الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 60 ما كان مستنده العوائد و الأعراف من إجماع أو قياس فتعارض بغيرها 1 ،لتغير مناط الحكم و وجه اعتبار الصلاح، مما تقرر في الشريعة دوران الأحكام معه وجودا و ع دما، و يستدل على هذا الشرط بأمور: أن معرفة مقاصد الشرع إنما تستند في مجملها إلى استقراء نصوص الشرع فلو قيل بجواز مخالفة المصلحة نصوص الشرع للزم من ذلك أن يعارض المدلول دليله و هو باطل. أن المصلحة ظنية و العمل بالنصوص قطعي و الدليل الظنّ لا يعارض القطعي بحال لامتناع اجتماع العلم و الظن على محل واحد. 2 أن المصلحة مما تختلف فيه الأنظار فلا تعرف على جهة التعيين فيكون النص أولى بالاعتبار 3 و من النصوص القطعية و الأصول الكلية التي لا يتصور معارضتها بغيرها آيات الحدود و المواريث، و أصل منع الغرر و الميسر و الربا. قال تعالى:﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنث َي َيْنِ ﴾4. و قال عز و جل﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِي َهُمَا﴾5. و قال عز و جل﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ﴾6 . و قال﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْب َيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.7 و عليه لا يصح التذرع بالمصلحة في دعوى المساواة بين الرجال و النساء في المواريث أو تعطيل الحدود أو إباحة الربا و الميسر في صور من المعاملات، اجتهد في وضع مس ميات لها ،ظاهرها الحل و 1- ينظر: في هذا المعنى أصول الفقه الإسلامي، محمد أبو زهرة، دار الفكر العرن ، ص 275، المصلحة المرسلة حجيتها و ضوابطها، ص 91. المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، بن زغيبة، مصر ، دار الصفوة ، ط 1 ،1417ه-1996م ، ص 279. 2- ضوابط المصلحة، محمد سعيد رمضان البوطي، مؤسسة الرسا لة، ص 130- 131. 3- المصلحة المرسلة حجيتها و ضوابطها، مرجع سابق، ص 90. 4- سورة النساء، الآية 11. 5- سورة المائدة، الآية: 38. 6- سورة المائدة، الآية: 90. 7- سورة البقرة، الآية 275.
عدد الصفحات ٦٨الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 61 باطنها الحرمة،إلا أن الشرط المذكور من العموم الذي يعتريه التخصيص فلا يعد معارضة للأمور القطعية تخصيص العمومات بالمصالح متى ثبت اعتبارها بأن تستند إلى أصل كلي، فيكون المخصص الأصل الكلي لا مجرد المصلحة. 1 و يدخل في هذا المعنى العدول عن الحكم العام في بعض المسائل و الأعيان حيث لا تترتب المصلحة إعمالا لأصل رعي المآل و سد الذرائع و تقريرا لمقصد التشريع في جلب الصلاح و دفع الفساد، و يكون من باب تحقيق المناط2 ، لا ردا للنصوص أو إبطالا لأحكام الشريعة و من ذلك فعل عمر - رضي الله عنه - بمنع سهم المؤلفة قلوبهم حيث انتفت مصلحة التأليف بعزة الإسلام. و المنع من نكاح الكتابيات لما فيه من مفسدة تربو على مصلحته ،على خلاف ما كان عليه الحال زمن النبوة 3، و هو مورد كما يقول الشاطبي:" صعب عذب المذاق محمود العاقبة جار على مقاصد الشريعة" 4 ،شريطة أن لا يتصدر له إلا مجتهد عالم بأحوال التشريع و مقاصده و فقه الواقع ، و إلا كان معولا لهدم أسس الشريعة و الكر على أصولها بالبطلان،وليس الحكم مطردا في كل مصلحة تلوح للنظر والثابت اعتبار محل الضرورة و الكلية و القطع للقول بالتخصيص . الفرع الثاني : أن لا تعود على أصلها بالإبطال بأن تكون متممة و مكملة للمقاصد الأصلية. لقد تقدم أن الضروريات أصل لما سواها فمصالح الدين و الدنيا مبنية على الكليات الخمس ذلك أنه لو عدم الدين لعدم ترتب الجزاء، و لو عدم المكلف لعدم من يتدين، و لو عدم العقل لارتفع 1- ينظر: فقه المصلحة و تطبيقاته المعاصرة، حسين حامد خان ، المعهد الإسلامي للبحوث و التدريب، 1413هد، ص12. و ينبغي التنبيه إلى أن المصالح الخاصة و الحظوظ الجزئية لا ترقى لتخصيص النصوص العامة إلا من حيث استنادها إلى أصل كلي . 2- و هددو:" أن يثبددت الحكددم بمدركدده الشددرعي لكددن يبقددى الحكددم في تعيددين محلدده"، الموافقددات، مصدددر سددابق، ج 4 ، ص 90، و المددراد بدده المعددنى العددام لا المعددنى الأصولي الخاص. 3- ينظر: هذه الأمثلة و غيرها، تعليل الأحكام،محمد مصطفى شلبي، مطبعة الأزهر ،ط 1 ،1947،ص 38- 45. 4- الموافقات، مصدر سابق،ج4 ،ص195
عدد الصفحات ٦٩الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 62 التدين، و أن الأمور الحاجية و الت حسينية إنما هي حائمة حول هذا الحمى، إذ هي تتردد على الضروريات تكملها بحيث يتسنى طلبها على الوجه الأكمل من غير تفريط و لا إفراط. 1 و لازم ذلك أن لا تعود المصالح الحاجية و التحسينية على أصلها بالإبطال و دليله 2 1- أن في إبطال الأصل إبطال التكملة لأن التكملة معما كملته كالصفة مع الموصوف فإذا كان اعتبار الصفة يؤدي إلى ارتفاع الموصوف لزم من ذلك ارتفاع الصفة أيضا، فاعتبار التكملة على هذا الوجه مؤد إلى عدم اعتبارها و هو محال، فلزم عدم اعتبارها. 2- أنه لو قدر تقديرا أن المصلحة التكميلية تحصل مع فوات المصلحة الأصلية، لك ان حصول الأصلية أولى. و بناء على ما تقدم فإن كل حظ عاد على أصله بالإبطال لم يعتد به و من ذلك النكاح فإنه مشروع للتناسل على جهة الدوام، فلو نكحها ليحللها لمطلقها أو بشرط التوقيت لبطل ،و كذلك طلب العلم مشروع قصد صحة الفهم و الامتثال فلو أريد به غير ذلك من مج اراة العلماء و مماراة السفهاء لكان وزرا على صاحبه، قال صلى الله عليه و سلم لعن الله المحلل و المحلل له}3، و قالمن طلب العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء ،أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار}4 و مثله العبادات فإن القصد منها التسليم و الإذعان و الخضوع للواحد الديان فإن قصد بها غير ذلك من حفظ المال ،أو الدم، أو لينال من أوساخ الدنيا ،أو من تعظيم الناس كفعل المرائين و المنافقين فإنه 1- الموافقات ،مصدر سابق،ج 2 ،ص17-18. 2- المصدر نفسه،ج 2 ، ص14-51. 3- رواهالطبراني في معجمه، ج17، ص299. 4- رواهالترمذي في سننه، حديث رقم: 2654،ج5 ،ص32،و قال هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
عدد الصفحات ٧٠الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 63 يكون باطلا مبطلا للعمل، كونه ليس مؤكدا و لا باعثا على الدوام بل هو مقو للترك و مكسل عن الفعل1 ،قال تعا﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن ي َعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْف ﴾2. و قال عز و جل﴿ ف َوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ، الَّذِينَ هُمْ ي ُرَاؤُونَ ، وَيَمْن َعُونَ الْمَاعُونَ ﴾3. و قال عز و جل﴿ يَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ ت ُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ ي ُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْي َوْمِ الآخِرِ ﴾4. بخلاف ما كان متمما أو مكملا فالأصل فيه الاعتبار ،و في ذلك يقول ابن القيم:" الحظ نوعان، حظ يزاحم الأمر و حظ يؤازر الأمر فينفذه، فالأول هو المذموم و الثاني ممدوح و تناوله من تمام العبودية و قد أخطأ من ظن أن الحظ نقص في الإرادة" 5 ،وبيان ذلك أن النفوس مجبولةعلى طلب الملائم، و متى صح إفضاء مثل هذا الطلب إلى تحقيق مقصد الخالق من الخلق اعتبر، و من ذلك الصلاة قصد الاستراحة من الأنكاد، قال صلى الله عليه و سلمأرحنا بها يا بلال}6 و النكاح طلبا للتعفف عن الحرام و الاستمتاع المباح و الاستعانة على مصالح الدين و الدنيا أو القيام عليه أو على ولده أو على أخواته، جاء في الصحيح من حديث جابر -رضي الله عنه - قال قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ نَكَحْتَ يَا جَابِرُ ق ُلْتُ :ن َعَمْ ،قَالَ :مَاذَا أَبِكْرًا أَمْ ث َيِّبًا، ق ُلْتُ : لاَ بَلْ ث َيِّبًا، قَالَ : ف َهَلاَّ جَارِيَةً تُلاَعِبُكَ ، ق ُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي قُتِلَ ي َوْمَ أُحُد وَت َرَكَ تِسْعَ ب َنَات 1- الموافقات، مصدر سابق، ج 2 ، ص398. 2- سورة الحج، الآية 11. 3- سورة الماعون، الآية 04- 07. 4- سورة البقرة، الآية 264. 5- مدارج السالكين، مصدر سابق، ج1، ص50. 6- رواه الطبراني في معجمه، حديث رقم 6215، ج2، ص277.
عدد الصفحات ٧١الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 64 كُن لِي تِسْعَ أَخَوَات فَكَرِهْتُ أَنْ أَجْمَعَ إِلَيْهِنَّ جَارِيَةً خَرْقَاءَ مِث ْلَهُنَّ ،وَلَكِنْ امْرَأَةً تَمْشُ طُهُنَّ وَت َقُومُ عَلَيْهِنَّ قَالَ :أَصَبْتَ }1 و عليه يمكن أن نقسم الحظوظ باعتبار مدى تأكيدها و تكميلها للمقاصد الأصلية إلى ثلاثة أقسام:2 ما يقتضي تأكيد المقاصد الأصلية و ربطها و الوثوق بها و حصول الرغبة فيها، فلا شك أنه مقصود للشارع ذلك أنه مما لا يتأدى القصد الأصلي إلا به ، و من ثمة فإن القصد إلى التسبب إليه مشروع. ما يقتضي زوالها عينا فلا يصح بأي حال و قد تقدم بيان ذلك، فكل فرع عاد على أصله بالإبطال كان باطلا. ما لا يقتضي تأكيدا و لا ربطا و لكنه لا يقتضي رفع المقاصد الأصلية عينا فيصح في العادات دو ن العبادات، و مثل ذلك النكاح قصد مضارة الزوجة فإنه قد لا يلزم قصد المضارة وقوعها، و لا من وقوع المضارة حصول الطلاق. و توجيه المسألة كما يرى اليون راجع إلى اعتبار ضوابط أخرى غير شرط الموافقة أو التتميم و التكميل و هي رعي جانب الأمر و النهي، لأنه متى ثبت النهي عن الفعل، فقد ثبتت مناقضته لمقاصد الشارع، إذ المنهي عنه مطلوب عدمه، ومقصود الشارع فيه عدم إيقاعه و هو ينسحب على مسألة المضارة، إضافة إلى كون الوسائل تأخذ حكم نتائجها، فما كان مفضيا إلى الإخلال بمقصود من مقاصد الشرع و لو بوجه من الوجوه كان الظ اهر من الشرع منعه، و كذلك جانب التكامل و التداخل بين مقاصد الشريعة، فالفعل و إن كان موافقا لمقصد معين أو على الأقل غير مخالف له، قد يثبت من الشرع إلغاؤه متى تحقق إفضاؤه إلى تفويت مصلحة أهم أو جلب مفسدة أعظم. 3 1- متفق عليه 2- ينظر: الموافقات، مصدر سابق، ج2، ص407-408. 3- ينظر: مقاصد الشريعة و علاقتها بالأدلة الشرعية، مرجع سابق، ص 362- 363، بتصرف و اختصار
عدد الصفحات ٧٢الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 65 الفرع الثالث المناسبة1. و يراد بهذا الشرط أن تكون المصلحة المنتظمة لمعنى الحظ، ما لم ينص عليها، من جنس المصالح التي ثبت قصد الشارع إلى تحصيلها بالأدلة القطعية، بأن لا تكون غريبة عنها، و في ذلك يقول الغزالي:" كل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب و السنة و الإجماع و كانت من المصالح ال غريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع فهي باطلة". 2 و عليه، لا يصح التمسك بمثل هذه المصالح دون شاهد من جنسها، و إلا كان محض الهوى و التشهي، ذلك أن الأصل فيما يعتد به من المصالح أن تستند إلى دليل شرعي كلي كان أو جزئي، و مجرد تصور المصلحة ليس دليلا 3 ،ثم أنه لو جاز التمسك بكل مصلحة لاستوى العالم و العامي لأن كلا منهما يعرف مصلحة نفسه الواقعة موقع التحسين و الحاجة، و إنما الفرق درك أدلة الشرع و استخراج الأحكام منها. 4 و هذا الشرط تأكيد لما تقدم من حيث كون الحظ مؤكدا و متمما للمقصد الأصلي،ذلك أن ما ثبت بالنص، كان مت مما بطبيعته لتنزه الشريعة عن التناقض و اختصاصها بوصف الشمول و التكامل، أما ما لا نص فيه فيشترط فيه المناسبة، و معنى كونه مناسبا أن يؤكد و يتمم و يكمل المقاصد الأصلية. 1- ينظر: تعريف المناسبة في مبحث الأدلة.ص 101. 2- ينظر: أصول الفقه الإسلامي، أبو زهرة، مرجع سابق، ص 279- 280. 3- المستصددفى، مصدددر سددابق، ج1، ص179، وينظددر: المنخددول مددن تعليقددات الأصددول، أبوحامددد الغددزالي تحقيددق: محمددد حسددن هيتددو، ط3،1419هددد- 1998م، دار الفكر، بيروت، ج1، ص465. 4- ،شرح مختصر الروضة، مصدر سابق، ص 207- 208، بتصرف و اختصار
عدد الصفحات ٧٣الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 66 الفرع الرابع رعي حق الله و حقوق العباد في طلب الحظ تناولا و اكتسابا إن الحظوظ و إن ثبت اعتبار الشرع لها بأصل خاص أو عام، قد يعتريها الذم و البطلان من جهة اكتسابها، لذلك يمكن أن يضاف إلى الشروط التي وضعها أهل العلم لهذا النوع من المصالح رعي حق الله و حق العباد، و من رعي حق الله امتثال أمره و نهيه و ملاحظة الوقوف عند حدوده، قال تعالى:﴿وَمَن ي َت َعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ ف َقَدْ ظَلَمَ ن َفْسَهُ ﴾1،و قال﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ ت َقْرَبُوهَا﴾2،جاء تفسير الآية "و الحدود المحارم التي ميزها الله عز و جل عن الحلال المطلق و حددها بنعوتها و صفاتها"3 ، فلا يصح طلب حظ النفس إلا بمقتضى الشرع و على الحد الذي حده 4 أما رعي حق المخلوقين فيكون بالإحسان في المعاملة و العدل في المكيال و الميزان، و ترك الغش كله و ترك المغابنة غبنا يتجاوز الحد المشروع. 5 و مما تنبغي الإشارة إليه أن التفريق بين حق الله و حق المخلو قين للبيان و التفصيل ذلك أن رعي حق العباد على الوجه المذكور راجع إلى امتثال أوامر الله و نواهيه و رعي حق الله راجع إلى صلاح العباد لتنزهه عن الدواعي و الأغراض. المبحث الثالث: أدلة اعتبار حظوظ المكلفين (استثمار لمسالك الكشف) 1- سورة الطلاق، الآية 01. 2- سورة البقرة، الآية 187. 3- جامع البيان عن تأويل أي القرآن، ج 3، ص274. 4- ينظر: الموافقات، مصدر سابق، ج 2 ،ص174. 5- المصدر نفسه، ج 2 ، ص188.
عدد الصفحات ٧٤الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 67 المطلب الأول: الأدلة النصية المطلب الثاني: سكوت الشار ع المطلب الثالث: المناسبة المطلب الرابع :الاستقراء المطلب الخامس: الأوصاف الكلية للتشريع
عدد الصفحات ٧٥الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 68 الأصل في الشريعة عدم الإبتناء على بواعث الأهواء و دواعي الشهوات، و في ذلك يقول الشيرازي:" و على هذا لا تتعلق المصلحة في الشرع بما يميل إليه الطبع حتى يبنى الأمر فيه على ما يميل الطبع إليه بل المصلحة متعلقة بما حكم الله عز و جل فيجب أن يطلب ذلك بالدليل".1 إلا أنه يمكن أن يستدرك على ما تقدم فيقال أن الشريعة و إن لم تبن على باعث الطبع إلا أنها تعلقت بحظوظ المكلفين إثباتا لا ابتناء، تفضلا منه سبحانه و إحسانا ،تحقيقا لمقام التعبد و تقريرا لمصالح المكلفين في المعاش و المعاد، و قد ثبت ذلك بمجموع أدلة الشرع تفصيلا و إجمالا من مقام الخطاب و مقام السكوت، و بدلالة النص أو التتبع و الاستقراء أو المناسبة. لذلك جاءت الأدلة على أربعة أقسام، الن ص و الاستقراء و سكوت الشارع و المناسبة. مما يعتبر كذلك مسالك للكشف، و قد جمعت بين المعنيين لتداخلهما حيث تجتمع عند النظر الجهتين جهة الاستدلال، و جهة الكشف حال طلب حكم الشارع. المطلب الأول: الأدلة النصية و يقصد بها ما كان منصوصا عليه من الحظوظ، و مضانها في القرآن الكريم من حيث العموم يتعذر حصره ذلك أنه ما من آية إلا و تتضمن مصلحة عاجلة أو آجلة، ظاهرة أو خفية طردا مع معهود الشارع في رعي مصالح المكلفين ،و قد تناول الكثير من الباحثين مسألة التعليل و أدلتها في القرآن الكريم بما يغنّ عن التكرار، فاكتفيت استدلا لا بما كان أخص من جهة إثبات حظ المكلف على المعنى المراد في هذه الدراسة ،فكانت مسالك الإثبات في المنصوص على النحو الآتي : المسلك الأول : النص على الإباحة. 1- التبصرة في أصول الفقه، أبو إسحاق إيراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، تحقيق: محمد حسن هيتو، دمشق، دار الفكر، ط 1،1403هد، ص509 .
عدد الصفحات ٧٦الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 69 الإباحة الشرعية متعلق حظ المكلف 1 و هو معنى لا يحتاج إلى بيان، ذلك أنه مخير عند انتفاء ما يقتضي الإقدام و الإحجام بين الفعل و الترك،حيث جعل له الشارع الاحتيار بين أنواع التسببات و الانتقال بين ذرائع تحصيل المصالح و التشوف إلى نيل الأغراض و سد الخلات، تعلقا برعي الحاجات و لتفاوت الناس في ذلك، تفاوتا يجعل من الحرج و العنت حملهم على جهة واحدة في الطلب و التحصيل ،و تقريرا لهذا الأصل كان أول الأدلة النصية إثباتا لرعي الحظ في القرآن الكريم صيغ الإباحة و قبل تتبع مواردها لابد من الوقوف على تعريف المباح. أولا:تعريف المباح لقد تعددت تعريفات الأصول يين للمباح، إلا أنها لم تخرج عن كونه ما لا يقتضي مدحا أو ذما على الفعل أو الترك مع اختلاف في بعض القيود، و من تلك الحدود ما ذكره الآمدي بقوله: " المباح ما دل الدليل السمعي على خطاب الشارع بالتخيير فيه بين الفعل و الترك من غير بدل". 2 قال الطوفي:" احترز بقوله من غير بدل عن الواجب الموسع و المخير و فرض الكفاية، فإن التخيير لاحق لها لكن بشرط الإتيان بالبدل" 3، و عرفه الزركشي بأنه:" ما أذن في فعله و تركه من حيث هو ترك له من غير تخصيص أحدهما باقتضاء مدح أو ذم"4، أما قوله من حيث هو ترك للدلالة على أن المبا ح قد يخرج عن مقتضى التخيير إلى الطلب سواء بطلب الفعل أو الترك و ذلك بمراعاة غيره. 5 و قد اختلف في معنى كونه حكما تكليفيا مع أنه لا كلفة فيه على أقوال، أرجحها تعلقه بأفعال المكلفين لما تقرر في الأصول من أن أفعال غير العاقل لا توصف بالإباحة ،و المباح ما لا إثم في فعله و لا في تركه و لا ينفي الشيء إلا حيث يصح ثبوته. 6 و قال الزركشي:" و النزاع لفظي إلا أن يقال هو 1- الموافقات ،مصدر سابق ، ج1 ، ص147 2- الإحكام في أصول الأحكام، مصدر سابق، ج1، ص166. 3- شرح مختصر الروضة، مصدر سابق، ج 1، ص386. 4- البحر المحيط، مصدر سابق، ج1، ص285. 5- اصدر نفسه، ج1، ص275. 6- الفروق، مصدر سابق، ج1، ص293.
عدد الصفحات ٧٧الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 70 تكليف بمعرفة حكمه لقيام الإجماع على أن المكلف لا يحل له الإقدام على فعل حتى يعلم حكم ا فيه، و قد ينفصل عن هذا بأن العلم بحكم المباح خارج عن نفس الم باح".1 و خلافا لما عليه الجمهور من كون المباح غير مطلوب الفعل و لا الترك ،ذهب الكعبي 2 إلا أنه مأمور به و دليله في ذلك أنه "مما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب و أجيب عنه، أنه لا يصح ذلك إلا في الوسائل الشرعية و لا يسلم أن ما لا يتم الواجب إلا به من ضروراته ا لعادية أو العقلية واجبا". 3 ثانيا: صيغ الإباحة الإباحة تستفاد من خطاب الشارع، من لفظ الإحلال و رفع الجناح و الإذن و العفو و إن شئت فافعل و إن شئت فلا تفعل و من الامتنان بما في الأعيان من المنافع4، و فيما يأتي بيان أهم الصبغ المذكورة: أ. لفظ الحل 5 :قال تعا ﴿الْي َوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ ﴾.6 و قال تعا﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَي ْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ﴾.7 ب. نفي الحرمة: و إذا ما انتفت الحرمة ثبتت الإباحة 1، قال تعا﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴾.2 1- البحر المحيط، مصدر سابق، ج1، ص278. 2- الحسين بن محمد بن الحسين بن محمد بن الحسن بن القاسم الجهمي الكعبي ولد عام446هد، فقيه أصولي، و لي القضاء، من تصانيفهمناقب الأبرار. 3- شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي، ص 87. 4- أصددول الفقدده المسددمى إجابددة السددائل شددرح بغيددة الأمددل محمددد بددن إسماعيددل الصددنعاني، تحقيددق: حسددين بددن أحمددد السددياغي ،حسددن محمددد مقبددولي، الأهدددل، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1،1986، ص35 . 5- الوجيز في أصول الفقه، عبد الكريم زيدان، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1987م، ص47، أصول الفقه، أبو زهرة، مصدر سابق، ص 174 . 6- سورة المائدة، الآية 05. 7- سورة البقرة، الآية 187.
عدد الصفحات ٧٨الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 71 ج. نفي الجناح3 :قال تعا﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء ﴾.4 و قوله تعا﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن ي َت َرَاجَعَا إِ ن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ﴾.5 د. نفي الحرج: قال تعالى:﴿ ليْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن ب ُيُوتِكُمْ أَوْ ب ُيُوتِ آبَائِكُمْ ﴾.6 رنفي الإثم: قال تعالى:﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَي ْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾.7 هنفي المؤاخذة و السبيل: قال تعالى: ﴿ لاَ ي ُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾.8 وقوله تعالى:﴿ وَلَمَنِ انتَصَرَ ب َعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيل ﴾.9 قال الفخر الرازي :﴿ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيل ﴾كعقوبة و مؤاخذة لهم لأنهم أتوا بما أبيح لهم من الانتصار.10 والامتنان: من الصيغ الدالة على الإباحة الامتنان ،و في ذلك يقول العز بن عبد السلام:" و قد تمنن سبحانه و تعالى علينا في كتابه بالمأكل و المشارب و المناكح و المراكب و الفواكه و التجمل و التزيين و التحلي بالجواهر، فتمنن بالضروريات و الحاجيات و التتمات و التكملات...، و هو يقتضي أمرين شكره على ذلك و إباحة منافعه لنا". 11 و أمثلته كثيرة 1- الإبهاج في شرح المنهاج، مصدر سابق، ج 3، ص166. 2- سورة الأعراف، الآية 32. 3- البحر المحيط، مصدر سابق، ج1، ص277. 4- سورة البقرة، الآية 235. 5- سورة البقرة، الآية 230. 6- سورة النور، الآية 61. 7- سورة البقرة، الآية: 173. 8- سورة المائدة، الآية 89. 9- سورة الشورى، الآية 41. 10- تفسير الفخر الرازي ، محمد الرازي فخر الدين، بيروت، دار الفكر، ط 1،1401هد- ج27، ص182. 11- قواعد الأحكام، مصدر سابق، ص163 .
عدد الصفحات ٧٩الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 72 قال عز و جل﴿ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِن ْهَا تَأْكُلُونَ ﴾.1 و قال تعا﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ﴾.2 و قال﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَي ْهَا ﴾.3 و قال﴿وَمِنَ الأَن ْعَامِ حَمُولَةً وَف َرْشًا ﴾.4 و ذهب البعض إلى التفريق بين الامتنان و الإباحة جاء في الإبهاج:" الإباحة مجرد إذن و أنه لابد من اقتران الامتنان بذكر احتياج ا لخلق إليه و عدم قدرتهم عليه" 5 ،إلا أن مثل هذا الفرق فيما يظهر لا أثر له في ترتب حكم الإباحة على ما جاء بصيغة الامتنان. أما وقوع الامتنان بغير المباح فلا يقدح في الأصل المذكور، و من ذلك قوله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَة مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّن ْهَا﴾6، و قوله عز و جل﴿ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ ت َعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾.7 وبيان ذلك أن الأصل في الامتنان أن لا يكون فيما فيه كلفة، لأن النفوس تواقة إلى خلافه إلا أنها متى دخلت في غمرة الحق و أنست به صار لها عادة فصح الامتنان به ،و لله كل شيء المنة و الفضل من قبل و من بعد8، فيكون الامتنان بالمباح خرج مخرج الغالب ي. الأمر بعد الحظر: 1- سورة النحل، الآية 05. 2- سورة النحل، الآية 81. 3- سورة الروم، الآية 21. 4- سورة الأنعام، الآية 142. 5- الإبهاج في شرح المنهاج، علي بن عبد الكا السبكي، تحقيق: شعبان محمد إسماعيل، مكتبة الكليات الأزهرية، 1401هد- 1981م، ج2، ص19. 6- سورة آل عمران، الآية: 103. 7- سورة النساء، الآية: 113. 8- موارد التكليف و مصدادره فيمدا يقتضديه الشدرع و لا يقتضديه ، بلقاسدم حديدد ،دمشدق ، دار الكلدم الطيدب ،ط 1 ،1430ه-2009م ، مرجدع سدابق، ص 104.
عدد الصفحات ٨٠الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 73 جاء في القرآن الكريم يفيد الإباحة في مواضع منها ، قوله تعالى:﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ ﴾1، و قوله:﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ ﴾.2 و دليله أن الرسول صلى الله عليه و سلم حل من عمرته و من حجه و لم يصطد، فعلم أن الأمر للإباحة كما ثبت عنه صلى الله عليه و سلم أن الملائكة لا تزال تصلي على المرء ما دام في مصلاه لم يحدث 3 ،فصح أن الانتشار مباح4 إلا أن أهل الأصول قد اختلفوا في مقتضى الأمر بعد النهي و إن جاء في القرآن الكريم بمعنى الإباحة على أقوال: أنه يقتضي الإباحة و هو مذهب مالك و ظاهر قول الشافعي في أحكام القرآن 5 أنه يقتضي الوجوب و إليه ذهب متقدمي المالكية و بعض أصحاب الشافعي و الحنفية 6 . و قال بعضهم أنهيفيد إعادة حال الفعل إلى ما كان قبل الحظر من إباحة أو وجوب أو ندب فيما رجحه آل تيمية. 7 و بناء على ما تقدم فالأمر بعد الحظر قد يرد بمعنى الإباحة إلا أن هذه الإباحة إما أن تستفاد من نفس الصيغة على قول من ذهب إلى كونها مقتضاه أو بقرينة أخرى، في الرأي المخالف. ذ. العفو: 1- سورة المائدة، الآية 02. 2- سورة الجمعة، الآية 10. 3- عَن أَنِ هُرَيد رَةَ أَنَ رَسُولَ اللَهِ صَلَى اللَهُ عَلَي هِ وَسَلَمَ قَالَ " الْمَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ ت َقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ " أخرجه البخاري في صحيحه ، باب الحدث في المسجد، حديث رقم 445 4- الإحكام في أصول الأحكام، أبو محمد علي بن أحمد بن حزم، تحقيق: أحمد محمد شاكر، بيروت، دار الأفاق الجديدة، (د.ت)، ج3، ص77. 5- شرح تنقيح الفصول، مصدر سابق، ص 113، قواطع الأدلة في أصول الفقه، منصور بن محمد السمعاني، تحقيق: عبد الله بن حافظ الحكمي، الريداض، مكتبة التوبة، ط1،1419هد- 1998م، ج1، ص108- 109. 6- شرح تنقيح الفصول، مصدر سابق، ص 113، قواطع الأدلدة في أصدول الفقده، مصددر سدابق، ج1، ص 109.، أصدول السرخسدي، أحمدد بدن أن سدهل السرخسي، تحقيق: أبو الوفاء الأفغاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1،1414هد- 1993م، ج1، ص19. 7- المسودة في أصول الفقه، آل تيمية، تحقيق: أحمد بن إبراهيم الذروي، الرياض، دار الفضيلة، ط 1،1422هد- 2001م، ج1، ص106.
عدد الصفحات ٨١الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 74 لقد وردت نصوص عدة القرآن الكريم بصيغة العفو منها قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾1، و قوله عز و جل﴿ يا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن ت ُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَن ْهَا حِينَ ي ُن َزَّلُ الْقُرْآنُ ت ُبْدَ لَكُ مْ عَفَا اللَّهُ عَن ْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾.2 و من السنة قوله صلى الله عليه و سلمإن الله فرض فرائض فلا تضيعوها و نهى عن أشياء فلا تنتهكوها، و حد حدود فلا تعتدوها، و عفا عن أشاء رحمة بكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها}3 ،و هو ينتظم الخطأ في الاجتهاد، و ما سكت عنه مع وجود مقتضيه كما يتضمن الخطأ و النسيان و الإكراه، و إن ذهب البعض إلى أنه يفيد الإباحة 4 ،إلا أن ما يرجحه الكثير من الأصولي المعاصرين 5، تقريرا لما ذهب إليه الشاطبي أنه مرتبة بين الحلال و الحرام لا يحكم عليه بأنه واحد من الخمسة6، فخرج عن ك ونه مباحا و أن لم يترتب الإثم على الفعل و لا ثواب على الترك، و وجه مغايرته للمباح أنه – أي المباح- المخير فيه بين الفعل و الترك، أما ما ذكر في مسائل العفو فلا يتساوى فيها المدح و الذم مع أنه لا مؤاخذة فيه لموضع العذر بسبب الجهل أو عدم وجود النص 7 ،لاشتمالها مسوغات التحريم، إلا أن الله عز و جل عفا عنها رفعا للحرج، و في ذلك يقول الدكتور وهبة الزحيلي:" إن الله تعالى تفضل على المسلمين فجعل بعض الأمور مباحا إباحة نسبية بمعنى أن الله لا يعذب عليه، 1- سورة التوبة، الآية: 43. 2- سورة المائدة، الآية 101. 3- رواه البيهقي في السنن الكبرى، باب مَا لمَ يُذ كَر تحَ رِيمُهُ وَلاَ كَانَ فِ مَع نىَ مَا ذُكِرَ تحَ رِيمُهُ ممَِا يدُؤ كَلُ أَو يُش رَبُ ،ج10،ص12 4- إجابدددة السدددائل شدددرح بغيدددة ا مل،محمدددد بدددن اسماعيدددل الصدددنعاني ،تحقيدددق حسدددن السدددياغي ،حسدددن الأهددددل ،بددديروت ، مؤسسدددة الرسدددالة ،ط ، 1408هدددد– 1988م ،جّ، ص35 5- ينظر: أصول الفقه الإسلامي، أبو زهرة، ص 48 ، أصول الفقه اسلامي،و هبة الزح يلي، ص 95- 98. نظرية الإباحدة، محمدد سدلام مددكور، دار النهضدة ، ط ،1984م ،ص 316، القواعدد الأصدولية عندد الإمدام الشداطبي، الجديلالي المدرينّ،مصدر ،دار ابدن عفدان ،ط 1 ،1413هد-2002م ،ص 159. 6- الموافقات، مصدر سابق، ج1 ،ص161. 7- أصول الفقه الإسلامي، أبو زهرة، ص 50.
عدد الصفحات ٨٢الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 75 لأنه قد عفا عنه رفعا للحرج مع أنه مشتمل على ما سوغ تحر ه ،و هذا في الحقيقة لا ينطبق على المباح الذي يستوي فيه الفعل و الترك لأنه متساوي الضرر و النفع".1 و إن كان هذا الرأي لا يخلو من اعتراض، ذلك أن العفو على ما سبق بيانه راجع إلى رفع حكم الخطأ و النسيان و الإكراه و الحرج، و ذلك يقتضي إما الجواز بمعنى الإباحة، أو رفع ما يترتب على المخالفة من الذم، و هو يقتضي إثبات الأمر و النهي مع رفع أثارهما بمعارض، الاعتراض الذي ساقه الشاطبي في ختام المسألة 2 ، تاركا فسحة للنظر، حيث لا دليل يقتضي الجزم بخروج العفو عن الأحكام التكليفية. و ما يظهر أن العفو، قد يختلف في حقيقته عن المباح من حيث عدم تساوي طرفي الفعل أو الترك و النفع أو الضرر، إلا أنه تترتب عليه أحكام الإباحة من حيث عدم اقتضائه المدح أو الذم ،وهذه الإباحة إما " أن تكون أصلية كما في المسكوت عنه أو نسبية، بأن ينص على حكم الفعل طلبا أو منعا و إنما يخالفه المكلف خطأ أو اضطرارا". 3 و حاصل ما تقرر، من تتبع ما جاء بصيغة الإباحة من النصوص أن ما تقتضيه الفطرة اقتضاء ظاهرا لا يتعلق في معتاد الأحوال به طلب شرعي 4 ،إحالة على داعي الجبلة و لذلك لا نجد في القرآن الكريم تأكيدا على طلب المناكح و المآكل و المشارب و ترك المستقذرات و أنو اع السموم و المضار، ما سلمت الجبلات من المعارض، و كل ما جاء في ذلك بصيغة طلب الفعل أو الترك، إنما هو لمقابلة خلل واقع أو متوقع،و ذلك لأمور أهمها، قوة الباعث الفطري فيكتفي به و لو فرض تأكيده بوازع الشرع لنهالك الناس على الدنيا، و في ذلك من الفساد أي فساد، ثم إن الناس يتفاوتون في حاجاتهم و رغائبهم فترك الشرع لهم تحصيلها على الوجه الذي يرونه مصلحة، متى كان على مقتضى الشرع و على الحد الذي حده، إلا أن مثل هذه المعاني تنحصر في أحكام الإباحة من حيث الجزء، أما من حيث 1- أصول الفقه الإسلامي، ص98. 2- الموافقات، مصدر سابق،ج 1 ،ص168 3- ينظر: نظرية الإباحة، مرجع سابق، ص 316، و أصول الفقه الإسلامي،وهبة الزحيلي، ص 98، أصول الفقه الإسلامي، أبو زهرة، ص 49. 4- موارد التكليف، مرجع سابق، ص 93، و هو معنى أكده الشاطبي في أكثر من موضع
عدد الصفحات ٨٣