المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حظوظ المكلفين في القرآن الكريم بين الجلب والدفع

خيرة سرير حاج

صفحة ٢٤ من ٣٠

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 364 نكاح بغير صداق مسمى دينا أو نقدا و أنّ المفوّض إليه لا يدخل حتى يسمّي صداقا، فإن وقع الدخول في ذلك لزم فيه صداق المثل". 1 و وجه المصلحة في ذلك  حفظ مقاصد النكاح في الدوام و البقاء: ذلك أن بذل المال طلبا للنكاح مدعاة لصيانته عن حلّ عقدته لأدنى سبب قد يعرض للزوجين، و قد علم أثرة النفوس بالمال و تمكنه منها. و الشاهد قوله تعالى:﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن ت َبْت َغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِ ينَ غَي ْرَ مُسَافِحِينَ ﴾.2 فقيّد حلّ النكاح ببذل المال و هو الصداق و قوله تعالى:﴿وَآتُواْ النِّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾.3 و الأمر هنا يفيد الوجوب بلا خلاف و قوله تعالى:﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن ق َبْلِكُمْ إِذَا آت َيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾.4 و القدر المشترك، وجوب بذل الصداق و أنه لا يصحّ النكاح بإسقاطه، و دليل ما تقدّم من مقاصد الوجوب مسلك المناسبة. و ما جاء من النصوص، فيما فطرت عليه النفس من حب المال و الظن به إلا لمصلحة. قال تعالى:﴿الْمَالُ وَالْب َنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّن ْيَا﴾.5 و قال تعا﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ ﴾.6 و قال تعا ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾.7 1- الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، دمشق، دار قتيبة، ط1،1414هد1993م، ج16، ص67 . 2- سورة النساء، الآية 24. 3- سورة النساء، الآية 04. 4- سورة المائدة، الآية 05. 5- سورة الكهف، الآية 46. 6- سورة النساء، الآية 128. 7- سورة آل عمران، الآية 14.

عدد الصفحات ٣٧٤

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 365 قال صاحب البدائع في مقاصد الصداق:" و لأنملك النكاح لم يشرع لعينه بل لمقاصد لا حصول لها إلاّ بالدّوام على النكاح و القرار عليه ،و لا يدوم إلا بوجوب المهر بنفس العقد لما يجري بين الزوجين من الأسباب التي تحمل الزوج على الطلاق من الوحشة و الخشونة، فلو لم يجب المهر بنفس العقد، لا يبالي الزوج عن إزالة هذا الملك بأدنى خشونة تحدث بينهما ،لأنه لا يشق عليه إزالته لمّا لم يخف لزوم المهر فلا تحصل المقاصد المطلوبة من النكاح،و لأن مصالح النكاح و مقاصده لا تحصل إلاّ بالموافقة ،و لا تحصل الموافقة إلاّ إذا كانت المرأة عزيزة مكرّمة عند الزوج و لا عزّة إلاّ بانسداد طريق الوصول إليها إلاّ بمال له خطر عنده ،لأنّ ما ضاق طريق إصابته يعزّ في الأعين فيعزّ به إمساكه ،و ما يتيسّر طريق إصابته يهون في الأعين فيهون إمساكه، و متى هانت في أعين الزّوج تلحقها الوحشة فلا تقع الموافقة فلا تحصل مقاصد النّكاح".1  تطييب نفس الزوجة بما يبذل لها فيكون ادعى لدخولها في طاعة الزوج كريمة رضي ة النفس،والشاهد قوله تعالى:﴿الرِّجَالُ ق َوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ ب َعْضَهُمْ عَلَى ب َعْض وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَ ا حَفِظَ اللَّهُ ﴾.2  الإشعار بالرغبة في الزوجة و إدخال السرور عليها فيكون سببا للتواد و التراحم بينهما، و هي دعائم الألفة و جناح حسن العشرة، و استمالة النفوس بالبذل معروف، دلّ على ذلك وصف الصداق بأنه نحلة3 و قد تقدّم.و جملة النصوص المبينة لمقاصد النكاح قال تعالى:﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَي ْهَا وَجَعَلَ ب َي ْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾4 ، و قال تعا﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ ف َعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّ هُ فِيهِ خَي ْرًا كَثِيرًا﴾.1 1- بدائع الصنائع، مصدر سابق، ج2، ص275. 2- سورة النساء، الآية 34. 3- ينظر: التشريع الإسلامي و المرأة، مرجع سابق، ص 181 . 4- سورة الروم، الآية 21.

عدد الصفحات ٣٧٥

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 366 و المعنى الجامع أن المودة و الرحمة و حسن العشرة لمّا كانت من مقاصد النكاح، جعل لها من الأحكام ما يكون وسيلة إليها. فشرع الصداق لمثل تلك المعاني و غيرها. و عن أثر البذل في النفوس، قوله صلى الله عليه و سلم ت َهَادَوْا تَحَابُّوا }2. و كان من هديه صلى الله عليه و سلم التخفيف في أمر الصداق لئلاّ يحيد عما شرع له أصالة و قد ثبت أنه سنّ في صداق زوجاته و بناته اثنتي عشر أوقية ونَشَا.3 و السرّ في ذلك أنه ينبغي أن يكون المهر مما يتشاحَ به و يكون له بال و ينبغي ألا يكون مما يتعذر أداؤه عادة، و هذا القدر نصاب صالح حسبما كان عليه الناس في زمانه صلى الله عليه و سلم. 4 وما ينبغي التنبيه إليه أنه لا معنى في الصداق للمعاوضة، و إلاّ كان مشعرا بنقيض التكريم المفهوم من مجموع نصوص الشرع. و دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَآتُواْ النِّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾.5 و النحلة ما لم يعتض عليه، فهي نحلة من الله تعالى فرضها للزوجات على أزواجهن لا عن عوض الاستمتاع بهن 6 ،و لو كان عوضا لوجب ردّ بعضه بالطلاق و لاشترط فيه ما يشترط في الإجارة على المنافع، و ليس كذلك، أمّا تسميته أجرا في بعض النصوص فيحمل على المجاز لا على الحقيقة، دلّ على ذلك مقاصد التشريع في التكريم ،و المساواة إلا لعارض. 1- سورة ال نساء، الآية: 19. 2- رواه البيهقي في السنن الكبرى ،كتاب الهبات ،باب التحريض على الهبة،ج6 ،ص169. 3- عن أن سلمةبن عبد الرحمن أنه قال سألت عائشة - رضي الله عنها- زوج النبي صلى الله عليه و سلم كم كان صداق رسول الله صلى الله عليه و سلم. قالت: ونَشَا. قالت: أتدري ما النَشُ؟ قال: قلت:لا. قالت: نصف أوقية فتلك خمسمائة درهم، فهذا صداق رسول الله صلى الله عليه و سلم لأزواجه}ه مسلم 4- حجة الله البالغة، مصدر سابق، ج2، ص199. 5- سورة النساء، الآية 04. 6- المقدمات الممهدات،أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد، دار الغرب الإسلامي، ط 1،1408هد1988م، ج1، ص468.

عدد الصفحات ٣٧٦

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 367 قال تعا ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْب َرِّ وَالْبَحْرِ ﴾1. و قال تعا ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ ب َعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ ب َعْ ض ﴾2. و قال صلى الله عليه و سلم إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ }3 . - وجوب النفقة من الآثار المترتبة على عقد الزواج وجوب النفقة على الزوجة و المطلقة الرجعية و الحامل و إن كانت بائنا لحق الولد. والمقصد :تحصيل مصالحها في المطعم و الملبس و المسكن و قيّد ذلك بالمعروف رعيا لحال الزوج من حيث اليسار و الإعسار و دليل ذلك النصوص الواضحة الدلالة من الكتاب و السنة. فمن الكتاب، قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْق ُهُنَّ وَكِسْوَت ُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ ن َفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾4، ففيه دليل واضح على وجوب الإنفاق على الزوجة بما في ذلك رزقها و كسوتها، و المقصود بالمولود له الزوج. قوله تعالى:﴿وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْل فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾5، و هذا دليل على وجوب النفقة على المطلقة الحامل، ففهم منه أن النفقة للزو جة واجبة بالأولى. قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ ق َوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ ب َعْضَهُمْ عَلَى ب َعْض وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾6، فهذه الآية كما هو واضح تخبر بأن الرجال هم المنفقون على النساء، و لذلك كانت لهم القوامة و الفضل عليهن. 1- سورة الإسراء، الآية 70. 2-سورة التوبة ،الآية 71. 3-رواه البيهقي في السنن الكبرى ،كتابالطهارة ،باب باب ال مَر أَةِ تدَرَى فِ مَنَامِهَا مَا يدَرَى الرَجُلُ ،حديث رقم 828: ،ج1 ،ص168 . 4- سورة البقرة، الآية 233. 5- سورة الطلاق، الآية 06. 6- سورة النساء، الآية 34.

عدد الصفحات ٣٧٧

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 368 و من السنة النبوية، ما رواه جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال في خطبة حجة الوداع وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْق ُهُنَّ وَكِسْوَت ُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ }1 و قوله صلى الله عليه و سلم لهند بنت عتبة امرأة أن سفيان خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ }2، و في هذا دليل على وجوب نفقة الزوجة، و أنها مقدرة بالكفاية، و هو قول أكثر أهل العلم، فلو لم تكن النفقة واجبة لما أذن لها النبي صلى الله عليه و سلم بالأخذ من غير إذن زوجها. و قوله صلى الله عليه و سلم كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ ي َقُوتُ }3 و يجوز التصالح على الاشتراك في الإنفاق لحصول ما يوجب ذلك كخروج الزوجة للعمل، جمعا ب الحقين و هو ما تقتضيه متغيرات العصر و فقه الواقع. - إباحة الصلح: و المراد به في هذا المقام الإذن بإسقاط الزوجة بعض حقوقها ، رغبة في استمرار عقدة النكاح، متى رأى كلّ واحد منهما أن الخير في ذلك ،و أنّه أفضل له من الطلاق،و المقصد في ذلك  النظر إلى حال الزوجين في الموازنة بين مفسدة الإسقاط و مصالح ديمومة النكاح ، فقد تطيب النفس ببعض العطاء،فيكون أفضل في حقّهما من حلّ الميثاق الغليظ الذي بينهما. و الدليل النصوص الواضحة الدلالة ،و سبب النزول: قال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن ب َعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا ب َي ْن َهُ مَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَي ْرٌ ﴾.4 1- رواه البيهقي في السنن الكبرى ، باب مَا يَدُلي عَلَى أَنَ النَبىَِ -صلى الله عليه وسلم- أَح رَمَ إِح رَامًا مُط لَقًا يدَن تَظِرُ ال قَضَاءَ ثمَُ أَمَرَ بِإِفد رَادِ الح َجِّ وَمَضَى فِ الح َجِّ ،حديث رقم : 9087 ،ج7 ،ص295 . 2- تقدم تخريجه 3- رواه الطبراني في المعجم الكبير ،ج12 ،ص382 4- سورة النساء، الآية: 128.

عدد الصفحات ٣٧٨

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 369 و نفي الجناح يفيد الإباحة ،و في سبب النزول عن عائشة رضي الله عنها قالت الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِر مِن ْهَا يُرِيدُ أَنْ ي ُفَارِق َهَا ف َت َقُولُ أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ ف َن َزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ فِي ذَلِكَ }1 و قد دلت الآية على شدة الترغيب في هذا الصلح بمؤكدات ثلاثة و هي المصدر المؤكد في قوله ﴿صُلْحًا﴾ ،و الإظهار في مقام الإضمار في قوله و الصلح خير، و الإخبار عنه بالمصدر أو بالصفة المشبهة فإنها تدل على فعل سجية.2 و مثل هذا الحقمقيّد بعدم قصد الإضرار للإكراه على الافتداء، لقوله تعالى:﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَي ِّقُوا عَلَيْهِنَّ ﴾.3 و قوله تعا﴿وَلاَ ت َعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِب َعْضِ مَا آت َيْتُمُوهُنَّ ﴾.4 - وقاية النفس من الشح فيكون أدعى للوفاء بالحقوق التي على المسقط والر ضا ببعض حقه5 ، و الدليل قوله تعا ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ ﴾.6 و قوله عز و جل﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ ن َفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾.7 - إباحة التعدد 1- أخرجه البخاري في صحيحه ،كتاب ،ب بَاب إِذَا حَلَلَهُ مِن ظُل مِهِ فَلاَ رُجُوعَ فِيهِ ،حديث رقم 2450 : ج، ص 2- التحرير و التنوير، مصدر سابق، ج5 ، ص217. 3- سورة الطلاق، الآية 06. 4- سورة النساء، الآية 19. 5- ينظر في هذا المعنى: تيسير الكريم المنان، مرجع سابق، ص 365. 6- سورة النساء، الآية 128. 7- سورة الحشر، الآية 09.

عدد الصفحات ٣٧٩

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 370 أباح الشارع الحكيم للرجل أن ينكح من النساء مثنى و ثلاث و رباع، بشرط العدل و القدرة على الإنفاق، و المقصود بالعدل هنا هو القسط في المبيت و النفقة، أمّا الميل القلبي فهو من العدل غير المستطاع المعفو عنه، قال تعالى: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن ت َعْدِلُواْ ب َيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾.1 و كان صلى الله عليه و سلم يقسم لنسائه فيقول اللَّ هُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلا ت َلُمْنِي فِي مَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ }2 ومن جملة مقاصد التعدد العائدة إلى حظوظ الزوجين :ما ذكره صاحب التحرير ،حيث يقول :" شرع الله تعدد النساء للقادر العادل لمصالح جمة : منها أن في ذلك وسيلة إلى تكثير عدد الأمة بازدياد المواليد فيها ، ومنها أن ذلك يعين على كفالة النساء اللائي هن أكثر من الرجال في كل أمة ؛ لأن الأنوثة في المواليد أكثر من الذكورة ، ولأن الرجال يعرض لهم من أسبا ب الهلاك في الحروب والشدائد ما لا يعرض للنساء ، ولأن النساء أطول أعمارا من الرجال غالبا ، بما فطرهن الله عليه ، ومنها أن الشريعة قد حرمت الزنا وضيقت في تحريمه لما يجر إليه من الفساد في الأخلاق والأنساب ونظام العائلات ، فناسب أن توسع على الناس في تعدد النساء لمن كان من الرجال ميالا للتعدد مجبولا عليه ، ومنها قصد الابتعاد عن الطلاق إلا لضرورة " 3،وما ينبغي التنبيه إليه أن حظ الرجل في التعدد مقيد وجوبا بشرط العدل و القدرة ، فضلا عما هو موكول إليه من تبعات القوامة و التوجيه ،مع ما ينبغي في حق كل مكلف من رعي المآلات ،و الموازنة بين المصالح . إن النظر المقاصدي لمشروعية التعدد في ظل فقه الواقع و التغيرات المتسارعة ،قد يجيب عن إشكالات عديدة تسبب فيها التعسف في استعمال الحق ، و تضييع الواجبات في طريق اكتساب المباحات ،وقد علم أن أفضل الوسائل ما كان سببا إلى أفضل الم قاصد و أرذلها ما كان ذريعة إلى أرذل المقاصد. و االشاهد جملة من المدارك : 1- سورة النساء، الآية 129 . 2- تقدم تخريجه 3-التحرير و التنوير ،مرجع سابق ،ج 4 ،ص226..

عدد الصفحات ٣٨٠

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 371 قال تعا ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ ت ُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىَٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَث ْنَىَٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ۚ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ ت َعْدِلُوا ف َوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذََٰلِكَ أَدْنَىَٰ أَلاَّ ت َعُولُوا ﴾1 و قوله تعا : ﴿يَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَي ْهَا مَلاَئِكَ ةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ ي َعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَي َفْعَلُونَ مَا ي ُؤْمَرُونَ ﴾2 وقوله صلى الله عليه و سلم : { كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ ي َقُوتُ }3، و قوله :{ كُلُّكُمْ رَاع وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالإِْمَامُ رَاع وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاع وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي ب َيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا }4. والمعنى الجامع أن الشارع الحكيم أباح التعدد لمصالح جمة ، و حرم تضييع مصالح الأهل و الولد في الإنفاق و التوجيه و الرعاية ،ف كان حريا طلب أكمل المصالح و دفع أرذل المفاسد ،و هو أمر يختلف باختلاف أحوال المكلفين ،و لا يقتصر ذلك على مجرد وصف اليسار و إن كان معتبرا . ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ ت َعْدِلُوا ف َوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذََٰلِكَ أَدْنَىَٰ أَلاَّ ت َعُولُوا ﴾5 فتبين أن الاقتصار على واحدة لمن علم من نفسه عدم العدل في النفقة و المبيت و سائر الحقوق أفضل لأنه أقرب إلى سد ذريعة الجور . - - وجوب المعاشرة بالمعروف: وجب على كلّ من الزوجين المعاشرة بالمعروف و حرّم مطل كل واحد منها بما يلزمه للآخر و التكره لبذله و المن و الأذى. 1 1-سورة النساء ،الآية 3.. 2-سورة التحريم الآية 6. 3- تقدم تخريجه 4- تقدم تخريجه 5-النساء ،الآية3.

عدد الصفحات ٣٨١

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 372 إعانة على تحصيل مقصد دوام النكاح و تحقيق السكن و المود ة و الرحمة، إذ لا يكون ذلك إلاّ متى بذل كلّ واحد منهما للآخر ما ينبغي في حقه استهداء لنفسه و ترضية له دون مشاح حة أو مكايسة، و إنما على صبر و مكارمة 2 ، تظاهر في ذلك نصوص القرآن و السنة قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ ف َعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَي ْرًا كَثِيرًا﴾3، و الأمر يفيد الوجوب و قال تعالى:﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾.4 و المعروف ما لا ينكره الشرع و المروءة ثم أنّه لماَ شرع الطلاق و جعل للرّجل سبيلا للرجعة أمره بالإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان، قال تعالى:﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَا ن ﴾.5 و كذلك جاء أمر الزوجات بصيغة الإخبار بطاعة الزوج في قوله تعا ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ ﴾.6 و من السنة النبوية قوله صلى الله عليه و سلم أَلاَ أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ ، الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ إِذَا نَظَرَ إِلَي ْهَا سَرَّتْهُ ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ ، وَإِذَا غَابَ عَن ْهَا حَفِظَتْهُ }7 كما ندب الزوج إلى إمساك الزوجة و إن كره منها شيئا، لما في النكاح من مصالح قد تفوت بالعجلة في أمر الطلاق، و منه قوله تعالى:﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ ف َعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَي ْرًا كَثِيرًا﴾8 1- زاد المستقنع في اختصار المقنع، شرف الدين أبو النجا الحجاوي، تحقيق: عبد الرحمن العسكر، ص 172. 2- يقول الدسوقي مفرّقا بين البيع و النكاح:"إنّ البيع مبنّ على المشاححة بخلاف النكاح فإنه مبنّ على المكارمة"، حاشية الدسوقيالرشح الكبير، محمد بن أحمد الدسوقس، دار إحياء الكتب العر بية، ج2، ص278. 3- سورة النساء، الآية: 19. 4- سورة البقرة، الآية: 228. 5- سورة البقرة، الآية: 229. 6- سورة النساء، الآية: 34. 7- أخرجه البيهقي في السنن الكبرى. 8- سورة النساء، الآية: 19.

عدد الصفحات ٣٨٢

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 373 و قوله صلى الله عليه و سلم لاَ ي َفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِن ْهَا خُلُقًا رَضِىَ مِن ْهَا آخَرَ }1 الفرع الثاني : المقاصد العامة : يمكن أن نجمل مقاصد النكاح العامة فيما يأتي : تحقيق السكن و المودة و الرحمة بين الزوجين :دل على ذلك مسلك التعليل في قوله تعالى : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَي ْهَا وَجَعَلَ ب َي ْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۗ إِنَّ فِي ذََٰلِكَ لآَيَات لِّقَوْم ي َت َ فَكَّرُونَ ﴾2. التحصن من الوقوع في المحظور ،و إعفاف الزوجين بحل الاستمتاع بينهما :لما في النكاح من قضاء للوطر ودفع لغوائل الشهوة ،دل على ذلك جملة من النصوص : قال تعالى : ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىَٰ شِئْتُمْ ۗ وَقَدِّمُوا لأَِنفُسِكُمْ ۗ وَات َّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ ۗ ﴾3،و قال تعالى : ﴿ فَالآْنَ بَاشِرُوهُنَّ وَاب ْت َغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ ﴾4. و مسلك التعليل في قوله صلى الله عليه و سلم { يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ ف َلْيَت َزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ }5. ترويح النفس و إيناسها بالمجالسة و النظر و الملاعبة إراحة للقلب و تقوية له على العبادةفإن النفس كما يقول الغزالي ملول ،فلو كلفت المداوم ة على التكاليف الشرعية مع ما جبلت عليه من كراهية ذلك ،جمحت و انقطعت ،و إذا روحت باللذات في بعض الأوقات قويت و نشطت 6. 1-رواه مسلم في صحيحه ،كتاب النكاح،باب ال وَصِيَةِ بِالنِّسَاءِ ،حديث رقم : 3721،ج4،ص178 .. 2- سورة الروم، الآية:21. 3- سورة البقرة ، الآية: 223. 4- سورة البقرة ، الآية: 187. 5-متفق عليه 6-إحياء علوم الدين ،مصدر سابق ،ج2 ، ص38.بتصرف

عدد الصفحات ٣٨٣

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 374 ومنه قوله صلى الله عليه و سلم {ف َهَ جَارِيَةً تُلاَعِب ُهَا وَتُلاَعِبُكَ }1.و قوله صلى الله عليه و سلم {إن لكل عمل شرة وإن لكل شرة فترة فمن كانت شرته إلى سنتي فقد أفلح ومن كانت شرته إلى غير ذلك فقد أهلك}2،و المراد أن كل عمل يسبقه الحرص و النشاط و الرغبة فيه، و يلحقه الوهن و الضعف ،و إنما يستعان على ذلك بترويح النفوس بالمباحات ،و من جملتها ما يكون بين الزوجين من الاستمتاع المباح . الاستعانة على المصالح الدنيوية و الأخروية :و هو عام فيما لكل واحد من الزوجين على الآخر و حق الأهل و الولد ،و إليه الإشارة في قوله تعالى : ﴿ الرِّجَالُ ق َوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ ب َعْضَهُمْ عَلَىَٰ ب َعْض وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۗ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَ اتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۗ ﴾3،و قوله تعالى : ﴿ يَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾4. وجملة النصوص الآمرة بالتعاون على البر و التقوى و الناهية عن التعاون على الإثم و العدوان ،و هي حق الزوجين آكد ،لعظم الميثاق الذي بينهما ،و لأن تحصيل مقاصد الشارع في شرع النكاح لا تقوم إلا بوفائهما بمقتضيات هذا المقصد .قال تعالى : ﴿ وَت َعَاوَنُواْ عَلَى الْب َرِّ وَالت َّقْوَى وَلاَ ت َعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾5 1-متفق عليه 2-رواهابن حبان في صحيحه ،باب الاعتصام بالسنة وما يتعلق بها نقلا وأمرا وزجرا .حديث رقم : 11 ،ج1 ،ص187 ،قال شعيب الأرناؤوط :إسناده صحيح على شرطهما. 3-سورة النساء ،الآية 34. 4-سورةالتحريم ،الآية 6. 5- سورة المائدة ،الآية 2

عدد الصفحات ٣٨٤

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 375 تحقيق الارتفاق المالي بين الزوجين،و قد تقدم بيان حق الزوجة في النفقة وكذلك المطلقة الرجعية ،كما أن للزوج أن يقصد بالنكاح الاستعانة بمال الزوجة :قال صلى الله عليه و سلم : { ت ُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَِرْبَع لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ }1. و مسلك الترغيب في قوله صلى الله عليه و سلم { إِنَّكَ لَنْ ت ُنْفِقَ ن َفَقَةً ت َبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ عَلَي ْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ }2.و قد روى البخاري في صحيحه أن زينب زوجة عبد الله بن مسعود قالت يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّكَ أَمَرْتَ الْي َوْمَ بِالصَّدَقَةِ ، عِنْدِي حُلِيٌّ لِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ ف َزَعَمَ ابْنُ مَسْعُود أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ ،ف َقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" صَدَقَ ابْنُ مَسْعُود زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ "}3. الانتفاع بدعاء الولد الصالح بعده قال صلى الله عليه و سلم : { إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له}4. وقد أجمل الشاطبي هذه المقاصد و غيرها في قوله النكاح فإنه مشروع للتناسل على القصد الأول ،ويليه طلب السكن و الإزدواج والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية من الاستمتاع بالحلال والنظر إلى ما خلق الله من المحاسن في النساء، والتجمل بمال المرأة أو قيامها عليه وعلى أولاده منها أو من غيرها أو إخوته ،والتحفظ من الوقوع في المحظور من شهوة الفرج ونظر العين ،والازدياد من الشكر بمزيد النعم من الله على العبد "5. فتبين أن الله عز و جل جعل لكل من الزوجين من الحقوق ما لا يصلح عقد النكاح بغيرها، و شرع من الأحكام ما يعين كل واحد منهما على أداء الحق الذي عليه دون تكره لبذله،أو من أو أذى إعانة لهما على الامتثال، ورعيا للميثاق الغليظ الذي بينهما ،و الناظر إلى ما تق رر من المقاصد التابعة ،ليقطع برعي حظهما في الاستمتاع و تحقيق السكن و المودة و الرحمة و الاستعانة على مصالح الدنيا و 1-متفق عليه 2-متفق عليه 3-متفق عليه 4-رواه الترمذي في سننه ،كتاب الأحكام ،باب في الوقف ، حديث رقم 1376 ،ج3 ،ص680.. 5-الموافقات ،مصدر سابق ، ج2 ،ص397.

عدد الصفحات ٣٨٥

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 376 الآخرة... ،إلا أنه قد تستحكم النفرة ،فيشرع الطلاق رفعا للضرر المستدام ،و رعيا لحظ الزوجين بما انتظمه من أحكام و فيما يأتي بيان ذلك . المطلب الثاني: الطلاق الطلاق في اللغة :رفع القيّد مطلقا سواء كان حسيا أو معنويا،يقول الراغب الأصفهاني:"أصل الطلاق التخلية من الوثاق و يقال أطلقت البعير من عقاله إذا تركته بلا قيد". 1 أمّا اصطلاحا: فهو رفع قيد النكاح في الحال أو المآل بلفظ مخصوص2، أو حل العصمةالمنعقدة بين الزوجين 3 ،و الطلاق إن كان مشروعا فالأصل فيه الكراهة لما فيه من المفاسد ،إلا أنه لما كان من قواعد الشرع دفع الضرر الأشد بالضرر الأخف و أن النكاح لا يكون محصلا لمقاصده إلا مع الرغبة في بقائه من الزوجين ،شرع الطلاق حال استحكام النفرة ، مع رعي حق الزوجين في التدارك ،مع التنبيه إلى أن الطلاق و إن كان جائزا بدليل الكتاب و السنة فقد يغلب فيه معنى الحظر إذا لم تدع إليه الحاجة ،لمضادته مقاصد الشارع في دوام النكاح وحفظ مصالح الزوجين و الولد ،و دليل ذلك فوله صلى الله عليه و سلم : {لا تُطَلِّقُوا النِّسَاءَ، إلا مِنْ رِيبَة ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الذَّوَّاقِينَ وَلا الذَّوَّاقَات}4،و قوله صلى الله عليه و سلم : {أَب ْغَضُ الْحَلاَلِ إِلَى اللَّهِ ت َعَالَى الطَّلاَقُ }5،كما تعتريه الأحكام التكليفية الأخرى من وجوب و ندب وكراهة بحسب حال الزوجين ،و فيما يأتي بعض شواهد رعي حظوظ المكلفين في أحكام الطلاق : الفرع الأول :مقاصد الأحكام : 1- المفردات في غريب القرآن، مصدر سابق، ص 306. 2- الدر المختار،محمد بن علي بن عبد الرحمن الحصفكي ،تحقيق عبد المنعم خليل إبراهيم ،بيروت ،دار الكتب العلمية ،ط1 ،1423هد ،2002م ، ص205. 3- حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني ،أبو الحسن علي بن أحمد العدوي ،تحقيق ،يوسف الشيخ البقاعي ،بيروت ،دار الفكر ، 1414هد- 1994 ، ج2، ص79. 4- رواه الطبراني في المعجم الأوسط ،حديث رقم 7848 ،ج8 ،ص24. 5- رواهالبيهقي في السنن الكبرى ، كتاب الخلع و الطلاق ،باب ما جاء في كراهية الطلاق ، ج 7 ،ص322

عدد الصفحات ٣٨٦

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 377 - تفريق الطلاق بجعله ثلاثا لا تبين الزوجة بينونة كبرى إلا باستيفائها تقرّر عند أهل العلم أنّ للزوج ثلاث تطليقات، متى استوفاها بانت منه مطلقته و لا تحل له حتى تنكح زوجا غير ه،و المقصد فتح باب التدارك، ذلك أنه قد يحصل الندم،بالطلاق الأول و الثاني فيكون للزوج إعادة الزوجة إلى عصمته بدون رضاها إذا كان الطلاق رجعيا و لم تنقض العدّة أو بعقد و مهر جديدين متى بانت منه،إلا أن تكون الطلقة الثالثة، مع ما في ذلك من بذل أسباب الإصلاح و ر أب الصدع بين الزوجين 1 ، وقد توسط الشرع بين الحقين فلم يجعل للزوج حق الرجعة مطلقا دون قيد فتعنت المرأة ،و لم يبنها منه لأول طلقة فيعنت الزوج و في ذلك جمع بين المصلحتين. و هو ظاهر قوله تعالى:﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْ سَان ﴾.2 و قوله تعالى في النهي عن العضل ﴿فَلاَ ت َعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا ت َرَاضَوْا ب َي ْن َهُم بِالْمَعْرُوفِ ﴾.3 - تحريم الطلاق في الحيض أجمع أهل العلم على القول بتحريم الطلاق في الحيض،و دلّت عليه نصوص الكتاب و السنة، فكان من سنة الطلاق أن يكون في طهر لم يمسها فيه إلا أن يستبين حملها. و المقصد في ذلك أمران:  رعي حق الزوج حيث كان يخشى عليه أن يعقبه فيه الندم ، لأن زمن الحيض زمان نفرة غالبا و إيقاع الطلاق على الوصف المسمّى أدعى للتروي و النظر لأنّه حال كمال الرّغبة.4  رعي حق الزوجة في عدم تطويل العد ة، لأن ما بقي من الحيض الذي وقع فيه الطلاق لا يعتد به في أقرائها. 1 1- الأحوال الشخصية، مرجع سابق، ص 332. 2- سورة البقرة، الآية: 229. 3- سورة البقرة، الآية: 232. 4- ينظر في هذا المعنى: جامع العلوم و الحكم، مصدر سابق، ص 62، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، فخر الدين عثمان الزيلعي، القاهرة، دار الكتب العلمية، 1313هد، ج2، ص190، الأحوال الشخصية، مرجع سابق، ص 276.

عدد الصفحات ٣٨٧

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 378 و المقصد الجامع رعي مقاصد النكاح في الدوام بما في ذلك حقوق الزوجين و الولد، بأن يكون إلاّ و النفس راغبة هادئة فيتبين استحكام النفرة، و تخفيف الضرر الواقع على الزوجة بتجنب تطويل العدّة. دلّ على ذلك مسلك المناسبة ،في قوله تعالى:﴿يَا أَي ُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾.2 يقول القرطبي في تفسير قوله تعا ﴿لِعِدَّتِهِنَّ ﴾:"أي في عدّتهن أي في الزمان الذي يصلح لعدتهن، و حصل الإجماع على أن الطلاق في الحيض ممنوع و في الطهر مأذون فيه ". 3 و في الصحيح من حديث ابن عمر أنه طلّق زوجته فأمره النبي صلى الله عليه و سلم أن يراجعها ح تطهر ثم تحيض ثم تطهر فتلك العدّة التي أمر الله عز و جل أن تطلّق لها النساء.4 و القياس على النهي عن الإضرار بالرجعة إذا كانت لقصد تطويل العدّة، و منه قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّت َعْتَدُواْ ﴾.5 - مشروعيةالرجعة: الرحعة : "استدامة الملك القائم و منعه من الزوال و فسخ السبب المنعقد لزوال الملك"6 وهي عند المالكية: "عَو دُ الزَو جَةِ ال مُطَلَقَةِ طَلاَقًا غَيد رَ بَائِن بخُِل ع أَو بَت ، أَو بِكَو نِهِ قدَب لَ الديخُولِ ، لِل عِص مَةِ بِلاَ تجَ دِيدِ عَق د "7. و أصل الخلاف بقاء أحكام الزوجية من إباحة الخلوة و الاستمتاع و غيرها، حيث أجازها الحنفية 1- المقدمات الممهدات، مصدر سابق، ج1، ص500. 2- سورة الطلاق، الآي ة: 01. 3- الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، ج 21، ص33. و إن خالف الحنفية في المراد بالأقراء فقالوا هي الحيض لا الطهر ، إلا أن المعنى المراد من النهي عن الطلاق في زمن الحيض حاصل على الاعتبارين. 4- متفق عليه 5- سورة البقرة، الآية: 231. 6-بدائع الصنائع،مصدر سابق ،ج3 ،ص181. 7-الشرح الصغير ،مصدر سابق ،ج 2 ،ص604..

عدد الصفحات ٣٨٨

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 379 و اعتبروا الفعل كافيا لحصول الرجعة و اشترط الشافعية القول وحده، و أجازها المالكية بالقول أو الفعل مع النية. و المقصد على المعنيين فتح باب التدارك و تكميل المصلحة. دلّ على ذلك النصوص الصريحة : قال تعالى:﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ ي َت َرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ ق ُرُوء وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ ي ُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْي َوْمِ الآخِرِ وَب ُعُولَت ُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُ واْ إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَ جَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾.1 قال ابن كثير رحمه الله:"و قوله ﴿وَب ُعُولَت ُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاحًا ﴾ أي زوجها الذي طلقها أحق بردها ما دامت في عدتها إذا كان مراده الإصلاح و الخير و هذا في الرجعيات" 2. قوله تعالى:﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان ﴾.3 حيث كان الأمر في ابتداء الإسلام أن الرجل أحق بامرأته و لو طلقها أكثر من ثلاث ما دامت العدة..، ثم لما كان فيه ضرر قصرهم تعالى إلى الثلاث و أباح الرجعة في المرة و المرتين و أبانها في الثلاث. قوله تعالى:﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ ب َعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾.4 قال الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن فاطمة بنت قيس في قوله تعالى:"لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. قالت: هي الرجعة" 5 . 1- سورة البقرة، الآية 228. 2-تفسير القرآن العظيم ،مصدر سابق .ج2 ،ص338. 3- سورة البقرة، الآية 229. 4- سورة الط ق، الآية: 01. 5-تفسير ابن كثير،مصدر سابق ،ج 14 ،ص28 .

عدد الصفحات ٣٨٩