الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 316 لا يجب على من أفطر بعذر من الأعذار و تعين في حقه القضاء ،أن يكون ذلك على الفور أو بشرط التتابع على قول الجمهور ، ما لم يؤخره إلى قابل ، توسعة على المكلف في قضاء ما فات من أيام الصيام بحسب ما تقوى عليه منته و يقتضيه حاله و إن ثبت الندب إلى المسارعة تبرئة للذمة . و الشاهد قوله تعالى :﴿ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّام أُخَرَ ﴾1، ووجه الدلالة أن الأمر بالقضاء جاء مطلقا دون قيد يقول ابن العرن : إنما وجب التتابع في الشهر لكونه معينا، وقد عدم التعيين في القضاء فجاز التفريق . وأخرج البيهقي عن محمد بن المنكدر قال : بلغنّ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل عن تقطيع قضاء رمضان ؟ فقال : { ذَلِكَ إِلَيْكَ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَحَدِكُمْ دَيْنٌ ف َقَضَى الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ أَلَمْ يَكُنْ قَضَاءً؟ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ ي َعْفُوَا أَوْ ي َغْفِرَ } 2،و في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : {كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلاَّ فِي شَعْبَانَ }3 و جملة القول أن تشريع الصوم و إن كان فيه صرف لنفس المكلف عن حظوظها في زمن مخصوص و بمقدار مخصوص. إلا أن النظر فيما تعلق به من أحكام، يقرر أنه رعى حظوظهم من جهة التيسير و التخفيف بشرع الفطر لأصحاب الأعذار، و جبر ترك الصوم برخصة أو تعمد بالقضاء و الكفارة و الإطعام ...، تنبيها على الامتثال و الإذعان و تبرئة للذمة مع ما في ذلك من ح ظوظ عاجلة و آجلة اختص بها الصائمون و بيانها فيما يأتي: الفرع الثاني :المقاصد العامة أولا :تحصيل معنى التقوى: 1- سورة البقرة، الآية 185 2- رواه البيهقي في السنن الكبرى،كتاب الصيام، باب قَضَاءِ شَه رِ رَمَضَانَ إِن شَاءَ مُتدَفَرِّقًا وَإِن شَاءَ مُتَتَابِعًا،حديث رقم 8503 ،ج4،ص259 3- متفق عليه
عدد الصفحات ٣٢٦الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 317 الصوم يحفظ على القلب و الجوارح صحتها، و يعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فكان من أكبر العون على التقوى،دل على ذلك مسلك التعليل في قوله:﴿يَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن ق َبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ ت َت َّقُونَ ﴾1. و قال الن-صلى الله عليه و سلم-{: الصَّوْمُ جُنَّةٌ }2 و أمر من لا قدرة له على النكاح بالصوم و جعله له وجاء، و بيان ذلك أن الص وم كما يقول ابن القيم:"حبس النفس عن الشهوات و فطامها عن المألوفات و تعديل قوتها الشهوانية لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها و نعيمها و قبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية"3 ،فكان لجام المتقين و جنة المحارب و المكلف و هو يعرض عما تميل إليه نفسه و هوا ه، مؤثرا رضا الله تعالى مما كان في أصله مباحا و إنما حرم لعارض،كان ذلك أدعى له لترك ما حرم على الإطلاق كالزنا و شرب الخمر و أخذ الأموال بالباطل فإنه يسخط الله في كل حال و في كل زمان، كما أن الصوم يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم، فتسكن بال صيام وساوس الشيطان و تنكسر سورة الشهوة و الغضب، لأن الشبع و الري و مباشرة النساء ،تحمل على الأشر و البطر و الغفلة . و الصيام الذي يورث التقوى، ما اجتمع فيه ترك المفطرات الحسية و ترك المحرمات و إن وقع مجزئا عند الجمهور لأن العمل إنما يبطل بارتكاب ما نه ي عنه فيه بخصوصه.4 و منه قوله صلى الله عليه و سلم إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ ي َوْمًا صَائِمًا فَلاَ ي َرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَات َلَهُ ف َلْي َقُلْ إِنِّى صَائِمٌ إِنِّى صَائِمٌ }5 . 1- سورة البقرة، الآية 183. 2-.رواه الترمذي في سننه ،كتاب الصوم،باب ما جاء في فضل الصوم،حديث رقم : ،ج 3 ،ص126 .وقال حسن غريب من هذا الوجه . 3- زاد المعاد، ج 2، ص27. 4- لطائف المعارف ، أبو الفرج عبد الرحمن ،بن رجب ،تحقيق ،ياسين محمد السواس ،بيروت ،دار ابن كثير ،ط 5 ،1420هد-1999م ،ص288- 291. 5- متفق عليه و اللفظ لمسلم
عدد الصفحات ٣٢٧الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 318 وقد جعله الله تعالى في كثير من الكفارات، لما له من أثر بليغ في إصلاح النفس وتقويم السلوك ومن ذلك كفارة القتل الخطأ و الظهار ... و الناظر إلى عموم أحوال المكلفين قد لا يجد مثل هذه الآثار، لا لأن الصوم ليس سببا فيها و إنما لغياب حقيقته و جوهره و الاكتفاء بهيئته الظاهرة، يقول الغزالي في هذا المعنى :"و إذا كان هذا سر الصوم عند أرباب الألباب و أصحاب القلوب، فأي جدوى لتأخير أكلة و جمع أكلتين عند العشاء مع الانهماك في الشهوات الأخرى طوال النهار". 1 و يقول في موضع آخر:"و كيف يستفاد من الصوم في قهر عدو الله و كسر الشهوة، إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره، و ربما يزيد عليه في ألوان الطعام...و معلوم أن مقصود الصوم الخواء و كسر الهوى لتقوى النفس إلى التقوى ،و إذا دفعت المعدة من ضحوة النهار إلى العشاء حتى هاجت شهوتها و قويت رغبتها، ثم أطعمت من اللذات...زادت لذتها و تضاعفت قوتها و انبعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة لو تركت على عادتها". 2 فالصوم إنما كان سببا في التقوى لما فيه من انكسار سورة الشهوة و انقماع الهوى، فإنه يردع عن الأشر و البطر و الفواحش و يهون لذات الدنيا و رياستها، فيكون ذلك رادعا له عن ارتكاب الفواحش 3 ،و كماله ترك أنواع المنهيات و لي س الاكتفاء بالظواهر و الهيآت ،مما لا تحصل به مثل هذه الكمالات و الفضائل، يقول الغزالي:"فإذن قد ظهر أن لكل عبادة ظاهرا و باطنا و قشرا و لبا...و لكل درجات طبقات، فإليك الخيرة الآن في أن تقنع بالقشر عن اللباب، أو تتحيز إلى غمار الألباب".4 ثانياتوفية الأجر بغير حساب: 1- أسرار الصوم، أبو حامد الغزالي، تحقيق: ماهر المنجد، دمشق، دار الفكر، ط 1996، ص51. 2- المصدر نفسه، ص49،50. 3- بدائع المعاني في آيات الصيام، عبد المحسن بن عبد العزيز العسكر، الرياض، مركز تدبر للدراسات، ط 2،1422هد2011، ص22. 4- أسرار الصوم، مصدر سابق، ص 52.
عدد الصفحات ٣٢٨الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 319 إذا كان ثواب أعمال البر الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف،فإن ثواب الصائم لا ينحصر بمثل ذلك، بل يضاعفه الله عز و جل أضعافا كثيرة بغير حصر عدد فإن الصيام من الصبر و قد قال تعالى:﴿إِنَّمَا ي ُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِ سَاب ﴾.1 و قد ورد عن الن -صلى الله عليه و سلم- أنه سمى شهر رمضان شهر الصبر، و في الحديث الصوم نصف الصبر}2 يقول ابن رجب:"و الصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله و صبر عن محارم الله و صبر على أقدار الله المؤلمة، و تجتمع الثلاثة كلها في الصوم، فإن فيه صبرا على طاعة الله و صبرا عما حرم الله على الصائم من الشهوات و صبرا على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع و العطش و ضعف النفس و البدن".3 ومنه أن الله عز وجل خص الصيام بإضافته إلى نفسه دون سائر الأعمال لوجوه 4 أن في الصيام ترك حظوظ النفس و شهواتها الأصلية ال جبلت على الميل إليها لله عز و جل، و لا يوجد ذلك في عبادة أخرى غير الصيام، فالإحرام مثلا يترك فيه الجماع و دواعيه من الطيب دون سائر الشهوات، من الأكل و الشرب...و أما الصلاة و إن ترك المصلي فيها جميع الشهوات إلا أن مدتها لا تطول، فلا يجد المصلي فقد الشراب و الطعام في صلاته، بل قد ينهى أن يصلي و نفسه تتوق إلى طعام، و منه الأمر بتقديم العشاء على الصلاة ، بخلاف الصوم فإنه يستوعب النهار كله فيجد الصائم من فقد هذه الشهوات ما لا يجد في غيره، و هو مع ذلك مؤثر لرضا الله تعالى كاره للإفطار مع توقان النفس إليه، فاستحق ترك الحظوظ العاجلة إيثارا للغيب الأجل، أن يعظم ثوابه و يختص به المولى عز و جل فينسبه إلى نفسه. 1- سورة الزمر، الآية 10. 2-رواه البيهقي في شعب الإيمان،ج1 ،ص436. 3- لطائف المعارف، سابق ،ص288 4- المصدر نفسه، ص 288- 290.
عدد الصفحات ٣٢٩الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 320 الصيام سر بين العبد و ربه لا يطلع عليه غيره ،لأنه مركب من نية باطنة لا يطلع عليها إلا ا ،و ترك لتناول الشهوات التي يستخفى بتناولها في العادة. و إذا كان من المم كن أن يدخل الرياء بعض العبادات كالصلاة و الزكاة و الحج ،لأن القيام بها يتمثل في أمور ظاهرة يطلع عليها الناس عادة، فإن الصيام سر لا يعلمه إلا الله إلا من جهة الإخبار به.1 ثالثاالانعتاق من أسر الشهوات: من الحظوظ الحاصلة بطريق الصوم الانعتاق من أسر الاسترقا ق و التعبد للأشياء، ذلك أن المداومة على المألوف و الخضوع لداعي الهوى و باعث الشهوة سبب في حصول الاسترقاق، يقول المناوي في هذا المعنى:"إنما شرع الصوم كسرا لشهوات النفوس و قطعا لأسباب الاسترقاق و التعبد للأشياء.. ،.فإنهم لو داموا على أغراضهم لاستعبدتهم الأشي اء، و قطعتهم عن الله ،و الصوم يقطع أسباب التعبد لغيره ،و يورث الحرية من الرق للمشتبهات، لأن المراد من الحرية أن يملك الأشياء و لا تملكه لأنه خليفة الله في ملكه فإذا ملكته، فقد قلب الحكمة و صار الفاضل مفضولا و الأعلى أسفلا".2 و بيان ذلك أن الإنسان قد خصه المولى عز و جل بالتكريم و الخلافة و سخر له ما في البر و البحر بإذنه، فكان الأصل طلب الحظوظ العاجلة طلب الوسائل لا الغايات، و هو حين تستولي عليه عادة الانطلاق وراء كل لذة و الانفلات من كل قيد يكون قد استعبده الهوى على أوسع مدى...فما هذه الحرية التي تنقلب إلى عبودية لأهون ما في الحياة من قيمة و معنى ،قال تعالى:﴿أَف َرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾.3 1- الصوم فقهه و أسراره، محي الدين هيتو، دمشق، دار العلم، ط4،1399هد1979م ، ص 26. 2- فيض القدير، مرجع سابق، ج 4، ص211. 3- سورة الجاثية، الآية 23.
عدد الصفحات ٣٣٠الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 321 و الصوم تحصيل لمعنى الكرامة و العزة قال تعالى:﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا ي َعْلَمُونَ ﴾1 ذلك أنهمن أسباب المذلة، الاستكانة في طلب حظوظ النفس و الصوم يحفظها عزيزة مترفعة. 2 و قد أجمل العز بن عبد السلام مقاصد الصوم في عبارة جامعة حيث يقول:"من مقاصد الصوم رفع الدرجات، و تكفير الخطيئات، و كسر الشهوات، و تكثير الصدقات، و توفير الطاعات و شكر عالم الخفيات ،و الانزجار عن خواطر المعاصي و المخالفات". 3 فأما تكثير الصدقات فلأن الصائم إذا جاع تذكر من هم في مثل حاله فبادر إلى الإطعام و البذل ،و أما توفير الطاعات فلما في الصوم من تذكير بجوع أهل النار و ظمئهم، و في الصوم معرفة لنعمة الخالق في الشبع و الري فيستو جب بذلك الشكر و إليه أشار تعالى بقوله:﴿لَعَلَّكُمْ َ شْكُرُونَ ﴾.4 كما أنه كسر لشهوة النفس و كبح لجماع الهوى فتنزجر عن المعاصي و المخالفات 5 ،وهو مع قوله تعالى : :﴿يَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن ق َبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ ت َت َّقُونَ ﴾6. رابعاالصوم حمية وقائية و علاجية: 1- سورة المنافقون، الآية 08. 2- الصوم فقهه و أسراره ، مرجع سابق ، ج1، ص40. 3- فوائد الصوم، عز الدين بن عبد السلام، تحقيق: عبد الله نذير أحمد، بيروت، دار ابن حزم، ط1،1412هد1992م، ص21. 4- سورة البقرة، الآية 56. 5- المصدر نفسه، ص21- 25. 6- سورة البقرة، الآية 183.
عدد الصفحات ٣٣١الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 322 الصيام المستوفي للقواعد الصحية حمية وقائية تجاه بعض الناس أو حمية علاجية تجاه آخرين أو كلاهما معا. حيث يريح جهاز الهضم و يطرد السموم ،و يمنع من تراكمها في البدن...كما أنه يخفف السمنة ،و يفيد في عدة أمراض أخرى كداء السكري في بعض صوره و التهاب الكلية المزمن... 1 إلا أنه ما ينبغي التأكيد عليه أن الصوم الذي لا يحقق وظائفه الروحية فلا يهذب نفس الصائم و لا يقوم أخلاقه ،و الذي لا يحقق معناه الصحي فلا يكون حمية أو علاجا لإسراف في الطعام أو الشراب إنه صورة الصيام لا حقيقته، و المعيب في ذلك هو القصور عن درك حقيقته لا الصوم نفسه،حقيقة الصوم كمنظومة متكاملة من حيث أحكامه و علل تشريعه و رخصه و عزائمه، و واجباته و مندوباته... إن درك هذه المنظومة على الوجه الذي بينه خطاب ال تشريع مما ينبغي التأكيد عليه لتحصيل مثل هذه المقاصد ،و القصور عن ذلك سبب فيما نراه من مناقضة للمقصود... فقد يتسبب البعض في إهلاك نفسه بحجة ضرورة الإتمام و هو مأمور بالفطر و القضاء... ،و قد يأكل في رمضان أضعاف ما يأكل في غيره فأي حمية ترجى...و قد يقطع و يصخ ب و يرفث و يتذرع بأنه صائم...؟. فتبين أن الحظوظ الحاصلة بطريق الصوم سواء تلك المتعلقة بالفضائل الروحية أو بوظائف البدن إنما تختص بالصوم الحقيقي ،و هو ليس مجرد ترك شهوة الأكل و الشرب و الجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. المطلب الثالث :الزكاة : 1- الصيام بالطب و الإسلام، محمود ناظم النسيمي، اللجنة العلمية لنقابة أطباء حلب، ط1،1383هد1963م، ص08.
عدد الصفحات ٣٣٢الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 323 أصلالزكاة في اللغة الطهارة ،و النماء، و البركة ،و المدح ،و كلها معان جاء بها القرآن الكريم و السنة النبوية 1. أما في الاصطلاح فهي اس مٌ لِقَد ر مِن ال مَالِ يخُ رِجُهُ ال مُس لِمُ فيِ وَق ت مخَ صُوص لِطَائِفَة مخَ صُوصَة بِالندِّيَةِ "2،وعرفت بأنها :"حق واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص "3. والقدر المشترك أنها عبادة تقتضي إخراج جزء مخصوص من المال بشرائط مخصوصة لطائفة مخصوصة تعبدا لله عز وجل و إعلاء لدينه و سدا لخلة المسلمين ،و المناسبة بين المعنى اللغوي و الاصطلاحي ظاهرة، لما في الزكاة م ن تطهير لنفس المزكي من غوائل الشح، و صاحب الحق فيها من الغل و الحقد لفوات حظه من المال حال استئثار طائفة به ،كما أن فيها من حصول البركة ما لا يخفى ،و عليه تواترت نصوص القرآن و السنة ،و مؤديها يزكو عند الله تعالى و يتضاعف ثوابه بالبذل و الإحسان،و هي أكثر ا لعبادات تعلقا بالمصالح الظاهرة، دلت على ذلك تفاريع الأحكام و جملة المقاصد وبيانه فيما يأتي: الفرع الأول: مقاصد الأحكام : - وجوب الزكاة في المال النامي أو القابل للنماء الزائد عن الحوائج الأصلية : الشارع الحكيم لم يوجب الزكاة إلا في الأموال الفضلية ،و التي هي غير معدة للقنية و الاحتياج كالمنزل الذي يسكنه و العقار الذي يحتاج إليه...و هذا باتفاق ،ومن مقاصد هذا الحكم : الرفق بالمكلف و التيسير عليه و تطييب نفسه بالعطاء ،إذ لا ينفق إلا من الفاضل عن حاجته فلا يشق عليه .و لذلك كان الإيثار وصف الخاصة لا العامة . و دليله نصوص القرآن الكريم و السنة ، قال تعالى :﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا ي ُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾4،و العفو كما جاء في التفسير الفضل ،و إن كان ذلك في الصدقات المندوبة كما دل على ذلك ظاهر النص،فإن الصدقة الواجبة أو الزكاة 1-لسان العرب ،مصدر سابق ،المجلد الثالث ،ج 21 ،ص1849.. 2-مواهب الجليل ،مصدر سابق ،ج3 ،ص80 . 3-كشاف القناع ،مصدر سابق ،ج 2 ،ص5. 4 - سورة البقرة الآية 219
عدد الصفحات ٣٣٣الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 324 لم تخرج عن هذا السنن التشريعي طردا لرعي مصالح المكلفين،و دليل ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى :﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُون َهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ف َبَشِّرْهُم بِعَذَاب أليم يو م يُحْمَىَٰ عَلَي ْهَ ا فِي نَارِ جَهَنَّمَ ف َتُكْوَىَٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوب ُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۚ هََٰذَا مَا كَن َزْتُمْ لأَِنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾1،وقال تعا :﴿وََآتُواْ حَقَّهُ ي َوْمَ حَصَادِهِ ﴾2 ،وقال تعا ﴿ يَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ فِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَْرْضِ ﴾ 3 ،والقدر المشترك وجوب الزكاة في الذهب و الفضة ،و ما تخرجه الأرض من نبات و معادن و ركاز ، و كلها أموال لا تخلوا من أن تكون نامية أو قابلة للنماء . و الشاهد من السنة قوله صلى الله عليه و سلم: { لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي ف َرَسِهِ وَغُلاَمِهِ صَدَقَةٌ }4، و يقاس عليه دور السكنى، و دواب الركوب ، و سلاح الاستعمال ،و كتب العلم للعالم باتفاق 5 ،فتقرر عدم تعلق الزكاة بالحوائج الأصلية تخفيفا و تطييبا للنفس بالعطاء . تحصيلمقصد العموم و الدوام : مقصد الشريعة من الإنفاق كما يقول الطاهر بن عاشور:"إقامة مصالح ضعفاء المسلمين ولا يحصل منه مقدار له بال إلا بتعميمه ودوامه لتستمر منه مقادير متماثلة في سائر الأوقات ،وإنما يحصل التعميم والدوام بالإنفاق من الفاضل عن حاجات المنفقين فحينئذ لا يشق عليهم فلا يتركه واحد منهم ،ولا يخلون به في وقت من أوقاتهم"6، ومدارك مثل هذا المقصد كثير ة ،منها ماجاء من النصوص في رفع الحرج وأن أفضل الأعمال أدومها . 1 - سورة التوبة ،/الآية 34-35 2- سورة الأنعام، الآية 141. 3- سورة البقرة ، الآية:.267 4 - رواه البخاري في صحيحه ،كتاب الزكاة ، بَاب لَي سَ عَلَى ال مُس لِمِ فيِ فدَرَسِهِ صَدَقَةٌ ،حديث رقم 1463 ،ج1،ص453. 5 - الفقه على المذاهب الأربعة ،عبد الرحمن الجزيري ،بيروت ، دار الكتب العلمية ،ط -1420هد-1999م ،ج1 ،ص541 6 - التحرير و التنويرسابق ،ج2 ،ص351.
عدد الصفحات ٣٣٤الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 325 قال تعا ﴿وَمَا جَعَلَ عَ لَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج ﴾1 ومن السنة،عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: { يَا أَي ُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ }2 و عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال : { خَي ْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى }3،ومن مقام المعاشر عن جابر بن عبد الله –رضي الله عنه - قال : { بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب أصابها في بعض المغازي أو قال المعادن فجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ركنه الأيمن، فقال: يا رسول الله خذها مني صدقة والله ما لي مال غيرها، فأعرض عنه ثم جاء بها عن ركنه الأيسر فقال مثل ذلك، ثم جاء بها من بين يديه فقال مثل ذلك فقال: هاتها ،فحذفه حذفة لو أصابته لأوجعته أو عقرته ثم قال :يعمد أحدكم فيأتي بماله فيتصدق به، ثم يقعد بعد ذلك يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى ،خذ الذي لك لا حاجة لنا به فأخذ الرجل ماله فذهب }4 ومن أدلة هذا المقصد ما جاء من السنن في بيان أنصبة الزكاة ،لكونها مظنة الغنى في عرف الشرع ، و القدر المشترك التنبيه على وصف الغنى رفعا للحرج و عونا على استدامة الفعل . - تحديد أصناف الزكاة :جاءت أغلب أحكام الزكاة في القرآن الكريم مجملة، إلا من حيث تحديد أصنافها ،فإن المولى عز و جل لم بترك ذلك لبشر و لا لنبي مرسل ،و إنما قسمها بين أصحاب الحاجات ،وهي كما نص عليها القرآن الكريم : الفقراء و المساكين، و إن وقع الخلاف في صفتهما و الفصل الذي بينهما فقال قوم المسكين أحسن حالا من الفقير، و قيل الفقير أحسن حالا..،.و قيل إنهما اسمان دالان على معنى واحد. 1 - سورة الحج ،الآية 78 2 - متفق عليه و اللفظ لمسلم 3 - متفق عليه 4 - رواه البيهقي في السنن الكبرى،باب ما يستدل به على أن قوله صلى الله عليه و سلم خير الصدقة ما كان عن ظهر ،حديث رقم : 7566 ،ج4 ،ص181
عدد الصفحات ٣٣٥الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 326 و القدر المشترك حصول معنى الحاجة بملك اليسير الذي لا يبلغ بهما قدر الكفاية ،و إن حصل التفاوت فمن دون أن يكون له أثر في استحقاق أحدهما دون الآخر،يقول ابن رشد:"و الأشبه عند استقراء اللغة أن يكونا اسمين دالين على معنى واحد، يختلف بالأقل و الأكثر في كل واحد منهما، لا أن هذا راتب من أحدهما على قدر غير القدر الذي الآخر راتب عليه". 1 العاملو ن عليها:وهم الذين يقدمون لتحصيل الزكاة و يوكل إليهم أمر جمعها. المؤلفة قلوبهم : وهم الذين يرجى إسلامهم أو ك ف شر هم، أو يرجى بعطيتهم قوة إيمانهم ،أما بقاء هذا السهم بعد ظهور الدين فمختلف فيه يقو ل ابن العرن :" اُخ تُلِفَ فيِ بدَقَاءِ ال مُؤَلَفَةِ قدُلُوبدُهُم ، فَمِند هُم مَن قَالَ : هُم زَائِلُونَ ؛ قَالَهُ جمََاعَةٌ ، وَأَخَذَ بِهِ مَالِكٌ ،وَمِند هُم مَن قَالَ : هُم بَاقُونَ ؛ لأَِنَ الإ ِمَامَ رُبمََا اح تَاجَ أَن يَس تَأ نِفَ عَلَى الإ ِس لاَمِ ، وَقَد قَطَعَهُم عُمَرُ لِمَا رَأَى مِن إع زَازِ الدِّينِ ،وَاَلَذِي عِن دِي : أَنَهُ إن قَوِيَ الإ ِس لاَمُ زَالُوا ، وَإِن اُح تِيجَ إلَي هِم أُع طُوا سَه مَهُم ، كَمَا كَانَ يدُع طِيهِ رَسُولُ اللَهِ صَلَى اللَهُ عَلَي هِ وَسَلَمَ ؛ فَإِنَ الصَحِيحَ قَد رُوِيَ فِيهِ { :بَدَأَ الإِْسْلاَمُ غَرِيبًا وَسَي َعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ }2" 3 في الرقاب:و المراد به شراء الرقاب و عتقها، و قيل المكاتبون ،و الظاهر أن هذا السهم لا وجود له في يومنا هذا فيقسم على الأصناف الأخرى، إلا أن يحمل على فداء أسرى المسلمين. الغارم و هو من إدان في غير سفه و لا فساد،و لا يجد وفاء أو معه من المال ما لا يفي ديونه فيعطى من الزكاة قضاء ديونه و إن كان لا مال له فهو فقير غارم يعطى بالوصفين. 4 ابن السبيل و هو المسافر في طاعة ينفذ زاده فلا يجد ما ينفقه. في سبيل ا: قال مالك سبيل الله مواضع الجهاد و الرباط ،و به قال أبو حنيفة ،و قال غيره الحجاج و العمار.1 1- بداية المجتهد، مصدر سابق، ج1، ص38. 2- رواه مسلم في صحيحه ،كتاب الإيمان ،باب بدَيَانِ أَنَ الإِس لاَمَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيدَعُودُ غَرِيبًا وَأَنَهُ يَأ رِزُ بدَين َ ال مَس جِدَي نِ ،حديث رقم : 389 ،ج1 ،ص90. 3-أحكام القرآن ،مصدر سابق ،ج 2 ،ص530.. 4- الذخيرة، مصدر سابق، ج3، ص148.
عدد الصفحات ٣٣٦الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 327 والمقصد:رعي مصالحهم و حفظها من أن يتذرع إليها الاختلال ، ذلك أن تركها لتعيين أصحاب الأموال ،مظنة خروجها إلى غيرهم و الوقوع في سبل التقصير و المحاباة .ودليل ذلك مسلك المناسبة و النصوص الواضحة الدلالة : قال تعالى : :﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَي ْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ ق ُلُوب ُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾.2 يقول الإمام الشافعي :"فأحكم الله تبارك وتعالى فرض الصدقات في كتابه ، ثم أكدها فقال : فريضة من الله فليس لأحد أن يقسمها على غير ما قسمها الله عليه ما كانت الأصناف موجودة "3 وَفيِ حَدِيثِ زِيَادِ ب نِ الح َارِثِ الصيدَائِيي 4: { أَن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، أَتَاهُ إِنْسَانٌ ، ف َقَالَ : أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ ، ف َقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : إِنَّ اللَّهَ لَمْ ي َرْضَ فِيهَا بِحُكْمِ نَبِيٍّ ، وَلا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى حَكَمَ فِيهَا فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاء ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ ، أَوْ قَالَ : أَعْطَي ْنَاكَ حَقَّكَ }5.و جملة ما يستفاد من النصوص المذكورة أن أصناف الزكاة لما تقرر سد خلاتها ،و كان تركها لغير الشارع مظنة الإخلال بمثل هذا المقصد أحكم المولى عز وجل فرض الصدقات في كتابه و لم يجعل ذلك لغيره ، فيتجرأ أهل الأهواء على التغيير و التبديل . - اشتراط بلوغ النصاب و حولان الحول : لما كان ليس كل مال يحتمل المواساة جعل للمال الذي تحتمله المواساة نصبا مقدرة... لا تجحف بأرباب الأم وال و تقع موقعها من المالكين، فجعل للفضة مائتي درهم ،و للذهب عشرين مثقالا...، و للحبوب و الثمار خمسة أوسق ،و للغنم أربعين شاة و للبقر ثلاثين بقرة، و للإبل خمسا إلا 1- بداية المجتهد، مصدر سابق، ج1، ص39. 2- سورة التوبة، الآية 60. 3-الأم ،مصدر سابق ،ج3 ،ص181.. 4-. صداء حيّ من اليمن. بايع النبيَ صلى الله عليه وسلم وأذّن بدَين َ يديه،له صحبة و رواية .الوافي بالوفيات 5- رواه البيهقي في السننالكبرى ، كتاب الزكاة ، باب من قال تقسم زكاة الفطر على من تقسم عليه زكاة المال استدلالا بالآية في الصدقات ،حديث رقم :7733 ،ج4 ،ص291
عدد الصفحات ٣٣٧الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 328 أنه لما كان نصابها لا يحتمل المواساة من جنسها أوجب فيها شاة، فإذا بلغت خمسا و عشرين احتمل نصابها واحدا منها..."1.و المقصد التيسير و التخييف و تطييب النفس بالعطاء . ثم أنه أمر بالتوسط فلا يؤخذ من المزكي كرائم ماله ولا الرديء المغمض فيه، و فرق في زكاة الخارج من الأرض بين ما سقته السماء، و ما كان بمؤنة فجعل نصاب الأول العشر، و الثاني نصف العشر، و جعل زكاتها يوم حصادها، قال تعالى:﴿ وََآتُواْ حَقَّهُ ي َوْمَ حَصَادِهِ ﴾.2 تيسيرا لإخراجه على مالكه و لتعلق طمع المحتاج إليه في تلك الحالة3. - اختصاص الأصناف الثمانية باستحقاق الزكاة ومن جملة المقاصد التي ينتظمها: مواساة ذوي الحاجات و سد الخلات إن الناظر إلى الأصناف التي ذكرها القرآن الكريم و خصها باستحقاق الزكاة ليقطع أن من أهم مقاصدها سد خلة ذوي الحاجات، يقول الطبري:"الصدقة لسد خلة المسلمين و لسد خلة الإسلام و ذلك مفهوم من مأخذ القرآن في بيان الأصناف و تعديدهم" 4،و هذا الذي اختاره حذاق النظر من العلماء كابن العرن و الرازي... 5.ودليله قوله تعا :﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَ الْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَي ْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ ق ُلُوب ُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّ نَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾6.فكل من الفقير و المسكين و الغارم و ابن السبيل ،محتاج إ مايسد به خلته ،و يدفع به حاجة الفقر، أو سداد الدين ،أو الانقطاع عن الأه ل دون زاد مبلغ ،وفي غير هذه الأصناف مصالح عامة يقتضيها القيام بواجب الدعوة و الجهاد في سبيل الله . تحقيق مقتضيات التكريم و الخلافة : 1- ينظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، مصدر سابق، ج 2، ص07. 2- سورة الأنعام، الآية 141. 3 - ينظر :إرشاد أولي الأبصار و الألباب،عبد الرحمن السعدي ،أضواء السلف ،ط 1 ،1420هد-2000م،ص127-135 4- جامع البيان، مصدر سابق، ج11، ص523. 5- التحرير و التنوير، مرجع سابق، ج 10، ص237. 6- سورة التوبة، الآية 60.
عدد الصفحات ٣٣٨الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 329 إن مفهوم سد الخلة لا ينحصر في إشباع الحظوظ المادية بقدر ما هو سبب للارتقاء بالمكلف لمقتضيات التكريم و الخلافة، يقول سيد قطب:"يكره الإسلام الفقر و الحاجة للناس لأنه يريد أن يعفيهم من ضرورات الحياة المادية ليفرغوا لما هو أعظم و لما هو أليق بالإنسانية و بالكرامة"، 1 فهو خليفة الله و من به أنيطت عمارة الأرض و" أنى له ذلك إذا كانت حياته تنقضي في سبيل اللقمة لو كانت كافية فكيف إذا قضى الحياة فلم يجد الكفاية"2، و قد يعترض معترض بأنه قد يحصل من البعض إسقاط حظ النفس و شهوة البدن دون أن يرى لذلك أثرا في تجريد القصد و دوام الإذعان ، و الامتثال ، و هي حال لا يخلو منها كث ير من العباد و الزهاد، و قد تقدم أن حمل العموم على ذلك مما يشق ذلك أنه لا يصلحهم في كل حال إسقاط حظوظه م التي أباحها لهم الشارع طلبا و انتفاعا،ثم إن الفقر و إن جاء التذكير بفضل أهله، ليس خيرا بإطلاق ،و الشاهد أن المولى عز و جل امتن على رسوله الكريم بالغنى، ق ال تعالى:﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ﴾3.و امتن على المسلمين بعد الهجرة. فقال:﴿ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾4 و كان من دعاء الن -صلى الله عليه و سلم-{: اللَّهُم إِنِّى أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالت ُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى}5 ومن أدلة هذا المقصد ما جاءالنهي عن المن و الأذى ،قال تعالى:﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ ي ُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى ﴾.6 و الشاهد أن المولى عز و جل أوجب الصدقة لمستحقيها حقا معلوما ي ؤخذ من الأغنياء و يرد على الفقراء، فإن خالطها من أو أذى أبطلها. 1- العدالة الاجتماعية في الإسلام، سيد قطب، القاهرة، دار الشروق، ط 13،1413هد1983م، ص115 . 2- المرجع نفسه، ص 116. 3- سورة الضحى، الآية 08. 4- سورة الأنفال، الآية 26. 5- رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الذكر و الدعاء والتوبة و الاستغفار ، باب التدَعَويذِ مِن شَرِّ مَا عَمِلَ وَمِن شَرِّ مَا لمَ يدَع مَل ،حديث رقم : 7079،ج8، ص81 6- سورة البقرة، الآية 262.
عدد الصفحات ٣٣٩الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 330 قال تعالى:﴿يَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ ت ُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَ لاَ ي ُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْي َوْمِ الآخِرِ فَمَث َلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَان عَلَيْهِ ت ُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ ف َت َرَكَهُ صَلْدًا لاَّ ي َقْدِرُونَ عَلَى شَيْء مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ لاَ ي َهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾.1 و بيان ذلك أن المن و الأذى و الرياء يكشف النية كما يكشف الوابل الصفا فيذهب ما ظن أرض ا.2 فالمنفق كما يرى صاحب الوجيز، لا يخلو من ثلاثة أوجه، إما أن يريد وجه الله تعالى و يرجو ثوابه فهذا لا يرجو من المنفق عليه شيئا و لا ينظر من أحواله سوى أن يراعي استحقاقه ،و إما أن يريد من المنفق عليه جزاء بوجه من الوجوه و هذا الذي متى أخلف ظنه من إنفاقه م ن و آذى، و إما أن ينفق مضطرا لسبب من الأسباب فإن توبع و حرج بوجه من وجوه الحرج آذى، فالمن و الأذى يكشفان على ما تقدم مقاصد المنفق و أنها لم تخلص لوجه الله تعالى فاستحق بذلك محق الأجر و بطلان العمل. 3 و جملة القول أن خلة المحتاج و إن كانت تسد بالبذل و الإنفاق إلا أن كمال الحكمة و الرحمة اقتضت أن يأخذها كريما لا ذليلا و لا مهان،فكانت عناية الشارع بحظ النفس و الروح لا تقل عن عنايته بحظ البدن بل و قد تربوا عليه، قال تعالى:﴿ ق َوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِ رَةٌ خَي ْرٌ مِّن صَدَقَة ي َتْب َعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾.4 و شتان بين معط يرى نفسه أعلى شأنا من الآخذ و أنه لا يزال له مدينا بالفضل و المنة و بين منفق يعلم أن ما يخرجه من ماله حق للمبذول له و ليس المحروم الآخذ "إلا أداة و سببا لينال المعطي أض عاف ما أعطى" بل إن المال الذي ينفقه منه، هو في الأصل مال الله و إن كان بين يديه فعارية تقتضي أن يتصرف فيها وفق ما يقرره المالك، 5 قال تعالى:﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾.6 1- سورة البقرة، الآية 264. 2- المحرر الوجيز، مصدر سابق، ج 1، ص583. 3- نفس المصدر، ج1، ص356. 4- سورة البقرة، الآية 263. 5- ينظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ج1، ص287. 6- سورة النور، الآية 33.
عدد الصفحات ٣٤٠الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 331 إن مثل هذه المقاصد متى ترسخت في نفس المكلف كانت أقوم بتحصيل مرا دات الشارع من تشريع الزكاة الواجبة و التطوعات المندوبة في رعي مصالح العموم و الخصوص، على أكمل وجه و أتم صفة دون أن يحرم الساعي ثمرة عنائه و جهده،و لا أن يضيع حظ الضعيف و من أبطأ به الجهد أو قصرت به يد السبب عن بلوغ الكفاية، فجعل له حق في أموال الأغنياء غير مهان و لا مهدد بالمنع و القساوة...1، و لذلك تواتر لفظ القرآن على اعتبارها حقا من الحقوق، قال تعالى:﴿ وََآتُواْ حَقَّهُ ي َوْمَ حَصَادِهِ ﴾،2و قال تعالى:﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ ت ُبَذِّرْ ت َبْذِيرًا ﴾.3 و قال تعا:﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ ، لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾.4 هذه جملة مقاصد الأحكام من حيث رعي حظوظ المكلفين في تشريع الزكاة، و فيما يأتي أهم المنافع و المصالح العائدة على المكلف في طريق الامتثال سواء تعلق بها قصده مع اعتبار الشروط المتقدمة أو كانت حاصلة تبعا. الفرع الثاني : المقاصد العامة أولا:حصول البركة و نماء الأموال: من الحظوظ الحاصلة للمكلف بامتثاله ما أمر به من إخراج حق الله عز و جل المتعلق بأمواله، حصول البركة و النماء،و هو أمر تظاهرت على تقريره نصوص كثيرة، قال تعالى:﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَي ُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾،5 و قال:﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾،6 و قال تعالى:﴿ وَمَا آت َيْتُم مِّن زَكَاة تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُو لَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ﴾7، 1- ينظر: التحرير و التنوير، ج3، ص46. 2- سورة الأنعام، الآية 141. 3- سورة الإسراء، الآية 26. 4- سورة المعارج، الآيتان 24،25. 5- سورة البقرة، الآية 276. 6- سورة البقرة، الآية 268. 7- سورة الروم، الآية 39.
عدد الصفحات ٣٤١