ذلك أن النظر إما أن يكون في سوابقه أو قرائنه أو لواحقه أو من حيث الكلية و الجزئية فيتردد بين الوجوب و الندب و التحريم والكراهية ، و القسم الثاني المراد بالبيان و قد انتخبت لذلك ما قرره الشاطبي في أقسام الإباحة على هذا الاعتبار فجاءت على النحو الآتي :1 أ. المباح بالجزء المندوب بالكل و مثاله التمتع بالطيبات من المآكل والمشارب والمراكب و الملابس مما يزيد عن قدر الضرورة لوجوبها فيه أي في قدر الضرورة قال صلى الله عليه وسلم {: إذا وس ع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم}2،و قال{:إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده }.3 ب. المباح بالجزء الواجب بالكل: و منه الأكل و الشرب و النكاح و أوجه المعاملات الجائزة قال تعالى:﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْب َيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.4 و قال:﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ ﴾5.و معنى كونها واجبة بالكل أن الناس لو تركوها جميعا لأثموا، لما فيه من إخلال بالضروريات. 1- الموافقات، مصدر سابق،ج 1 ،ص130-133. 2- رواه ابن حبان في صحيحه.باب شروط الصلاة ،حديث رقم 1714،ج4 ،ص614 3- رواهالترمذي في سننه، كتاب الأدب ،حديث رقم 2819.ج5 ،ص123 ،وقال هذا حديث حسن. 4- سورة البقرة، الآية: 275. 5- سورة المائدة، الآية: 96.

عدد الصفحات ٨٤

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 77 ج. المباح بالجزء المكروه بالكل :و مثل له بالتنزه في البساتين و اللعب المباح ومعنى كونه مكروها بالكل أن الدوام عليه مظنة الإسراف و قلة العقل ، إذ الأصل شغل النفس بمصالح المعاش و المعاد، وفي ذلك يقول الغزالي في سياق حديثه عن اللعب والتلذذ باللهو المباح :" كذلك إنما يباح لما فيه من ترويح للقلب، إذ راحة القلب معالجة له في بعض الأوقات لتنبعث دواعيه فيشتغل في سائر الأوقات بالجد في الدنيا كالكسب أو التجارة أو في الدين". 1 و استحسان ذلك والمداومة عليه مخرج له عما وضع له من كونه وسيلة. د. المباح بالجزء المحرم بالكل و ذلك " كالمباحات التي تقدح في العدالة المداومة عليه و إن كانت مباحة " .2 و مثالها اعتياد الحلف وكثرته و المداومة على شتم الأولاد فإنها مما يقد ح في العدالة وهي على ذلك مطلوبة الترك من جهة الكل.3 وقد اعترض الريسوني على التفرقة بين القسمين الثالث و الرابع إذ لا ضابط لذلك 4 و الأصل أن بينهما فرق مرده إلى قوة المفسدة التي تترتب عليها المداومة فيلحق بالحرام أو ضعفها ف يلحق بالمكروه . و كما أن حكم المباح يختلف من حيث الكلية و الجزئية فإنه يختلف باعتبار ما يتذرع به إليه وفي ذلك يقول الزرك شي:" والحاصل أن حكم المباح يتغير بمراعاة غيره فيصير واجبا إذا كان في تركه الهلاك 1- إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، دار الشعب ( د.ت)، مجلد 2، ص1146. 2- الموافقات، مصدر سابقج 1 ،ص132 3- الفقه المقاصدي عند الإمام الشاطبي،أحسن لحساسنة، القاهرة ، دار السلام ، ط 1 ،1429ه-2008م ،ص 142. 4- نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، أحمد الريسوني،المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، ط 5 ،1416ه-1995م ، ص 188.

عدد الصفحات ٨٥

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 78 ويصير محرما إذا كان في فعله فوات فريضة أو حصول مفسدة كالبيع وقت النداء ،و يصير مكروها إذا اقترن به نية مكروه ،و يصير مندوبا إذا قصد به العون على الطاعة ".1 و هذا المعنى قرره الشاطبي في بيان اختلاف حكم المباح بالنظر إلى ما يكون وسيلة إليه. ثم إن المباح قد ينظر إليه من جهة تناوله و اكتسابه وأداء حق الله فيه فيصير حر اما أو مكروها و بيان ذلك الفروع الفقهية . ما ينبغي التأكيد عليه هو أهمية النظر المصلحي أو المقصدي للأحكام التكلفية حتى فيما يتصور ابتداء الخيرة فيه ،إن هذا النظر تقرير لمعاني التعبد والابتلاء التي تن تظمها مقاصد الشريعة ،قال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَب ْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾2 ،و إثبات لحظوظ المكلفين من حيث الحال و المآل ، و حفظ لمصالح الأحكام من أن يتذرع إليها الاختلال، متى أوكل أمر التنزيل على واقع المكلفين إلى النظر القاصر عن درك مآلات الأفعال ،و مقتضيات الإقدام و الإحجام من حيث الجز ء و الكل . المسلك الثاني: العلل المنصوصة لقد تنوعت أساليب التعليل في القرآن الكريم و السنة النبوية و المتتبع لهذه العلل يجد أنها لم تخل من تعلق بحظوظ أهل التكليف و مصالحهم الخاصة، و إن اختلفت صيغها من حيث القطع و الاحتمال و إفادة العلية بدلالة اللفظ أو الالتزام. 1- بدددر الددددين بددن بهدددادر الزركشددي، البحدددر المحدديط في أصدددول الفقدده، وزارة الأوقددداف و الشددؤون الإسدددلامية، الكويددت، ط 2،1423هدددد- 1992م، ج1، ص 278. 2- سورة الملك، الآية: 02.

عدد الصفحات ٨٦

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 79 وعليه تنتظم العلل المنصوصة، النص الصريح على العلة الذي لا يحتمل غيرها إلا أن يدل الدليل على أنه لم يقصد به التعليل فيكون مجازا فيما قصد به 1 ،و الظاهر الذي يحتمل إفادة العلية و غيرها 2 ،و ما كان دالا على العلية بطريق الالتزام و هو ما يسميه الأصوليون مسلك الإيماء و التنبيه، و إن عده البعض مسلكا مستقلا عن الأدلة النقلية3، إلا أنه ينضاف في هذا المقام إلى الأدلة النصية،و هو ما ذهب إليه الطوفي حيث جعله قسيما للنص الصريح في مبحث الأدلة النصي ة على العلة و في ذلك يقول:" الضرب الثاني من إثبات العلة بدليل نقلي الإيماء و هو ضرب من الإشارة و الفرق بينه و بين النص أن النص يدل على العلة بوصفه لها ،و الإيماء يدل عليها بطريق الالتزام". 4 أولا: النص الصريح و هو ما دل على التعليل صراحة دون احتمال لغيره 5، و مما جاء نصا صريحا في التعليل بالمصالح التي ينتظمها معنى الحظ:  قوله تعا﴿ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ ﴾6 ،جاء في تفسير الآية" أي شغل قلوبكم بالغم الأعظم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة " 7 ،و هو ظاهر فيما للنفوس إليه ميل من جبر عن فقد المراد و قيل:" حتى يعتادوا نزول المصائب فيذهب عنهم الهلع و الجزع عند النوائب". 8  قوله تعا﴿ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا ت َفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ﴾9، أي لفائدة استكمال مدركاتكم و عقولكم فلا تجزعوا للمصائب ، و لا تنصرفوا عن الشكر حال المسر ات، لأنه من أيقن أن 1- الإحكام في أصول الأحكام، امدي، مصدر سابق، ج3، ص319 . 2- ينظر: المحصول، مصدر سابق، ج3، ص139- 140، الإبهاج في شرح المنهاج، ج 3، ص45، الإحكام، ج3، ص319 . 3- مباحث العلة في القياس عند اصوليين، دار البشائر الإسلامية، عبد الحكيم عبد الرحمن أسعد السعدي، ط 2،1421هد- 2000م، ص446. 4- شرح مختصر الروضة ، مصدر سابق، ج3، ص361. 5- أصول الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي، مرجع سابق، ج 1، ص630. 6- سورة آل عمران، الآية 153. 7- شرح مختصر الروضة، مصدر سابق، ج 3، ص357. 8- التحرير و التنوير،مرجع سابق، ج4، ص133. 9- سورة الحديد، الآية 23.

عدد الصفحات ٨٧

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 80 ما بيده من النعم مفقودة لا محالة لم يتفاقم جزعه عند الفقد ،و لا يبلغ فرحه حد البطر عند الوجد 1 ، و ذلك من أكمل أدب النفس و غاية حظها.  قوله صلى الله عليه و سلم إِنَّمَا جُعِلَ الإِذْنُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ }2 فكان وجوب الاستئذان لعلة النظر رعيا لحظ المؤمن أن يهتك ستره و تنتهك حرمته و تتبع عورته. و في ذلك يقول ابن العرن:" أن الله سبحانه و تعالى خصص الناس بالمنازل و سترهم فيها عن الأبصار، و ملكهم الاستمتاع بها على الإنفراد و حجر على الخلق أن يطلعوا على ما فيها من خارج أو يلجوها بغير إذن أربابها، لئلا يهتكوا أستارهم و يبلوا في أخبارهم" 3. ثانيا: النص الظاهر و هو ما احتمل العلية و غيرها4 و مما جاء في التعليل به  قوله تعا﴿وَجَعَلَ مِن ْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَي ْهَا ﴾5 أي جعل من نوع الرجل زوجه ليألفها و يجفو قربها.6  قوله تعالى:﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ ق ُلُوبُكُم بِهِ ﴾.7 أي من أجل أن تطمئن قلوبكم به، فإن الله لما وعدهم بالنصر أيقنوا به، و كان في بيان سببه 1- التحرير و التنوير، مرجع سابق، ج27، ص411.،بتصرف و اختصار. 2- رواه مسلم في صحيحه ،باب تحريم النظر في بيت غيره ،حديث رقم : 5764،ج6،ص180. 3 - أحكام القرآن مصدر سابق ، ج 3 ،ص369 4- و من ألفاظه اللام و الباء و أن المفتوحة المخففة و إن المكسورة الساكنة أو المكسورة المشد دة و زاد بعضهم غيرها، ينظر: أصول الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي، ج 1، ص666.، إرشاد الفحول، محمد بن علي الشوكاني ،تحقيق سامي بن العرن ، الرياض ، دار الفضيلة ، ط 1 ،1421هد-2000م ، ، ص 881- 885، الإبهاج، ج3، ص44- 52. 5- سورة الأعراف، الآية 189. 6- التحرير و التنوير، مرجع سابق، ج 9، ص211. 7- سورة آل عمران، الآية 126.

عدد الصفحات ٨٨

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 81 و هو الإمداد بالملائكة طمأنة لنفوسهم لأن النفوس تركن إلى الصور المألوفة 1  قوله صلى الله عليه و سلم ت ُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَع لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ }2 ،حيث جعل الشارع للمكلف أن يقصد في طلبه النكاح الأمور الأربعة و إن نبه على أكثرها فضلا و أعظمها نفعا.  الإيماء و يعرفه الآمدي بقوله:" أن يكون التعليل لازما من مدلول اللفظ وضعا لا أن يكون اللفظ دالا بوضعه على التعليل"3. و يستفاد ذلك من خلال الإشارة و التنبيه بواسطة قرينة، تدل على ذلك كأن يقع الحكم موقع الجواب ،أو أن يقترن الحكم بالوصف ،أو يفرق بين الأمرين بذكر الصفة أو الغاية أو الاستثناء4، و غيرها مما ينظر في محله ،و مما جاء إيماء و تنبيها:  قوله تعا﴿وَمَن ي َتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾.5 فكان ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء، إيماء بأن التقوى سبب في الخلاص من الشدائد و الكرب و هو حظ ظاهر،و من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن ي َت َوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ف َهُوَ حَسْبُهُ ﴾.6 أي لأجل توكله لأن الجزاء يتعقب الشرط 7  قوله تعا ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَي ْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ ن َرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلت َّقْوَى﴾8 ،و في الآية إيماء إلى حصول الرزق في طريق الامتثال بإقامة الصلاة و الاصطبار عليها. 1- التحرير و التنوير، مرجع سابق، ج 4، ص78. 2-أخرجه الشيخان و اللفظ لمسلم . 3- الإحكام في أصول الأحكام، ج3، ص319- 320. 4- أصددددول الفقدددده الإسددددلامي، مرجددددع سددددابق، ج 1، ص633 وينظددددر: في صدددديغ الإيمدددداء، إرشدددداد الفحددددول، ص 886- 891، الإحكددددام لمدددددي، ج3، ص 320- 328 . 5- سورة الطلاق، الآية 02. 6- سورة الطلاق، الآية 30. 7- إرشاد الفحول، مصدر سابق، ص 889. 8- سورة طه، الآية 132.

عدد الصفحات ٨٩

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 82 أخرج عبد الرزاق في مصنفه من حديث رجل من قريش قال كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا دخل على أهله بعض الضيق في الرزق أمر أهله بالصلاة ثم قرأ : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ ﴾}1 إن المتتبع للأمثلة المذكورة يجد أنها لم تنحصر في علل الأحكام الشرعية و تعدتها لتنتظم الأحكام القدرية ،و من ذلك ما جاء في تعليل ابتلاء المؤمنين في غزوة أحد بالهزيمة و فوات المراد و جعل الزوجات من جنس الأزواج،و إن كان الأصل في القدر الشرعي الامتثال و السعي في بذل أسباب التحص يل ،و الأصل في القدر الكوني الرضا و التسليم بالمقدور و المقضي، إلا أن مثل هذه المغايرة لا تنفي وحدة مقصد التعليل و هو تقرير مقام التعبد، و حصول الإذعان و التسليم بحكمة الله عز و جل فيما حكم و قضى و قدر، فثمة الخير كله قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْ ئًا وَهُوَ خَي ْرٌ لَّكُمْ ﴾2 ، و متى كانت النفوس من ذلك على يقين، لاذت بالصبر حين الفقد و لهجت بالشكر حال الوجد، و أذعنت بالامتثال عند الأمر و النهي، و تحرت الأقرب إلى تحقيق مراد الشراع عند التخيير فحصلت من ذلك حظوظا عاجلة و آجلة امتن بها الله عز و وجل على عباده . المسلك الثالث: الوعد و الوعيد إن بيان القرآن الكريم للأحكام لم يكن على سنن البيان المعروف في القوانين الوضعية بأن يذكر الأوامر و النواهي مجردة عن معاني الترغيب و الترهيب، و إنما يسوقها محتفة بالوعد و الوعيد ليكون حاديا للنفس إلى الامتثال و معينا عليه بدافع الخوف و الرجاء. 3 لذلك كان من أظهر المسالك التي ثبت بها رعي الشارع لحظوظ المكلفين في القرآن الكريم الوعد و الوعيد، و لبيان هذا المسلك نقف على حقيقة الوعد و الوعيد و شواهدهما و من ثمة دلالتهما على المعنى المراد. 1-أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ،كتاب الصلاة ،باب الصلاة من الليل ،حديث رقم 4744،ح3،ص49. 2- سورة البقرة، الآية: 216. 3- الإسلام عقيدة و شريعة،محمود شلتوت ،دار الشروق ، ط 8 ،1421ه-2001م، ص 488.

عدد الصفحات ٩٠

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 83 أولا: حقيقة الوعد و الوعيد الوعد لغة: الترجية بالقول. يقال: وعدته أعده وعدا ،و يكون ذلك بخير أو شر1، قال تعا ﴿ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُون َهَا﴾.2 و قال سبحانه﴿ وَعَدَ اللَّه الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾.3 أما الوعيد و التوعد فهو التهدد و لا يكون إلا بشر4 على أن الاستعمال الشائع للوعد في الخير جعله مختصا به حال الإطلاق، حتى أنه متى استعمل في الشر حمل على المجاز أو التهكم.5 و حقيقة الوعد إطماع و ترجية لأن الواعد يطمع الموعود و يرجيه بتحقيق مقاصده ،و نيل ما ينفعه فيما يستقبل من الزمان 6، أما الوعيد فهو تخويف و تهديد لصرف النفوس عما فيه جلب الفساد العاجل أو الآجل.  شواهدهما في القرآن الكريم لا تختص شواهد الوعد بما جاء بلفظ الوعد خاصة، فقد يستفاد من ألفاظ أخرى كالبشارة و الحق7 ،و أساليب أخرى كترتيب الجزاء بصيغة الشرط 8 ،و القسم9 ،و غير ذلك،10 و مثله الوعيد يستفاد من كل ما يدل على التهدد، و الظاهر من النصوص القرآنية أنها جمعت في الوعد و الوعيد بين أمور الدنيا و الآخرة، و بين مصالح الجسد و الروح، تقريرا لأصل الشمول، و بيان ذلك فيما جاء في 1- معجم مقاييس اللغة، مصدر سابق، ج5، ص125. 2- سورة الفتح، الآية 20. 3- سورة التوبة، الآية 68. 4- لسان العرب، مصد ر سابق، المجلد 6، ج54، ص4872 و معجم مقاييس اللغة، مصدر سابق، ج6، ص125. 5- روح المعاني، محمد الألوسي ،بيروت ، دار احياء التراث العرن ،ج 10 ،ص133. 6- الوعد الأخروي، شروطه و موانعه، عيسى بن عبد الله السعدي، دار عالم الفوائد، (د.ت)، ج1، ص12. 7- و منه قوله تعالى:﴿ وَي ُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (سورة الإسراء، الآية: 09) و قوله:﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَي ْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (سورة الروم، الآية: 47) 8- قال تعالى:﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّات ﴾ (سورة النساء، الآية: 13.) 9- قال تعالى:﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ﴾ (سورة الحج، الآية: 40.) 10- ينظر: الوعد الأخروي، المرجع نفسه، ج 1، ص12-20.

عدد الصفحات ٩١

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 84 الوعد بأمور الدنيا:قوله تعا﴿ ف َقُلْتُ اسْت َغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ، ي ُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّات وَيَجْعَل لَّكُمْ أَن ْهَارًا ﴾.1 يقول ابن عاشور في ت فسير هذه الآية:" و هذا وعد بخير الآخرة و رتب عليه وعدا بخير الدنيا بطريق جواب الأمر". و في ذلك كما يقول:" دلالة على أن الله يجازي عباده الصالحين بطيب العيش". 2 و قوله تعا﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَر أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ف َلَنُحْيِي َنَّهُ حَيَ اةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِي َن َّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ ي َعْمَلُونَ ﴾.3 و قد تقدم تفسير الحياة الطيبة، و أنه يراد بها السعادة، و القناعة. و قوله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا ن ُزِّلَ عَلَى مُحَمَّد وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَن ْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾4، بالهم أي حالهم5، و قال القرطبي المراد إصلاح أمور الدنيا 6. أما النعيم الأخروي فهو لا يخفى،قال تعا ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْب َرُونَ ، يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَاف مِّن ذَهَب وَأَكْوَاب وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَت َلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ، وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِث ْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ ت َعْمَلُونَ ﴾.7 و كما أن الوعد القرآني جمع بين خيري الدنيا و الآخرة كذلك الوعيد جاء بأمور الدنيا و الآخرة، و من ذلك إيعاد المتكبرين بصرفهم عن آيات الله. قال تعالى:﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ ي َتَكَب َّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾1 ، و المفترين بالذلة 1- سورة نوح، الآيات 10- 12. 2- التحرير و التنوير، ج29، ص199. 3- سورة النحل، الآية 97 . 4- سورة محمد، الآية 02. 5- المحرر الوجيز، ج 5، ص110. 6- الجامع لأحكام القرآن، ج 19، ص241. 7- سورة الزخرف، الآيات 70- 72.

عدد الصفحات ٩٢

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 85 و الصغار،قال تعا﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَي َنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّن ْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ﴾2 ، قال الإمام مالك:" ما من مبتدع إلا و تجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ الآية". 3 و منه قوله تعا﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾4، و الضنك كما جاء في التفسير النكد الشاق من العيش5 ،فالمعرض عن الدين كما يقول القرطبي:" مستول عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا مسلط عليه الشح، الذي يقبض يده عن الإنفاق فعيشه ضنك وحاله مظلمة، كما قال بعضهم: لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته وتشوش عليه رزقه، وكان في عيشة ضنك".6 و من الوعيد الأخروي، قوله تعا ﴿ هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآب ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْن َهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ ، هَذَا ف َلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ﴾.7 و ليس المقام مقام استغراق للصور فيكتفى بالقدر الذي يتضح به المراد،وهو بيان وجه دلالته على إثبات حظوظ المكلفين ،و في ذلك يمكن القول أن الشارع الحكيم وعد المكلفين بأمور كثيرة في طريق الامتثال بها صلاح دنياهم و أخراهم، و في المقابل توعدهم لصرفهم عن كل فساد فك ان ذلك تقريرا لحظوظهم، هذا من جهة القصد الشرعي، أما من جهة قصد المكلف و فعله فإنه كما يقول الشاطبي:" لما كان طلب الحظ الأخروي سائغا بإثبات الشارع له دل على جواز طلب الحظ العاجل ثم إن الترغيب في دخول الجنة و الترهيب من دخول النار تحريض للنفوس على طلب الحظوظ و لو كان قادحا في العمل لكان مذكرا بما يقدح و هو باطل" 8. 1- سورة الأعراف، الآية 146. 2- سورة الأعراف، الآية 152. 3- الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، ج 9، ص345. 4- سورة طه، الآية 124. 5- المحرر الوجيز، مصدر سابق، ج 4، ص68. 6- الجامعلأحكام القرآن، مصدر سابق، ج 14، ص157. 7- سورة ص، الآيات 55- 57. 8 - الموافقات ، مصدر سابق ، ج2 ، ص210

عدد الصفحات ٩٣

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 86 و قد ثبت عند أهل النظر، أن الإنسان لا يتحرك إلا بحظ و البراءة من الحظوظ صفة إلهية، فكان نوط الأحكام بالجزاء الدنيوي و الأخروي بصيغة الوعد و الوعيد، إثبات للحظ من هذه الجهة و لو شاء الله عز و جل لكلف عباده مع الإعراض عن الحظوظ، لكنه امتن عليهم بأن جعل لهم في طريق عبادته حظوظا عاجلة و آجلة يتنعمون بها. 1 المسلك الرابع: الدعاء بما للنفس فيه حظ ظاهر الدعاء في اللغة الرغبة إلى الله عز وجل 2،و عرفه الخطان بأنه:" استدعاء العبد ربه عز و جل العناية و استمداده إياه المعونة3 ،و يأتي في القرآن الكريم و يراد به العبادة". قال تعا ﴿ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا﴾4، أي لن نعبد إلها دونه، كما يرد بمعنى التوحيد و الثناء، و مسألة الله العفو و الرحمة و ما يقرب منه، و مسألة الحظ من الدنيا 5 ،و هو القدر المراد الاستدلال به، إذ ثبت بنص القرآن الكر مشروعية الدعاء بما فيه للنفس حظ ظاهر و جاء حكاية عن الأنبياء و الصالحين. قال تعالى:﴿ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي ف َرْدًا وَأَنتَ خَي ْرُ الْوَارِثِينَ ﴾6، و هو أصل في طلب الولد،و قال في دعاء إبراهيم عليه السلام: ﴿ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْق فِي الآخِرِينَ ﴾7، و قد تقدم ما في الآية من دلالة على قصد الثناء الصالح و كونه مما لا يقدح في الإخلاص. كما جاء في وصف المؤمنين و ما هم عليه من طلب خير الدنيا و الدين قوله تعالى:﴿ رَب َّنَ ا آتِنَا فِي الدُّن ْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾8. 1- المصدر نفسه، ج 2 ،ص 179 2- لسان العرب، مصدر سابق، المجلد الثاني، ج 16، ص1385. 3- شأن الدعاء، أبو سليمان حمد بن محمد الخطان، تحقيق: أحمد يوسف الدقاق، ، دمشق، دار الثقافة العربية، ط2،1412هد- 1992م،ص 04. 4- سورة الكهف، الآية 14. 5- لسان العرب، مصدر سابق، ج 16، ص1385. 6- سورة الأنبياء، الآية 89. 7- سورة الشعراء، الآية 84. 8- سورة ا لبقرة، الآية: 201.

عدد الصفحات ٩٤

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 87 و قد ثبت عن نبينا الكريم عليه الصلاة و السلام أنه دعا بأمور كثيرة دنيوية كالاستعاذة من الفقر و الدين و غلبة الرجال، و شماتة الأعداء، و الهم ،و أن يرد إلى أرذل العمر 1 ،ومن ذلك: قوله صلى الله عليه و سلماللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ }2 و عن أن هريرة – رضي الله عنه - قالكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ي َت َعَوَّذُ مِنْ جَهْدِ الْبَلاَءِ ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ ،وَسُوءِ الْقَضَاءِ وَشَمَاتَةِ الأَْعْدَاءِ }3 و المراد بجهد البلاء المشقة، قال ابن بطال:" جهد البلاء كل ما أصاب المرء من شدة مشقة و ما طاقة له بحمله و لا يقدر على دفعه، و درك الشقاء يكون في أمور الدنيا و في أمور الآخرة ،و كذلك سوء القضاء العام في النفس و المال و الأهل و الولد و الخاتمة و المعاد". 4 و لا تعارض بين المذكور و أصل القضاء و القدر، فإن الدعاء سبب من الأسباب التي جعل للمكلف التذرع بها لنيل الحوائج و سد الخ لات، و قد علم أن الله عز و جل هو المسبب الحقيقي ،و لو شاء لما رتب المسببات على أسبابها ،و لكنه و لحكمة بالغة أجرى نظام الكون و الحياة على قوانين و سنن هي أبلغ في تحقيق مقصده من الخلق، هذا من جهة و من جهة أخرى، فالدعاء تحريض للنفس على بذل الأسباب و السعي في المطلوب بعد التوكل و استدعاء الخالق العناية و استمداده المعونة. و قد أمر الله عز و جل عباده أن يدعوه خوفا و طمعا،قال تعالى: ﴿ وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾5، فكان من حظوظهم رعي جانب الخوف من عقاب الله و الطمع في ثوابه، و قد شمل الخوف و الطمع جميع ما تتعلق به أغراض المسلمين نحو ربهم في عاجلهم و آجلهم بأن ييسر لهم أسباب حصول ما يطمعون 1- الموافقات، مصدر سابق، ج 4 ، ص279. 2- أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب من غزا بصبي للخدمة، حديث رقم 2893 .ج2،ص329 3- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب التعوذ من جهد البلاء، حديث رقم 6347.ج4 ،ص162 4- فتح الباري، شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر، بيروت، دار الكتب العلمية، ج 11، ص179. 5- سور الأعراف، الآية 56.

عدد الصفحات ٩٥

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 88 و يجنبهم أسباب حصول ما يخافون،1 فكان مثل هذا الحظ معينا على الامتثال و ذريعة إلى تحصيل خ الدنيا و الآخرة، و هو المراد بالاستدلال. و من دلالات مشروعية الدعاء على رعي باعث النف س و داعي الطبع، أن مما جبل عليه الإنسان الضعف و العجز و طلب يد العون، فكان حريا أن يطلب ذلك من خالق الخلق و رازقهم، و هي سنة درج عليها الأولون و الآخرون، مؤمنهم و كافرهم، إلا أن المؤمن غالب أحواله التضرع بين يدي الخالق، أما المعرض عن الذكر و الدعاء، فلا تحصل منه المسألة إلا حال اشتداد الكرب و نزول المصائب،قال تعالى:﴿ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيض ﴾.2 و قال عز و جل﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا ف َلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾.3 المسلك الخامس: الإخبار بتكريم الإنسان يضاف إلى ما تقدم من الأدلة النصية على رعي الشارع لحظوظ المكلفين التكريم الإلهي للإنسان و الذي عبر عنه القرآن الكريم بأكثر من صيغة و في أكثر من موضع، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّ مْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْب َرِّ وَالْبَحْرِ ﴾4. و التكريم جعله كريما أي نفيسا غير مبذول و لا ذليل في صورته و لا في حركته، أو في أسباب تناوله لأنواع المباحات، إضافة إلى ما حباه به الشارع من آلة الفكر و المعرفة و الحواس الظاهرة و الباطنة. 5 1- التحرير و التنوير، مرجع سابق، ج 8، ص470. 2- سورة فصلت، الآية 51. 3- سورة يونس، الآية 12. 4- سورة الإسراء، الآية 70. 5- ينظر: التحرير و التوير، مرجع سابق ، ج15، ص165.

عدد الصفحات ٩٦

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 89 قال تعالى:﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ ت َقْوِيم ﴾1،يقول ابن العرن:" ليس لله تعالى خلق هو أحسن من الإنسان فإن الله خلقه عالما قادرا مريدا متكلما سميعا بصيرا مدبرا حكيما ،و هي صفات الرب "، 2 و ليس المعنى المماثلة أو المشابهة، إنما إثبات هذه الصفات على وجه يناسب خصائص النوع الإنساني، ويقضي بتكريمه و تفضيله يقول الريسوني:"هذه الصفات الربانية التي منح الإنسان قبسا منها ومنح القدرة على تنميتها و استثمارها، هي كنز الإنسان و رصيده الأغلى ،وهي التي تمنحه هذا التفوق و هذا الامتياز"3، ثم إن ثبوت هذا التكريم و إن دل عليه النص الصريح فقد تقرر بتتبع الإشارات و المعاني، و من ذلك ما ثبت في القرآن الكريم، من خلق الله عز و جل للإنسان بيديه و النفخ فيه من روحه و إسجاد ملائكته له و استخلافه في أرضه، و هو بحث ع لى نفاسته لا يسع المقام التفصيل فيه، و غاية المراد أن مثل هذا التكريم أصل في إثبات رعي الشارع لحظوظ المكلفين و مصالحهم الخاصة، إذ لا تتصور حقيقته، و المكلف محجور عليه في تحصيل حظوظه العاجلة و الآجلة ،و قد تنبه إلى ذلك الرازي في المحصول فعبر عنه بقوله:" و من كرم أحدا ثم سعى في تحصيل مطلوبه كان ذلك السعي ملائما لأفعال العقلاء، مستحسنا فيما بينهم فإذن ظن كون المكلف مكرما يقتضي طن أن الله تعالى لا يشرع إلا ما يكون مصلحة له ". 4 و في هذا المعنى يقول القرضاوي:" و إذا كانت هذه هي قيمة الإنسان و مكانته في الإسلام ،فلا عجب أن تعنى شريعته بإشباع حاجاته و رعاية ضروراته و تحقيق مطالبه الحيوية". 5 المطلب الثاني: سكوت الشارع 1- سورة التين، الآية 04. 2- أحكام القرآن، مصدر سابق ،ج4، ص415. 3- حقوق الإنسان محور مقاصد الشريعة، أحمد الريسوني ، قطر ، وزارة الأوقاف ، ص 45 4- المحصول، مصدر سابق، ج5، ص174. 5- دور الزكاة في علاج المشكلات الاقتصادية، يوسف القرضاوي، القاهرة، دار الشروق، ط 1،2001م، ص18.

عدد الصفحات ٩٧

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 90 لقد تقرر عند المحققين من أهل النظر أن الأحكام تستفاد من دلالة اللفظ كما تستفاد من مقام السكوت، متى تحققت الشروط و انتفت الموانع و كذلك مقاصد التشريع يتلمسها النظر حال الخطاب و حال الترك، و المراد بالمعنى الأخير سكوت الشارع عن الحكم فلا يتعرض له بنفي أو إثبات 1 ،و هو يختلف من حيث الدلالة على الأحكام بوجود موجبها المقتضى لها أو عدمه، الأمر الذي قرره الشاطبي أصلا ضابطا للتفريق، و درك مقصد الشارع من السكوت فكان حريا الوقوف عنده بيانا و استثمارا. الفرع الأول : سكوت الشارع مع قيام موجب الحكم المقتضي له، فلا يقرر فيه حكما عند نزول النازلة زائدا على ما كان في ذلك الزمان 2 ،و تختلف دلالة مثل هذا السكوت باختلاف متعلقه من العادات أو العبادات إذ هو في العبادات كما يقول صاحب الموافقات:" كالنص على أن قصد الشارع أن لا يزاد فيه و لا ينقص لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجودا ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه كان ذلك ص ريحا في أن الزائد على ما هنالك بدعة زائدة و مخالفة لما قصده الشارع، إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حد هنالك ،لا الزيادة عليه و لا النقصان منه" 3 ،بخلاف المعاملات فلا يفهم من السكوت حظر و لا توقف. و بيان ذلك أن العبادة لما كانت حقا خالصا لله تعالى حيث لا يتعبد إلا بما شرع، كان الأصل فيها التوقف و الاقتصار على ما بينه الشرع دون زيادة أو نقصان، لذلك كان الغالب في أحكامها التفريع، و إن وجب التنبيه على أن ما جاء مجملا في القرآن الكريم كالصلاة و صفة الحج و أنصبة الزكاة، و أنواع النوافل و التطوعات بينته السنة النبوية و كل زيادة على ذلك لم تنبن على أصل خاص بدعة تقرر من الشرع إلغاؤها و ردها،و في ذلك يقول الطاهر بن عاشور:" العبادات مبنية على 1- مقاصد الشريعة و علاقتها بالأدلة الشرعية، مصدر سابق، ص 173. 2- الموافقات، مصدر سابق، ج 2 ، ص 104. 3- المصدر نفسه، ج 2 ، ص 104

عدد الصفحات ٩٨

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 91 مقاصد قارة فلا حرج في دوامها أو لزومها للأمم و العصور ،إلا في أحوال نادرة تدخل تحت حكم الرخصة". 1 أما المعاملات فهي التدابير و الوسائل التي يتخذها البشر لتسيير شؤون حياتهم ،و سد حاجاتهم الفردية و الجماعية، و هي تتسم بالتجدد و التشعب و التغيير، و لما كان الإنسان بما وهبه الله عز و جل أهلا للتصرف فيها إنشاء و تطويرا أوك لها الله تعالى إليه و اكتفت الشرائع بالضبط و التقنين 2 و كان الغالب في أحكامها جريانها على مقتضى الإباحة سواء بدلالة النص أو التقرير أو البراءة الأصلية. و بناء على ما تقدم ينتظم أصل السكوت في أبواب العادات و المعاملات معاني أهمها، تجنب التفريع وقت التش ريع، و تقرير الشارع. أ. تجنب التفريع وقت التشريع:3 إن المتتبع دلالة خطاب الشارع على الأحكام و المسائل المتعلقة بأنواع العادات و المعاملات، يجد أن الشارع الحكيم تشوف في قسم كبير إلى تجنب التفريع وقت التشريع و نوط الأحكام بالأوصاف و المعاني الكلية،فيكون المسكوت عنه داخلا في حكم المنطوق ردا إلى تلك الأصول و القواعد الكلية، وفي هذا المعنى يقول الدكتور مصطفى شلبي :"لقد أجمل القر آن الكريم أحكام المعاملات فاكتفى في قانونها بالنص على إباحة ما يقتضيه تبادل الحاجات ،و دفع الضرورات ، فأحل البيع و الإجارة و الرهن و غيرها من عقود المعاملات، و أشار إلى الأساس الذي ينبغي أن تبنى عليه تلك المعاملات و هو التراضي 4 ،قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم ب َي ْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى 1- مقاصد الشريعة، ص203. 2- طرق الكشف عن مقاصد الشارع، نعمان جغيم ،الأردن، دار النفائس ، ط 1 ،1422ه-2002م، ص 202. 3- ينظر: مقاصد الشريعة الإسلامية، الطاهر بن عاشور، ص 403. و الإمام في مقاصد رب الأنام، ص 117 4- تعليل الأحكام، مرجع سابق، ص 305.

عدد الصفحات ٩٩