الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 348 لَرَجُلٌ أُكْرَى فِى هَذَا الْوَجْهِ وَإِنَّ نَاسًا ي َقُولُونَ لِى إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ قَالَ : أَلَيْسَ تُحْرِمُ وَت ُلَبِّى وَتَطُوفُ بِالْب َيْتِ وَتُفِيضُ مِنْ عَرَفَات وَت َرْمِى الْجِمَارَ قَالَ ق ُلْتُ : ب َلَى. قَالَ : فَإِنَّ لَكَ حَجًّا جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلَهُ عَنْ مِثْلِ مَا سَأَلْتَنِى عَنْهُ فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ف َلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى ن َزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ ت َبْت َغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ) فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ف َقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ ثُمَّ قَالَ :« لَكَ حَجٌّ ».}1 . كما دلّ على هذا المقصد مسلك التعليل في قوله تعا ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾2، و المنافع لفظ عام يستغرق الدنيوية و الأخروية، و من جملتها الإذن بالتجارة. قال ابن عباس:" ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ قال: منافع الدنيا و الآخرة، أمّا منافع الآخرة فرضوان الله تعالى و أمّا منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البدن و الربح و التجارات".3 المقاصد العامة من المقاصد العامة للحج شهود المنافع، و هي تنتظم ما تقدّم ذكره من المصالح و غير ها. قال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِر يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾.4 و من جملة تلك المنافع التي بيّنتها السنة النبوية مغفرة الذنوب و تكفير الخطايا، قال صلى الله عليه و سلممن حج فلم يرفث و لم يفسق رجع كيوم ولدته أمه }5 و قال صلى الله عليه و سلم{: الْحَج ي َهْدِمُ مَا كَانَ ق َب ْلَهُ }6 1-رواه البيهقي في السنن الكبرى،كتاب الإجارة ، باب كِرَاءِ الإِبِلِ وَالدَوَابِّ ،ج6 ،ص121 2- سورة الحج، الآية 28. 3- تفسير ابن كثير، ج 01، ص44 4- سورة الحج، الآيتان 27،28. 5- تقدم تخريجه 6- أخرجه مسلم في صحيحه ،كتابا لإيمان ، باب كَو نِ الإِس لاَمِ يدَه دِمُ مَا قدَبد لَهُ وَكَذَا اله ِج رَةُ وَالح َجي ،ج1 ،ص78 .
عدد الصفحات ٣٥٨الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 349 إجابة الدعاء لقوله صلى الله عليه و سلم الغازي في سبيل الله والحاج والمعتمر وفد الله دعاهم فاجابوه ، وسألوه فأعطاهم }1 الحج والعمرة ينفيان الفقر و الذنوب ،قال صلى الله عليه و سلم تَابِعُوا ب َيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِن َّهُمَا ي َنْفِيَانِ الْفَقْرَ، وَالْخَطَايَا كَمَا ي َنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ }2 فتقرر من تتبع النصوص و العلل و الأحكام ، أن الشارع الحكيم كما قصد تعبد المكلفين بما شرعه من أنواع العبادات ،جعل لهم في طريق التعبد حظوظا عاجلة و آجلة ، أما كونها حاصلة تبعا و بالقصد الثاني من الشارع فلا خلاف فيه ،و أما أن يتعلق بها قصد المكلف فيشرط التبعية و التكميل و المناسبة ،تفضلا من الباري عز و جل، و عونا على الامتثال ،و رعيا لأحوال المكلفين ذلك أنهم ليسوا على وزان واحد من الإقدام و الإحجام ،و الصبر على إسقاط حظوظ النفس في الأفغال و التروك، فاحتف بالمطلوب حادي الترغيب و الترهيب ،و الوعد و الوعيد ،بما يلائم فطرة المكلف ،في جلب الملائم و دفع المنافر ،لتقام الحجة ،و ينتفي العذر ، و لو فرض وقوع التكليف بما يضاد ذلك ،لحصلت المشقة ،و قد تقدم أنه ليس من مقاصد الشارع الإعنات ،و أنه من صفاته العليا الحكمة و الرحمة ، فكان تعلق التشريع في باب العبادات بحظوظ أهل التكليف ،تقريرا لمقصد الامتثال و دفعا لذرائع الوهن والانقطاع ،و قد يعرض للمكلف من مغبة الاسترسال مع دواعي الأهواء ،و إطلاق النفس في تحصيل مرغوباتها دون حد أو قيد ما يصرفه عن مثل هذا المقصد ، ،فلا يكون القصور والحال كذلك راجعا إلى منظومة التشريع ،إنما إلى المتلقي نفسه ،في فهم هذه المنظومة و تنزيل التصرفات بمقتضاها ،فهما و امتثالا يليق بعظمة التشريع . هذا في العبادات أما فيما يتعلق بالعادات فرعي حظوظ المكلفين أظهر ، و لما كان المقام لا يسع جملة الأحكام المتعلقة بها اخترت باب الأحوال الشخصية ،وخصصت بالذكر أحكام النكاح و الطلاق ،لكونها أقرب إلى تحصيل المقصود في مقام عرض الشواهد . 1- رواه ابن ماجه في السنن ،كتاب المناسك ،باب فضل الحج و العمرة ،حديث رقم 2893 ،ج3 ،ص411. 2- رواهالترمذي في سننه ،كتاب الحج، باب ما جاء في ثواب الحج والعمرة ،ج3 ،ص166 وقال :حسن صحيح غريب من حديث ابن مسعود
عدد الصفحات ٣٥٩الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 350 المبحث الثاني: الأحوال الشخصية المطلب الأول: النكاح المطلب الثاني :الطلاق
عدد الصفحات ٣٦٠الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 351 لقدوضع الله سبحانه و تعالى ،في الذكر و الأنثى ،دوافع طبيعية و نوازع فطرية ،تكفل للنوع الإنساني البقاء و الاستمرار ،و عزز تلك الدوافع بما يكفل للنسل أحسن السبل و أكرمها في الوجود،فكان عقد النكاح بضوابطه ،و شرائطه ،رعيا للحاجة الفطرية المتبادلة ،و بناء لهذه ا لعلاقة على أساس من جلب أكمل المصالح ،و دفع أرذل المفاسد ، إذ لا يصلح إلا بشرعية اختصاص الرجل بزوجته ،على رؤوس الأشهاد ، مع تقديم خطبة و مهر و تصد من الأولياء 1، و معاشرة بالمعروف و رعي للحقوق المتبادلة بينهما ، إلا أنه قد تستحكم النفرة ،و يصبح عقد النكاح سببا لاستدامة الضرر ،و قد شرع الله عز وجل الطلاق رفعا لمثل هذه المفسدة ،و قيده بالعدد و جعل من أسباب التدارك ما لا يخفى، و تفصيل ذلك فيما يأتي : المطلب الأول :النكاح النكاح في اللغة مصدر نكح، و هو يطلق على الوطء و على العقد ،و إن كان أصله في كلام العرب الوطء ،و قيل للتزوج نكاح لأنه سببه 2 . أمّا في الاصطلاح فقد اختلفت عبارات العلماء في تعريفه 1-المقاصد العامة للشريعة الاسلامية ،مرجع سابق ،ص 233-234.. 2- لسان العرب ،مصدر سابق ،المجلد 6 ،ج51 ،ص4537.
عدد الصفحات ٣٦١الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 352 و من جملة ذلك:"أنه عقد وقع لتملك المتعة بالأنثى قصدا1 ،و عرّفه ابن عرفة منالمالكية بأنه:"عقد على مجرّد متعة التلذذ بآدمية غير موجب قيمتها ببينة قبله، غير عالم عاقدها حرمتها".2 و عرّف بأنه:"عقد موضوع لملك المتعة أي لحل استمتاع الرجل من المرأة3 و المعنى الجامع:" أنهعقد يفيد حل الاستمتاع على الوجه المشروع تحصيلا لمقاصده ". ،ذلك أنه لما كان الغالب في نظر العامة طلب حل الاستمتاع بالنكاح و كان أظهر آثاره، علّق به، لدفع مفاسد الخروج عن الحدّ الذي رسمه الشارع لذلك4 ،و إن كان له من المقاصد ما هو أعظم و أرفع كابتغاء الولد الصالح و الاستعانة على مصالح الدنيا و الآخرة...و غيرها . و فيما يلي بعض أحكام النكاح، و مقاصدها مما له تعلّق بحظوظ أهل التكليف و إن كان النظر ليكاد يقطع، كما يقول صاحب المبسوط بتظاهر دواعي الشرع و الطبع و العقل في كل حكم من أحكامه 5، بحيث لا تخلو من مصلحة تميل النفس إلى تحصيلها و يقرّها الشرع و العقل قال تعالى:﴿أَلا ي َعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾.6 الفرع الأول مقاصد الأحكام : لا خلاف بين الفقهاء أنه من المقاصد الأصلية للنكاح،ابتغاء الولد و تكثير النسل، لتحقيق عمارة الكون ،و بقاء النوع البشري و حفظه،فضلا عن حفظ الأنساب ،ذلك أن اختصاص الزوج 1- شرح فتح القدير، مصدر سابق، ج 3، ص177. 2- شرح حدود ابن عرفة، أبو عبد الله محمد الأنصاري الرصاع، تحقيق: محمد أبو الأجفان، الطاهر المعموري، بيروت، الغرب الإسلامي، ط 1،1993م، ص 235. 3- أنيس الفقهاء، قاسم القونوي، ص 50 . 4- ينظر في هذا المعنى: الأحوال الشخصية، محمد أبو زهرة، دار الفكر العرن ص 17، المبسوط، السرخسي، ج 4، ص491 . حيثيقول:"و ليس المقصود بهذا العقد قضاء الشهوة و إنما المقصود ما بيناه من أسباب المصلحة و لكن الله تعالى ليرغب فيه المطيع و العاصي المطيع للمعاني الدينية، و العاصي لقضاء الشهوة". 5- المبسوط، مصدر سابق،ج3، ص175. 6- سورة الملك، الآية 14.
عدد الصفحات ٣٦٢الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 353 بالزوجة على الوجه الذي حدده الشارع ،ووفق الضوابط التي وضعها في تشريع الزواج و تحريم غيره من أنواع البغاء و السفاح و المخادنة...،ضمانا لحفظ ما يترتب عليه من انتساب الأبناء للآباء، و سوق الأصل إلى البر بالفرع سوقا جبليا لا شبهة ف يه و هو كما يقول الطاهر بن عاشور :"من المعاني النفسية العظيمة الراجعة إلى أسرار التكوين الإلهي " 1،و فيما يأتي جملة المقاصد التابعة الراجعة إلى مثل هذه المقاصد،و غيره تثبيتا و تتميما و تكميلا و التي أبان عنها الخطاب القرآني في تشريع الأحكام . - اشتراط الولي: ذهب الجمهور إلى أنه ليس للمرأة الاستبداد بعقد نكاحها، فاشترطوا أن يلي إبرام عقد النكاح وليّها ابنا كان أو أبا أو عاصبا...،لجملة من المقاصد ترجع إلى رعي مصالحها منها: توفية الاختيار حقه من السداد، ذلك أنه من المتفق عليه أنّ عقد النكاح من المهمات التي قد يقصر عن درك وجه الزلل فيها نظر المرأة وحدها ،فجمع بين الحقين حقها في الاختيار، و حق وليّها في الإبرام، تحصينا لها عن مغبة الزلل و التي لا تقصر عليها، إذ يلحق بأهلها شيء من العار أو الفخار بالنكاح2، و هو معروف عند الفقهاء بولاية الاختيار ،فيكون القصد، التحصين لا القهر و الاضطهاد. و دليل ذلك مسلك المناسبة في النظر إلى ظواهر النصوص المستدل بها على اشتراط الولاية،و إن حملها المخالف على غير ذلك فقد احتاط لمثل هذا المقصد بما للولي من حق الاعتراض و الفسخ حال اختلال شرط الكفاءة،و إن كان القول الأول أحوط في حفظ مقاصد النكاح كما يتبينّ في الآتي. و من جملة المدارك : 1-مقاصد الشريعة ،مرجع سابق ،ص 442.. 2- ينظر: الأحوال الشخصية، مرجع سابق ، ص 129 .
عدد الصفحات ٣٦٣الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 354 قوله تعا﴿وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى ي ُؤْمِنُواْ ﴾.1 و قوله تعالى:﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ ﴾.2 و وجه الدلالة في الآيتين:" أن الله تعالى خاطب بالإنكاح الرجال و لم يخاطب به النساء ،فكأنه قال لا تنكحوا أيها الأولياء مولياتكم للمشركين" 3 ،و في النص الثاني جاء الأمر بإنكاح الأيامى و الصالحين، يقول القرطبي:"فلم يخاطب تعالى بالنكاح غير الرجال و لو كان إلى النساء لذكرهن ".4 أمّا ما جاء في القرآن الكريم من إضافة النكاح للنساء فيراد به ما يعقده لها وليها لا أن تباشره المرأة بنفسها ،و إنما أضيف إليها لأنها محله و سببه5، و مثل ذلك قوله تعا﴿حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَي ْرَهُ ﴾.6 أو أن يكون بمعنى الوطء و في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها قالت أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْب َعَةِ أَنْحَاء فَنِكَاحٌ مِن ْهَا نِكَاحُ النَّاسِ الْي َوْمَ يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوْ اب ْنَتَهُ ف َيُصْدِق ُهَا ثُمَّ ي َنْكِحُهَا}الأنكحة الفاسدة ثم قالت ف َلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إِلاَّ نِكَاحَ النَّاسِ الْي َوْمَ }7 ،فدلّ على أن النكاح المعتبر ما أبرمه الو و قوله تعالى:﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء ف َب َلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ ت َعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا ت َرَاضَوْا ب َي ْن َهُم بِالْمَعْرُوفِ ﴾.8 يقول الطبري:"و في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة قول من قال لا نكاح إلا بولي من العصبة و ذلك أن الله تعالى ذكره ،منع الولي من عضل المرأة إن أرادت النكاح و نهاه عن ذلك ،فلو كان للمرأة 1- سورة البقرة، الآية 221. 2- سورة النور، الآية 32. 3- فتح الباري، مصدر سابق، ج 9، ص230. 4- الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، ج 3، ص463. وينظر: أحكام القرآن، ابن العرن، ج 1، ص219. 5- الولاية في النكاح، عوض بن رجاء العوفي، ط 1،1423هد2002م، ص163. 6- سورة البقرة، الآية 230. 7- رواه البخاري في صحيحه كتاب لنكاح، بَاب مَن قَالَ لاَ نِكَاحَ إِلاَ بِوَليِ ،حديث رقم : 5127،ج3 ،ص369. 8- سورة البقرة، الآية 232.
عدد الصفحات ٣٦٤الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 355 إنكاح نفسها بغير إنكاح وليها لم يكن لنهي وليها عن عضلها معنى مفهوم1 . يؤكد ذلك ما جاء سبب نزول آية النهي عن العضل و هو أقوى الأدلة، عن معقل بن يسار قال زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُل فَطَلَّقَهَا حَتَّى إِذَا ان ْقَضَتْ عِدَّت ُهَا جَاءَ يَخْطُب ُهَا ف َقُلْتُ لَهُ : زَوَّجْتُكَ وَف َرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ فَطَلَّقْت َهَا ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُب ُهَا لاَ وَاللَّهِ لاَ ت َعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا وَكَانَ رَجُلاً لاَ بَأْسَ بِهِ وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ ت َرْجِعَ إِلَيْهِ فَأَن ْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآْيَةَ {فَلاَ ت َعْضُلُوهُنَّ }ف َقُلْتُ: الآْنَ أَف ْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : ف َزَوَّجَهَا إِيَّاهُ }2 و من السنة قوله صلى الله عليه و سلم لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ }3، وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : {أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل ،فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له }4 . أنهأدعى لطلب سبل البقاء و الدوام و حفظ ولياتهم حال النزاع و الخصام ، و هو في حق النساء آكد، لإمكان انحلال الرجل من ربقة النكاح بالطلاق، و لما علم من دلائل العقول و التجارب أن ولي المرأة متى تولى تزويجها ،كان ذلك أدعى لطلب سبل البقاء ،و لصيانتها حال استحكام النفرة ،فيكون له الغرم و الغنم، و منه أن الشارع الحكيم أرشد إلى اختيار حكمين من أهل الزوجين للإصلاح بينهما حال النشوز،لما علم من تحريهما مصلحة الزوجين في بقاء النكاح ،قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ ب َيْنِهِمَا فَاب ْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُ رِيدَا إِصْلاحًا ي ُوَفِّقِ اللَّهُ ب َي ْن َهُمَا ﴾5 ،وما تقدم من النصوص المستدل بها على اشتراط الولاية . 1- جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مصدر سابق، ج 4 ، ص195. 2- . رواه البخاري في صحيحه كتاب لنكاح، بَاب مَن قَالَ لاَ نِكَاحَ إِلاَ بِوَليِ ،حديث رقم : 5130،ج3 ،ص370 3- رواه الترمذي في سننه ،كتاب النكاح ، باب لا نكاح إلا بولي ،حديث رقم 1101 ،ج3 ،ص398. و مع ما قيل في سنده، فإن طرقه يشد بعضها بعضا.إرواء الغليل ،محمد ناصر الدين الألباني ،بيروت ،المكتب الإسلامي ،ط1 ،1399هد ،ج6 ،ص243. 4- رواه الترمذي في سننه ،كتاب النكاح ، باب لا نكاح إلا بولي ،حديث رقم 1102 ،ج3 ،ص399.و قال :حديث حسن 5- سورة النساء، الآية : 35.
عدد الصفحات ٣٦٥الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 356 رعي أواصر النسب و المصاهرة: فعقد النكاح ليس مجرّد علاقة بين اثنين إنما تتعدّاهما إلى الأهل و العصبة، و لذلك جعل من مقاصد النكاح، حصول التعارف و توثيق الع لاقات بين الأسر. قال تعالى:﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ﴾.1 و قال تعالى:﴿ يَا أَي ُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَق َبَائِلَ لِت َعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَت ْقَاكُمْ ﴾.2 و كذلك جعل من المقاصد المعتبرة طلب النسب، قال صلى الله عليه و سلم ت ُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَِرْبَع لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ }3 ، و منه فعل عمر-رضي الله عنه- بالزواج من ابنة علي رضي الله عنهم أ جمعين. -النهي عن العضل: تقدّم أنه ليس للمرأة أن تباشر العقد على نفسها ،و أن ذلك حق لوليها يقتضيه تحصيل مصالحها خاصة و مقاصد النكاح عامة، إلاّ أنّه منع من التعسف في استعمال هذا الحق، بالنهي عن العضل و المراد به منع من ولي أمرها من الزواج بمن ترضى من الأكفاء بدون وجه صلاح. و المقصد دفع الظلم الحاصل بمنعها من الزواج بمن ترضى دون مصلحة معتبرة، و تقييد حق الولي في مباشرة عقد النكاح بطلب حظ وليته و عدم الإضرار بها. و الدليل قوله تعالى:﴿وَإِذَا طَ لَّقْتُمُ النِّسَاء ف َب َلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ ت َعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا ت َرَاضَوْا ب َي ْن َهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ ي ُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْي َوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْ كَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ ي َعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ ت َعْلَمُونَ ﴾.4 1- سورة الفرقان، الآية 54. 2- سورة الحجرات، الآية 13. 3-متفق عليه. 4- سورة البقرة، الآية 232.
عدد الصفحات ٣٦٦الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 357 و النص إن جاء مخاطبا الأولياء ناهيا عن منع ولياتهم من العود إلى أزواجهن بعد الطلاق البائن إن رضين بذلك، كما جاء في التفسير ،و كما دّل على ذلك سبب النزول، فيقاس عليهن غيرهن ممّن تقدّم لخطبتهن الأكفاء. و قوله تعالى:﴿وَ مَا ي ُت ْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي ي َتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ ت ُؤْتُون َهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَت َرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾.1 جاء في سبب نزول الآية عن عائشة رضي الله عنها قالت {: أُنْزِلَتْ فِى الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْيَتِيمَةُ وَهُوَ وَلِي ُّهَا وَوَارِث ُهَا وَلَهَا مَالٌ وَلَيْسَ لَهَا أَحَدٌ يُخَاصِمُ دُون َهَا فَلاَ ي ُنْكِحُهَا لِمَالِهَا ف َيَضُرُّ بِهَا وَيُسِىءُ صُحْبَت َهَا ف َقَالَ (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ لاَ ت ُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) ي َقُولُ مَا أَحْلَلْتُ لَكُمْ وَدَعْ هَذِهِ الَّتِى تَضُرُّ بِهَا}2 و قد جاء الخطاب لأولياء اليتيمات خاصة لأن الغالب شفقة الأب و حنوّه و قوله تعالى:﴿يَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا ﴾.3 و دليله من السنةقوله صلى الله عليه و سلم إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ ت َرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلا ت َفْعَلُوا تَكُنْ فِت ْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ }4 و من النصوص العامة ما جاء في النهي عن الظلم قال تعالى:﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾.5 و في الحديث القدسي أن الله عز و جل يقول يَا عِبَادِى إِنِّى حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى ن َفْسِى وَجَعَلْتُهُ ب َي ْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا}6 1- سورة النساء، الآية 127. 2- رواه مسلم في صحيحه ،كتاب التفسير، حديث رقم : 7715 ،ج8 ،ص240. 3- سورة النساء، الآية 19. 4- رواه الترمذي في سننه ،كتاب النكاح ، باب ما جاء إذا جاءكم من تر ضون دينه فزوجوه ، حديث رقم: 5108. ج3 ،ص395 ،و قال حديث حسن غريب 5- سورة الشورى، الآية 40 . 6- تقدم تخريجه
عدد الصفحات ٣٦٧الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 358 و قد اتفق الفقهاء على أن العضل إن تحقق من الولي و ثبت ذلك عند الحاكم يأمره بتزويجها فإن امتنع انتقلت الولاية إلى غيره1. -المحر مات من النساء2: يحرم على التأبيد تزوّج الرجل بامرأة من ذوات رحم محرم منه و هن أربعة أمّه و جدّاته بناته و حفيداته و إن نزلن أخواته و بناتهن و بنات إخوته و إن نزلن عماته و خالاته كما يحرّم عليه بطريق المصاهرة: زوجات أولاد الرّجل و زوجاتأحفاده. أم زوجته و جدّاتها مطلقا زوجات أن الرّجل و زوجات أجداده ربائبه أي بنات زوجته و بنات أولاد زوجته وكذلك حرم الزواج من المشركات حتى يؤمن ،و استثنّ من خطاب التحريم الكتابيات . دلّ على ذلك نصوص القرآن الكريم. قال تعالى:﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَ اتُكُمْ وَب َنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَب َنَاتُ الأَخِ وَب َنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّلاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَ ائِبُكُمُ الَّلاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ الَّلاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ 1- ينظر:الشرح الصغير،أبو البركات أحمد الدردير،القاهرة ،دار المعارف ،ج 2 ،ص367،المهذب في فقهالإمام الشافعي ،أبو إسحاق الشيرازي ،تحقيق محمد الزحيلي ،دمشق ،دار القلم ،ط 1 ،1417 هد-1996م ،ج4 ،ص124 ،المغنّ ،ج9 ،ص360. 2- أحكام الزواج في الكتاب و السنة،عمر سليمان الأشقر ،الأردن ،دار النفائس ،ط1 ،1418هد-1997م، ص 239،240.
عدد الصفحات ٣٦٨الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 359 أَب ْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ ب َيْنَ الأُخْت َيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَ فُورًا رَّحِيمًا ، وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِ كُمْ ﴾.1 و قال تعا﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتً ا وَسَاء سَبِيلاً ﴾.2 و قال تعا﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى ي ُؤْمِنَّ ﴾3 و المقصد يختلف باختلاف محل التحر فأمّا تحريم الأم و من في حكمها، فتحصيل معنى التوقير و التكريم و الطاعة، و لا يحصل ذلك مع ما في عقد النكاح من مباسطة و مشاحنة و دخول في طاعة الزوج. و كذلك تحريم زوجات الآباء، تكرمة لهم و إعظاما واحتراما أن توطأ من بعده حتى إنها لتحرم على الابن بمجرّد العقد عليها و هذا أمر مجمع عليه.4 و في غيرهماصون العلاقات الكريمة التي تكون بين ذوي الأرحام و الأصهار ممن قصدت الشريعة قوة الصلة بينهم . يقول صاحب البدائع:"إن نكاح هؤلاء يفضي إلى قطع الرّحم لأن النكاح لا يخلو من مباسطات تجري بين الزوجين عادة و بسببها تجري الخشونة بينهما أحيانا ،و ذلك يفضي إلى قطع الرّحم... و المفضي إلى الحرام حر ام".5 و النصوص الواردة في تعظيم شأن الأرحام لا تخفى قال تعالى:﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن ت ُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْي َوْ مِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْ مَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ 1- سورة النساء، الآيتان 23،24. 2- سورة النساء، الآية 22. 3- سورة البقرة، الآية 221. 4- تفسير ابن كثير، ج 2، ص232. 5- بدائع الصنائع، مصدرسابق، ج3، ص411.
عدد الصفحات ٣٦٩الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 360 السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَحِينَ الْ بَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُت َّقُونَ ﴾.1 و قال تعا ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْر فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَق ْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا ت َفْعَلُواْ مِنْ خَيْر فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾.2 و قال تعا :﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَي َن ْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْب َغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾.3 كما أنه سبحانه عظم قدر الأرحام فقال ت عالى:﴿يَا أَي ُّهَا النَّاسُ ات َّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ن َّفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِن ْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِن ْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَات َّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَ لُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.4 و قال سبحانه و تعا﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن ب َعْدِ مِيثَاقِهِ وَي َقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَي ُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾.5 و وردت أحاديث كثيرة فيها ا مر بصلة الرحم و بيان ثواب الواصل و النهي عن قطيعة الرحم و بيان عقاب القاطع. عن أن أيوب الأنصاري -رضي الله عنه - أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه و سلم: أخبرني بعمل يدخلنّ الجنة، فقال النبي صلى الله عليه و سلم ت َعْبُدُ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ وَت ُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ }6 1- سورة البقرة، الآية 177. 2- سورة البقرة، الآية 215. 3- سورة النحل، الآية 90. 4- سورة النساء، الآية 01. 5- سورة الرعد، الآية : 25. 6- أخرجه البخاري في صحيحه ،كتاب الزكاة ،باب وجوب الزكاة ،حديث رقم 1396 ،ج1 ،ص430.
عدد الصفحات ٣٧٠الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 361 و قد جاء النص على هذا المقصد في تعليل النهي عن الجمع بين المرأة و عمتها أو خالتها،و هو في حق المذكورات آكد. قال صلى الله عليه و سلم إِنَّكُمْ إِنْ ف َعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ }1 والمعنى الجامع تعظيم شأن الأرحام وسد ذرائع القطيعة بينها، و لما كان الزواج من المذكورات سببا فيها حرم باعتبار المآل،و إن كان ظاهرا في تحريم الجمع بين المرأة و عمتها أو خالتها فهو أظهر في غيرهن من المحرمات على جهة التأبيد . يقول الشيخ أبو زهرة:"و أن ه لو ساغ للأم أن تتزوّج زوج ابنتها و للبنت أن تتزوّج زوج أمها لقطعت الأرحام ، و لأوجس الأصل خيفة من فرعه ،و أوجس الفرع الخيفة من أصله ،و ما بمثل ذلك تقام دعائم الأسر"2 ،ويقول صاحب الظلال فالأم التي تحس أن ابنتها قد تزاحمها في زوجها والبنت والأخت كذلك لا تستبقي عاطفتها البريئة تجاه بنتها أن تشاركها حياتها ، أو أختها التي تتصل بها أو أمها وهي أمها !، وكذلك الأب الذي يشعر أن ابنه قد يخلفه على زوجته ،والابن الذي يشعر أن أباه الراحل أو المطلق غريم له لأنه سبقه على زوجته، ومثله يقال في حلائل الأبناء الذين من الأصلاب بالنسبة لما بين الابن والأب من علاقة لا يجوز أن تشاب"3،و لا يعترض عليه بتشريع النكاح بين غيرهم من الأقارب ،لاختصاص المحارم بفضل اعتناء بصون العلاقات التي بينها لقوة ارتباطها و شدة الاحتياج لها دون أن يشوبها ما يعرض من مباسطات النكاح، و ما يترتب عليها من أسباب الشقاق و النزاع . أما النهي عن نكاح المشركة، فلما فيه من عداوة دينية تمنع المودّة و الرحمة و هي قوام مقاصد النكاح، يقول الكاساني:"فلا يجوز للمسلم أن ينكح المشركة لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى ي ُؤْمِنَّ ﴾4 و يجوز أن ينكح الكتابية لقوله عز و جل ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن 1- رواه الطبراني في المعجم الكبير ،ج11 ،ص337 2- الأحوال الشخصية،مرجع سابق ، ص 74. 3- في ظلال القرآن ،مرجع سابق ،ج 1 ،ص610.. 4- سورة البقرة، الآية 221.
عدد الصفحات ٣٧١الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 362 ق َبْلِكُمْ﴾1 و الفرق أن الأصل أن لا يجوز للمسلم أن ينكح الكافرة لأن ازدواج الكافرة و المخالطة معها مع قيام العداوة الدينية ،لا يحصل السَكن و المودّة الذي هو قو ام مقاصد النّكاح ،إلاّ أنّه جوّز نكاح الكتابية لرجاء إسلامها لأنهّا آمنت بكتب الأنبياء و الرّسل في الجملة، و إنمّا نقضت الجملة بالتفصيل بناء على أنها أخبرت عن الأمر على خلاف حقيقته ،فالظّاهر أنها متى نبهت على حقيقة الأمر تنبهت و تأتي بالإيمان على التفصيل على حسب ما كانت أتت به على الجملة".2 التخفيف و رفع الحرج فيما يكون بين المحارم من الاصطحاب و الارتباط و عدم لزوم الستر بينهم لانقطاع الطمع في النكاح الباعث على الشهوة ، و لما يؤيد ذلك من داعي الجبلة، و لو فرض إباحة الزواج بالمذكورات فإمّا أن يجب الستر فيقع الضيق و الحرج، أو يترك ذلك و فيه من المفاسد ما لايخفى ،يقول الدهلوي:"الأصل في التحريم جريان العادة بالاصطحاب و الارتباط و عدم إمكان لزوم الستر بينهم، و ارتباط الحاجات من الجانبين على الوجه الطبيعي دون الصناعي ،فإنه لو لم تجر السنة بقطع الطمع عنهن و الإعراض على الرغبة فيهن لهاجت فيه مفاسد لا تحصى ،و أيضا لو فتح باب الرغبة فيهن و لم يسدّ و لم تقم اللائمة عليهم فيه لأفضى ذلك إلى ضرر عظيم عليهن فإنه يكون سبب عضلهن عمن يرغبن فيه لأنفسهن". 3 و قد حصل ذلك في حق اليتيمات، و بينته أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها - في سبب نزول قوله تعالى:﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ ت ُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَث ْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ ﴾4،بقولها:" هي ال يَتِيمَةُ تَكُونُ فيِ حَج رِ وَلِيدِّهَا فدَيدَر غَبُ فيِ مَالهَِا وَجمََالهَِا يُرِيدُ أَن يدَتدَزَوَجَهَا بِأَد نىَ مِن 1- سورة المائدة، الآية: 05. 2- بدائع الصنائع ،مصدر سابق ،ج2 ،ص270. 3- حجة الله البالغة، مصدر سابق، ج2، ص202. 4- سورة النساء، الآية 03.
عدد الصفحات ٣٧٢الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 363 سُنَةِ صَدَاقِهَا فدَندُهُوا أَن يدَن كِحُوهُنَ إِلاَ أَن يدُق سِطُوا لهَُنَ فدَيُك مِلُوا الصَدَاقَ وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَن سِوَاهُنَ مِن النِّسَاءِ"1 كما دل على هذا اقصد ما جاء من النصوص في أحكام النظر و الحجاب . ومنه قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ ي َغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ ف ُرُوجَهُنَّ وَلاَ ي ُبْدِينَ زِينَت َهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِن ْهَا ۗ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىَٰ جُيُوبِهِنَّ ۗ وَلاَ ي ُبْدِينَ زِينَت َهُنَّ إِلاَّ لِب ُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ ب ُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَب ْنَائِهِنَّ أَوْ أَب ْنَاءِ ب ُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَ وَاتِهِنَّ ﴾2 وقوله صلى الله عليه و سلم { إِياكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ ف َقَالَ رَجُلٌ مِنْ الأَْنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَف َرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْتُ }3، و قوله : {لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَة وَلاَ تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلاَّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ }4 والمعنى الجامع أن الشارع الحكيم خفف عن المكلفين فاستثنى المحارم من ايجاب الستر و تحر الخلوة...وقطع الأطماع بينهم بنحريم بعضهم على بعض ،فكان ذلك من كمال الحكمة و الرحمة . - وجوب الصداق: ممّا تقرر في مدوّنات أهل الفقه وجوب المهر على اختلاف مذاهبهم لأن النصوص الآمرة به قطعية الثبوت قطعية الدلالة5 ،يقول ابن عبد البر:"أجمع علماء المسلمين...أنه لا يجوز له وطء 1-أخرجه البخاري في صحيحه .كتاب النكاح ،باب الترغيب في النكاح ،حديث رقم : 5064.ج3 ،ص354. 2-سورة النور ،الآية 31. 3- متفق عليه.يقول النووي في شرح الحديث وأما قوله صلى الله عليه و سلم الحمو الموت فمعناه أن الخوف منه أكثر من غيره والشر يتوقع منه والفتنة أكثر لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة من غير أن ينكر عليه بخلاف الأجنبى والمراد بالحمو هنا أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه فأما الآباء والأبناء فمحارم لزوجته تجوز لهم الخلوة بها ولا يوصفون بالموت و انما المراد الأخ وبن الأخ والعم وابنه ونحوهم ممن ليس بمحرم وعادة الناس المساهلة فيه ويخلو بامرأة أخيه فهذا هو الموت وهو أولى بالمنع""المنهاج ،مصدر سابق ،ج14 ،ص153. 4-أخرجه البخاري في صحيحه ، كِتَاب الج ِهَادِ وَالسِّيرَِ ، بَاب مَن اك تُتِبَ فيِ جَي ش فَخَرَجَت ام رَأَتُهُ حَاجَةً أَو كَانَ لَهُ عُذ رٌ هَل يدُؤ ذَنُ لَهُ ، حديث رقم :3006.ج2 ،ص359. 5- أحكام الزواج في ضوء الكتاب و السنة،مرجع سابق ، ص 255.
عدد الصفحات ٣٧٣