الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 44 تعريف الطاهر بن عاشور ، لمقاصد الناس بأنها:" المعاني التي لأجلها تعاقدوا أو تعاطوا أو تغارموا أو تقاضوا أو تصالحوا "1، و التعريف بهذا الحد أقرب إلى الشرح و البيان، ثم أنه عد أمورا مما يتعاقد عليه الناس و ليست كل عقودهم فكان غير جامع. وعرفها الخادمي بأنها: " المقاصد التي يقصدها المكلف في سائر تصرفاته اعتقادا و قولا و عملا، و التي تفرق بين صحة الفعل وفساده و بين ما هو تعبد، و ما هو معاملة، و ما هو ديانة و ما قضاء و ما هو موافق للمقاصد و ما هو مخالف لها ".2 ومثل هذا التعريف لا يخلو من انتقا د لوقوع الدور إذ المراد بيان حقيقة مقاصد المكلفين . كما عرفت بأنها:"الأهداف التي يقصد ها المكلف من تصرفاته و اعتقاداته وأقواله وأفعاله ".3 و بمعنى الباعث جاء تعريفها بأنها:" ب واعث المسلم نحو التصرف "4 . والدوافع و الدواعي التي تجعل المكلف يتجه بما يصدر عنه إليها ".5 و بالنظر فيما سيق في تعريف مقاصد المكلفين يمكن القول أن التعبير عنها بالبواعث و الدوافع أقرب ذلك أن الأهداف و الغايات ليست نفس القصد ، و إن كان تحصيلها مقصودا . ولبيان الفرق بين قصد المكلف و حظه لا بد من التنبيه على أن قصد المكلف لا يخلوا من أمرين : إما أن يكون مطلق الامتثال و السعي في تحصيل المصالح العامة و دفع المفاسد العامة ،فهذا من حيث هو كذلك لا حظ فيه ابتداء. 1- مقاصد الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص 136. 2- الاجتهاد المقاصدي، نور الدين الخادمي.بيروت ، دار ابن حزم ،ط 1 ،1431ه-2010م ،ص44 3- مقاصد الشريعة عند ابن تيمية ،يوسف البدوي ،الأردن ،دار النفائس ،ص 123 4- مقاصد المكلفين في المعاملاتالمالية.صافي حبيب ،أطروحة مقدمة لنيل درجة الدكتوراة في الفقه و أصوله ،كلية العلوم الإنسدانية و الحضدارة الإسدلامية ، وهران ،ص 45 5- مراعاة المالكية لمقاصد المكلفين، ميلود فروجي، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في أصول الفقه، كلية أصول الدين، الجزائر، سنة 2012، ص 58 .
عدد الصفحات ٥٢الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 45 وقد يكون إجابة داعي النفس فيما تميل إليه ،و السعي في جلب المصالح الخاصة، و هو المراد بمعنى الحظ من جهة القصد ،وقد علم أن حظوظ المكلفين من حيث الماهية المركبة تنتظم الجهتين جهة القصد و جهة الطلب، فتكون العلاقة علاقة عموم و خصوص وجهي . الفرع السادس: المقاصد الأصلية والتابعة و الفرق بينهما علمنا أن حظوظ المكلفين متعلق المقاصد التابعة و هي تنتظم الحاجيات و التحسينات. و كان لابد من ا لوقوف على التفريق بينها و بين المقاصد الأصلية بيانا و استثمارا. أولا: المقاصد الأصلية يعرفها الشاطبي بأنها:" الضروريات المعتبرة في كل ملة مما لاحظ للنفس فيه ابتداء1، و قد سبق بيان معنى سلب حظ العبد فيها. و يعرفها الدكتور اليون بأنها:" المقاصد المشروعة ابتداء لتحقيق أعظم المصالح سواء كانت هذه المصالح ضرورية أو من المصالح العامة التي تعود على المصالح الضرورية بالحفظ و التثبيت، و درء الفساد عنها ، و تحفظ كيان المجتمع الإسلامي" 2 ،و التعريف لم يخرج عن ما ذكره الشاطبي في معنى المقاصد الأصلية و انتظامها الواج بات العينية و الكفائية إلا من حيث الشرح و البيان. و ممن عرفها بالنظر إلى مسالك الكشف عنها الشيخ بن بيه حيث يقول:" هي المقصودة بالأمر ابتداء و بالنهي كذلك و هي أيضا العلة الباعثة على الأمر أو النهي". 3 1- الموافقات، مصدر سابق،ج2 ،ص176. 2- مقاصدددد الشدددريعة الإسدددلامية و علاقتهدددا بالأدلدددة الشدددرعية، محمدددد سدددعد بدددن أحمدددد اليدددون، دار الهجدددرة للنشدددر و التوزيدددع، المملكدددة العربيدددة السدددعو دية، ط1، 1412هد- 1998م، ص356. 3- علاقة مقاصد الشريعة بأصول الفقه، عبد ابن بيه، مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية، 2006، ص25 .
عدد الصفحات ٥٣الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 46 و قد تبين أن مجرد الأمر و النهي الابتدائي التصريحي من ا لمسالك التي يختص بها الكشف عن المقاصد الأصلية دون التابعة على ما تقرر عند الشاطبي، و يضاف إلى ذلك علل الأوامر و النواهي إلا أن التعريف بهذا المعنى غير جامع. و في معنى الغايات تعرف بأنها:" أهداف التشريع التي قصدها أولا و ابتداء و التي تمثل أصول الدين و قواعده و كلياته". 1 ثانياتعريف المقاصد التابعة مما جاء في تعريفها أنها :" المقاصد الحاجية و التحسينية التي يحصل للمكلف من خلالها سد خلاته و نيل حظوظه بالقصد الأول في العاديات و بالقصد الثاني في العبادات"2،و يعرفها الخادمي بأنها:" المقاصد و الحكم التي قصدها الشارع تبعا و تكملة و تتميما للمقاصد الأصلية، فهي مشروعة بالقصد الثاني التابع للقصد الأصلي و بقصد التكميل و التتميم ". 3 و في محاولة لاستقصاء معا المقاصد التابعة عند الشاطبي يعبر عنها اليون بما كان باعث ا على تحقيق المقاصد الأصلية أو مقترنا بها أو لاحقا لها، سواء من جهة الأمر الشرعي أ م من جهة المكلف و قصده في مجاري العادات. و المقاصد التابعة على هذا الاعتبار إما أن تتعلق بالأمر أو الطلب الشرعي فيراد بها مقدمات الواجب و أجزاء الماهية المركبة ،و المقاصد اللاحقة و المترتبة على الأمر الشرعي فتكون كالثمرة له. و إما أن تكون من جهة المكلف و قصده و يعبر عنها بد " ما قصده المكلفون في الأمر الشرعي في الغالب فما يتحقق لهم من مقاصدهم تبعا، قد يكون مقصودا للشارع و قد يكون غير مقصود". 4 1- المقاصد الأصلية و المقاصدالتابعة، مليكة مخلوفي، دكتوراة الدولة في الفقه و أصوله، كلية أصول الدين، قسنطينة، سنة 2002- 2003، ص65 . 2- المرجع نفسه ، ص 66 3- علم مقاصد الشارع، عبد العزيز بن عبد الرحمن بن ربيعة ، الرياض ،ط 1 ،1423هد-2003م ، ص 156. 4- مقاصد الشريعة الإسلامية و علاقتها بالأدلة الشرعية، مرجع سابق، ص 358 .
عدد الصفحات ٥٤الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 47 و المعنى الأخير لا يخلو من انتقاد ذلك أن المقاصد التابعة تنتظم البواعث المصاحبة للفعلأو الترك بغض النظر عن تحققها في نفسها، و المصالح المترتبة على الفعل، إضافة إلى التعبير عن خطاب الشارع بالأمر الشرعي و هو أخص. و بناء على ما تقدم يمكن القول، أن المقاصد التابعة على الجهة الأولى مما يقطع بقصد الشارع له ،و إن سيق لها التشريع بالقصد الثاني لكونها إما وسائل لتحصيل المقصد الأصلي أو مصالح حاصلة تبعا بنص الشارع، أما على الجهة الثانية فإما أن توافق أو تلائم قصد الشارع فت عتبر، أو أن يثبت إلغاؤها فتخرج عن كونها مقاصد تابعة، إلا من حيث تصورها كذلك. ثالثا: التفرقة بين المقاصد الأصلية و التابعة إن ضبط مفهوم حظ المكلف ومرتبته من حيث القصد الشرعي يقتضي وضع معايير للتفرقة بين المقاصد الأصلية و التبعية لتعلقه بالقسم الثاني وضرو رة تمييزه عن القسم الأول ، لما بينهما من تفاوت يقف عنده النظر بيانا و استثمارا ،وقد صنفت هذه المعايير باعتبارات مختلفة : أ د من حيث تعلقها بكليات الشريعة (الضروريات، الحاجيات و التحسينات ): المقاصد الأصلية متعلقها الضروريات الخمس وفي ذلك يقول الشاطبي في سياق الحديث عنها: " وهي الضروريات المعتبرة في كل ملة" 1، أما المقاصد التابعة فمتعلقها الحاجيات والتحسينات وهذا لا ينفي وقوع المقاصد الأصلية فيها إلا أن الغالب رعي حظ المكلف. ب د من حيث تعلق الأحكام التكليفية بها: 1- الموافقات، مصدر سابق، ج2 ،ص176.
عدد الصفحات ٥٥الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 48 المقاصد الأصلية واجبة من حيث الكل وجوبا عي نيا أو كفائيا، و إن تعلق بأفرادها الندب أو الإباحة، و قد علل الشاطبي مثل هذا التعلق بوجود المقتضى من داعي الجبلة بخلاف ما ليس ل لنفس باعث إلى تحصيله فيتأكد عليه الطلب1 ، أما المقاصد التابعة فتتردد بين الندب و الإباحة و في ذلك يقول الشاطبي:" البناء على المقاصد التابعة بناء على الحظ الجزئي و الجزئي لا يستلزم الوجوب ،وقد يكون العمل مباحا إما بالجزء و إما بالكل والجزء معا وإما مباحا بالجزء مكروها أو ممنوعا بالكل ".2 ج- من حيث شرط الاعتبار: يشترط في البناء على المقاصد الأصلية موافقة قصد الشارع فيم ا ظهرت مصلحته أو خفيت ،أما شرط المقاصد التابعة فمجرد الملائمة بمعنى أن لا تكون مخالفة لقصد الشارع. و من الفروق أيضا أن متعلق المقاصد الأصلية الامتثال و أما المقاصد التابعة فمتعلقها حظ المكلف، ولا يعترض على هذا الضابط بما ذكره الشاطبي من أن الأمر والنهي والتخيير راجعة إلى حظ المكلف ،إذ المراد المعنى العام من رعي مصالحه ،و مما لا خلاف فيه أن الأحكام الشرعية كلها راجعة إلى صلاح العباد و الله عز وجل منزه عن الأغراض ، إلا أن المصالح قد تخفى فيتقرر مجرد الامتثال ،وقد تكون ظاهرة فيتعلق بها الطلب بالقصد الأول أو الثاني من الشارع وهذا محل الفرق ، و في ذلك يقول الدكتور الأخضري : "المقاصد بقسميها متعلقة بحظ المكلف، إلا أن رعي الحظ خفي في الأصلية، ظاهر في التبعية، و أما تعلق الشرع بحظوظ المكلف في المقاصد الأصلية فلتقرير ما اعتقدوا أنه ليس من حظوظهم". وعليه فالمقاصد الأصلية في العبادات والمعاملات هي متعلق حق الله عز وجل في امتثال أوامره و اجتناب نواهيه فيما ظهرت مصلحته أو خفيت وهو في العبادات بين ذلك أن الأصل التعبد 1- الموافقات ،مصدر سابق، ج2 ، ص179 2- المصدر نفسه، ج 2 ،ص204.
عدد الصفحات ٥٦الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 49 و اطراح الحظوظ ، أما في المعاملات فبالنظر إلى قيد الشرع من حيث التحصيل و الانتفاع وأداء الثابت من الحقوق المتعلقة بها، أما المقاصد التابعة فمتعلقها حقوق العبد الخالصة و مصالحه الخاصة مع صحة القصد إلى تحصيلها في أنواع التصرفات العادية و العبادية على شروط يأتي بيانها . المبحث الثاني : أقسام حظوظ المكلفين و شروط اعتبارها: المطلب الأول: أقسام حظوظ المكلفين.
عدد الصفحات ٥٧الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 50 المطلب الثاني: شروطالاعتبار علمنا أن حظ المكلف: كل مصلحة يميل إلى تحصيلها بباعث من نفسه راجعة إلى فعله واختياره أو حاصلة تبعا وبالقصد الثاني من جهة الشارع ،و أنه يتميز عن كل من الهوى و الشهوة والمصلحة ، و الحق و القصد من جهة العموم و الخصوص، و إن كان بينها قدر مشترك ،و للتوسعة و البيان ،
عدد الصفحات ٥٨الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 51 و ضبط قيود الاعتبار ،نقف على الأقسام و الشروط كما يبين عنها الخطاب القرآني ،استنادا إ مسلك الاستقراء و الجمع بين الجزئيات و كلياتها . المطلب الأول: أقسام حظوظ المكلفين يمكن أن تقسم حظو ظ المكلفين بالنظر إلى ذرائع تحصيلها ،و زمن تحققها ، و تعلقها بقصد الشارع أو قصد المكلف ... على النحو الآتي : الفرع الأ ول: باعتب ار القط ع والظ ن:1 أومصالح قطعية: هي ما دل عليه دليل قطعي بالاعتبار سواء بطريق النص أو الاستقراء. ثانيا: مصالح ظنية: وهي ما كانت ذرائع تحصيلها ظنية. ثالثا: مصالح وهمية: وهي التي يتخيل فيها صلاح وخير وهو عند التأمل ضر، إما لخفاء الضر أو لكون الصلاح مغمورا بالفساد 2 ،و مثل هذه المصالح لاحظ فيها إلا من حيث توهمها كذلك. و الحظوظ على هذا الاعتبار ينظر إليها من جهتين من حيث استنادها إلى أصل شرعي من نص أو استقراء أو مناسبة و قد تقدم بيانه ومن حيث حصولها في واقع الأمر و هو إما أن يقطع به أو لا، و للجهتين تلازم لا يخفى إذ لا يقطع بحصول المصلحة أو يظن إلا إذا كانت معتبرة أو في معنى الاعتبار أما المتوهمة فحكمها البطلان حيث لا ترتب أثرا فتكون بمنزلة المعدوم . و الغالب في حظوظ المكلفين بناؤها على الظن، وليس ذلك قادحا في اعتبارها مصالح متى أثبتها الشرع ودليل ذلك: أن الظن طريق للحكم إذا كان عن أمارة ، و لهذا وجب العمل بخبر الواحد و بشهادة الشاهدين،1 ثمأنه لما كان الغالب صدق الظنون عند قيام أسبابها ،بنيت عليها مصالح الدنيا والآخرة ،لأن كذبها نادر فلا يجوز تعطيل مصالح صدقها الغالب خوفا من وقوع مفاسد كذب ظنونها 1- الإمام في مقاصد رب الأنام، مصدر سابق، ص 90. 2- مقاصد الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص 315.
عدد الصفحات ٥٩الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 52 النادر،2و هو أمر جامع للحظوظ الدنيوية الأخروية، فكما أن أهل الدنيا يتصرفون على حسن الظنون، فإن عمال الآخرة لا يقطعون بحسن الخاتمة و إنما يعملون بناءا على حسن الظن بالله عز وجل. 3قال تعالى:﴿ وَالَّذِينَ ي ُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّق ُلُوب ُهُمْ وَجِلَةٌ أَن َّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴾4. و قال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي{:يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي}5 أما ما جاء من النصوص في النهي عن اتباع الظنون، فالمراد به الظن المرجوح الذي لا يجوز بناء الحكم عليه ،بسبب فقد الدليل ، أو الظن القائم على مجرد الهوى أو الغرض ، ومنه قوله تعالى : ﴿ وَمَا ي َتَّبِعُ أَكْث َرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّ نَّ لاَ ي ُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا ي َفْعَلُونَ ﴾6 الفرع ال ث اني: باعتبار محلها تقسم الحظوظ باعتبار محلها إلى حظوظ مادية ومعنوية. أولا: الحظوظ المادية هي تلك المتعلقة بخصائص الجسم ووظائفه العضوية أو ما كان بها حياة الأبدان من مآكل ومشارب و مناكح وغيرها ، و إن وجب التنبيه على أن القدر الضروري منها لا حظ فيه من حيث خروجه عن اختيار المكلف ، ومثال هذه الحظوظ في القرآن الكريم و السنة النبوية ظاهر لا يخفى. 1- البحر المحيط في أصول الفقه، مصدر سابق، ج01، ص75. 2- قواعد الأحكام في مصالح الأنام، مصدر سابق، ص275. 3- المرجع نفسه، ص 08. 4- سورة المؤمنون، الآية 60. 5- رواه الحاكم في مستدركه ،كتاب التوبة و الانابة حديث رقم 4768 ،ج4 ،ص369 ،وقال صحيحالاسناد و لم يخرجاه . 6- سورة يونس، الآية 36 .
عدد الصفحات ٦٠الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 53 حل الأكل و الشرب دون إسراف، قال الله تعالى:﴿ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ ﴾.1 حل الزينة و الطيبات من الرزق ما لم يحرم شيء منها بأصل خاص، قال تعا :﴿ قل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴾2 ،وبيان ذلك أنها نزلت إنكارا لما كان عليه أهل الجاهلية من طواف بالبيت عراة و ترك أطايب الطعام. حل النكاح و التعدد بشرط العدل و القدرة قال تعالى:﴿ فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَث ْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاع َ ﴾3، وقال صلى الله عليه وسلم:{تزوجواالودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة}.4 ثانياالحظوظ المعنوية و يمكن أن تعرف بأنها ما به قيام حياة النفس و الروح ،و بها يختص الإنسان و يفضل عن غيره لوقوع الاشتراك في حاجات البدن ، ثم إن إفناء الأجساد في إشباع الشهوات مما تأنفه العقول الراجحات وتفاضل الناس إنما يكون بتفاضل مطلوباتهم و شرف مقاصدهم و أعلي تلك المطالب و المقاصد مصالح الروح والنفس و لذات المعارف 5،و هو المراد في تفريق الشاطبي في تعريفه للمصلحة بين الأوصاف الشهوانية و العقلية حيث يقول:" المصلحة ما يرجع إلى قيام حياة الإنسان و تمام عيشه و نيل ما تقتضيه أوصافه الشهوانية و العقلية على الإطلاق، حتى يكون منعما على الإطلاق"6، وقد نبه ابن تيمية إلى ما في الشريعة من تعليلات بمثل هذه المصالح و عدم صحة قصر تعليل الأحكام العبادية و العادية فيما يرجع إلى الحظ الدنيوي ،بالمصالح المادية ،ذلك أن حظ النفس 1- سورة الأعراف، الآية: 31. 2- سورة الأعراف، الآية: 32. 3- سورة النساء، الآية: 03. 4- رواه البيهقي في سننه ، باب استحباب التزوج بالولود الودود ،ج 7 ،ص81 5- ينظرقواعد الأحكام، مصدر سابق، ص 15. 6- الموافقات، مصدر سابق، ص213.
عدد الصفحات ٦١الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 54 و الروح أكمل و أشرف ،حيث يقول وقوم من الخائضين في أصول الفقه وتعليل الأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة، إذا تكلموا في المناسبة وأن ترتيب الشارع للأحكام على الأوصاف المناسبة يتضمن تحصيل مصالح العباد ودفع مضارهم ورأوا أن المصلحة نوعان (أخروية ودنيوية): جعلوا الأخروية ما في سياسة النفس وتهذيب الأخلاق من الحكم، وجعلوا الدنيوية ما تضمن حفظ الدماء والأموال والفروج والعقول والدين الظاهر، وأعرضوا عما في العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع المعارف ب الله - تعالى - وملائكته وكتبه ورسله، وأحوال القلوب وأعمالها: كمحبة الله وخشيته وإخلاص الدين له والتوكل عليه والرج ا لرحمته ودعائه ، وغير ذلك من أنواع المصالح في الدنيا والآخرة ، وكذلك في ما شرعه الشارع من الوفاء بالعهود، وصلة الأرحام، وحقوق المماليك والجيران، وحقوق المسلمين بعضهم على بعض، وغير ذلك من أنواع ما أمر به ونهى عنه حفظاً للأحوال السنية وتهذيب الأخلاق، ويتبين أن هذا جزء من أجزاء ما جاءت به الشريعة من المصالح "1 و إنما كانت حظوظا يعتريها المدح و الذم، و القطع والإلغاء والظن من جهة محلها ومجاوزة الحد فيها ،شأنها شأن غيرها من مصالح البدن أو طلبها من حيث لاحظ فيها ، ومثال ذلك ما تقتضيه الأخلاق والأوصاف الدنية من كبر وعجب ورياء . أما مضانها في القرآن الكريم فمما لا يتسع المقام لحصره وقد تضمن بعضها القسم التطبيقي للدراسة و يمثل لها بالآتي. الثناء الصالح: قال عز وجل :﴿ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْق فِي الآخِرِينَ ﴾.2 جاء في أحكام القرآن لابن العرن :" قال مالك لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحا و يرى في عمل الصالحين إذا قصد به وجه الله "3،و قد قال عز وجل :﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ﴾.4 1-مجموع الفتاوى ،ج 23 ،ص147 2- سورة الشعراء، الآية: 84. 3- أحكام القرآن، مصدر سابق، ج 06، ص179. 4- سورة طه، الآية: 39.
عدد الصفحات ٦٢الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 55 قرارالعين وسكون النفس : قال عز وجل :﴿ وَالَّذِينَ ي َقُولُونَ رَب َّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا ق ُرَّةَ أَعْيُن ﴾1، بمعنى مطيعين لله عز وجل معينين على طاعته ذلك أن الإنسان إذا بورك له في ماله وولده وزوجه ورأى منهم ما يحب ويرضى قرت عينه وسكنت نفسه ، ولم تلتفت إلى ما حبا الله غيره من ذرية أو زوج .2 السعادة والرضا:قال تعالى:﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَر أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ف َلَنُحْيِي َنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾.3 و الحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت ،و قد فسرها علي و ابن عباس رضي الله عنهم بأنها القناعة و روي عن ابن عباس أنها السعادة 4 ، و قال أبو بكر الوراق : هي حلاوة الطاعة5، و السعادة مطلب كل نفس وغاية كل عمل وللناس في تحصيلها منازع ومشارب إلا أنها لا تنال إلا من جهة الشرع و امتثال أحكامه ، قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾.6 الفرع الثالث باعتبار زمني تحققها إلى دنيوية وأخروية أولا: الحظوظ الدنيوية: وهي كل مصلحة يطلبها المكلف لكمال عيشه في الدنيا و هي تنقسم إلى عاجلة وآجلة. 1- سورة الفرقان، الآية: 74. 2- الجامع لأحكام القرآن، ج 13، ص82. 3- سورة النحل، الآية: 97. 4- تفسير القرآن العظيم، ج 2، ص712. 5- الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، ج 10 ، ص174. 6- سورة طه، الآية: 124.
عدد الصفحات ٦٣الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 56 أما العاجلة: فما كانت منفعته ناجزة الحصول و منه المآكل والمشارب و المعاملات ناجزة الأعواض ،و الآجلة: ما كانت منفعته متوقعة و مثالها الاتجار و غرس الأشجار1 ،و قد يجتمع الوصفان في المصلحة الواحدة باختلاف جهات النظر . ثانيا: الحظوظ الأخروية وهي ما وعد الله عز وجل عباده الصالحين من نعيم أبدي جثماني و روحاني ، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَة مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾.2 وقال:﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ ي َرْهَقُ وُجُوهَهُمْ ق َت َرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ ﴾.3 و قد يعترض على إدراج مصالح الآخرة قسيما للحظوظ و يجاب عن ذلك بما يأ أنها داخلة في معنى الحظ باعتبار العموم لا الخصوص لكونها من جنس ما تميل النفوس إلى تحصيله من نفع مادي ومعنوي وإن كان الفرق واسعا بين شهوة عاجلة ولذة زائلة ،و نعيم لا يفنى. أن السعي في طلب حظوظ الآخرة تحصيل لحظوظ الدنيا فتكون مثب تة لحظ المكلف تبعا لا أصالة قال صلى الله عليه سلم{: من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له }.4 و لقد أورد ابن عاشور استدراكا رأيت أنه مما ينبغي الوقوف عليه وذلك في قوله:" الشرائع كلها و بخاصة شريعة الإسلام جاءت لما فيه صلاح البشر في العاجل و الآجل أي في حاضر الأمور و عواقبها وليس المراد بالآجل أمور الآخرة لأن الشرائع لا تحدد للناس سيرهم في الآخرة " .5 1- قواعد الأحكام في مصالح الأنام، مصدر سابقص47 2- سورة آل عمران، الآية 133. 3- سورة يونس، الآية 26. 4- رواهالترمذي في سننه حديث رقم 2465 ،وصححه الالبا 5- مقاصد الشريعة، مرجع سابق، ص 180.
عدد الصفحات ٦٤الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 57 و هذا يستقيم مع تعريفه للمصالح بأنها وصف للفعل يحصل به الصلاح، فهو ينظر إليها على أنها تلك التسببات المختلفة التي يرتب الشرع عليها أثر ا من الآثار، والآخرة ليست دار عمل بل دار جزاء ،إلا أن ما تقرر من أن الدنيا مقدمة للآخرة و وسيلة إلى طلب نعيمها يلغي مثل هذا الفرق في الاعتبار. ثمرة التقسيم: و تظهر ثمرة التقسيم حال التعارض و التزاحم بين مصالح الدنيا والآخرة ، فتقدم المصالح الأخروية لكونها حقيقية دائمة غاية في ذاتها و غيرها وسيلة إليها متذرع به إلى تحصيلها ، يقول العز بن عبد السلام " من عرف مصالح الدارين و شرفهما حث ه طبعه على طلب أحسنها فأحسنها و أفضلها فأفضلها ،كما يحثه على دفع أقبحها فأقبحها و أرذلها فأرذلها. 1 الفرع الرابع باعتبار تعلقها بقصد الشارع أو قصد المكلف أولا: حظوظ متعلقها قصد الشارع و هي المصالح التي أثبتها الشارع للمكلف في طريق الامتثال والتعبد و من أمثلتها، تفريج الكرب والخلاص من المضائق 2 ،قال تعالى :﴿ وَمَن ي َتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ، وَي َرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ﴾3 ،و حصول البركة و نماء الأموال 4، قال تعالى:﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَي ُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾5 على رأي من ذهب في تفسير هذه الآية أن الزيادة المقصود ة حقيقية6 ،كما تنتظم المصالح التي سيق التشريع لها تبعا . ثانيا: حظوظ متعلقها قصد المكلف و فعله: 1- قواعد الأحكام، مصدر سابق، ص117. 2- التحرير و التنوير، مرجع سابق، ج 28، ص312. 3- سورة الطلاق، الآي تان: 02- 03. 4- تفسير البحر المحيط، محمد ابن يوسف أبو حيان الأندلسي، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود و آخرون، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 01،1413هد- 06/1993 م، ج2، ص349. 5- سورة البقرة، الآية 276. 6- و قال آخرون الزيادة معنوية بعظم الثواب في الآخرة، المصدر السابق، ص 349.
عدد الصفحات ٦٥الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 58 وتنتظم جملة التسببات وبواعث الأفعال و التروك والأقوال و هي تتردد بين الاعتبار والإرسال والإلغاء، ذلك أن مثل هذه الحظوظ إما يكون منصوصا على اعتبارها فتؤخذ من جهة الإذن ا لشرعي و مثالها ما تقدم، أو أن يثبت إلغائها فلا حظ إلا من حيث التوهم ،و من ذلك الرجعة قصد مضارة الزوجة و الصلاة رياء ،فإن لم يرد فيها نص باعتبار أو إلغاء فشرطها المناسبة تكميلا وتتميما. و ثمرة التقسيم التنبيه على ضرورة موافقة قصد الشارع بجهة الامتثال للإذن الشرعي أو المناسبة مظنة - حال فقد الشرط د أن يكر على أصله بالإبطال فيلحقه الذم والبطلان. ويمكن أن تقسم حظوظ المكلف باعتبار سببها و قصورها أو تعديها إلى: 1 ما كان حاصلا بتسبب خاص منه: و هو إما أن يكون قاصرا أو متعديا ، و القاصر ما طلب فيه حظ النفس دون أن يتبعه حظ الغير، والمتعدي ما حصل به حظ الغير تبعا و لو بغير قصد ،فالبائع والمؤجر يطلبان حظهما بالبيع والإجارة وحظ الغير الحاصل تبعا و إن لم يلحظاه. ما كان بغير تسببه : و هو حظ المكلف الحاصل باستحقاق على الغير وجوبا أو ندبا ،و النصوص القرآنية طافحة بمعاني المواساة والتعاون على البر و الإيثار والأمر بالإصلاح والنهي عن الإفساد مما يحصل به حظ النفس دون تسبب منها و إن كان هذا القسم متعلق بفعل الغير ،وهو على جهة الأمر به مما لاحظ فيه ابتداء، إلا أن القصد إلى إدراجه بيان ما أثبته الشارع من مصالح للمكلف و رعاه من حاجات، بأن جعل له من الأسباب طريقا لتحصيلها فإن عجز أو قصر عن ذلك رعاها المجموع ، و هذا داخل في معنى قوله صلى الله عليه وسلم :{ مَثَلُ الْمُؤْ مِنِينَ في ت َوَادِّهِمْ وَت َرَاحُمِهِمْ وَت َعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى }.2 ومنه قوله تعا:﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ ، لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾3. وقوله عز و جل:﴿وَي ُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾1. 1- قريبا من هذا المعينظر قواعد الأحكام، مصدر سابق، ص 155، 2- رواه مسلمصحيحه،كتاب البر و الصلة و الآداب ،باب تراحم المؤمنين ، حديث رقم : 6751 ،ج8 ،ص20 3- سورة المعارج، الآيتان: 24- 25.
عدد الصفحات ٦٦الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 59 و ثمرة هذا التقسيم تأكيد الطلب على ما فيه حظ الغير خاصة فيما لم يكن له باعث من الطبع خادما ومعينا على تحصيله ،كنفقة الأقارب وأنواع الصدقات و التطوعات، بخلاف ما كان باعث النفس و وازع الجبلة داعيا إليه . المطلب الثاني: شروط اعتبار حظوظ المكلفين مما لا خلاف فيه أن ليس كل ما للنفس ميل إلى تحصيله و باعث يستدعيها إلى مقتضى الطلب حظ معتبر أو في مظنة الاعتبار، لذلك وجب ضبط الحظوظ بالشرائط الشرعية حتى لا تلتبس با لأهواء المذمومة و الأوهام التي ثبت من الشرع إلغاؤها ، فكان من عظيم فضل الباري عز و جل أن صرف المكلف عن طلب ما لاحظ فيه -إلا من جهة التوهم- إلى ما فيه تحصيل حظوظه و صلاح معاشه و معاده،قال تعالى:﴿ أَلا ي َعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾2. وقد جمعت في بيان هذه الشروط بين ما ذكره العلماء في ضوابط المصلحة باعتبار الحظوظ من جنسها ،و بين ما تقرر باعتبارها مكملة للمقاصد الأصلية. الفرع الأ ول: عدم المعارضة لأصل مقطوع به يشترط في الاعتداد بالحظوظ أن لا تعارض أصلا مقطوعا به من كتاب أو سنة أو إجماع و يدخل في هذا المعنى ما ثبتت قطعيته من الأقيسة الشرعية و القواعد الكلية 3 ،أما الأدلة الظنية و منها 1- سورة الحشر، الآية: 09. 2- سورة الملك، الآية 14. 3- المصلحة المرسلة حجيتها و ضوابطها، نور الدين الخادمي، دار ابن حزم، (د.ت)، ص 90.
عدد الصفحات ٦٧