المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حظوظ المكلفين في القرآن الكريم بين الجلب والدفع

خيرة سرير حاج

صفحة ٣ من ٣٠

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 28 فتكون بهذا المعنى مراد ا بها فيما ذهب إليه الشيخ عبد الله درا ز" التسببات المتنوعة التي لا يلزم المكلف أن يأخذ بشيء خاص منها، بل وكل إلى اختياره أن يتعلق بما يميل إليه وتقوى منته عليه" .1 إلا أن تعليق الشارح لا ينتظم المفهوم الاستغراقي لمعنى الحظ عند الشاطبي وإن كان صحيحا من حيث محله ،ذلك أن صاحب الموافقات يعبر في مقامات أخرى بالحظوظ والمقاصد التابعة عن البواعث والدواعي المصاحبة لقصد الامتثال ، أو المصالح الحاصلة تبعا بمقتضى الأمر والنهي الشرعيين ومن ذلك تلك الحظوظ التي أثبتها الشارع للمكلفين في طريق تعبد هم، وإن لم تكن مقصودة لديهم كح ظ الرزق والكرامة عند الناس والثناء الصالح . و في غير ما كتب الشاطبي نجد تعريفا عند ابن القيم لحظ المكلف بأنه :" ما سوى مراد الله الدينّ منك "2 ،ومراد الله من العباد امتثال أمره ونهيه و فيما عداه حظ للمكلف من حيث رجوعه إلى اختيار ه ،وكونه مما تميل إليه النفوس ،وقد عرفه البعض بأنه :" ما تميل إليه نفس المكلف وهواه" .3 ولا يخلوا التعريفين السابقين من إبهام لعموم لفظ ما ،و لما كانت الحدود السابقة لا تستغرق المعنى المراد حاولت أن أصوغ تعريفا لم يخرج في الأصل عما قرره الشاطبي في مواضع عدي دة إلا أنه ينتظم الماهية المركبة لمعنى الحظ كما تؤصل لها هذه الدراسة فكان على النحو الآتي : حظ المكلف : كل مصلحة يميل إلى تحصيلها بباعث من نفسه راجعة إلى فعله واختياره أو حاصلة تبعا وبالقصد الثاني من جهة الشارع. و المصلحة بهذا المعنى تتضمن جلب المنافع و دفع المضار، أما الباعث النفسي فإما أن يكون داخليا أو 1- المصدر نفسه ،ج2، ص178. 2- مدارج السالكين، ابن القيم ،بيروت،دار الكتب العلمية ج1، ص504. 3- مقاصد الشريعة، عياض بن نامي السلمي، الأكاديمية الإسلامية المفتوحة ، ص 104.

عدد الصفحات ٣٦

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 29 خارجيا ،ومثال الأول شهوة الطعام و الشراب ومثال الثاني الدخول في عمل أو إنشاء تصرف لظهور منفعته.1 كما يكون جبليا أو مكتسبا فليست كل الدواعي راجعة إلى أصل الجبلة ، ذلك أن منها ما يعود إلى اكتساب أو تعود ،ولكل منها سلطان على النفس يعادل سلطان الجبلة وقد ير بوا عليه. و المراد بكون هذه المصالح راجعة إلى فعله واختياره ، الإشارة إلى معنى الحظ في التسببات المتنوعة التي جعل الشارع للمكلف أن يأخذ منها ما كان أقرب إلى ميله وحاجته وقدرته ،و بواعث الفعل والترك في العاد ات والعبادات ، أما القيد الأخير فينتظم المصالح العاجلة والآجلة التي أثبتها الشارع للمكلف بالقصد الثاني في طريق التعبد والامتثال . وبناء على ما تقدم يمكن القول أن الشارع الحكيم ر عى حظوظ أهل التكليف في اختيار أنواع التسببات التي يتذرع بها إلى قضاء الحاجات وسد الخلات ،وجعل لهم القصد إلى ذلك في أنواع التصرفات من عادات وعبادات ، ثم أثبت لهم في طريق التعبد والامتثال من المصالح العاجلة والآجلة ما تصلح به أمور المعاش والمعاد . وإن كان المعنى المذكور لا يخلو من إطلاق ،فقد سيقت مباحث الشرائط والقواعد تقييدا وضبطا ،ذلك أنه فيما عدا القسم الأخير ليس في كل ما يميل إليه المكلف حظ معتبر أو في مظنة الاعتبار. الفرع الرابع : العلاقة بين المعنى اللغوي و المعنى الاصطلاحي: علمنا مما سبق أن الحظ في اللغة يأتي بمعنى النصيب من الخير و الجد و الفضل، و من نصيب العبد أن جعل الله له التسبب إلى تحصيل مصالحه الخاصة في العادات و العبادات و القصد إلى ذلك تفضلا منه و إحسانا. إذ لو شاء " لكلفهم مع الإعراض عن الحظوظ أو مع سلب الدواعي الباعثة لهم 1- ينظر في أقسام الباعثالمدخل الفقهي العام.مصطفى أحمد الزرقا ،دمشق ،دار الفكر ط 1 ،1418-1998. ج2 ، ص867

عدد الصفحات ٣٧

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 30 على الفعل1كما أنه يأتي بمع الحق ،وحظ المكلف كما يتبين ينتظم الحقوق الثابتة للعبد من حيث هي نصيبه في مقام العبودية في مقابلة حقوق الله تعالى ،فتكون العلاقة علاقة عموم و خصوص وجهي. المطلب الثاني: التفريق بينه و بين المصطلحات المتداخلة تتداخل مع معنى الحظ مصطلحات عدة وجب بيان معانيها و أوجه التفرقة بينها ، و من أهمها الهوى ،و الشهوة، و المصلحة، و القصد ،و الحق. الفرع الأول: الهوى و هو في اللغة من هوى يهوي أي سقط2 ،و من ذلك قال بعض أهل العلم إنما سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار 3 ،و عرف بأنه ميل النفس إلى ما تستلذه الشهوات من غير داعية الشرع ،4 وذكر صاحب لسان العرب أنه "محبة الانسان الشيء و غلبته على قلبه " و متى تكلم بالهوى مطلقا لم يكن إلا مذموما حتى ينعت بما يخرج معناه ،كقولهم هوى حسن و هوى مواقف للصواب .5 و دليله أن الهوى في الكتاب و السنة لم يذكر إلا مذموما إلا ما جاء منه مقيدا6، قال تعا ﴿ وَن َهَى الن َّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾7 و قال﴿ وَات َّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ ف ُرُطًا﴾8 . و قال﴿ وَلا ت َتَّبِعِ الْهَوَى ف َيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾1. 1- الموافقات، مصدر سابق، ج 2 ،ص179 2- أساس البلاغة، أبو القاسم جار الله الزمخشري، تحقيق محمد باسل ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، ط1 ،1419-1998 ج2، ص384. 3- غريب الحديث ، ابن قتيبة عبد الله بن مسلم ، تحقيق عبد الله الجبوري ، بغداد،مطبعة العاني ، ط 2 ، 1379ه-1977م، ج1 ،ص181 4- الكليات، مصدر سابق ،ص 962 5 - لسان العرب ،مصدر سابق المجلد 6 ،ج5 ،ص4728 6- روضة المحبين و نزهة المشتاقين، ابن القيم، تحقيق ،محمد عزير شمس ، دار عالم الفوائد، ص 630. 7- سورة النازعات، الآية 40. 8- سورة الكهف، الآية 82.

عدد الصفحات ٣٨

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 31 أما مثال اقيد قوله صلى الله عليه و سلملا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به}2 . و قول عمر رضي الله عنه في حديث أسارى بدر فهوي3 رسول الله صلى الله عليه و سلم ما قال أبو بكر، و لم يهو ما قلت}4. و الأصل أن لا يذم ذلك أن خلقه في النفس راجع إلى ضرورة بقائها و استدعائها ما به قيام حياتها ، إلا أنه قد خرج مخرج الغالب ،و في ذلك يقول ابن القيم:"و لما كان الغالب من م طيع هواه و شهوته و غضبه أن لا يقف على الحد المنتفع به أطلق ذم الهوى و الشهوة و الغضب لعموم غلبة الضرر، لأنه يندر من يقصد العدل في ذلك و يقف عنده كما يندر في الأمزجة المزاج المعتدل من كل وجه" 5، و من ذلك تفسير صاحب التحري ر لقوله تعالى: ﴿ وَلَوِ ات َّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ ﴾6 حيث يقول " الهوى شهوة و محبة لما يلائم غرض صاحبه،... و مرجعه إلى المشتهى الذي لا تقتضيه الجبلة أو شهوة ما تقتضيه و لكن على كيفية و حالة لا تقتضيها الجبلة ".7 الفرع الثاني الشهوة 1- سورة ص، الآية: 62. 2- جامع العلوم و الحكم ، ص386،ابن الجوزي ،ذم الهوى ،ص 22. 3- هوي بمعنى مالت إليه نفسده وو افقده، ينظدر إكمدال المعلدم بفوائدد مسدلم، أبدو الفضدل عيداض بدن موسدى .تحقيدق يحدإ إسماعيدل ، مصدر ،دار الوفداء ، ط 1 ،1419 ه-1998م ج 6 ،ص97 4- رواه مسلم في صحيحهكتاب الجهاد ،باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر حديث رقم : 4687 5- روضة المحبين و نزهة المشتاقين، مصدر سابق، ص 629 وينظر: ذم الهدوى، أن الفدرج عبدد الدرحمن بدن الجدوزي ، تحقيدق خالدد عبدد اللطيدف العلمدي ،دار الكتاب العرن ، ط1 ،1418-1998ص35. 6- سورة المؤمنون، سورة 71. 7- التحرير و التنوير، مرجع سابق ، ج 18 ، ص92،

عدد الصفحات ٣٩

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 32 و هيمن شهي أحب و رغب 1 ،و عرفت بأنها نزوع النفس إلى محبوب لا تتمالك عنه أو حركة النفس طلبا للملائم ، و قال بعضهم نزوع النفس إلى ما تريده و هي في الدنيا ضربان: صادقة و كاذبة، فالصادقة ما يختل البدن بدونه كشهوة الطعام و كاذبة ما لا يختل البدن بدونه،و قد يسمي المشتهى شهوة و قد يقال للقوة التي بها يشتهى الشيء شهوة 2 ،قال تعالى : ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ ﴾3. و في الفرق بين الهوى و الشهوة يقول الراغب الأصفهاني:" الشهوة ضربان محمودة و مذمومة، فالمحمودة من فعل الله تعالى و المذمومة من فعل البشر ،و هي استجابة النفس لما فيه لذاتها البدنية و الهوى هو هذه الشهوة الغالبة إذا استتبعتها الفكرة و ذلك أن الفكرة بين العقل و الشهوة ، فالعقل فوقها و الشهوة تحتها فمتى ارتفعت الفكرة ولدت المحاسن و إذا أسفلت ولدت القبائح". 4 و خصه الماوردي بالآراء و الاعتقادات5 ،و منه ما جاء في تفسير الهوى في قوله تعالى: ﴿ وَلَئِنِ ات َّب َعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن ب َعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِ مِينَ ﴾6، أنه رأي ناشئ عن شهوة لا عن دليل ، و لذلك شاع إطلاقه في القرآن الكريم على عقيدة الضلال ،و من ثمة سمى علماء الإسلام أهل العقائد المنحرفة بأهل الأهواء. 7 أما عن الفرق بين الهوى و الشهوة و حظ المكلف، فليس في كل هوى أو شهوة حظ من جهة الاعتبار ،و ليس كل حظ هوى أو شهوة إذ قد يكون الباعث على الجلب أو الدفع خارجيا لا ميل للنفس إليه إلا من جهة مظنة النفع، فتكون العلاقة علاقة عموم و خصوص وجهي. 1- القاموس المحيط، مصدر سابق، ج4، ص344. 2- التوقيف على مهمات التعاريف، زين الدين محمد ،عبد الرؤوف المناوي ، القاهرة ،عالم الكتب ، ط 1 ،1410ه– 1990 م ،ج1، ص209. و ينظر: تاج العروس، مصدر سابق ، ج 38، ص402. 3- سورة آل عمران، الآية: 14. 4- الذريعة إلى مكارم الشريعة ، أن القاسم الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، ط 1 ،1400 ه-1980 ، ص46 . 5- أدب الدنيا و الدين،أبو الحسن الماوردي، بيروت ،دار اقرأ،ط 4 ،1405هد ، ص 31. 6- سورة البقرة، الآية 451. 7- التحرير و التنوير، مرجع سابق، ج 2، ص37.

عدد الصفحات ٤٠

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 33 الفرع الثالث المصلحة أولا: حقيقة المصلحة لغة: المصلحة في اللغة من الصلاح و هو ضد الفساد1 ،قال ابن فارس : " الصاد واللام والحاء أصل واحد يدل على خلاف الفساد ، يقال :"صلح الشيء يصلح صلوحاً ، ويقال : صلَح بفتح اللام ، ويقال : صلح صُلوحاً "2،وقال ابن منظور : " والمصلحة : الصلاح ، والمصلحة واحد ة المصالح ، والاستصلاح نقيض الاستفساد ، وأصلح الشيء بعد فساده : أقامه "3 وكما تطلق المصلحة على المعنى الحقيقي و هو النفع ،فقد تطلق مجازا و يراد بها السبب المؤدي إلى النفع، فيقال البيع مصلحة ، لأنه سبب حصول انتفاع البائع بالثمن و المشتري بالمبيع ،و النكاح مصلحة لأنه سبب لتحقيق السكن و المودة و الرحمة . اصطلاحا: تقاربت التعري فات التي ذكرها العلماء بيانا لحقيقة المصلحة و مما جاء في ذلك:  تعريف الغزالي المصلحة بأنها:" جلب منفعة أو دفع مضرة" 4، ثم بين أن المقصود بالمصلحة ليس مطلق جلب المنفعة أو دفع المضرة و إنما ما كان مقصود ا للشارع بقوله:" فإن جلب المنفعة و دفع المضرة مقاصد الخلق و صلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم ،لكننا نعنّ بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع". 5  و عرفها العز بن عبد السلام بأنها:" اللذات و أسبابها و الأفراح و أسبابها" 6 ،و جمع التعريف بين المعنى الحقيقي للمصلحة المتضمن اللذة و الفرح و المعنى المجازي في قوله و أسبابها ،و بين المنافع المادية و المعنوية،و هو ظاهر التفريق بين اللذة و الفرح. 1- القاموس المحيط، مصدر سابق، ج1، ص293، و تاج العروس، ج6، ص547. 2 - معجم مقاييس اللغة ، أبو الحسين أحمد بن فارس ،تحقيق عبد السلام محمد هارون ، دار الفكر ط ،1399ه-1979م، ج3 ،ص303 3 - لسان العرب ،مصدر سابق ، المجلد الرابع ، ج 28 ،ص2479 4- أبو حامد محمد الغزالي، المستصفى من علم الأصول، ج 1، ص213. 5- المرجع نفسه 6- قواعد الأحكام في مصالح الأنام، عز الدين بن عبد العزيز بن عبد السلام،بيروت ،دار ابن حزم ،ط 1 1424-2003 ،ص 15.

عدد الصفحات ٤١

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 34  و عرفها الطاهر بن عاشور بأنها:" وصف للفعل يحصل به الصلاح 1 ،و التعريف بهذا المعنى ينتظم أسباب المصلحة لا حقيقتها. و إن اختلفت تعريف ات المصلحة من حيث تقرير المعنى الحقيقي أو المجازي أو اللغوي العام أو الشرعي إلا أنه يتضح كونها أعم ،و في بيان أقسام المصالح و مرتبة الحظ منها يتبين الفرق على وجه أتم. ثانيا: أقسام المصلحة تقسم المصالح باعتبارات مختلفة إلا أنه يكتفي في هذا المقام بالقدر الذي يتضح به المعنى المراد ،لاشتراك الحظ مع المصلحة في أقسام أخرى خصص لها مبحث مستقل. أ. باعتبار أثرها في قوام الأمة: و تقسم إلى ضرورية و حاجية وتحسينية. الضروريات : وتعرف بأنها " ما لابد منها في قيام مصالح الدين و الدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر على استقامة بل على فساد و تهارج وفوت نعيم في الآخرة ".2 و قريبا من هذا المعنى يعرفها الطاهر بن عاشور بأنها :" التي تكون الأمة بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها بحيث لا يستقيم النظام باختلالها " ، و لا يعنى باختلال النظام هلاكها واضمحلالها لأنه مما سلمت منه أعرق الأمم في الوثنية ولكن يراد به " أن تصير أحوال الأمة شبيهة بأحوال الأنعام بحيث لا تكون على الحالة التي أرادها الشارع منها ".3 و تتضمن المصالح الضرورية حفظ الكليات الخمس وهي: الدين و النفس والعقل و النسل والمال ، وزاد بعضهم حفظ الأعرا ض وهي من حيث كونها ضرورية لا حظ فيها للنفس ،و وجه انتفاء الحظ تعلقها 1- مقاصد الشريعة الإسلامية، الطاهر بن عاشور،تحقيق محمد الطاهر الميساوي ،الأردن ،دار النفائس ط 2 -1421-2001 ، ص278. 2- الموافقات،مصدر سابق، ج 2 ، ص 8 3- مقاصد الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص 300.

عدد الصفحات ٤٢

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 35 بمصالح عامة مطلقة، وسلب اختيار العبد فيها حيث لو فرض اختياره خلاف هذه المصالح لحجر عليه ولحيل بينه وبين اختياره 1 ،ولذلك كان القدر الضروري من المآكل و المشارب و المناكح وما تحفظ به العقول من اجتناب للمفسدات و اكتساب الواجب من العلم الشرعي وغيرها مما لا قيام للحياة إلا به مما لا حظ فيه ابتداء. و هي تنقسم إلى: ضرورية عينية و ضرورية كفائية فأما كونها عينية، فعلى كل مكلف في نفسه، فهو مأمور بحفظ دينه اعتقادا و عملا و بحفظ نفسه قياما بضرورية حيا ته و بحفظ عقله حفظا لمورد الخطاب من ربه إليه، و بحفظ نسله التفاتا إلى بقاء عوضه في عمارة هذه الدار و رعيا له عن وضعه في مفسدة اختلاط الأنساب. و أما كونها كفائية فمن حيث كانت منوطة بالغير أن يقوم بها على العموم في جميع المكلفين، لتستقيم الأحوال العامة التي لا تقوم الخاصة إلا بها. 2 وما ينبغي التنبيه إليه أن الكليات الضرورية و إن كانت محل اتفاق فإن الخلاف قائم حول اختصاصها بمعنى الضرورة ،و إمكان إدراج غيرها ،فيما يدعوا إليه بعض الباحثين المعاصرين ،خاصة تلك المتعلقة بحقوق الإنسان والتي تعتبر اليوم تحديا لا ينبغي إغفاله في الطرح الم قاصدي ،و يبقى التساؤل المطروح هو مدى استغراق مثل هذه الكليات للمفردات الحقوقية فيكتفى بالتفريع و البيان ،أو قصورها فتنبغي الزيادة على أساس من النظر المصلحي و الاجتهاد المعاصر، انطلاقا من فقه الواقع و تحدياته، يقول الخادمي جمعا بين متناثر الأقوال :"والكلمة الجامعة بين هؤلاء جميعا أن مقاصد الشرع هادفة إلى تقرير حقوق الناس ،و جلب مصالحهم المترتبة على حقوقهم و مكاسبهم" 3، و المراد أن كون هذه الحقوق قد يختلف في إدراجها ضمن معنى الضرورة أو الحاجة ،لا ينفي عناية التشريع بها من جانب الوجود و العدم ،أما إلحاقها ض من رتبة دون أخرى فمرده إلى الاجتهاد، 1- الموافقات، مصدر سابق، ج 2،ص177. 2 - المصدر نفسه ، ج2 ، ص176-177 3 - فصول في الاجتهاد و المقاصد ،نور الدين الخادمي ، مصر ، دار السلام ،ط1 ،1431- 2010 ،ص58

عدد الصفحات ٤٣

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 36 و ذلك بإجراء المقارنة و المقاربة بين هذه الحقوق و الكليات المقاصدية من أجل تقرير التوافق أو التقارب 1. الحاجيات: تعرف بأنها : " المفتقر إليها من حيث التوسعة و رفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج و المشقة اللاحقة بفوت المطلوب فإذا لم تراع دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة ،و لكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة".2 و قريبا من هذا المعنى يقول العز بن عبد السلام " فالضروريات كالمآكل و المشارب و الملابس والمساكن و المناكح والمراكب و أقل المجزئ م ن ذلك ضروري، وما كان من ذلك في أعلى المراتب كالمآكل الطيبات والملابس الناعمات والقصور الواسعات.....فهو من التتمات والتكملات، وما توسط بينهما فهو من الحاجات".3 و يمثلا بالبيوع والإجارة و القراض و المساقاة و أنواع الرخص و التخفيفات، و تدخل على هذا المعنى معظم أقسام المباح في المعاملات قسم الحاجيات4، و تتسع مرتبة الحاجيات لتتناول إضافة إ ما ذكر من الأمور التي تيسر على الإنسان وجوده المادي ،العناصر المعنوية التي تيسير وجوده المعنوي كتحقيق الكرامة و حرية الرأي و إقامة المساواة. إن انعدام مثل هذه العناصر المعنوية لا يؤدي إلى فوات أصل النفس الإنسانية ماديا و إنما يكون مظنة إيقاع الإنسان في الحرج الشديد أو ترتيب مشقة بالغة غير معتادة، تصبح الحياة معها عبئا ثقيلا. 5 1 - ينظر قريبا من هذا المعنى المرجع نفسه ، ص56 2-الموافقات ،مصدر سابق ، ج2 ،ص10-11. 3- قواعد الأحكام، مصدر سابق، ص341. 4- مقاصد الشريعة الإسلامية، الطاهر بن عاشور، ص306. 5- قواعدددد المقاصدددد،عبدددد الدددرحمن ابدددراهيم الكددديلاني ،الأردن ،المعهدددد العدددالمي للفكدددر الإسدددلامي، ط 1 1421-2000 مصددددر سدددابق، ص181، وينظدددر: مصالح الإنسان مقاربة مقاصدية، عبد النور بزة، الو.م.أ، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط 1،1429هد- 2008م، ص207 .

عدد الصفحات ٤٤

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 37 و الحاجيات تنقسم إلى قسم1  حاجيات خاصة تتعلق بأفراد المكلفين بحيث يلزم عن انعدام هذه الحاجيات مفاسد خاصة.  حاجي يصيب مجموع الأمة لا خصوص الأفراد، بحيث تفوت حال انعدامه مصلحة عامة التحسيني ات: عرفها الآ مدي بأنها:" ما يقع موقع التحسين والتزيين و رعاية أ حسن المناهج في العادات "2 ، و قيل:" تقرير الناس على مكارم الأخلاق و محاسن العادات " 3 ،وفي معنى جامع يقول الشاطبي: " الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات" 4 ،ويمثل لها بستر العورة و أخذ الزينة و التقرب بالنوافل من الصدقات و القربات ،وفي العادات بآداب الأكل و الشرب والكلام و الاقتصاد في المصارف أما في ا لمعاملات كالمنع من بيع النجاسات و سلب العبد منصب الشهادة والمرأة منصب الإمامة ... وغيرها. 5 و الناظر إلى المصلحة التحسينية من حيث حكمها يجد أنها لا تختص بحكم دون آخر، فتنتظم المباح و الواجب و المندوب إلا أن القدر المشترك بينها، هو أن هذه الأفعال من حيث الأ ثر في الحياة تقع موقع التحسين و التكميل لا موقع الضرورة و الحاجة فكان الحكم عليها بأنها تحسينية من حيث أثرها في حياة الناس و معاشهم لا بناء على الحكم التكليفي الذي هو متعلق ذلك الفعل. 1- قواعد المقاصد، مرجع سابق، ص 180. 2- الإحكام في أصول الأحكام، مصدر سابق، ج3 ، ص345. 3- المحصول في علم أصول الفقه، فخر الدين الرازي ، تحقيق جابر العلواني ،مؤسسة الرسالة ، ج5، ص161. 4- الموافقات، مصدر سابق، ج 2،ص11. 5- المصدر نفسه،ج2 ،ص11

عدد الصفحات ٤٥

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 38 ب. باعتبار تعلقها بعموم الأمة أو مجموعها أو أفرادها : وتقسم بهذا الاعتبار إلى:  مصلحة عامة: وهي ما كان عائدا على عموم الأمة عودا متماثلا أو على جماعة عظيمة ، ومثالها حماية البيضة وحفظ الجماعة من التفرق وحفظ الدين من الزوال. 1  مصلحة خاصةو هي ما كان عائدا على الفرد من المنافع و الحظوظ. 2 ج. باعتبار تمحض المصلحة أو المفسدة أو عدم تمحضها :يمكن أن تقسم المصالح بهذا الاعتبار على النحو الآتي3 : المصلحة المحضة : و هي المنفعة الخالصة التي لا يشوبها الفساد باعتبار ذاتها أو تعلق الخطاب بها،وهي ممكنة من حيث الجواز العقلي ،عزيزة من حيث مواقع الوجود ،وبيان ذلك أن تمحض المصالح يرتبط في الراجح من الأقوال بقاعدة المقدرات الشرعية ،من جهة عدم اعتبار الجهة المغلوبة ،لكونها غير مقصودة للشارع الحكيم ،و في هذا المعنى يقول الشاطبي :" فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد، فهي المقصودة شرعا، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد، ليجري قانونها على أقوم طريق وأهدى سبيل، وليكون حصولها أتم وأقرب وأولى بنيل المقصود على مقتضى العادات الجارية في الدنيا، فإن تبعها مفسدة أو مشقة، فليست بمقصودة في شرعية ذلك الفعل وطلبه، وكذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتياد، فرفعها هو المقصود شرعا، ولأجله وقع النهي... ، فإن تبعتها مصلحة أو لذة، فليست هي المقصودة بالنهي عن ذلك الفعل، بل المقصود ما غلب في المحل، وما سوى ذلك ملغى في مقتضى النهي، كما كانت جهة المفسدة ملغاة في جهة الأمر "4.أما دليل ندور تمحض المصالح و المفاسد في مواقع الوجود فالتجربة التامة من جميع الخلائق، وأصله كما يقول الشاطبي : "الإخبار بوضعها على الابتلاء والاختبار والتمحيص، قال الله تعالى:﴿ 1- مقاصد الشريعة الإسلامية، الطاهر بن عاشور،،تحقيق محمد الطاهر الميساوي ،الأردن ،دار النفائس ط 2 -1421-2001، ص313. 2- الإمام في مقاصد رب الأنام، الأخضر الأخضري ،الجزائر ، دار المختار ، ط 1 -2010 ، ص89. 3-ينظر ،المرجع نفسه ،ص 78-83 ، قواعد المقاصد ،الكيلاني ،ص146-147. 4-الموافقات ،مصدر سابق ،ج2 ،ص26.

عدد الصفحات ٤٦

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 39 وَن َب ْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِت ْنَةً ﴾1 ، و قال تعالى :﴿ لِيَب ْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾2 ، وقد جاء في الحديث: { حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ }3"4.  المصلحة الراجحة :وهي المنفعة الظاهرة على شائبة الفساد،و الأصل أنها تنزل منزلة المصلحة المتمحضة حكما ،باعتبار ترجحها شرعا ،و إهمال ما تلبس بها من مفسدة ،أما عن الفرق بين المرتبتين فهو ظهور رجحان المصلحة ،و ضآلة ما يشوبها من الفساد في القسم الأول ،في مقابلة القسم الثاني ،حيث تتزاحم المصالح و المفاسد و إن رجح جانب المصلحة بمدرك قوي.  المصلحة المرجوحة :و هي المنفعة المغمورة بما هو أشد منها فسادا. د. باعتبار قربها من الأحكام أو ابتعادها :وهي ثلاثة أقسام 5:  مصلحة قريبةوهي ما يعرف بعلة الحكم حيث وجود المصلحة عندها لا بها .  مصلحة متوسطةوهي المتقررة بحفظ الكليات الخمس .  مصلحة بعيدة عاليةوهي جنس الأجناس باعتبار حفظها لنظام الأمة . مرتبة حظ المكلف من حيث المصالح المعتبرة : بناء على ما تقدم يكون متعلق حظوظ المكلفين المصالح الحاجية و التحسينية باعتبار أثرها في قوام الحياة و المصالح الخاصة باعتبار العموم و الخصوص ، ذلك أن الضروريات مما لا حظ فيه ابتداء ،و إن حصل بالقصد الثاني لخروجها عن خيرة المكلف ، و سوق التشريع لها أصالة لا تبعا، و كذلك هي المصالح العامة ، كما أن المعتبر منها من حيث التفات الشارع، المصالح الراجحة و إن شابها الفساد، أما المنافع المغمورة بما هو أشد فسادا فليست في الحقيقة حظوظا إلا من حيث توهمها كذلك ،ذلك أنها تأخد حكم المعدوم بإعمال قاعدة المقدرات الشرعية ،أما من حيث قربها م ن الأحكام ، أو بعدها فمتعلقها المصالح القريبة . 1-سورة الأنبياء ،الآية 35. 2-سورة الملك ،الآية 2. 3-أخرجه الشيخان و اللفظ لمسلم . 4-الموافقات ،مصدر سابق ،ج2 ،ص26 . 5-الإمام في مقاصد رب الأنام ، مرجع سابق ،ص 90.

عدد الصفحات ٤٧

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 40 الفرع الرابع الح ق أولا: ماهية الحق أ- تعريفه ل غ ة: يطلق الحق في اللغة على معاني عدة أهمها الثبوت والوجوب و اليقين جاء في لسان العرب : " حق الأمر يحق ثبت و وجب ، وحق الأمر يحقه كان منه على يقين". 1 والحق من أسماء الله تع الى و يستعمل في الصدق و الصواب ،يقال: قول حق وصواب 2 ،وقد يأتي بمعنى الحظ والنصيب. 3 ب- تعريفه اصطلاحا: اختلفت تعريفات الحق عند أهل العلم باختلاف جهات النظر فمن نظر إلى غايته عرفه بأنه : مصلحة، ومن ذلك تعريف القرافي حقوق العبد بأنها : مصالحه 4 ،و ما جاء في تعريفه عند بعض المعاصرين بأنه : " مصلحة ثابتة للفرد أو المجتمع أو لهما مما يقرره المشرع الإسلامي" 5 ،وقد انتقد تعريف الحق بالمصلحة لكونها غايته و ثمرته لا حقيقته. و عرف باعتبار طبيعته بأنه :" اختصاص يقر به الشرع سلطة أو تكليفا " 6، أو اختصاص يقر به الشرع سلطة على شيء أو اقتضاء أداء من آخر تحقيقا لمصلحة معينة 7 ،و قد جمع التعريف الأخير بين الاختصاص الذي يقتضيه معنى الحق على رأي بعض الفقهاء المعاصرين وبين المصلحة كغاية له . 1- لسان العرب، مصدر سابق، ج 10، ص940. 2- التعريفات، مصدر سابق، ص120. 3- تاج العروس،ج25، ص181. 4- الفروق،أبو العباس أحمد بن ادريس القرافي،بيروت ،دار الكتب العلمية ،ط 1 ،1418-1998، ج1، ص256. 5- ادخل لدراسة الفقه الإسلامي، رمضان علي الشرنباصي ، ط 2 ،1403 ، ص474. 6- النظريات الفقهية، فتحي الدرينّ،جامعة دمشق ،ط،1417-1997،ص123. 7- المرجع نفسه ، ص123.

عدد الصفحات ٤٨

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 41 يتضح مما سبق ما بين اق والحظ من عموم و خصوص وجهي نبينه في النقاط الآتية:  ليسكل ما يتصوره المكلف حظا للنفس حق أثبته الشرع ، وفي المقابل فليس في كل حق حظ تميل النفس إلى تحصيله إما لخفاء مصلحته أو قصور الأفهام عن دركها ،أو عمومها.  يدخل في معنى الحظ مفهوم الرخصة والإباحة و الحريات العامة كحق التعاقد والتملك و الاستئجار والتفكير مما يذهب الفقهاء المعاصرين إلى التمييز بينه وبين الحق لوجوه أهمها ،أنه يقوم على أساس من عدم التساوي بين مراكز الأفراد فيختص صاحب الحق بمركز يمتاز به دون غيره ،كما أنه ينشأ بناء على سبب معين بذاته، أما الحريات فسببها الإذن العام من المشرع الحكيم. 1 و إن لم تخل هذه التفرقة من انتقاد لمن يعتبر الحق رديف ا للمصلحة سواء وجد معنى الاختصاص أم لم يوجد، وهو المعنى الذي قررته المدونات الفقهية والأصولية في مباحث المحكوم فيه و تقسيمه إلى حق الله و حق العبد وحق مشترك ، دون تفرقة بين ما ظهر فيه معنى الاختصاص وما لم يظهر في الغالب و نظرا لصلتها الوثيقة بالدراسة نذكرها فيما يأتي: ثانيا: أقسام الحق عند الفقهاء أ حق الله تعالى: وهو ما قصد به التقرب إليه عز وجل وتعظيمه و إقامة شعائر دينه أو تحقيق النفع العام من غير اختصاص بأحد من الناس ،و ينسب إلى الله تعالى لعظم خطره و شمول نفعه. 2 و على هذا الأساس يدخل في معنى حق الله تعالى العبادات والحدود و التعزيرات ،و الكفارات ، وما فرض في الأموال من حقوق راجعة إلى صلاح المجموع ،وجد فيها معنى التعبد أم لم يوجد 3 ،ومعنى كون 1- النظريات العامة في الفقه الإسلامي و تاريخه،أحمد فراج حسين و عبد الودود محمد السريتي ،دار النهضة العربية ط ،1992 ، ص18. 2- الفقه الإسلامي و أدلته، وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، ط 02،1405 ه- 1985، ج4 ، ص13. 3- ينظدددر كشدددف الأسدددرار، البخددداري، بيروت ،دار الكتددداب العدددرن ، ج4، ص134، أصدددول الفقددده الإسدددلامي، وهبدددة الزحيلدددي، دار الفكدددر، دمشدددق، ط 16، 1429ه- 2008م، ج1، ص154- 157.

عدد الصفحات ٤٩

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 42 مثل هذه الحقوق ثابتة لله تعا :أنه لا يجوز إسقاطها بعفو أو صلح أو تنازل كما لا يجوز تغييرها ،وعليه فلا يرتفع حد السرقة عن السارق بعفو المسروق ولا عن الزانية بعفو الزوج. كما أن استيفاء العقوبة علي الإخلال بهذه الحقوق منوط بالحاكم، وإن كان للجماعة حق الذود عنها بطريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق الضوابط الشرعية 1. و هذه الحقوق راجعة في أصلها إلى حفظ كليات الشريعة ومصالحها العامة حتى لا يؤدي التسبب لاكتساب المصالح الخاصة إلى انخرامها أو تضييعها بأي وجه من الوجوه ، كما أن بها يحفظ حق كل من يظن به الضعف عن حماية حقه كالصغير. 2 ب- حقوق العباد الخالصة: و هي ما يتعلق به مصلحة خاصة بالفرد دون المج موع 3 ،و منها ضمان المتلفات وبذل الدية وملك المبيع و الثمن و الحقوق المرتبة على عقد الزواج لكل من الزوجين ...و غيرها. وعرفها ابن عاشور بأنها :" التصرفات التي يجلبون بها لأنفسهم ما يلائمها أو يدفعون عنها ما ينافرها ، دون أن يفضى ذلك إلى انخرام مصلحة عامة أو جلب مف سدة عامة ،أو انخرام مصلحة شخص أو جلب مضرة له في تحصيل مصلحة غيره". 4 و التعريف بهذا المعنى جمع بين بيان حق العبد وضوابط اعتباره حقا خالصا أثبته الشارع ،وهو مناسبته للمصالح العامة و عدم التعسف في استعماله بما يلحق الضرر بالغير، مما يبين في محله ،وحكم هذا الح ق أنه يجوز لصاحبه التنازل عنه وإسقاطه بالعفو أو الصلح أو الإبراء أو الإباحة ،ويجري فيه التوارث ولا يقبل التداخل و استيفاءه منوط بصاحب الحق أو وليه .5 1- ينظر الفقه الإسلامي و أدلته، وهبة الزحيلي، مرجع سابق ، ص14، المدخل لدراسة الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 320. 2- مقاصد الشريعة الإسلامية، الطاهر بن عاشور، مرجع سابق، ص 417. 3- أصول الفقه الإسلامي، حسين و السريتي، ص490. 4- مقاصد الشريعة الإسلامية،مرجع سابق، ص 417. 5- الفقه الإسلامي و أدلته، مرجع سابق، ص 14.

عدد الصفحات ٥٠

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 43 ج دالحق المشترك: وهو ما اجتمع فيه الحقان فإما أن يكون حق الله غالبا فيلحق بالقسم الأول، أو حق العبد غالبا فيلحق بالقسم الثاني، ويمثل للأول بحد القذف1 ،إذ مع تعلقه بحق العبد في صيانة عرضه إلا أنه لم يجعل له إسقاطه تغليبا لحق الله تعالى ،ومثال الثاني حق القصاص فلولي الدم العفو عن القاتل وفق ما قرره الشرع . ما يجب ملاحظته أن الفقهاء وإن قصدوا بهذا التقسيم التفريق بين ما يقبل الإسقاط من الحقوق و ما لا يقبل، و بيان تفاوتها من حيث تعلقها بالنفع العام أو الخاص ، إلا أنه مما لا خلاف فيه أن بينها تداخلا يقتضيه معنى التعبد فما من حق للعبد إلا فيه حق لله تعالى وحقه عبادته و امتثال أوامره ونواهيه 2 ،فيكون حق الله داخلا في حظ العبد بمقتضى الأمر أو النهي أو التخيير أو الوضع ،وكذلك كل حكم شرعي فيه حق للعباد بمعنى حظ و مصلحة ، قال صلى الله عليه و سلم: { فَإِن حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ ي َعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لاَ ي ُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا }.3 و على التفصيل المذكور يتداخل مفهوم الحق بالمعنى العام الذي ذكره الفقهاء مع حظ المكلف ، و القدر المشترك بينهما ما أثبته الشرع للعبد من مصالح يستدعيه إلى طلبها وتحصيلها باعث النفس. الفرع الخامس: مقاصد المكلفين لقد درجت الكتابات المقاصد ية على تقسيم المقاصد الشرعية إلى قسمين مقاصد الشارع ومقاصد المكلف، ولعله من البين ذلك التداخل بين القسم الثاني و حظ المكلف، و لبيان مثل هذه العلاقة لابد من الوقوف على تعريف مقاصد المكلفين، و مما سيق في هذا المعنى: 1- اختلف في تغليب حق الله في القذف حيث ذهب الشافعي إلى أنه مما كان فيه حق الله غالبا ،و فرق البعض بين وصوله للإمام فلا إسقاط و بين عدمه، شرح تنقيح الفصول، مصدر سابق، ص 81. 2- الموافقات، مصدر سابق، ص 393. 3- متفق عليه

عدد الصفحات ٥١