المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حظوظ المكلفين في القرآن الكريم بين الجلب والدفع

خيرة سرير حاج

صفحة ٢ من ٣٠

المدخل 12 وحي مروي منقول غير مؤلف و لا معجز النظام و لا متلو ،و لكنه مقر وء و هو الخبر الوارد عن الرسول -صلى الله عليه و سلم-".1 و النصوص الواردة في الأمر بالإيمان به و وجوب اتباعه و التأسي به و أنه لازم لمحبة ا ظاهرة لا تخفى... ،قال تعالى:﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾2، بل إنهجعل علامة الإيمان الرضا بحكمه مع طيب النفس و سلامة الصدر من غوائل الضيق و الحرج، قال تعالى: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ ي ُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ ب َي ْن َهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَ لِّمُواْ تَسْلِيمً ا﴾.3 يقول ابن القيم:"أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكموا رسول الله، كل ما شجر بينهم من الدقيق و الجليل، و لم يكتف في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحرج و الضيق من قضائه و حكمه،و لم يكتف منهم أيضا بذلك، حتى يسلموا تسليما و ينقادوا انقيادا".4 ثم أنه تعالى أمر بطاعته و طاعة رسوله، و أعاد الفعل إعلاما بأن طاعة الرسول تجب استقلالا من غ عرض ما أمر به على الكتاب، بل إنه متى أمر وجبت طاعته ذلك أنه أوتي الكتاب و مثله معه.5 كما أنه من المعلوم أن القرآن الكريم قد اشتمل على نصوص مجملة و أخرى مشكلة، و لابد للعمل بها من شرح يبينها و يوضحها و يؤولها و يفسرها،و لا يتأتى ذلك إلا من خلال السنة النبوية، فالشارع الحكيم لم يكلفنا بهذه التكاليف التي أجملها في كتابه و هو يعلم حق العلم أن عقولنا تقصر عن إدراك مراده إلا و قد نصب لها شارحا مبينا و أوجد مفسرا و موضحا ألا و هو رسول الله -صلى الله عليه و سلم- بواسطة وحيه و تأييده. 6 1- الإحكام في أصول الأحكام،علي بن محمد الآمدي، الرياض، دار الصميعي ،ط 1،1424-2003. ج1، ص97. 2- سورة آل عمران، الآية 31. 3- سورة النساء، الآية 65. 4- أعلام الموقعين،ابن القيم ،تحقيق بشير محمد عيون ،بيروت ، دار البيان ، ط 1 ،1421ه -2000م، ج1، ص57. 5-المصدر نفسه. 6- حجية السنة، عبد الغنّ عبد الخالق،1407هد1986م،ص 323،326.

عدد الصفحات ١٩

المدخل 13 يقول ابن حزم:"و إنما في القرآن جمل لو تركنا و إياها لم ندر كيف نعمل بها و إنما المرجوع إليه في كل ذلك النقل عن النبي - صلى الله عليه و سلم-... فلابد من الرجوع إلى الحديث ضرورة". 1 و قال الإمام الشافعي في الرسالة :"و من جماع علم كتاب الله العلم بأن جميع كتاب الله إنما نزل بلسان العرب و المعرفة بناسخ الكتاب و منسوخه...و المعرفة بالموضع الذي وضع الله به نبيه من الإبانة عنه فيما أحكم فرضه في كتابه و بينه على لسان نبيه، و ما أراد بجميع فرائضه و من أراد أكل خلقه أم بعضهم دون بعض، و ما افترض على الناس من طاعته و الانتهاء إلى أمره". 2 فتبين مما تقدم أن الناظر في مقاصد القرآن لا ينبغي له أن يقدم على شيء من ذلك حتى يضم نصوص السنة إلى نصوص القرآن، فيخصص العام و يقيد المطلق و يبين المجمل... و السنة كما هو معلوم عند أهل الأصول إما مؤكدة حكما جاء في القرآن الكريم أو شارحة مبينة أو مبتدئة حكم سكت عنه القرآن. 3 فما جاء منها مؤكدا، فهو من باب ما تظاهرت الأدلة على تقر يره، فكان ذلك أقوم إلى مسلك القطع في تحصيل الكليات، و ما جاء منها شارحا مفصلا، فمرده إلى المقاصد الجزئية - و الأوصاف الخاصة- التي لا يتيسر تحصيل الكليات إلا من خلالها. و كذلك فيما ثبت مما عري عن شهادة النص الخاص في القرآن الكريم، و إن كفا منه شاهدا قوله تعالى:﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا ن َهَاكُمْ عَنْهُ فَانت َهُوا ﴾.4 ثم إن هذه النصوص، إما أن تكون من المتواتر الذي يقطع بنسبته إلى الن- صلى الله عليه و سلم- فليس أدل منها و الحال كذلك على مقاصد الشارع، بعد نصوص الكتاب و إما أن تكون من أخبار الآحاد، و هي القسم الأكبر، و إن كانت ظنية الثبوت، إلا أن دلالتها على مقاصد التشريع، أمر لا يخالف فيه إلا معاند. 1- الإحكام في أصول الأحكام، أبو محمد علي بن أحمد بن حزم، تحقيق: أحمد محمد شاكر، بيروت، دار الأفاق الجديدة، (د.ت. ج2، ص79. 2- الرسالة، محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: أحمد شاكر، بيروت، دار الكتب العلمية، ص 40،41. 3- الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، محمد بن الحسن الحجوي، إدارة المعارف، ط 1،1340هد، ص33. 4- سورة الحشر، الآية 07.

عدد الصفحات ٢٠

المدخل 14 و مثل هذه الدلالة تتردد بين القطع و الظن باعتبار ذرائع التحصيل، و كلما تظاهرت النصوص على معنى مشترك، و إن كانت في أفرادها ظنية كانت أقرب إلى م سالك القطعّ، و كلما قصرت عن ذلك أفادت الظن الموجب للعلم، متى ثبت صحتها وفق ما قرره أهل الجرح و التعديل، و قد تعارض بغيرها، من كليات التشريع و أصوله العامة فالنظر إلى قواعد رفع هذا التعارض. و لا يصح ردها بالكلية، ذلك أن اعتماد الفهم المقاصدي لأصول التشريع، و حاكمية هذه الأصول على النص فهما و تنزيلا ،لا يعنّ مطلقا اتخاذ ذلك ذريعة لهدم أسس الشريعة و الكر على أصولها بالبطلان بدعوى أن كل نص خالف هذه الأصول، حري بالرد، من باب تقديم القطعي على الظن 1، و قد تقدم أن الشارع الحكيم أعلم بمصالح المكلفين، و إن كانت تأصلت في القرآن الكريم، ففروعها راسخة في السنة النبوية،و يكفي شاهدا على ذلك أنه أجرى أحكامه على سنن من ربط الأسباب بالمسببات و العلل بالمعلولات و تعبدنا في مواطن بما لا يعقل على جهة التفصيل ابتلاء و اختبارا ، و كذلك جمع بين المختلفات و فرق بين المتماثلات، ثم أن ه قد علم أن معظم الأصول و إن كانت كلية فلا يضيرها خروج بعض الجزئيات،و كلها قواعد سيأتي بيانها في ثنايا هذه الدراسة و غاية المراد التنبيه على مواطن الزلل. ثانيا: أهمية تقصيد الأحكام:النظر في مقاصد الأحكام فهما و تنزيلا من أهم أسباب ترشيد التصرفات و دفع الشبهات و تحقيق الإذعان و الانقياد و تفصيل ذلك فيما يأتي: أ- سرعة الانقياد و سهولة القبول و حسن الامتثال:2 علم المكلف بمقاصد الأحكام، سبب لسرعة الانقياد و سهولة القبول، ذلك أن النفوس تواقة إلى جلب الملائم و دفع المنافر ، فكان نوط الأحكام بما يفضي إلى جلب المصالح و دفع المفاسد، مع الإعلام بجهة الصلاح أو الفساد جملة أو تفصيلا، أقرب إلى تحصيل المقصود، و أنشط للمأمور بالفعل على 1- ينظر قريبا من هذا المعنى: مقاصد الشريعة و علاقتها بالأدلة الشرعية ، محمد سعد بن أحمد اليون، دار الهجرة للنشر و التوزيع، المملكة العربية السعودية، ط1،1412هد- 1998م.ص 512 . 2- ينظر: الإحكام، الآمدي، ج4، ص274، التحرير و التنوير،محمد الطاهر بن عاشور، تونس، دار سحنون، ط-1997، ج13، ص224.

عدد الصفحات ٢١

المدخل 15 الامتثال1، يقول القسطلاني :"و مهما كانت المقاصد مفهومة الحكم تبادر إلى عملها ما نهض من الهمم ،و ازدادت بصيرة و إيمانا و حكمة و فرقانا ،و ليس نفس الاعتقاد في الصدق كافيا في المراد من تمام الانقياد ،بل فهم الأسرار مما يوجب زيادة الأنوار و يشرح الصدور في الإيراد للأعمال و الإصدار"2 . وقريبا من هذا المعنى يقول المناوي،:"من فقه عن الله أمره و نهيه و علم لماذا أمر و نهى، تعاظم لذلك و كبر في صدره شأنه و كان أشد تسارعا لما أمر و أشد هربا مما نهى فالفقه في الدين جند عظيم يؤيد الله به أهل اليقين الذين عاينوا محاسن الأمور و مشائنها...و من حرم ذلك عبده على مكابدة و كره لأن القلب و إن أطاع و انقاد لأمر الله فالنفس إنما تنقاد إذا رأت نفع شيء أو ضره" 3 ، و يقول في موضع آخر:"و أما من فهم تدبير الله تعالى في ذلك فينشرح صدره و يخف عليه فعله و ذلك هو الفقيه". 4و ليس المراد أن الإذعان و الامتثال لا يحصل إلا بدرك الملائم الذي ترتضيه العقول،و إنما التنبيه إلى ما في تعليل الأحكام من مصالح يحسن بالوقوف عليها الامتثال، و تحصل بها المسارعة إلى الانقياد، و إن كانا مطلوبين في حال خفاء المعاني و ظهورها. ثم إننا إذا نظرنا إلى أحوال المكلفين لوجدناهم يتفاوتون و يتفاضلون مع اشتراكهم في صور العبادات، و المرد في ذلك، فقههم عن الله مراده في التشريع،يقول ابن القيم:"فإن الأعم ال لا تتفاضل بصورها و عددها إنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب فتكون صورة العمل واحدة و بينهما في التفاضل ما بين السماء و الأرض، و الرجلان يكون مقامهما في الصف واحدا و بين صلاتيهما كما بين السماء و الأرض".5 و إن كان مثل هذا لا ينفي أهمية الإتيان بالقدر الأق ل الذي تحصل به براءة الذمة إلا أن السعي إلى رتبة الإحسان مما ينبغي الالتفات إليه، و القصور عن بلوغ درجة الكمال لا ينفي بذل الأسباب لتحصيل 1- ينظر: الوظائف التربوية و الدعوية لمقاصد الأحكام الفقهية، وصفي عاشور أبدو زيدد، مجلدة المسدلم المعاصدر، سدنة 2012م، العددد144، ص 11- 44. 2 - مراصد الصلاة في مقاصد الصلاة ، قطب الدين القسطلاني ، القاهرة ، دار الفضيلة ، ص 34 3- فيض القدير،زين الدين محمد عبد الرؤوف المناوي ،مصر ،المكتبة التجارية الكبرى ، ط 1 ،1356هد، ج2، ص511. 4- المصدر نفسه، ج1، ص258. 5- مدارج السالكين، ابن القيم ، بيروت، دار الكتب العلمية ، ج1، ص331.

عدد الصفحات ٢٢

المدخل 16 الأفضل في حق كل مكلف بما يبلغ به وسعه و طوقه على صبر و مجاهدة ،لا يخلو حال العابد منهما، و أقوم السبل لتحصيل هذا المقا م، تحصيل مقاصد الأحكام فهما و تنزيلا، إذ تدعو إلى المحبة و الإجلال و المعرفة و الحمد، و كلها أوصاف زائدة على معنى الامتثال تكمله و ترتقي به. 1 يقول الدهلوي:"إن طالب الإحسان إذا اجتهد في الطاعات و هو يعرف وجه مشروعيتها و يقيد نفسه بالمحافظة على أرواحها و أنوارها نفعه قليلها و كان أبعد من أن يخبط خبط عشواء". 2 ثم إنه إذا علمنا أن الأحكام إنما انبنت على جلب المصالح و دفع المفاسد و هي مقاصد الشارع، و أن المكلف ينبغي أن يكون لها موافقا في تصرفاته و قصوده 3، تبين أن تفعيل مثل هذا الأساس المصلحي و إخراجه من حيز الت نظير إلى حيز التطبيق الفعلي في واقع المكلفين يقتضي ربط الأحكام بمقاصدها فهما و تنزيلا، يشترك في ذلك العامة و الخاصة و إن حصل التفاوت في مقدار ما يبلغ به كل مكلف فهمه و علمه، و إن كان مجرد الامتثال محصلا لمقاصده أحيانا، فإن معاينة أحوال العموم تؤكد ما تقدم، من أن فقه المقاصد أعون على حسن الامتثال و أبعد عن تعطيل آثار الأحكام الشرعية،و الواقع و التجارب تشهد بذلك، فكم تعمر المساجد بالمصلين و تضيق المشاعر بالحجيج و المعتمرين، و يحتفى بالشهر الكريم أيما احتفاء،و تغيب آثار الأفعال و التروك... ب - تحصيل الاطمئنان القلبي و الإعانة على شكر الخالق عز و جل: العلم بمقاصد الأحكام، يورث اليقين و يحسن به وقع الخطاب في النفوس، فينضاف إلى سلامة الفهم و حسن الامتثال اطمئنان المتلقي بما يقطع ذرائع الاشتباه و التقصير و الانقطاع، و مثاله كما يقول صاحب الحجة:"كرجل أخبره صادق أن السم قاتل فصدقه فيما أخبره ثم عرف بالقرائن مباينته لمزاج الإنسان فازداد يقينا إلى يقينه". 4 1- ينظر قريبا من هذا المعنى :مدارج السالكين مصدر سابق، ج1، ص232. 2-حجة الله البالغة،ولي الله الدهلوي، تحقيق السيد سابق، بيروت، دار الجيل، ط 1،1426ه-2005م، ج1، ص33. 3 - ينظر تفصيل ذلك في الفصل الثاني من هذه الدراسة .ص201 وما يليها. 4- حجة الله البالغة مصدر سابق،بتصرف يسير، ج 1، ص22.

عدد الصفحات ٢٣

المدخل 17 و هذا الخليل إبراهيم - عليه السلام- يطلب إلى رب العزة أن يريه كيف يحيي الموتى، مع إيمانه التام، قال تعالى على لسان إبراهيم:﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾1 ،و مثل هذا الاطمئنان أدعى لتحصيل معنى الشكر يقول الشاطبي في هذا المعنى: "لما كانت الدنيا مخلوقة؛ ليظهر فيها أثر القبضتين، ومبنية على بذل النعم للعباد؛ لينالوها ويتمتعوا بها، وليشكروا الله عليها فيجازيهم في الدار الأخرى، حسبما بينَ لنا الكتاب والسنة، اقتضى ذلك أن تكون الشريعة التي عرفتنا بهذين مبنية على بيان وجه الشكر في كل نعمة، وبيان وجه الاستمتاع بالنعم المبذولة مطلقا وهذان القصدان أظهر في الشريعة من أن يستدل عليهما"2 ج- تفنيد شبهات المشككين لقد تقدم أن بذل الوسع في درك مرادات الشارع مما لا ينبغي أن يغفل عنه المكلف طلبا لصحة الفهم و حسن الامتثال و دفعا لعوارض السآمة و الملل و الانقطاع، تلك العوارض التي تترتب على غياب فهم جوهر التشريع و حقائقه، و الاكتفاء بالصور و الهيآت و الرسوم، ثم إننا لو نظرنا إلى الواقع و ما يشهده من تحديات فكرية و ثقافية و انفتاح على التيارات المختلفة ليقطع أن تحقيق مثل هذا الوعي، ضرورة لحفظ كليات التشريع، خاصة بعد أن كثرت الدعاوى الباطلة و الاتهامات الزائفة ببعد أصول الشريعة و فروعها عن دلائل العقول و مقتضيات الصلاح الخاص و العام فكان حريا بكل منتسب لهذه الشريعة أ ن يذود عنها على بصيرة، قال تعالى:﴿ قُلْ هََٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَى بَصِيرَة أَنَاْ وَمَنِ ات َّب َعَنِي﴾.3 و هذا الدهلوي يتحدث عن عصره فيقول:"إن المبتدعين شككوا في كثير من المسائل الإسلامية بأنها مخالفة للعقل و كل ما يخالفه يجب رده و ت أويله...فطفقوا يؤولون تأويلات بعيدة و أثارت طائفة فتنة الشك و قالوا لم كان صوم آخر يوم رمضان واجبا و صوم أول يوم من شوال ممنوعا عنه... 1- سورة البقرة، الآية 260. 2 - الموافقات مصدر سابق،ج2 ،ص321 3- سورة يوسف، الآية 108.

عدد الصفحات ٢٤

المدخل 18 و استهزأت طائفة بالترغيبات و الترهيبات حتى وضع أشقى القوم 1 "باذنجان لما أكل له" يعترض بأن أضر الأشياء لا يتميز عند المسلمين عن النافع و لا سبيل إلى دفع هذه المفسدة إلا بأن نبين المصالح و نؤسس لها القواعد كما فعل نحو من ذلك في مخاصمات اليهود و النصارى و الدهرية و أمثالهم". 2 و يقول في موضع آخر:"فآل الأمر إلى أن صار الانتهاض لإقامة الدلائل العقلية حسب النصوص النقلية و تط بيق المنقول بالمعقول و المسموع بالمفهوم نصرا مؤزرا للدين و سعيا جميلا في جمع شمل المسلمين و معدودا من أعظم القربات". 3 و نحن في عصر العولمة أكثر احتياجا لبيان مقاصد التشريع و محاسن الإسلام فهذا هو الكفيل بإنصاف ديننا المفترى عليه و إبرازه بما هو عليه و ما هو أهله و هو الكفيل بدفع الشبهات و إقامة الحجة.4 و إذا كان الوعي بالمقاصد من الضروريات لتبليغ الدعوة و رد الشبهات، فإن ذلك أوجب في عصرنا الذي أضحى من أهم خصائصه ثقافة العولمة و عولمة الثقافة، حيث لم يعد كافيا بيان الأحكام مجردة عن مقاصدها،و هو مهيع لا مناقضة فيه لسنن خطاب الشارع و معهوده في التشريع، حيث اعتنى بتعليل الأحكام ،و بيان مقاصدها و منافعها للبشر أفرادا و جماعات و لم يكتف بالتكليف المجرد. و منه أن الله عز و جل شرع القصاص و بين أنه حياة ، قال تعالى:﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْ بَابِ ﴾.5 و نهى عن الزنا و بين عواقبه، قال تعالى:﴿ وَلاَ ت َقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً ﴾.6 و كذلك حرم الخمر و نبه على مفاسدها و أضرارها، قال عز و جل:﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَ لِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ ت ُفْلِحُونَ ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ ب َي ْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْب َغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾.1 1- و هدو ابددن الراونددي أبددو الحسدين ،المددتكلم مدن أهددل مدرو الددروذ، سدكن بغددداد، وكدان معتزليددا، ثم تزنددق ، تددوفي سدنة :298 هددد.سير أعدلام النددبلاء ،ج14 ،ص60 2- حجة الله البالغة، مصدر سابق، ج1، ص33،34. 3- المصدر نفسه، ج1، ص32. 4- مدخل إلى مقاصد الشريعة، الريسوني، المنصورة ،دار الكلمة ،ط 1 ،2013م ،ص 12. 5- سورة البقرة، الآية 179. 6- سورة الإسراء، الآية 32.

عدد الصفحات ٢٥

المدخل 19 و عندما نهى الله تعالى عن إتيان النساء في المحيض قدملذلك بالتنبيه و التنفير من الأذى و الضرر الذي فيه قال عز و جل:﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ ﴾.2 د- الفقه المقاصدي منهج فكر و نظر: من أهم الثمرات التي يجنيها المكلف متى أجرى أفعاله و تروكه وفق مقاصد الشارع و طلب لذلك أدلة المعقول و المنقول سداد الفكر و صواب العمل ذلك أن المنهج المقاصدي القائم على ربط الجزئيات بالكليات و العلل بالمعلولات، و النظر في المآلات، و الموازنة بين المصالح و المفاسد...من شأنه أن يخرج عمليات التفكير، من نطاق الرؤى الضيقة إلى مج الات أرحب من حيث الفهم و التركيب و الاستدلال و النقد...، هي أكثر ما نحتاجه في ظل التطورات المتسارعة، حيث لا مكان لفلسفة القصور، قصور الإدراك و عطالة الفكر، فيما ليس مرادا تعطيل آلة العقل عن سبر غوره و تحصيل حقائقه و معانيه. وما ينبغي التنبيه إليه أنما سبق تقريره لا يعنّ بأي حال حصر القيمة الحقيقية للفعل سواء كانت عقدية أم أخلاقية بما يترتب عنه من نفع ،الأمر الذي تتبناه الكثير من الفلسفات المعاصرة و التي يأتي في مقدمتها المدرسة البراغماتية التي تتميز بالإصرار على النتائج و المنفعة العملية كمكونات أساسية للحقيقة...إن فلسفة مثل هذه تجعل المنفعة معيارا حاكما حيث لا اعتبار لأي قيمة عقدية أو أخلاقية ما لم ترتب نفعا ، تقتضي دفع الناس إلى استغلال كل السبل من أجل كسب مصالحهم الخاصة بل و تجعل الصراع على المصلحة أمرا مقبولا و مشروعا ما دام القانون لا يرفضه... 3 ، هي أبعد ما يكون عن مقاصد التشريع السماوي، حيث المصلحة الحقيقية هي ما اعتبره الشرع كذلك لا ما اقتضته الأهواء أو حتى النظريات الوضعية القاصرة...و حيث تتفاضل المصالح، فيقدم المفضول للفاضل و الجزئي للكلي و الخاص للعام...دون تناقض أو تعارض. 1- سورة المائدة، الآيتان 90،91. 2- سورة البقرة، الآية 222. 3- ينظر: سمو المقاصد الشرعية بين الفلسفة النفعية و الدور الرسالي و مقام العبودية. فهمي إسلام جيوانتو http://afaqmostaqbal.wordpress.com/2012/03/27/

عدد الصفحات ٢٦

المدخل 20 و عليه فما يأتي بيانه من مصالح و منافع و حظوظ أنيطت بها الأحكام إنما يتنزل وفق ما تقدم. خاصة فيما يتعلق بأحكام العبادات إذ الأصل بناؤها على المقصد الأصلي و هو الإذعان و الامتثال، و إن حصل للمكلف بطريقها حظ من الحظوظ فإنما سيق له التشريع تبعا لا أصالة، و لا يمكن و الحال كذلك قلب المسألة كما يفعل البعض، فيصير الصوم حمية و الصلاة حركات رياضية تنشط البدن و تمنع أمراض القلب...و الزكاة مجرد أسلوب اقتصادي لحدوث التداول و تنشيط دوران المال... وفي الختام يمكن القول أن عديد الباحثين قد أطالوا النفس في بيان حقيقة المصالح المرادة للشارع ووجه نوط الأحكام بها و معايير الموازنة ...و غيرها ،و الدراسة الحالية لم تخرج عن هذا المهيع إلا من حيث التخصيص بالمقاصد التابعة و المصالح الخاصة التي امتن الباري عز و جعل بأن جعل للمكلفين القصد إليها و التسبب إلى تحصيلها و هي المعبر عنها بحظوظ المكلفين هذا المصطلح المقاصدي الذي أسس له صاحب الموافقات و إن كان له نصيب في كتب التزكية و التصوف لا يهدر، إلا أن المراد وضع رؤية مقاصدية تجمع بين المنهج العلمي و الأسس القيمية التي لا ينبغي إغفالها في مثل هذا الطرح ،حيث ترى الباحثة أن منهج الترقية ال ذي يقوم عليه علم المقاصد كما يتعلق بالأوصاف و آحاد الأدلة ،له تعلق بالأفعال و التروك من حيث التنزيل على واقع المكلفين تحصيلا للمصالح المرادة للشارع ،و فيما يأتي بيان لحقيقة حظوظ المكلفين كما تؤصل لها هذه الدراسة .

عدد الصفحات ٢٧

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 21 الفصل الأول: حظ المكلف حقيقته، شروطه،و أدلة الاعتبار. المبحث الأول: التعريف بحظ المكلف و التفريق بينه و بين المصطلحات المتداخلة المبحث الثاني: أقسام حظوظ المكلفين و شروط اعتبارها المبحث الثالث: أدلة اعتبار حظوظ المكلفين (استثمار لمسالك الكشف)

عدد الصفحات ٢٩

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 22 المبحث الأول: التعريف بحظ المكلف و التفريق بينه و بين المصطلحات المتداخلة المطلب الأول: تعريف حظ المكلف المطلب الثاني: التفريق بينه و بين المصطلحات المتداخلة

عدد الصفحات ٣٠

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 23 إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره ،لذلك كان ينبغي الوقوف على حقيقة حظوظ المكلف و التفرقة بين المصطلح و ما يقاربه من المفردات ،لضرورة التمييز ،و التقسيم العلمي ،فضلا عن التفرقة بيم المردود و المعتبر ،وبيان ذلك فيما يأتي : المطلب الأول: تعريف حظ المكلف حظ المكلف مركب إضافي من مفردتي الحظ و التكليف ،و يتوقف تحديد المراد منه على بيان معنييهما في اللغة و الاصطلاح. الفرع الأول : الحقيقة اللغوية لمفردة الحظ و معانيها في القرآن و السنة أولا :الحظ لغة: الحظ النصيب و الجد تقول حظ الرجل يحظ بالفتح حظا أي صار ذا حظ من الرزق فهو حظ و حظيظ 1 ،وخصه البعض بالنصيب من الخير و الفضل 2 ،و في حديث عمر – رضي الله عنه -{من حظ الرجل نفاق أيمه و موضع حقه }3، قال ابن الأثير: الحظ الجد و البخت ،أي من حظه أن يرغب في أيمه و أن يكون حقه في ذم ة مأمو ن4، و يأتي بمعنى الحق، جاء في الحديث :{ إن الله أعطى كلَّ ذي حَق حق ه ولا وصي ة لوارث}5، أي حظَه ونَصِيبَه الذي فُرِضَ له، ويرى صاحب الفروق اللغوية أن النصيب أعم من الحظ، ذلك أنه يكون في المحبوب و المكروه وأصل الحظ هو ما يحظه الله تعالى للعبد من الخير ،و يجوز أن يقال: الحظ اسم لما يرتفع به المحظوظ ،و النصيب ما يصيب الإنسان من مقاسمة سواء ارتفع به حظه أو لا 6. 1- مختار الصحاح، محمد بن أن بكر بن عبد القادر الرازي ،بيروت ، مكتبة لبنان ، ط ، 1986 ،ص60. 2- القاموس المحيط، مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أبادي ، مصر ،المطبعة الأميرية ،ط3 ، 1301 هد، ج2 ،ص392 ينظر: الكليات، أن البقاء أيوب بن موسى الكفوي،بيروت ،مؤسسة الرسالة ،ط 2- 1419 ،ص408 3- النهاية في غريب الحديث و الأثر مجد الدين المبارك بن محمد بن الأثير، دار بن الجوزي . ط 1 -1421 ،ج1 ،ص998. 4- المصدر نفسه ،الصفحة نفسها 5 - رواه الترمذي في سننه ،باب ما جاء لا وصية لوارث ،حديث رقم 2120 ،و قال حسن صحيح 6 - الفروق اللغوية ،أبو هلال الحسن العسكري ،بيروت ،دار الكتب العلمية ،ط 2 ،1424ه-2003م ،ص186-187

عدد الصفحات ٣١

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 24 ثانيالفظ الحظ في القرآن الكريم و السنة النبوية: لقد ورد لفظ الحظ في سبع مواضع في القرآن الكريم بمعاني متقاربة لم تخرج عن المعنى اللغوي العام و هو النصيب و الجد و القسم .  قال تعا﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنث َي َيْنِ ﴾1، و مثله قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنث َي َيْنِ ﴾2.  و قوله تعالى حكاية عن قوم قارون في تمنيهم لما أوتي من قسم دنيوي﴿ يا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيم ﴾3.  قوله تعا:﴿ وَمَا ي ُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَب َرُوا وَمَا ي ُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيم ﴾4 ،فكان من نصيب العبد ما جبل عليه من الأخلاق الفاضلة ،وأصلها ورأس أمرها وعمودها الصبر .5  قوله تعا:﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ ﴾6.  قوله تعا﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ ﴾7 ،أي نصيبا و معنى نسيانهم ما ذكروا تركهم العمل به رغب ة عنه8،ومثل ذلك قوله تعالى :﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاق َهُمْ ف َنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ ﴾9. 1- سورة النساء، الآية: 11. 2- سورة النساء، الآية 176. 3- سورة القصص، الآية 79. 4- صورة فصلت، الآية 35. 5- االتحرير و التنوير،محمد الطاهر بن عاشور ،تونس ،دار سحنون ،ط -،1997،ج24 ،ص295 6- سورة آل عمران، الآية 176. 7- سورة المائدة، الآية 13. 8- تفسدير القدرآن العظديم، أبددو الفدداء إسماعيدل بددن كثدير ،تحقيدق: مصدطفى السدديد محمدد و آخدرون، مصددر، مؤسسدة قرطبدة، ط 1،1421هددد-2000م، ج5، ص 134. 9- سورة المائدة، الآية 14.

عدد الصفحات ٣٢

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 25 أمافي السنة النبوية فقد جاء في مواضع كثيرة ،بمعنى النصيب والحق نذكر منها:  قو له صلى الله عليه وسلم في الصدقة لاحظ لغني ولا لذي مرة1 مكتسب }2، أي لا حق لهما في الزكاة .  وقو له صلى الله عليه وسلم {: أَعْظَمُ الْغُلُولِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ذِرَاعٌ مِنْ الأَْرْضِ تَجِدُونَ الرَّجُلَيْنِ جَارَيْنِ فِي الأَْرْضِ أَوْ فِي الدَّارِ ف َي َقْتَطِعُ أَحَدُهُمَا مِنْ حَظِّ صَاحِبِهِ ذِرَاعًا فَإِذَا اق ْتَطَعَهُ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ إِلَى ي َوْمِ الْقِيَامَةِ }3،والحظ هنا بمعنى الحق أو النصيب أي يقتطع من حق أخيه ونصيبه .  و قال عليه السلام لعثمان بن مظعون وكان يصوم الدهر ويقوم الليل ولا يضع جنبه عل ى فراش { لِعَيْنِكَ حَظٌّ، وَلِجَسَدِكَ حَظٌّ، وَلِزَوْجِكَ حَظٌّ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَائْتِ زَوْجَكَ }4، وجاء بلفظ الحق في موضع آخر، أي لكل مما ذكر حق فيعطى كل ذي حق حقه .  وفي معنى النصيب قوله صلى الله عليه وسلم:{على كل نفس من ابن آدم كتب حظ من الزنا أدرك ذلك لا محالة }5و قوله {: إِن مِنْ أَغْبَطِ أَوْلِيَائِي عِنْدِي مُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ ذُو حَظٍّ مِنْ صَلاة وَصِيَام }6،و الحاذ خفيف الظهر من المال والعيال ، أي بأن يكون قليلهما.7 1- المرة الق ادر على الكسب و العمل. ينظر ، نيل الأوطار، محمد بن علي الشوكاني ، بيروت، دار ابن حزم، ط1،1421هد- 2000م، ص822. 2-رواه البيهقدددي في السدددنن الكدددبرى ، بددداب مدددا جددداء في قدددول أمدددير المدددؤمنين عمدددر رضدددي الله عنددده مدددا مدددن أحدددد مدددن المسدددلمين إلا لددده حدددق في هدددذا المدددال ،ج 6 ،ص352 3- رواه أحمد في مسنده ،من حديث أن مالك الأشجعي ،ج28 ،ص434 4- رواهالطبراني في معجمه ،حديث رقم 7883.ج8 ،ص265 5- رواه الحاكم في مستدركه، باب تفسير سورة النجم، حديث رقم 3752، ج2، ص511، و قال صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه 6- رواه الطاني في معجمه ،حديث رقم 7829 ،ج8 ،ص242 ،و صححه الحاكم 7- تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي.محمد عبد الرحمن المباركفوري ،دار الفكر ، ج 7 ،ص13

عدد الصفحات ٣٣

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 26 الفرع الثاني :التعريف ب المكلف: أولا :لغة : مشتق من كلف تكليفا إذا أمره بما يشق وتكلفه تكلفا إذا تجشمه1 ،فهو مكلف والمأمور مكلف . ثانيا اصطلاحا: يراد به من تعلق بفعله الخطاب و شرطه العقل والفهم ،لأن خطاب من لا عقل له ولا فهم محال 2 ،و اختلف في كون الكفار مخاطبين بفروع الشريعة إ ذ لا خلاف في كونهم مخاطبين بالإيمان3، قال الباجي:"و الظاهر من مذهب مالك أنهم مخاطبون بالصوم والصلاة والزكاة وغيرها من شرائع الإيمان وهو قول مشهور عن أكثر الحنفية وهو قول الشافعي وأحمد "4، ودليلهم قوله تعالى:﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴾5، وقيل مخاطبون بالأوامر دون النواهي وقال محمد بن خويز منداد :ليسوا مخاطبين بشيء من ذلك6 أي با لفروع ،والراجح ما ذهب إليه الجمهور من كونهم مخاطبين ،فيراد بالمكلف كل بالغ عاقل بلغته الدعوة. الفرع الثالث : التعريف بحظوظ المكلفين بالمعنى الإضافي : أكثر من اعتنى بحظوظ المكلفين باعتباره مصطلحا مقاصديا تأصيلا و تفريعا الشا طبي في كتابه الموافقات، وهذا لا يعنّ انفراد ا أو اختصاصا، ذلك أن معنى الحظ متضمن المصلحة والمقاصد التابعة تلك المباحث التي حظيت باهتمام واسع في البحث الأصولي و المقاصدي ،ومما جاء في معنى الصلاح بلفظ الحظ أو حظ النفس،ما ذكره الآمدي في تقرير بطلان ما ذهب إليه المعتزلة من وجوب شكر ا لمنعم 1- تاج العروس ،مصدر سابق ، ج 24، ص332. 2- الإحكام في أصول الأحكام ، الآمدي ، مصدر سابق ،ج 1 ،ص201 3- الذخيرة،شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي ،تحقيق محمد حجي ،بيروت ،دار الغرب الإسلامي ،ط 1،1994 ج1 ، ص85 ج1، ص85. 4- الإشارة في معرفة الأصول، أبو الوليد سليمان الباجي ، تحقيق محمد علي فركوس ،دار البشائر الإسدلامية ، ص 174وينظدر التحبدير شدرح التحريدر، ج 1، ص 1144. 5- سورة المدثر، الآية: 42. 6- الإشارة في معرفة الأصول، مصدر سابق، ص 174.

عدد الصفحات ٣٤

الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 27 عق، بعد مقدمة كلامية ليس المقام مقام بسطها 1 ،في قوله:" فلم يبق إلا التعب والعناء المحض الذي لاحظ للنفس فيه"2، أي مصلحة ومنفعة ظاهرة وفي المعنى نفسه يقول السبكي:"لأنه مشقة وكلفة على النفس من غير حظ ونفع".3 وفي مقام آخر يرى الزركشي أن من المعاني التي ينتظمها التعبد أو (الوصف التعبدي ):" أن لاحظ للنفس فيه "4،أي لا مصلحة ظاهرة يميل المكلف إلى تحصيلها لما في النفوس من ميل إلى الدعة ، وخفاء جهة الملائمة على وجه التفصيل، وفي بيان حقيقة الإخلاص يقول الغزالي :" كل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس ،و يميل إليه القلب قل أو كثر إذا تطر ق إلى العمل تكدر به صفوه و زال به إخلاصه " .5 و يكتفي بهذا القدر حيث لا تعريف ،وإن كان مما يستأنس به ،أما الكتابات المعاصرة فهي عالة على ما كتبه الشاطبي في هذا المقام . وبالعودة إلى أصل هذه النظرية نجد أن معنى الحظ تعدد عند صاحب الموافقات باختلاف مقامات البحث والاستدلال ، فنجده متضمنا للمقاصد التابعة حيث يعرفها بقوله :"هي التي ر وعي فيها حظ المكلف فمن جهتها يحصل له ما جبل عليه من نيل الشهوات ،والاستمتاع بالمباحات وسد الخلات ".6 1- من الأدلةالتي سيقت ردا على ما ذهب إليه المعتزلة من وجدوب شدكر المدنعم عقدلا، أنده عنددهم لديس فدرع المعرفدة إنمدا هدو إتعداب الدنفس و إلدزام المشدقة لهدا بتكليفها تجنب المستقبحات العقلية و فعل المستحسنات العقلية و قد ثبت بطلانه "فلم يبق إلا التعب و العناء المحض الذي لاحظ للنفس فيه". ينظر: ، الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي ، مصدر سابق ، ج1، ص122 . 2- الإحكام في أصول الأحكام ،مرجع سابق ، ج1، ص122. 3- الإبهددداج في شدددرح المنهددداج، علدددي بدددن عبدددد الكدددافي السدددبكي، تحقيدددق: شدددعبان محمدددد إسماعيدددل، مكتبدددة الكليدددات الأزهريدددة، 1401هدددد- 1981، ج1، ص 140. 4- البحددددر المحددددديط، بددددددر الددددددين محمدددددد بدددددن بهدددددادر الزركشددددي، الكويدددددت، وزارة الأوقددددداف و الشدددددؤون الدينيدددددة الإسدددددلامية، ط 2،1413هدددددد- 1992م، ج5، ص 125. 5- إحياء علوم الدين. أبو حامد الغزا ،القاهرة مكتبة الصفا ،ط 1 ،1423-2003، ج4 ، ص301 6- الموافقات في أصول الشريعة ، أبو إسحاق الشاطبي ،تحقيق عبد الله دراز ،دار الفكر ، ج2، ص178.

عدد الصفحات ٣٥