الجمهوريةالجزائرية الديمقراطية الشعبية République Algérienne Démocratique et Populaire وزارة التعليم العالي و البحث العلمي Ministère de l’Enseignement Supèrieur et de la Recherche Scientifique كلية العلوم الإنسانية و العلوم الإسلامية Faculté des Sciences Humaine et des Sciences Islamique بحث مقدم لنيل درجة دكتوراه علوم في العلوم الإسلامية تخصص فقه و أصول إعداد الطالبة: إشراف الدكتور: خيرة سرير حاج أ.د لخضر لخضاري لجنة المناقشة أ.د يوسي الهواري رئيسا جامعة وهران أ.د لخضر لخضاري مقررا جامعة وهران د.حمزة العيدية مناقشا جامعة وهران أ.د سيب خير الدين مناقشا جامعة تلمسان د. ماحي قندوز مناقشا جامعة تلمسان أ.د دباغ محمد مناقشا جامعة أدرار 2014-2015
عدد الصفحات ١قـبـس
عدد الصفحات ٢يقول الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات :"إن الكتاب قد تقرر أنه كلية الشريعة ،وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة ، ونور الأبصار والبصائر ،وأنه لا طريق إلى الله سواه ولا نجاة بغيره ،ولا تمسك بشيء يخالفه ،وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير واستدلال عليه لأنه معلوم من دين الأمة ،وإذا كان كذلك لزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة ،وطمع في إدراك مقاصدها واللحاق بأهلها أن يتخذه سميره وأنيسه ،وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي نظرا وعملا".ج3،ص346.
عدد الصفحات ٣بعد أن منّ الله عليّ بإتمام هذه الدراسة أتوجه إلى الحق سبحانه و تعالى بالشكر العظيم إذ له كل الفضل و المنة،ثم أتقدّم بجزيل الشكر للأستاذ الدكتور لخضاري لخضر على قبوله الإشراف على هذه الرسالة ،و على ما بذله من جهد تقويما و تسديدا و تصحيحا، و للأساتذة الأفاضل ،الأستاذ الدكتور يوسي الهواري ،و الدكتورة حمزة العيدية ، و الأستاذ الدكتور سيب خير الدين ،و الدكتور ماحي قندوز ،و الأستاذ الدكتور دباغ محمد ،لقبولهم الاطلاع على هذه ا لرسالة ، ومناقشتها ،فجزا هم الله خير الجزاء لما تكبدوه من عناء قراءة و تصحيحا و تقويما . كما أتقدم بالشكر لكل من قدم إليّ يد العون أو أسدى لي النصح، سائلة المولى عز و جل أن يجزيهم عنّّ خير الجزاء .
عدد الصفحات ٤الإهداء أهدي هذا العمل المتواضع إلى والدي الكريمين شكرا و عرفـانا و إلى رفيق الدرب زوجي و إلى قرة العين أبنائي ،براءة ،ومحمد ،ولجين و إلى من تسري مودتهم في الأوصال أشقـائي . كما أهديه إلى رفقـاء الطلب ،راجية من المولى عز و جل التوفيق إلى ما فيه الخير و الصلاح.
عدد الصفحات ٥المقدمة 1 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على نبينا محمد و على آله و صحبه و بعد: إن قيام الشريعة على جلب المصالح و دفع المفاسد من الأصول التي تواترت على تقريرها نصوص الشرع حتى بلغت مبلغ القطع، إلا أن هذه المصالح منها هو جلي، للنفس فيه حظ ظاهر ، و منها ما هو خفي، صرفت العقول عن سبر غوره و تحصيل حقائقه تعبدا و ابتلاء ،و منها ما هو متعلق بأهل التكليف حال الخويصة ،و ما تعلق بهم حال الاجتماع، و شواهد ذلك كثيرة يتعذر حصرها، إلا أن مردها، أصل الأدلة، و عمدة الملة ،وينبوع الحكمة و هو القرآن الكريم، و صنوه السنة النبوية شرحا و تأكيدا و تفصيلا، و المراد بالتقرير و البيان و الاستدلال، تلك المصالح الخاصة التي تميل النفوس إلى طلبها ،و المقاصد التابعة التي تفضل الشارع على المكلفين بسوق التشريع لهافي مقابلة المقاصد الأصلية. و إن كان القسم الأول إنما يطلب طل ب الوسائل فإن الوسيلة تشرف بشرف المقصد ،و حسبك من ذلك أن تكون المقاصد التابعة باعثا و معينا و مكملا للمقاصد الأصلية، تفضلا من الشارع و امتنانا. و الناظر في نصوص القرآن و السنة، حال الإنفراد و الاجتماع حيثما ولى وجهه، يجد مثل هذا التعلق بحظوظ أهل التكليف، فلا يكاد يخلو منه دليل من الأدلة جزئيا كان أو كليا، و أقصد بالكلي الأوصاف و المعاني الجامعة، الحاصلة بطريق الاستقراء أو التواتر المعنوي و هو أهم مسالك التأصيل القرآني لمقاصد التشريع أصلية كانت أو تابعة، حيث تقتضي مقامات تحصيل القطعيات تظاهر الفروع و تواتر الجزئيات. و بالعودة إلى موضوع الدراسة يمكن القول أن الشارع الحكيم لما كان من صفاته العليا الحكمة و الرحمة، اقتضى ذلك أن ينتفي في حق الشريعة ال عبث ،و أن تقوم على تحقيق مقاصد الشارع في جلب المصالح و دفع المفاسد، ضرورة كانت أو حاجة أو تحسينا، بل إن الخالق
عدد الصفحات ٧المقدمة 2 عز و جل رعى باعث الطبع و دوافع الجبلة ،في ضروب البيان و تفاريع الأحكام، و أنواع الجزاءات و نوط العلل بالمعلولات ،و الأسباب بالمسببات،لتنتهض الهم م إلى الامتثال امتثالا يليق بعظمة التشريع، امتثال العقول و إذعان الجوارح، حيث إنه لم يكن من التحكمات الجامدة التي لا سبيل لدرك معانيها و مقاصدها، رعيا لحظ العقل كما روعي حظ الجسد و النفس . إلا أن اعتبار مثل هذه الحظوظ منوط باستيفاء شرائطها و الوقوف على قواع د الاعتبار، سواء تعلق ذلك بقصد الشارع، أم بقصد المكلف، أم بأسباب التحصيل و الانتفاع ، فكان حريا بالنظر الوقوف على الكليات التشريعية الضابطة للحظوظ المعتبرة ، تجنبا لكثرة التفريع حيث يتعذر الحصر،وفي عرض شواهد الاعتبار،على وزان من ربط الفروع بالأصول ،و تنزيل الجزئيات على هدي من الكليات تقرير لما تقدم ،وتمييز للمعتبر من الحظوظ عن الأوهام و التخيلات . إشكالية البحث: من خلال ما تقدم، فإن الإشكال أو السؤال المطروح هنا، هو ما حقيقة حظوظ المكلفين و ما شروط اعتبارها؟، و كيف يمكن الاستدلال على هذا الاعتبار من القرآن الكريم ،على وزان من الجمع بين أفراد الأدلة و كلياتها؟ ،ثم ما أهم القواعد التي ينضبط بها اعتبار الحظوظ حتى لا تتنكب عن مقاصد الشارع، قصدا و طلبا و اكتسابا؟ ،و أخيرا ما أهم النماذج التطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم ؟. أهمية الموضوع : أهمية هذا الموضوع ترتبط ارتباطا وثيقا،بأهمية التأصيل القرآني للجزئيات المقاصدية وكلياتها ،إعمالا لمنهج التواتر الذي ينبغي أن يهرع إليه في بناء الأنساق الكلية ،حيث أن القرآن الكريم عمدة الملة و أصل الأدلة ، و حيثما اجتمع مع السنة النبوية تأكيدا و تفصيلا و تفريعا ،حصل القطع أو الظن الغالب بكون المعاني التي يقتنصها النظر مقصودة للشارع أصالة أو تبعا، و يؤذن بالاحتكام إليها في الفتيا و الاستدلال، و التعامل مع خطاب التشريع فهما و تنزيلا ،وصولا إلى تحقيق الملائمة بين مقاصد المكلفين و مقاصد الشارع .
عدد الصفحات ٨المقدمة 3 إضافة إاولة وضع أسس لنظرية عامة حول حظوظ المكلفين ،ذلك المصطلح الذي أصل له الإمام الشاطبي ،و أطال النفس في ضبطه بالقيود و الشرائط الشرعية ،و ارتأيت أن تكون هذه الدراسة جمعا لما تناثر من المسائل و بيانا و توسعة . إن هذا المصطلح المقاصدي بما يحويه من دلالات قيمية يعطي بعدا آخر للنظر المقاصدي غير ذلك المتعلق بوظيفة الاجتهاد ،حيث التشوف إلى الارتقاء بالقصود و التصرفات لتحقيق الملائمة بينها و بين مقاصد الشارع، كما هو متشوف إلى الارتقاء بالظنيات لدرك مرادات الشارع في الكشف عن أحكام الشرع، و تنزيلها على واقع المكلف ين ، و تحقيق مثل هذه الملائمة ،لا يتصور إلا على تبصر بالمنهج الغائي الذي يقوم عليه هذا الفن ،ودرك المعاني الحقيقية التي قد تختزلها الرسوم ،و تقصر عن تحصيلها الأفهام ، فيشترك المبلغ و المتلقي في ضرورة تحري مقصد الفهم ،إما تحصيلا مباشرا أو ببذل الأسباب المعتبرة ،لحصول الامتثال و الإذعان ،ذلك أن "الفهم دون امتثال يورث عقابا مستحقا،و امتثال دون فهم ضلال مبين يوجب التنكيل "1،،و الناظر لما عليه عامة أهل التشريع اليوم من اعتناء بالهيآت و الرسوم ،و بعد عن الحقائق و الماهيات ليقطع بذلك . ثم إن النظر إذ يتتبع أصول هذه النظرية و فروعها يقف على ضرب آخر من ضروب الإعجاز القرآني ،حيث تتمالأ أدلة النقل و العقل و الفطرة لتكون حاديا للقصود و التصرفات ،دون قسر أو حجر على النفس في نيل ما جبلت عليه من جلب للملائم و دفع للمنافر ،و دون استرسال يفضي إلى خلاف المقصود ، تفضلا من الباري عز وجل و امتنانا ، ذل ك إن كنا نقطع بالإعجاز اللفظي و النظمي للقرآن الكريم فلا يقل عنه إعجازا تعلق الخطاب بحظوظ أهل التكليف ،تقريرا لمقصد الامتثال ،و دفعا لذرائع الوهم و الوهن و الانقطاع ،إلا من حي ث الاسترسال مع دواعي الأهواء ،و قد علم أنه سبب الفساد غالبا . 1-الإمام في مقاصد رب الأنام ،الأخضر الأخضري ،ص 112.
عدد الصفحات ٩المقدمة 4 منهج الدراسة تنبنّ هذه الدراسة على منهجين :المنهج الاستقرائي و الوصفي التحليلي، ذلك أن طبيعة البحث تقتضي تتبع الجزئيات لتحصيل المعاني الكلية، و ذلك من خلال جمع النصوص المتعلقة بكل مسألة من المسائل التي تنتظمها، أو على الأقل ما يتيسر به تحصيل الظن الغالب حال اطرادها، أو تعذر استغراقها بعملية الاستقراء،و بيان القدر المشترك فيها ليتقرر أصلا كليا ينبنّ عليه غيره...،ثم تحليل الكليات و القواعد المستقرأة ،مع الاستعانة بالخبرات البحثية السابقة لوضع أسس واضحة لمعالم رؤية قرآنية - بصفة خاصة ، تشريعية بصفة عامة -لحظوظ المكلفين جلبا و دفعا. هذا من حيث المنهج العام أما من حيث المنهج الشكلي فكان على النحو الآتي : -تخريج الآيات القرآنية من خلال ذكر السورة ورقم الآية مع ذكرها في الهامش ،و قد اعتمدت على رواية حفص عن عاصم . -تخريج الأحادي ث النبوية من كتب السنة ،بذكر الكتاب و الباب –إن كان أساس التصنيف الأبواب الفقهية-و رقم الحديث و الجزء و الصفحة ،فإن خرج الحديث الشيخان اكتفيت بعبارة متفق عليه مع بيان صاحب اللفظ. - عزو الأقوال إلى أصحابها مع التنصيص عليها إن كان النقل دون تصرف ،و الإشارة إ ليها في الهامش من خلال ذكر اسم الكتاب ثم المؤلف ثم مكان النشر و دار النشر ،،رقم الطبعة و تاريخها ثم الجزء و الصفحة -شرح بعض المفردات التي قد يخفى معناها ،وكذلك الترجمة لبعض الأعلام غير المشهورين. . -تنوع منهج البحث بين الإجمال تارة و التفصيل تارة أخرى، لح اجة بعض الجزئيات إلى بسط المقال فيها دون بعض .
عدد الصفحات ١٠المقدمة 5 مصادر البحث: تنوعت مصادر البحث بين كتب الأصول و المقاصد و التفسير و شروح السنة ،إلا أن الأصل الذي استندت إليه هذه الدراسة هو كتاب الموافقات للشاطبي لكونه أكثر من اعتنى بحظوظ المكلفين كاصطلاح مقاصدي تأصيلا و تفريعا ،أما عن الدراسات المعاصرة فيأتي في مقدمتها ،مقاصد المكلفين للدكتور عمر سليمان الأشقر و ،قواعد المقاصد للكيلاني ،و ضوابط المصلحة للشيخ البوطي ...وغيرها . الدراسات السابقة : لقد اهتم الكثير من الباحثين بمقاصد المكلفين في أبواب العادات و المعاملات ،وكذلك المقاصد التابعة ومن جملة ما جاء في ذلك : المقاصد الأصلية و المقاصد التابعة للدكتورة مليكة مخلوفي و هي رسالة تقدمت بها الباحثة لنيل شهادة الدكتوراة بجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة مقاصد المكلفين في المعاملات المالية و هي رسالة تقدم بها الدكتور صافي حبيب لنيل شهادة الدكتوراة بكلية العلوم الإنسانية و الحضارة الإسلامية بوهران ...،إلا أن هذه الدراسات و غيرها ،و إن انتظمت جوانب من موضوع الدراسة إلا أنها تتميز عن غيرها مما كتب في هذا الموضوع بالرؤية التأصيلية القرآنية كما يبين عنه عنوان الأطروحة . خطة الدراسة :تضمنت الدراسة مدخلا تمهيديا تناولت فيه الباحثة مسألة التأصيل القرآني لمقاصد التشريع ،و أهمية تقصيد الأحكام كمقدمة منهجية لا غنى عنها في طرح مثل هذا الموضوع ،وقد حوت فصولا ثلاثة ،الفصل الأول في بيان الماهيات والحقائق من خلال التعريف بحظوظ المكلفين ، و أقسامها ،و التفريق بينها و بين المصطلحات الم تداخلة ،و كذا الشرائط و أدلة الاعتبار ،أما الفصل الثاني فتضمن القواعد الكلية الضابطة للحظوظ المعتبرة قصدا و تحصيلا ،و في الفصل الأخير عرض لأهم النماذج التطبيقية لحظوظ المكلفين في القرآن الكريم، و قد اخترت لذلك الأبواب الفقهية من
عدد الصفحات ١١المقدمة 6 خلال أحكام العبادات و الأحوال الشخصية ،لتعذر استغراقها جميعا فاكتفيت بعرض الشواهد الدالة على المقصو د ،فكانت الخطة على النحو الآتي: مقدمة المدخل أولا: التأصيل القرآني لمقاصد التشريع ثانيا: أهمية تقصيد الأحكام الفصل الأول: حظ المكلف حقيقته، شروطه ،و أدلة اعتباره. المبحث الأول: التعريف بحظ المكلف و التفريق بينه و بين المصطلحات المتداخلة المطلب الأول: تعريف حظ المكلف المطلب الثاني: التفريق بينه و بين المصطلحات المتداخلة المبحث الثاني: المبحث أقسام حظوظ المكلفين و شروط اعتبارها الثاني: المطلب الأول: أقسام حظوظ المكلفين. المطلب الثاني: شروط الاعتبار المبحث الثالث: أدلة اعتبار حظوظ المكلفين (استثمار لمسالك الكشف) المطلب الأول: الأدلة النصية المطلب الثاني: سكوت الشار ع
عدد الصفحات ١٢المقدمة 7 المطلب الثالث: المناسبة المطلب الرابع :الاستقراء المطلب الخامس: الأوصاف الكلية للتشريع الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية. المبحث الأول: القواعد المتعلقة بقصد الشارع المطلب الأول: المقصد الشرعي إخراج المكلف عن داعية الهوى حتى يكون عبد ا لله اختيارا كما هو عبد لله اضطرارا المطلب الثاني: المصالح المجتلبة و المفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقوم الحياة الدنيا للحياة الآخرة. المطلب الثالث: تعلق التشريع بحظوظ أهل التكليف تقرير لمقصد الامتثال المبحث الثاني: القواعد المتعلقة بقصود المكلفين و موافقتها قصد الشارع المطلب الأول: قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع المطلب الثاني: الأصل في العبادات البناء على مقصد الامتثال و إن كان يصح التشريك شرط التبعية و التكميل و المناسبة . المطلب الثالث: القصد إلى الحظ في الأعمال العادية لا ينافي أصل الأعمال شرط مصاحبة المقاصد الأصلية. المبحث الثالث: القواعد المتعلقة بالتحصيل و الانتفاع
عدد الصفحات ١٣المقدمة 8 الفصل الثالث:نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال أحكام العبادات و الأحوال الشخصية : المبحث الأول :العبادات المطلب الأول :الصلاة المطلب الثاني الصوم المطلب الثالث :الزكاة المطلب الرابع :الحج المبحث الثاني :الأحوال الشخصية المطلب الأول :النكاح المطلب الثاني :الطلاق . الخاتمة و أخيرا فقد بذلت الوسع في تحصيل مسائل هذه الدراسة و الحمع بينها على الوجه الذي رأيته مقيما لأركانها ،فإن قصرت العبارة و لم تسعفنّ الرسوم في التعبير عن تلك الدرر التي ينتظمها الخطاب القرآني فذاك شأن البشر ، و إن أصبت فما توفيقي إلا بالله عز و جل . و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،و الصلاة والسلام على نبينا محمد و آله و صحبه أجمعين . المطلب الأول: الأصل في المنافع الحل و في المضار التحريم المطلب الثاني: الاحتياط المطلب الثالث: قاعدة نفي الضرر.
عدد الصفحات ١٤المدخل 9 المدخل إن التأصيل القرآني لأي مفردة مقاصدية ، ينبنّ على فقه دقيق لحقيقة هذا التأصيل و ضرورته في واقع التنزيل ،فكان المدخل إلى تعرف ماهية حظوظ المكلفين في القرآن الكريم و ضوابط الاعتبار و مداركه ، الوقوف على مقاصدية القرآن الكريم وأهمية التقصيد ،و قد حوى الفرعين الآتيين: أولا :التأصيل القرآني لمقاصد التشريع ثانيا : أهمية تقصيد الأحكام
عدد الصفحات ١٦المدخل 10 أوالتأصيل القرآني لمقاصد التشريع: إن الكتاب لما تقرر أنه كلية الشريعة، و عمدة الملة و ينبوع الحكمة و آية الرسالة، و نور الأبصار و البصائر...لزم ضرورة لمن رام الإطلاع على كليات الشريعة و إدراك مقاصدها أن يتخذه سميره و أنيسه و أن يجعله جليسه... نظرا و تتبعا و عملا 1، و بيانه أن من ابتغى تحصيل مراد المخاطب، فليس أقوم بذلك من الرد إلى نصوص الخطاب نفسه بمجموعها و آحادها لتتبع المعاني و العلل و الأوصاف، التي يقررها حال الإن فراد و الاجتماع، وفق نسق معرفي يجمع بين الجزئيات و الكليات، بحيث لا يضيع الكلي بالعكوف على الجزئي، و لا الجزئي في طريق الكلي،و وفق ضوابط يجتمع فيها مقام التعليل و مقام التعبد حيث تناط الأحكام، بجلب الصلاح و دفع الفساد وفق ما يقرره الشرع و يدركه العقل على جهة التفصيل و الإجمال. إن مثل هذه المنظومة لا تغضي شيئا من شأن قدرة العقل على تحصيل الحقائق و تطوير الأنساق المعرفية، إلا أنها تحد من استرساله و تكبح جماحه حيث تقتضي ذلك جهة الصلاح و إن خفيت. و إذا تقرر هذا فإن الارتباط وثيق و العلاقة قوية بين القرآن و مق اصد الشريعة، فارتباط المقاصد بالقرآن ارتباط للفرع بالأصل الذي به قراره و ثباته 2 ،و موجهه الذي ينآ به عن مجانبة الحق في درك المراد. يقول الشاطبي:"الأدلة الشرعية أقرب إلى تفهيم مقصود الشارع من كل شيء". 3 و يقول في موضع آخر:"و نصوص الشارع مفهمة لمقاصده، بل هي أول ما يتلقى عنه فهم المقاصد الشرعية". 4و عليه فجميع المقاصد الشرعية المعتبرة إنما هي راجعة في جملتها أو تفصيلها ،تصريحا أو 1- الموافقات، أبو اسحاق الشاطبي، بشرح و تعليق : عبد الله دراز ،دار الفكر ، ج3، ص346. 2- مقاصدددد الشدددريعة الإسدددلامية و علاقتهدددا بالأدلدددة الشدددرعية، محمدددد سدددعد بدددن أحمدددد اليدددون، دار الهجدددرة للنشدددر و التوزيدددع، المملكدددة العربيدددة السدددعودية، ط 1، 1412هد- 1998م. ص 476 . 3- الموافقات، مصدر سابق، ج2، ص336. 4- المصدر نفسه، ج2، ص388.
عدد الصفحات ١٧المدخل 11 تلميحا إلى هدي القرآن و تعاليمه و أسراره و توجيهاته...، فمن القرآن الكريم تستفاد مقاصد الشارع الحكيم من إرسال الرسل و تنزيل الكتب، و بيان العقيدة و الأحكام و التكليف و الجزاء، و الخلق و البعث...1،و كذلك وجدناه ينحو في التعريف بمقاصد التشريع إلى تقرير الكليات و القواعد العامة و دليل ذلك أن تعريفه بالأحكام كما يقول الشاطبي:" كان أكثره كليا لا جزئيا، و حيث جاء جزئيا فمأخذه على الكلية إ ما بالاعتبار أو بمعنى الأصل".2 و مثال ذلك مقصد التيسير، و مقصد العدل و مقصد التكافل و التعاون و غيرها قال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَي َن ْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْب َغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّ كُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾.3 و قال عز و جل:﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَج ﴾.4 و قال تعالى:﴿وَت َعَاوَنُواْ عَلَى الْب َرِّ وَالت َّقْوَى﴾.5 فلما علم أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في تقرير المقاصد و نوط الأحكام بمقتضاها، تذرعا بالقطع الحاصل من تواتر أفراد الأدلة على معاني كلية، هي المرادة في مقام لزوم ال قطعيات تضييقا لهوة الخلاف، و دفعا للتعارض الحاصل من العكوف على الظنيات، خاصة متى اجتمعت قطعية الثبوت مع قطعية الدلالة فما منزلة السنة من كل ذلك؟ و للإجابة يمكن القول أن الناظر في القرآن الكريم ليقطع بوجوب طاعة النبي - صلى الله عليه و سلم- و الوقوف عند أمره و نهيه و أنه معصوم لا ينطق عن الهوى. فتقرر من ذلك:" أن الوحي قسمان، أحدهما متلو مؤلف تأليفا معجز النظام و هو القرآن، و الثاني 1- الاجتهاد المقاصدي، نور الدين الخادمي.بيروت ، دار ابن حزم ،ط 1 ،1431ه-2010م ، ص 84 2- الموافقات، مصدر سابق، ج3، ص366. 3- سورة النحل، الآية 90. 4- سورة المائدة، الآية 06. 5- سورة المائدة، الآية: 02.
عدد الصفحات ١٨