الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 332 و أكدته السنة النبوية قال صلى الله عليه و سلم مَا ن َقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَال }1، و معنى حصول البركة و النماء يقتضي أوجها عدة، أحدها "أنه يبارك فيه و يدفع عنه المضرات فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية و هذا مدرك بالحس و العادة".2 ذلك أن المكلف متى ألهم حسن التدبير كان القليل أنفع في حقه ،و أوف حظا من الكثير دون أن ننسى عمل العناية الإلهية في الإخلاف و الإرباء بغير ما يعرف من الأسباب... 3 ،قال تعالى:﴿ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ ي ُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْ فَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾.4 و أدنى معاني البركة كما يقول الدهلوي:"طمأنينة النفس به و ثلج الصدر"، و قد صرف الخاطر عن الخشية على المال تغليبا لحسن الظن بالله، و إلقاء مقاليد التدبير إليه، 5 و أعظم ذلك جبر النقص الحاصل بمضاعفة الثواب في الآخرة. قال تعالى:﴿مَّثَلُ الَّ ذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّة أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنب ُلَة مِّائَةُ حَبَّة وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾.6 و قال تعالى:﴿مَّن ذَا الَّذِي ي ُقْرِضُ اللَّهَ ق َرْضًا حَسَنً ا ف َيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ ي َقْبِضُ وَي َبْسُطُ وَإِلَيْهِ ت ُرْجَعُونَ ﴾.7 و قال تعالى:﴿فَات َّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَي ْرًا لأَِّنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ ن َفْسِهِ فَأُولََٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، إِن ت ُقْرِضُوا اللَّهَ ق َرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَي َغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾8 ،و هو تعا يستقرض من عوض و لكنه تلطف في الاستدعاء.1 1- رواهمسلم في صحيحه.كتاب البر و الصلة و الآداب ، باب اس تِح بَابِ ال عَف وِ وَالتدَوَاضُعِ ،حديث رقم : 6757،ج8 ،ص21 2- المنهاج شرح صحيح مسلم، مصدر سابق ج16 ،ص121. 3- ينظر: فقه الزكاة، مرجع سابق، ص 871. 4- سورة الحديد، الآية 29. 5- حجة الله البالغة، مصدر سابق، ج2، ص70،71. 6- سورة البقرة، الآية 261. 7- سورة البقرة، الآية 245. 8- سورة التغابن، الآيتان 16،17.
عدد الصفحات ٣٤٢الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 333 و المقصود الاعتناء بفضل الإنفاق المأمور به اهتماما مكررا فبعد أن جعل خيرا جعل سبب الفلاح و عرف بأنه قرض من العبد لربه و كفى بهذا ترغيبا و تلطفا إذ جعل المنفق كأنه يعطي الله تعالى2 ،ثم إن الجزء الذي يؤخذ كل حول زكاة من مال المسلم يكون حافزا له على تثمير ماله و تنميته حتى لا تأكله الزكاة، و مثل هذا التثمير يعود على رب المال ،و وفقا لسنة الله بأضعاف ما أخذ منه.3 ثانياتطهير النفس من الشح: الشح غريزة في الجبلة لا تكاد تسلم منها نفس تقتضي منع ما هو لها، و هو ظاه ر قوله تعالى:﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَت َت َّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا ت َعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾4.5 يقول القرط "في الآية إخبار بأن الشح بحكم خلقته و جبلته حتى يحمل صاحبه على بعض ما يكره" 6،إلا أن النفوس تتفاوت في هذاالمقدار فإذا غلب عليها بمنع المعروف و الخير فذلك المذموم.7 و منه قوله عليه السلامبرئ من الشح من أدى الزكاة و ق ر ى الضيق و أعطى في النائبة}8 إن مثل هذه الغريزة و إن جبل عليها المكلف إلا أنه مأمور بالتغلب على نوازع الأثرة و الأنانية ال تقتضيها، حتى لا تحول دونه و دون ما هو حري به من البذل و الإنفاق و هما سبب الهدى و الفلاح. قال تعالى:﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ ن َفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾.9 ذلك أن تعويد النفس على البذل وقاية لها من داء الشح أن يستشري في أوصالها فتبخل و تقطع 1- تفسير الرازي، ج 4، ص147. 2- التحرير و التنوير، ج 28، ص290. 3- فقه الزكاة، مرجع سابق، ص 871. 4- سورة النساء، الآية 128. 5- و مثله قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ ق َتُورًا﴾ (سورة الإسراء، الآية: 100.) 6- الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، ج 7، ص166. 7- التحرير و التنوير، مصدر سابق، ج 28، ص94. 8- رواه البيهقي في شعب الإيمان ،ج7 ،ص427 9- سورة الحشر، الآية 09.
عدد الصفحات ٣٤٣الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 334 و تفجر،قال عليه الصلاة و السلامإياكم و الشح فإنما أهلك من كان قبلكم بالشح أمرهم بالبخل فبخلوا، و أمرهم بالقطيعة فقطعوا، و أمرهم بالفجور ففجروا}1 و الزكاة بهذا المعنى تحرير للإنسان من عبودية المال، فهو وسيلة لا غاية، و إن كان به قوام الحياة، ف ينبغي أن يكون مقصدا تستحل دونه ا لمحارم، و تترك له الأوامر، و يستهان لأجله بالمحرمات. ودليله مسلك الوعيد في قوله عليه السلام تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ ي ُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وَان ْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلاَ ان ْت َقَشَ 2 .}3 و هي كذلك طهرة للمال من تبعة الحق الذي جعله الله للمساكين، كما هي طهرة للنفس 4 قال تعالى:﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَت ُزَكِّيهِم بِهَا﴾.5 و قد سمى الن- صلى الله عليه و سلم- الخارج من الزكاة أوساخ الناس 6 ،ومنه أن الشارع الحكيم كما وعد المنفقين بالإخلاف و النماء والتطهير توعد الممسكين بالعذاب الأليم ، قال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُون َهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ف َبَشِّرْهُم بِعَذَاب أليم يو م يُحْمَىَٰ عَلَي ْهَا فِي نَ ارِ جَهَنَّمَ ف َتُكْوَىَٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوب ُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۗ هََٰذَا مَا كَن َزْتُمْ لأَِنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾7، وقد اتفقوا على أن المال الذي لم تؤد زكاته يسمى كنزا و يستحق صاحبه الوعيد و اختلفوا في غيره يقول القرطبي : "واختلف العلماء في المال الذي أديت زكاته هل يسمى كنزا أم لا ؟ فقال قوم : نعم... و هو لا يصح،وقال قوم : ما أديت زكاته منه أو من غيره عنه فليس بكنز . قال ابن عمر -رضي 1- رواه الحاكم في مستدركه ،كتاب الإيمان ،حديث رقم ، 265 ،ج1 ،ص52 2- و المعنى إذا أصابته الشوكة فلا وجد من يخرجها له بالمنقاش 3- رواه البخاري في صحيحه ، كتاب الجهاد و السير ، بَاب الح ِرَاسَةِ فيِ ال غَز وِ فيِ سَبِيلِ اللَهِ ،حديث رقم : 2887 ، ج2 ،ص328 . 4- ينظر: تفسير القرطبي، ج 2، ص23. 5- سورة التوبة، الآية: 103. 6- أخرج مسلم في صحيحه من حديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث أن الن - صلى الله عليه و سلم- قالإن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس}2530. 7 - سورة التوبة ،الآيتان :34-35
عدد الصفحات ٣٤٤الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 335 الله عنه- :" ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين ، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض . ومثله عن جابر ، وهو الصحيح"1 ثالثاالدربة على البذل و الإنفاق: مما لا خلاف فيه أن للعادة أثرا عميقا في خلق الإنسان و سلوكه و توجيهه ،و لهذا قيل طبيعة ثانية، و معنى ذلك أن للعادة من القوة و السلطان ما يقرب من الطبيعة الأولى، و الإنسان المؤمن الذي يعتاد البذل يصير له ذلك خلقا أصيلا و وصفا نبيلا2 ،قال تعالى:﴿الَّذِينَ ي ُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَق ْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾.3 و قال تعالى:﴿وَاللَّيْلِ إِذَا ي َغْشَى ، وَالن َّهَارِ إِذَا تَجَلَّى، وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى ، إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ، فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَات َّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَن ُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾.4 و في اعتياد المكلف مثل هذا الخلق و إن لم يكن لهطبعا تقرير لما تقدم من تطهير للنفس من غوائل الشح و البخل و دواعي الأثرة و الأنانية، و ليس أعون للعبد في قهر النفس عن الجنوح إلى مثل ذلك إلا مرانها على العطاء، و الإنفاق من أحب الأشياء إليها مما وقع به التزيين ابتلاء و اختبارا. قال تعالى:﴿الْمَالُ وَا لْب َنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّن ْيَا﴾.5 و قال عز و جل:﴿وَتَأْكُلُونَ الت ُّرَاثَ أَكْلا لَّمًّا ، وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾.6 و هو المعنى الذي أشار إليه الرازي في تفسير قوله تعالى:﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَت ُزَكِّيهِم بِ هَا﴾1 ، حيث يقول:"اقتضت حكمة الشرع تكليف مالك المال بإخراج طائفة منه من يده ليصير ذلك 1 - الجامع لأحكام القرآن ،مصدر سابق ،ج 10 ص184. 2- فقه الزكاة ،يوسف القرضاوي ،بيروت ،مؤسسة الرسالة ،ط 2 ،1399هد-1973م ،ص859 . 3- سورة البقرة، الآية 03. 4- سورة الليل، الآيات 01- 07. 5- سورة الكهف، الآية 46. 6- سورة الفجر، الآيتان 19،20.
عدد الصفحات ٣٤٥الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 336 الإخراج كسرا من شدة الميل إلى المال ،و منعا من انصراف النفس بالكلية ،و تنبيها على أن سعادة الإنسان لا تحصل عند الاشتغال بطلب المال ،و إنما تحصل بإنفاق المال في طلب مرضاة الله تعالى"2 ،"و كذلك كثرة المال سبب لحصول الطغيان ،و قسوة القلب و إيجابها يدفع ذلك، و يرد النفس إ طلب رضا الرحمن" 3 ،و منه قوله تعالى:﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْت َغْنَى﴾.4 رابعاالزكاة مجلبة للمحبة: إن الناس إذا علموا في الإنسان كونه ساعيا في إيصال الخيرات إليهم و دفع الآفات عنهم أحبوه بالطبع و مالت نفوسهم إليه لا محالة5 ،كما جاء في الأثر:"جبلت القلوب على حب من أحسن إليها و بغض من أساء إليها" ،فالفقراء إذا علموا من الغنّ أنه لا يمنعهم عند الاحتياج و يصرف إليهم طائفة من ماله، أحبوه و أمدوه بالدعاء و الهمة ،و هو حظ من وجهين، أحدهما أن الإنسان اجتماعي بطبعه لا يخلو من استجلاب حسن الظن به عند الناس، و الثاني أن دعائهم سبب في الخير و الخصب، يقول الرازي:"و إليه الإشارة في قوله تعالى:﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ ف َيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ﴾6"7. خامساالحفاظ على نعمة المال:دليل ذلك قوله تعالى : ﴿لَ ئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ﴾8، و الشكر يكون بالقول فقط إنما يجب أن يقترن بالفعل و منه إخراج الواجب من الزكاة،ذلك أن:"شكر النعمة عبارة عن صرفها إلى طلب رضا المنعم و الزكاة شكر النعمة" 9 ،و هو س بب بقائها و تحصينها من 1- سورة التوبة، الآية 103. 2- مفاتيح الغيب، ج16، ص80. 3- اصدر نفسه، ج16، ص81. 4- سورة العلق، الآيتان 06،07. 5-فقه الزكاة ،مرجع سابق ،ص 866.. 6- سورة الرعد، الآية 17. 7- مفاتيح الغيب، ج16، ص81. 8- سورة إبراهيم، الآية 07. 9- مفاتيح الغيب، ج16، ص82 .
عدد الصفحات ٣٤٦الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 337 الآفات، ومن السنة قوله عليه الصلاة و السلامحصنوا أموالكم بالزكاة } الحديث:"أي بإخراجها فإنه ما تلف مال في بر و لا بحر إلا بمنع الزكاة 1،فنعمة المال و غيرها إنما تستبقى بمعرفة حق الله تعالى فيها و أدائها لأصحابها . قال تعالى:﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَي ِّرًا ن ِّعْمَةً أَن ْعَمَهَا عَلَى ق َوْم حَتَّى ي ُغَي ِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾.2 سادسا:تحصيل معنى البر و هو ظاهر قوله تعالى:﴿لَن ت َنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾.3 و المراد به كمال ا و شموله في نوعه، أو "الوفاء بما جاء به الإسلام فيما يعرض للمرء في أفعاله" 4 ، و تسبق ذلك مسافات معنوية في الطريق الموصل إليه غايتها و منتهاها الإنفاق من المحبوب، و هو يختلف باختلاف أحوال المتصدقين و سعة ثرواتهم...و الجامع قصد وجه ا لله تعالى بالبذل و الإنفاق5، و خصال البر قد بينها قوله تعالى:﴿ لَّيْسَ الْبِرَّ أَن ت ُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلََٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْي َوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَ الَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَحِينَ الْ بَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُت َّقُونَ ﴾.6 هذا بالنسبة إلى ما في أحكام الزكاة، من رعي لمصالح المكلفين، ثم إننا لو نظرنا إلى مقاصد الخطاب القرآني المتعلق بتشريعها لما وجدناه إلا مقررا لما تقدم ،و قد أجمل العامري هذا المعنى فكان من أنفس ما جاء في بابه حيث يقول::"ثم لما علم الله تعالى جده أن من طباع البشر الشغف بالمال جعل 1- فيض القدير، مصدر سابق، ج3، ص388. 2- سورة الأنفال، الآية: 53. 3- سورة آل عمران، الآية 92. 4- التحرير و التنوير، ج 4، ص07. 5- المرجع نفسه ، ج4، ص07. 6- سورة البقرة، الآية 177.
عدد الصفحات ٣٤٧الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 338 الخطاب مع المبالغة في الحث عليها خارجا على ألطف لطف ،حيث أمر بالأخذ مرغبا في التزكية و التطهير بقوله:﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَت ُزَكِّيهِم بِهَا﴾1، ثم سماه قرضا بإعطائه و رد أضعافه عليه بقوله:﴿ مَّن ذَا الَّذِي ي ُقْرِضُ اللَّهَ ق َرْضًا حَسَنًا ﴾2، ثم سلا عما يخرجه بتعريف ما يعود إليه حال ملاك الأموال في العواقب فقال:﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَق ْنَاكُم مِّن ق َبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْ تُ ﴾.3 ثم أخبر أن من بخل بها فقد بخل على نفسه فإن نفعها راجع إليه و مولاه غنّ عنه، فقال ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن ي َبْخَلُ وَمَن ي َبْخَلْ فَإِنَّمَا ي َبْخَلُ عَن ن َّ فْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن ت َت َوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ ق َوْمًا غَي ْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾.4 ثم أخبر أن الظن بالمال غير مستحسن في العقل و إن كان الطبع مائلا إليه، فقال :﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ ن َفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾.5 ثم نبه أنه راض م نه في أدائها فضل المال، قال تعالى:﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾.6 ثم أخبر أنها في الحقيقة تنزل منزلة الوقاية للمال و التحصين له عن الآفات، فقال:﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْر ي ُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾7."8 1- سورة التوبة، الآية 103. 2- سورة البقرة، الآية 245. 3- سورة المنافقون، الآية 10. 4- سورة محمد، الآية 38. 5- سورة الحشر، الآية: 09. 6- سورة البقرة، الآية 219. 7- سورة البقرة، الآية 272. 8- الإعلام بمناقب الإسلام، أبو الحسن العامري، تحقيق: أحمد عبد الحميد غراب، الرياض، دار الأصالة، ط 1،1408هد1988م، ص 144،145.
عدد الصفحات ٣٤٨الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 339 المطلبالرابع :الحج: الحج لغة القصد، قال ابن منظور:"الخج القصد ،ثم تعورف استعماله في القصد إلى مكة للنسك و الحج إلى البيت خاصة "1 . و قال القونوي:" و قد غلب على قصد الكعبة للنسك المعروف اصطلاحا 2 ،وهو من أعظم شعائر الإسلام ،يهدم ما قبله ،وينفي الذنوب كما ينفي الك ير خبث الحديد،فرضه الله تعالى على المستطيع من عباده ،إعلاء لدينه و تعظيما لشعائره ،و هو مع ذلك لا يخلو من منافع و حظوظ ،عائدة على المكلفين. الفرع الأول :مقاصد الأحكام . - اشتراط الاستطاعة في وجوب الحج: يشترط لوجوب الحج باتفاق الاستطاعة و هي القدرة على الوصول إلى مكة بثلاثة أشياء و هي قوة البدن و السبيل و هي الطريق المسلوكة ،و وجود الزاد المبلّغ ،و ذلك معتبر بأحوال الناس و مختلف باختلاف عوائدهم.3 و يعتبر في الزاد المبلّغ أن يكون فاضلا عمّا يحتاج إليه لنفقة عياله الذين تلزمه مؤونتهم، في مضيه و رجوعه، لأن النفقة متعلقة بحقوق الآدميين و هم أحوج و حقهم آكد، و أن يكون فاضلا عن قضاء دينه ،و كذلك قدّم التزويج إن خاف على نفسه العنت لأنه واجب عليه و لا غنى به عنه فكان كنفقته.1 1- لسان العرب ،مصدر سابق ،المجلد الثاني ،ج 9 ،ص878.. 2- أنيس الفقهاء،قاسم القونوي، ص 45. 3- القوانين الفقهية، مصدر سابق، ص150.
عدد الصفحات ٣٤٩الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 340 و المقصد، التخفيف و رفع الحرج: بتقديم حق الآدمي في ما لا غنى عنه من النفقة و السكنى و التزويج ، لضعفه و افتقاره،فتأكد حقه، في مقابله حق الله تعالى و هو الغنّ عن العالمين ،و دليل ذلك جملة من النصوص ،و إن كانت تتفاوت من حيث ظهور دلالتها على المعنى المراد: و منها قوله تعالى:﴿وَلِلَّهِ عَلَ ى النَّاسِ حجُّ الْب َيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾.2 و قوله تعا﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾3 و قوله صلى الله عليه و سلم كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ ي َقُوتُ .}4. ،فضلا عمّا جاء في أدلة رفع الحرج.و المعنى الجامع أن الشار ع الحكيم خفف عن المكلفين رعيا لما جبلوا عليه من ضعف فلم يوجب الحج إلا على المستطيع ،و جعل من وصف الاستطاعة أن يكون الزاد المبلغ فاضلا عن حاجته و حاجة من يعول ،لما علم من افتقار العبد . - النهي عن الرفث و الفسوق و الجدال: من محظورات الإحرام الرّفث و الفسوق و الجدال، أمّا الرّفث فهو الجماع و ما يتصل به من الفعل أو القول ،و أمّا الفسوق فهو المعاصي بجميع أنواعها، و الجدال النزاع و الخصام و المراء، في أجمع أقوال المفسرين تأكيدا لشرف الزمان و حرمة المكان ،و إن كان الفسوق و الجدال منهيا عنهما في كلّ حال. و من جملة المقاصد التي يتلمسها النظر: المرونة على الآداب الحسنة و مكارم الأخلاق ذلك أن تركها في وقت الحج أدعى لتخلية النفس عنها في أغلب أحوالها. 1- المغنّ، ابن قدامة، مصدر سابق، ج 5، ص11-12. وينظر: الأم، مصدر سابق، ج 3، ص290، و مواهب الجليل، مصدر سابق، ج3، ص 464- 470. 2- سورة آل عمران، الآية 97. 3- سورة النساء، الآية 28. 4- رواه الطبراني في المعجم الكبير ،حديث رقم 13414 ،ج12 ،ص382
عدد الصفحات ٣٥٠الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 341 و الشاهد قوله تعا ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن ف َرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُو قَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾.1 و قوله صلى الله عليه و سلم من حج فلم يرفث و لم يفسق رجع كيوم ولدته أمه }2. تحقيق الألفة و الأخوة،و النهي عن ذرائع النزاع و الخصومة و الإضرار. فكان من جملة الفسوق المنهي عنه التنابز بالألقاب، قال تعالى:﴿وَلا ت َنَاب َزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ ب َعْدَ الإِيمَانِ ﴾.3 و سباب المؤمن، و منه قوله صلى الله عليه و سلم قتال المسلم أخاه كفر وسبابه فسوق }4. و الأصل الجامع قوله تعا﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾.5 ويدخل في هذا المعنى إيذاء الحجاج ، و التعدي عليهم بالسب أو الضرب أو التضييق عليهم في الطرقات 6 ، و قد نهى النبي صلى الله عليه و سلم عن الايضاع و هو الإسراع، فقال {أَي ُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالإِْيضَاعِ }7، جاء في شرح الحديث إنما نهاهم عن الإيضاع والجرى إبقاء عليهم ، ولئلا يجحفوا بأنفسهم بالتسابق من أجل بدُع دِ المسافة" 8، وهي آكد في وقت اجترأ فيه قاصد بيت الله ، على أخيه يؤذيه ،تنافسا ،و تسابقا ، وكان النبي صلى الله عليه و سلم : { يدَر مِى 1- سورة البقرة، الآية 197. 2-رواه البيهقي في شعب الإيمان ،ج3،ص470.. 3- سورة الحجرات، الآية 11. 4-رواه الترمذي في سننه. باب ما جاء سباب المؤمن فسوق،حديث رقم : 2634 ،قال أبو عيسى :حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح وقد روي عن عبد الله بن مسعود من غير وجه ،ج5 ،ص20. 5- سورة الحجرات، الآية 10. 6-مقاصد الحج في القرآن الكريم ،عادل بن علي الشدي ،مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة و الدراسات الاسلامية ،العدد 44،ذو القعدة 1429هد،ص26.. 7-أخرجه البخاري في صحيحه .كتاب الحج ،بَاب أَم رِ النَبيِِّ صَلَى اللَهُ عَلَي هِ وَسَلَمَ بِالسَكِينَةِ عِن دَ الإ ِفَاضَةِ وَإِشَارَتِهِ إِلَي هِم بِالسَو طِ ،حديث رقم : 1671. 8- شرح ابن بطال ،مصدر سابق ،ج 4 ،ص349
عدد الصفحات ٣٥١الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 342 الج َم رَةَ مِن بَط نِ ال وَادِى وَرَجُلٌ مِن خَل فِهِ يَقِيهِ الح ِجَارَةَ وَهُوَ يدَقُولُ :« يَا أَي ُّهَا النَّاسُ لاَ ي َقْتُلْ ب َعْضُكُمْ ب َعَضًا وَإِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ فَارْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ »}1.يقول أحد الباحث توصيفا لما عليه البعض من بعد عن مقاصد الحج :"فيا لبلاء المسلمين حين يزهدون باللبس والرفاهية والسعة ثم يضيقون بإخوانهم المسلمين ،ويهجمون عليهم بالأيدي والأجسام، وأي معنى لمسلم يقف ليرمي الجمرة وهو يستشعر أن الله تعبده بذلك، ثم يطأ إخوانه المسلمين بقدميه، أو يدوسهم ويدوس معهم كرائم الأخلاق ومبادئ التعامل ومقاصد الحج التي شرع من أجلها في تحقيق الاجتماع على العبودية، والاجتماع على الحب والرضا والإيمان والتوحيد "2. -وجوب السعي بين الصفا و المروة من الأحكام التي تتردد بين التعبّد و معقولية المعنى السعي بين الصفا و المروة، و مثله رمي الجمار و لأهل العلم في المسألة قولان: القول الأول: أن ترددات السعي و الرّمي مما خفي فيه وجه المصلحة فلاحظ للنفس فيه إلا من حيث كمال الانقياد، يقول النووي:"من العبادات التي لا يفهم معناها السعي و الرّمي، فكلف العبد بهما ليتم انقياده فإن هذا النوع لا حظ للنفس فيه و لا للعقل و لا يح مل عليه إلاّ مجرّد الامتثال"3 . و في هذا المعنى يقول الغزالي:"فأما ترددات السعي و رمي الجمار، و أمثال هذه الأعمال فلا حظ للنفوس و لا أنس فيها و لا اهتداء للعقل إلى معانيه، فلا يكون في الإقدام عليها باعث إلا الأمر المجرّد و قصد الامتثال للأمر، من حيث إنه أمر واجب الإتباع فقط... و فيه عزل للعقل عن تصرّفه و صرف النفس و الطبع عن محل أنسه، فإن كلّ ما أدرك العقل معناه مال الطبع إليه ميلا ما، فيكون ذلك الميل معينا للأمر و باعثا معه على الفعل فلا يكاد يظهر به كمال الرق و الانقياد". 4 القول الثاني أن مقاصد السعي و الرمي لمن تتبّع أصل المشروعية لا تخفى و من جملتها: 1- رواه البيهقي في السنن الكبرى ،كتاب الحج ،باب أَخ ذِ الح َصَى لِرَم ىِ جمَ رَةِ ال عَقَبَةَ وَكَي فِيَةَ ذَلِكَ .حديث رقم : 9811 ،ج5 ،ص128 2-مقاصد الحج ،سلمان بن فهد العودة ،8413.htm-78-http://www.islamtoday.net/salman/services/saveart 3- المجموع، مصدر سابق، ج 8، ص216،217. 4- إحياء علوم الدين، مصدر سابق، ج1، ص274.
عدد الصفحات ٣٥٢الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 343 تعظيم الأولين و ما كانوا عليه من احتمال للمشاق بما يعين على الامتثال على جهة الإقتداء و التأسي: يقول ابن دقيق العيد:"في ذلك من الحكمة تذكر الوقائع الماضية للسلف الكرام، و في طي تذكرها مصالح دينية إذ يتب ين في أثناء كثير منها ما كانوا عليه من امتثال أمر الله تعالى و المبادرة إليه و بذل النفس في ذلك، و بهذه النكتة يظهر لك أن كثيرا من الأعمال التي وقعت في الحج، و يقال فيها إنهّا تعبّد ليست كما قيل، ألا ترى أنناّ إذا فعلناها و تذكرنا أسبابها حصل لنا من ذلك تعظيم الأوّلين ، و ما كانوا عليه من احتمال المشاق في امتثال أمر الله ،فكان هذا التذكر باعثا لنا على مثل ذلك و مقررا في أنفسنا تعظيم الأوّلين"1 ،و دليل مثل هذا المقصد: قوله تعا﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْب َيْتَ أَ وِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾.2 و ما جاء من السنن في بيان أصل المشروعية ،ومنها ما أخرجه البخاري في الصحيح عن ابن عباس في قصة هاجر عليها السلام قال : {وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ ت ُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ اب ْن ُهَا وَجَعَلَتْ ت َنْظُرُ إِلَيْهِ ي َت َلَوَّى أَوْ قَال َ ي َت َلَبَّطُ فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ ت َنْظُرَ إِلَيْهِ ف َوَجَدَتْ الصَّفَا أَق ْرَبَ جَبَل فِي الأَْرْضِ يَلِيهَا ف َقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْت َقْب َلَتْ الْوَادِيَ ت َنْظُرُ هَلْ ت َرَى أَحَدًا ف َلَمْ ت َرَ أَحَدًا ف َهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا حَتَّى إِذَا ب َلَغَتْ الْوَادِيَ رَف َعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِْنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتْ الْوَادِيَ ثُمَّ أَتَتْ الْمَرْوَةَ ف َقَامَتْ عَلَي ْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ ت َرَى أَحَدًا ف َلَمْ ت َرَ أَحَدًا ف َفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّات قَالَ ابْنُ عَبَّاس قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ ب َي ْن َهُمَا}3 1- إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، تقي الدين بن دقيق العيد، تحقيق: محمد حامد الفقي، ، القاهرة، 1372هد1959م، ج 2 ،ص 74،75 . 2- سورة البقرة، الآية 158. 3- أخرجه البخاري في صحيحه ،كتاب الأنبياء ،باب باب {يزفون }:النسلان في المشي ،حديث رقم : 3364ج2 ،ص465.
عدد الصفحات ٣٥٣الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 344 استشعار الفقر والحاجة و بذل أسباب التفريج و الخلاص من المضائق، مع اليقين بأن الله عز و جل لا يضيع عباده المخلصين و مثال ذلك حال إبراهيم و هاجر عليهما السلام. يقول الشنقيطي:"قول النبي صلى الله عليه و سلم في هذا الحديث فذلك السعي بينهما فيه الإشارة الكافية إلى حكمة السعي بين الصفا و المروة، لأن هاجر سعت بينهما السعي المذكور و هي في أشد حاجة و أعظم فاقة ... ،فأمر الناس بالسعي بين الصفا و المروة ليشعروا بأن حاجتهم و فقرهم إلى خالقهم و رازقهم كحاجة و فقر تلك المرأة في ذلك الوقت". 1 - مشروعيةالهدي: الهدي هو كل ما يهدى إلى الحرم تقرّبا إلى الله عز و جل إمّا تطوّعا أو وجوبا، و القسم الأخير على خمسة أنواع:جزاء الصيد، و جبر ما تركه من السنن و الواجبات و كفّارة الوطء و هدي المتعة و القران و هدي الفوات 2 ،و هو و إن شرع تعظيما لشعائر الله، فإنه ينتظم م ن المقاصد التي روعي فيها حظ المكلّف ما لا يخفى و من جملة ذلك: التوسعة على النفس بالانتفاع بلحوم الأضاحي المتطوّع بها3 باتفاق ،و اختلف في هدي المتعة و القران لترددهما بين معنى الكفارة و العبادة المبتدأة، و قد ثبت عدم جواز الأكل من الكفارات. 4 دلّ على هذا المقصد النصوص الواضحة الدلالة: قال تعالى:﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِر يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّام مَّعْلُومَات عَلَى مَا رَزَق َهُم مِّ ن بَهِيمَةِ الأَن ْعَامِ فَكُلُوا مِن ْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾.5 1- أضواء البيان،مصدر سابق، ج4، ص461. 2- القوانين الفقهية، ص162. 3- إلاّ أن يعطب الهدي قبل أن يبلغ محله فلا يصح الأكل منه سدّا للذريعة عند المالكية،ينظر: المعونة، ج1، ص598. 4- ينظر: بداية المجتهد و نهاية المقتصد، ج1، ص142. 5- سورة الحج، الآيتان 27،28.
عدد الصفحات ٣٥٤الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 345 و قال تعا﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَي ْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَي ْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوب ُهَا فَكُلُوا مِن ْهَ ا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْت َرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَ كُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾.1 و قوله صلى الله عليه و سلم عن تحريم صيام يوم النحر ي َوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ .}2 . و عن أيام التشريق، قال صلى الله عليه و سلم أي ام أكل و شرب}3. و مسلك الإيماء في قوله تعا﴿لَن ي َنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن ي َنَالُهُ الت َّقْوَى مِنكُمْ ﴾.4 يقول ابن عاشور في الآية:"إيماء إلى أنّ إراقة الدماء و تقطيع اللحوم ليس مقصودين بالتعبّد ، و لكنهما وسيلة لنفع الناس بالهدايا إذ لا ينتفع بلحومهما و جلودهما...إلا بالنّحر أو الذبح ،و أنّ المقصد من شرعها انتفاع الناس المهديين و غيرهم". 5 انتفاع المحاويح من أهل الحرم و هو عام في كل هدي باتفاق بدلالة النصوص المتقدمة، و انتفاع غيرهم ممن لا هدي له من الحجيج، ما لم يتعينّ لذوي الحاجة و المساكين، و بيان ذلك الفروع الفقهية. - الترخيص في الصيام لمن لم يجد الهدي لتمتع أو قران: و المقصد التخفيف و رفع الحرج مع إتمام النسكين معا الحج و العمرة، و قد يشق أو يتعذر العود لأحدهما، خاصة لأهل الآفاق البعيدة ، و الشاهد قوله تعالى:﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْ عُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْت َيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّام فِي الْحَجِّ وَسَب ْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَ ن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَات َّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾.6 1- سورة الحج، الآية 36. 2- متفق عليه ،و اللفظ لمسلم 3-أخرجه الحاكم في مستدركه ،كتاب الصوم ،حديث رقم : 1587،ج1 ،ص599. 4- سورة الحج، الآية 37. 5- التحرير و التنوير، مرجع سابق ،ج17 ،ص267. 6- سورة البقرة، الآية 196.
عدد الصفحات ٣٥٥الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 346 - فدية الأذى الفدية هي كفارة ما يفعله المحرم من الممنوعات إلاّ الصيد و الوطء، فمن لبس مخيطا أو غطى رأسه أو حلق شعره، أو فعل غير ذلك من محظورات الإحرام فعليه الفدية و هو في ذلك مخيرّ بين صيام ثلاثة أيّام أو إطعام ست مساكين مدين لكل مسكين بمد النبي صلى الله عليه و سلم، أو ذبح شاة يتصدّق بها و تسمّى نسكا.1 و المقصد،التخفيف و رفع الحرج و مواساة ذوي الحاجة سواء بالإطعام أو الانتفاع بلحوم النسك، لوقوع الاتفاق على عدم جواز أكل صاحب النسك منه إذا كان سببه ارتكا ب محظور من محظورات الإحرام. و الشاهد قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك ﴾.2 و من السنة حديث كعب بن عجرة قَالَ : {وَقَفَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَرَأْسِي ي َت َهَافَتُ قَمْلاً ف َقَالَ : ي ُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ ق ُلْتُ ن َعَمْ ، قَالَ : فَاحْلِقْ رَأْسَكَ أَوْ قَالَ احْلِقْ ،قَالَ فِيَّ ن َزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ :﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ ﴾ إِلَى آخِرِهَا ، ف َقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّام أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَق ب َيْنَ سِتَّة أَوْ انْسُكْ بِمَا ت َيَسَّرَ }3 و مثله جزاء الصيد، و بيان ذلك أن صيد البرّ لما كان حراما في حق المحرم، جعل لانتهاك حرمته من الكفارات زاجرا عن العود إليه و مواساة لذوي الحاجة بلحوم الهدي و الإطعام 4 ،و قد ثبت التخي بين ذلك بنص القرآن الكريم. 1- القوانين الفقهية، مصدر سابق، ص161. 2- سورة البقرة، الآية 196. 3- متفق عليه 4- أمّا الهدي فإنه ينظر إلى نظير ما قتل في الخلقة و الهيئة و أقل ذلك شاة. و أمّا الإطعام، فإنه يقوّم الصيد الذي أصاب فينظر كمنه من الطعام فيطعم لكل مسكينا مدّا و هو قول مالك. ينظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي. ج8 ،ص195 و ما يليها
عدد الصفحات ٣٥٦الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 347 قال تعا﴿ يَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ ت َقْت ُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن ق َت َلَهُ مِنكُم مُّت َعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا ق َتَلَ مِنَ الن َّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْل مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ ف َيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَام ﴾.1 و قال تعا﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْب َرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.2 -الإذن في التجارة في الحج ثبت بنص القرآن الكريم أن طلب التجارة في الحج لا يفسده و لا يحبط ثوابه و هو حظ للنفس ظاهر صح تشريكه مع مقصد العبادة شرط ال تبعية كما تقدّم رعيا لحظوظ أهل التكليف و إن كان تجريد القصد أولى للخلوص من شوائب الدنيا و تعلّق القلب بغير العبادة. و دليل الإذن في التجارة النصوص الواضحة الدلالة و أسباب النزول، و مقام المعاشر. و الشاهد قوله تعالى:﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن ت َبْت َغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾.3 و المفسرون على أن الآية التجارة لما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال كَانَتْ عُكَاظُ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ف َتَأَثَّمُوا أَنْ ي َتَّجِرُوا فِي الْمَوَاسِمِ ف َن َزَلَتْ : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن ت َبْت َغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾}.4 و كذلك ورد ابتغاء الفضل في القرآن الكريم بمعنى التجارة في قوله تعا ﴿فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَاب ْت َغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾.5 و من مقام المعاشر ما رواه الدار قط في سننه عن أن أمامة التيمي قال كُنْتُ رَجُلاً أُكْرَى فِى هَذَا الْوَجْهِ وَكَانَ نَاسٌ ي َقُولُونَ لِى إِنَّ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ ف َلَقِيتُ ابْنَ عُمَرَ ف َقُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّى 1- سورة المائدة، الآية : 95. 2- سورة المائدة، الآية 96. 3- سورة البقرة، الآية 198. 4-أخرجه البخاري في صحيحه ،كتاب تفسير القرآن ، بَاب {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ ت َبْت َغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ } ،حديث رقم 4519 ،ج3 ،ص200 . 5- سورة الجمعة، الآية 10.
عدد الصفحات ٣٥٧