المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حظوظ المكلفين في القرآن الكريم بين الجلب والدفع

خيرة سرير حاج

صفحة ١٩ من ٣٠

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 286 ثانيا: ضوابطه الإسقاط من التصرفات المشروعة في الجملة إذ هو تصرف الإن سان في خالص حقه و الأصل فيه الإباحة1، شرط أن يوافق محله مع صحة الباعث و عدم ترتب الضرر من حيث الحال و المآل وعليه فان ضوابط صحة الإسقاط لا تخرج عن أمور ثلاثة قابلية الحق للإسقاط و مشروعية الباعث و صحة المآل بحيث لا يتذرع بترك الحظوظ إلى مفسدة أعظم وب يان ذلك فيما يأتي: أ: محل الإسقاط من الشرائط الواجب اعتبارها في صحة الإسقاط أن يوافق محله بأن يرد على حق خالص للعبد جعل له المولى عز و جل إسقاطه ،و قد تقدم في أول الدراسة بيان أنواع الحقوق و الأقسام التي لا تقبل الإسقاط منها ،و هي حق الله المحض أو ما اجتمع مع حق العبد و كان حقه تعالى غالبا ،و يمكن أن نضيف قسما آخر ذكره صاحب التهذيب في حاشيته على الفروق و هو حقه تعالى على العباد في حفظ مصالحهم لا يرد عليه الإسقاط 2، إلا أن لا يتعلق بالضروريات فللمكلف الأخذ و الترك، و مثاله كما يقول الشاطبي:" اختياره في أنواع المتناولات من المأكولات و المشروبات و الملبوسات و غيرها مما هو حلال له ،و في أنواع البيوع و المعاملات و المطالبات بالحقوق فله إسقاطها و له الاعتياض عنها و التصرف فيها بيده من غير حجر". 3 يقول الإمام في هذا السياق:" و قد يحجر على العبد في حقه لنفاسته فيصير حقا لله تعالى كالرضا بالرق و السرف في المال و الإلقاء باليد إلى التهلكة". 4 ب: الباعث 1- المنثور في القواعد، مصدر سابق، ج3، ص393، ، ضوابط إسقاط الحقوق في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 143. 2- الفروق، ج1، ص258. 3- الموافقات، مصدرسابق،ج 2 ، ص378. 4- القواعد، ج2، ص417.

عدد الصفحات ٢٩٣

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 287 الإسقاط إما أن يكون لأمر أو لا لشيء، و الثاني عبث يتنزه عنه العقلاء، أما الأول، فإما أن يكون الأمر موافقا لقصد الشارع، و مثاله عزوف النفس عن بعض المباحات 1 ،مع اعتقاد حليتها تطلبا لما هو أشرف قدرا و أعظم منزلة، كالاشتغال بالطاعات و طلب العلم الشرعي و هو على هذا التقدير مندوب إليه ما لم يترتب عليه ضرر كما يتبين في الآتي. و من البواعث المشروعة المواساة و الإيثار، مما جاء القرآن الكريم ببيان فضله و الحض عليه، قال تعالى:﴿ وَي ُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾.2 و قال تعا﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ ، لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾.3 قال النووي:" أجمع العلماء على فضيلة الإيثار بالطعام و نحوه من أمور الدنيا و حظوظ النفس لاف القربات...فإن الحق فيها لله". 4 و في هذا المعنى يقول الحموي:" الإيثار ضربان، الأول أن يكون للنفس فيه حظ فهو مطلوب كالمضطر يؤثر بطعامه غيره إن كان ذلك الغير مسلما... ،و الثاني في القرب كمن يؤثر في الصف الأول غيره...و هو لا يجوز لأن الغرض بالعبادة التعظيم و الإجلال فمن آثر به فقد ترك إجلال الإله و تعظيمه"،5و من ذلك قولهم لا يؤثر المالك على نفسه أحدا عند حاجته إلى الطهر مع التفات إلى سعة الوقت و ضيقه".6 1- ضوابط المصلحة، ص50. 2- سورة الحشر، الآية 09. 3- سورة المعارج، الآيتان 24- 25. 4- شرح النووي على مسلم، ج 14، ص12، (ت 5- غمز عيون البصائر شرح كتاب الأشباه و النظائر، أحمد بن محمد الحنفي الحموي، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1،1405هد- 1985م، ج1، ص 359 . 6- الفتاوى الكبرى الفقهية، أحمد بن محمد بن حجر الهيثمي، دار الفكر، (د.ت)، ج1، ص204.

عدد الصفحات ٢٩٤

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 288 فالإيثار لا يكون إلا في حظوظ النفس التي يرد عليها الإسقاط أما القرب و الطاعات فمتعلق حق الله تع الى ،و ليس للعبد إسقاطها، بل إنه مندوب إلى الاستكثار و المنافسة، قال تعالى: ﴿ وَفِي ذَلِكَ ف َلْيَت َنَافَسِ الْمُت َنَافِسُونَ ﴾.1 و قد يكون باعث الإسقاط أمرا مخالفا و هو ظاهر البطلان و مثاله " أن ينبذ الإنسان مبدأ الخيرة الذي ينطوي عليه الحكم و ينسخ حكم الله تعالى بما يلتزمه في نفسه من نقيض ذلك". 2 قال تعا﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴾.3 و قال عز و جل ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّ مًا عَلَى طَاعِم يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا ﴾.4 و من السنة النبوية حديث الرهط الثلاثة 5 فالنبي صلى الله عليه و سلم إنما أنكر عليهم إسقاطهم لمقتضى حظوظهم بالتزامهم ما يخالف حكمه تعالى و تعهدهم بما يناقضه. 6 قال الطبري " و فيه – أي في الحديث - رد من منع من استعمال الحلال و المباحات من الأطعمة الطيبة و الملابس اللينة و اثر عليها غليظ الطعام و خشن الثياب من الصوف و غيره و إن كان صرف فضلها في وجوه البر ،لأن حياطة جسم الإنسان و صيانة صحته بذلك آكد و أولى...".7 و هو باب اختلف فيه أهل العلم و الثابت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه أخذ بالأمرين و شارك في الوجهين، فلبس مرة الصوف 1- سورة المطففون، الآية: 26. 2- ضوابط المصلحة، مرجع سابق، ص 51. 3- سورة الأعراف، الآية 32. 4- سورة الأنعام، الآية 145. 5- أخرج الإمام مسلم عن أنس بن مالك أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه و سلم عن عمله في السر فقال بعضهم: لا أتزوج النساء و قال بعضهم: لا آكل اللحم و قال بعضهم: لا أنام على فراش فحمد الله و اثنّ عليه فقال ما بال أقوام قالوا كذا و كذا لكني أصلي و أنام و أصوم و أفطر فمن رغب عن سنتي فليس مني} 6- ضوابط المصلحة، مرجع سابق، ص 53. 7- إكمال المعلم لفوائد مسلم، أبو الفضل عياض بن موسى، تحقيق: يحي إسماعيل، مصر، دار الوفاء، ط1،1998م، ج4، ص528 .

عدد الصفحات ٢٩٥

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 289 و الشملة الخشنة،و مرة البردة و الرداء الحضرمي 1 ،و الظاهر أن المراد ليس مطلق الترك، إنما ما كان رغبة عن الطريقة المشروعة و مقتضيات الحن يفية السمحة، و خير الأمور الوسط، يقول ابن حجر:" و الحق أن ملازمة استعمال الطيبات تفضي إلى الترفه و البطر و لا يأمن من الوقوع في الشبهات ، لأن من اعتاد ذلك قد لا يجده أحيانا فلا يستطيع الانتقال عنه فيقع في المحظور، كما أن منع تناول ذلك يؤدي إلى التنطع المنهي عنه".2 و يمكن أن يضاف إلى ذلك قسم آخر و هو الإسقاط لمجرد حظ النفس، دون أن تظهر موافقة لقصد الشارع أو مخالفة، فهو باق على أصل الإباحة في العاديات دون العبادات و مثال ذلك الهبة لمجرد لذة السخاء. ج :المآل: كل إسقاط و إن كان باعثه صحيحه، يترتب عليه مفسدة في دين المكلف أو نفسه أو عقله أو نسله أو ماله دون أن تقابلها مصلحة راجحة مطلوب الترك ،ذلك أنه محجور عليه في حفظ هذه الكليات لطفا و رحمة منه سبحانه و تعالى، حيث لم يجعل له التسبب في تضييع مصالحه. 3 قال تعا ﴿ وَلاَ ت ُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الت َّهْلُكَةِ ﴾.4 و عن عبد الله بن عمرو –رصي الله عنه - قالقال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم: ألم أخبر أنك تقوم الليل و تصوم النهار. قلت: إني أفعل ذلك. قال: فإنك إذا فعلت هجعت5 عينيك و نفهت6 نفسك، لعينك حق و لنفسك حق و لأهلك حق، قم و نم و صم و أفطر".7 1- المرجع نفسه، ج 4، ص528. 2- فتح الباري، مصدر سابق، ج 9، ص131. 3- الاعتصام، ص 206، الفروق، ج1، ص258. 4- سورة البقرة، الآية 195. 5- غارت و ضعف ت لكثرة السهر. 6- كلت و تعبت 7- متفق عليه

عدد الصفحات ٢٩٦

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 290 يقول ابن حجر في شرح الحديث:" إن لنفسك عليك حقا أي تعطيها ما تحتاج إليه ضرورة البشرية مما أباحه الله للإنسان من الأكل و الشرب و الراحة ،التي يقوم بها بدنه ليكون أعون على عبادة ربه و من حقوق النفس قطعها عما سوى الله تعالى ،لكن ذلك يختص بالتعلقات القلبية... ،و أن من تكلف الزيادة على ما طبع عليه يقع له الخلل في الغالب" 1 ،فأفضل العبادة ما دام، و كل ما كان سببا لبغضها أو الانقطاع عنها، من غير عذر مر ض أو عجز فهو أولى بالترك و كذلك كل تفويت لحق من الحقوق الواجبة سواء تعلق بحظ النفس أو بحق الغير، ومثال الأخير حق الأهل و الولد، فيما يتعلق بمصالحهم الدنيوية و الأخروية، فلا يصح إسقاط حظ النفس إن ترتب عليه تضييع هذه المصالح. و ما تنبغي ملاحظته أن المكلفين ليسوا في ذلك على وزان واحد، و إن كانوا مفطورين على طلب حظوظهم موكلين إلى وازع الجبلة إلا أنهم يتفاوتون في الطلب. فمنهم أرباب الحظوظ، يقول الشاطبي:" و هؤلاء لابد لهم من استيفاء حظوظهم المأذون لهم فيها شرعا لكن بحيث لا يخل بواجب عليهم و لا يضر بحظوظهم ، فقد وجدنا عدم الترخص في مواضع الترخص بالنسبة إليهم موقعا في مفسدة...،و قطع العوائد المباحة قد يوقع في المحرمات" 2 ،و لا يكتفي الإمام ببيان مغبة الإسقاط على من غلب عليه حظه بحيث لا يصلحه إلا استيفاؤه على الوجه المأذون فيه شرعا، بل إنه يضع قانونا يوازن فيه ب ين مصلحتي الأخذ و الترك، فيقول:" فالحق الذي جاءت به الشريعة هو الجمع بين هذين الأمرين تحت نظر العدل فيأخذ في الحظوظ ما لم يخل بواجب ،و يترك الحظوظ ما لم يؤد الترك إلى محظور، و يبقى في المندوب و المكروه على توازن فيندب إلى فعل المندوب الذي فيه حظه و ينهى عن المكروه الذي لاحظ فيه ،فإن كان ترك حظه في المندوب يؤدى لما يكره كان 1- فتح الباري، مصدر سابق، ج 3، ص49. 2- الموافقات، مصدر سابق،ج 2 ، ص146.

عدد الصفحات ٢٩٧

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 291 استعمال الحظ و ترك المندوب أو ، و الحاصل أن الحظوظ لأصحاب الحظوظ تزاحم الأعمال فيقع الترجيح بينها، فإذا تعين الراجح ارتكب و ترك ما عداه". 1 أما النوع الثاني فهم أهل إسقاط الحظوظ ،و إن كان ينبغي في حقهم الترجيح بين الطلب و الترك إلا أن ما هم عليه من اليقين و التوكل و عزوب النفس عن الشهوات، ينهضهم بما لا يقوى عليه غيرهم و يمتنع في حقهم خوف الانقطاع 2، أو تفويت حق من الحقوق فيسعهم في إسقاط حظوظ أنفسهم ما لا يسع غيرهم ، و قد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قبل من أن بكر جميع ماله و من عمر النصف و رد أبا لبابة و كعب بن مالك إلى الثلث. قال ابن العرن لقصورهما عن درجتي أن بكر و عمر:" إذ لا خير في أن يتصدق ثم يندم فيحبط أجره ندمه"،3 روى الدارمي في سننه عن عمر -رضي الله عنه - قال:" أَمَ رَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ي َوْمًا أَنْ ن َتَصَدَّقَ ف َوَافَقَ ذَلِكَ مَالاً عِنْدِى ف َقُلْتُ : الْي َوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْر . إِنْ سَب َقْتُهُ ي َوْمًا فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِى ف َقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :« مَا أَب ْقَيْتَ لأَهْلِكَ » .ف َقُلْتُ : مِث ْلَهُ قَالَ وَأَتَى أَبُو بَكْر بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ ف َقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :« مَا أَب ْقَيْتَ لأَهْلِكَ » .ف َقَالَ : أَب ْقَيْتَ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ف َقُلْتُ : لاَ أُسَابِقُكَ إِلَى شَىْء أَبَدً ا".4 . و أخرج مالك في الموطأ من حديث أن لبابة بن عبد المنذر حين تاب الله عليه أراد أن يتصدق بجميع ماله، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم {: يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الث ُّلُثُ }5 و قال صلى الله عليه و سلم لكعب بن مالك و قد عزم أن ينخلع من ماله توبة إلى الله و رسوله: { أَمْسِكْ عَلَيْكَ ب َعْضَ مَالِكَ ف َهُوَ خَي ْرٌ لَكَ }1و مثل هذا التفريق لا يكون منه صلى الله عليه 1- الموافقات، مصدر سابق،ج 2 ، ص147 2- أحكام القرآن، مصدر سابق، ج 4، ص220. 3- أحكام القرآن، مصدر سابق، ج 4، ص220. 4-أخرجه الحاكم في مستدركه ،كتاب الزكاة ،باب مَا يُس تَدَلي بِدهِ عَلَدى أَنَ قدَو لَدهُ -صدلى الله عليده وسدلم- :« خَيد درُ الصَددَقَةِ مَدا كَدانَ عَدن ظَه درِ غِدنىً »،حدديث رقم : 1510 ،ج1 ،ص573،دو قال صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه 5- أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الأيمان و النذور ،باب جامع الأيمان ،حديث رقم : 1384 ،ج1 ،ص616. .

عدد الصفحات ٢٩٨

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 292 و سلم إلا اعتبارا لأحوال المكلفين و درجاتهم من حيث التوكل و اليقين. و على هذا يحمل ما ورد من الأخبار في النهي عن التصدق بجميع المال يقول القرطبي:" إنما كره ذلك في حق من لا يوثق منه الصبر على الفقر و خاف أن يتعرض للمسألة إذا فقد ما ينفقه".2 و كذلك النظر في حظوظ النفس أخذا و تركا رعيا لحال المكلف بحيث لا يفوت حق و تضيع عبادة و لا يتذرع إلى ارتكاب محظور،فترك الاستمتاع المباح، متى ترتب عليه التطلع إلى الأجنبيات منهي عنه، و كذلك صرف النفس عن حظوظها و الإيغال في العبادة إذا أدى إلى بغضها و تضييع حقوق الأهل و الولد في النفقة و الرعاية و صلات الأرحام ... و عليه فتصرفات المكلفين في خالص حظوظهم بالإسقاط صحيحة متى كان الغرض صحيحا و لم يترتب على الإسقاط مفسدة تربو على المصلحة المتغياة ، و إلا كان سفها موجبا للحجر 3 ،و حد السفه التصرف على غير مقتضى العقل و الشرع . و قد يشرع إسقاط حق النفس و إن ترتب عليه فواتها إن كان لمصلحة أعظم كبذل النفس لإعلاء كلمة الدين 4، و إن لم يتعين الجهاد في حق الباذل، إلا أن لا يظن تحقق النكاية بالأعداء فيمنع. و ليس الحكم كذلك في كل عبادة، فإسقاط حظ النفس في الترخص، و الصيام مع خوف التلف يترتب عليه عدم الإجزاء عند المالكية و الشافعية، و خالف غيرهم ، و مرد الخلاف كما يقول الشاطبي أمرين، القياس على مسألة الدار المغصوبة لاجتماع الأمر و النهي م ع الخلاف في القول 1- أخرجدددده البخددددداري في الصددددحيح، كتددددداب الوصددددايا ، بَددددداب إِذَا تَصَدددددَقَ أَو أَو قَدددددفَ بدَع دددددضَ مَالِددددهِ أَو بدَع دددددضَ رَقِيقِددددهِ أَو دَوَابِّدددددهِ فدَهُددددوَ جَدددددائِزٌ رقدددددم: 2757. ج2 ،ص292. 2- الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، ج 20، ص367. 3- ينظر: مقاصد الشريعة، ابن عاشور، مرجع سابق، ص 295. 4- ينظر: نظرية المقاصد عند الطاهر بن عاشور، ص 292 .

عدد الصفحات ٢٩٩

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 293 بالانفكاك و عدمه، و كون رفع المشقة حقا خالصا لله لا يصح إسقاطه أو حقا للعبد له أن يتركه لحق الله تعالى.1 و الراجح المنع ، ذلك أن تفويت مصلحة الصيام يمكن جبره بالقضاء أو الفدية بخلاف مفسدة التلف، خاصة متى كان الظن محققا ، و قد علم أن درء الم فاسد مقدم على جلب المصالح و أن لا ضرر و لا ضرار ، و أن رفع الحرج من الكليات المقطوع بها في التشريع ،و المسائل المتفرعة عن هذه القاعدة كثيرة و تنتظم أبوابا عديدة من أبواب الفقه تنظر في محلها . وجملة القول أن كل إسقاط لحظ من حظوظ النفس ترتب عليه ضرر بين دون أن يقابله مصلحة معتبرة التفت إليها الشارع تربوا على المفسدة الحاصلة أو المتوقعة ،داخل في عموم منع الضرر ،وإن كان المكلفون ليسوا في ذلك على وزان واحد، إلا أن عامة أهل التشريع من أرباب الحظوظ فينبغي حملهم على ما يحسن به الامتثال ،دون مظنة الفترة و الانقطاع و ال تقصير في الواجبات المختلفة ،سواء تلك المتعلقة بالحقوق الخالصة لله تعالى أو بحقوق العباد . وفي ختام هذا الفصل يمكن القول أن الحظوظ المعتبرة هي تلك التي ترجع إلى جملة من القواعد ،أولها أن رعي مصالح أهل التكليف لا يقصد منه الاسترسال مع دواعي الأهواء ،إنما أخذ هذه الحظوظ من جهة إذن الشارع و على الحد الذي حده تحقيقا لمق صد التعبد ،و لما كانت البواعث و الدواعي تختلف باختلاف الأشخاص و الأزمنة و الأمكنة وجب ضبطها بموافقة مقاصد الشارع أو ملائمتها على الأقل ،و يختلف الحد المعتبر باختلاف طبيعة التصرف ،فلا يصح تشريك حظوظ النفس في العبادات ، إلا بشرط التبعية و التكميل و المناسبة ، و يكتفى في العادات بمصاحبة المقاصد الأصلية. و من جملة القواعد الضابطة للتصرفات ، أن الأصل في المنافع الحل و في المضار التحريم ،في حال الخلو عن شهادة الأصل الخاص ،و المعتبر إنما هو المصلحة ، أو المفسدة الغالبة ،لأن تمحضهما عزيز ،فإن تماثلت المدارك ،ووقع الاشتباه فالاحتياط مسلك محمود ،عونا على طلب أكم ل المصالح 1- الموافقات، مصدر سابقج 2 ، ص142

عدد الصفحات ٣٠٠

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 294 و دفع أرذل المفاسد ،و خروجا من عهدة التكليف بيق و لما كان سعي المكلف في طلب الملائم و دفع المنافر ،لا يخلو من تزاحم و تغالب ،و جب قيده بمنع الضرر المفضي إلى الإخلال بمصلحة بينة للغير تربو على مصلحة الجلب أو الدفع ،و كذلك منع من القصد إلى الإضرار ،لمناقضته مقاصد الشارع،و أسس العدالة و الأخوة التي بنّ عليها المنهج التشريعي ، كما أنه محجور عليه في تضييع مصالحه ،و إسقاط حظوظه ، إلا بالقدر الذي تسد عنده ذرائع الوهن و الانقطاع . أما تقديم المصلحة العامة على الخاصة فلا يخرج عما تقدم في م نع الضرر ذلك أن الضرر العام يجب دفعه بالضرر الخاص متى أمكن جبر حق المتضرر بالتعويض لدخوله في مصلحة العموم .

عدد الصفحات ٣٠١

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 293 إن المستقرئ لنصوص الخطاب القرآني ليقطع برعي الشارع لحظوظ المكلفين ،بما شرعه من أحكام و بما أناطه بها من علل و أوصاف تتظاهر عندها أدلة العقل و الشرع ،و قد تخفى جزئيات المعاني في باب من الأبواب إلا أنها لا تخلو من تعليلا إجمالية راجعة إلى حظ المكلف ،و قد اختر ت في مقام عرض الشواهد أحكام العبادات و الأحوال الشخصية .فانتظم الفصل التطبيقي مبحثان : المبحث الأول :العبادات المبحث الثاني :الأحوال الشخصية

عدد الصفحات ٣٠٣

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 294 المبحث الأول: العبادات المطلب الأول :الصلاة المطلب الثاني :الصوم المطلب الثالث :الزكاة المطلب الرابع :الحج

عدد الصفحات ٣٠٤

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 295 إن المتتبعلنصوص القرآن الكريم التي انتظمت أحكام العبادات يجد أنها لم تخل من تعلق بحظوظ أهل التكليف، الأمر الذي انصرفت إليه همم الباحثين قديما و حديثا تأصيلا و تفريعا، و حسبك من ذلك نفائس الغزالي في أسرار العبادات ، و العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام، و ما أثبته الدهلوي في حجة الله البالغة، و قبل ذلك إثبات العلل للترمذي الحكيم و محاسن الشريعة للقفال الشاشي ، و الجامع التنبيه على مقاصد التعبد ،و التي ينبغي أن تسري في الهيآت و الرسوم سريان الأجساد في الأرواح، و إلا أشبهت الأموات. و إن كان القسم المراد، ما تعلق بجهة الحظ و المقاصد التابعة، وقوفا عند حدود الدراسة، فغاية ذلك تحصيل المقصد الأعلى تكميلا و تتميما و تثميرا ، إلا أنه قبل التطرق إلى بيان ما أنيطت به أحكام العبادات من علل الظاهر منها رعي حظوظ المكلفين، رأيت أنه مما لا ينبغي إغفاله بيان مقاصد العبادات الأصلية،فمقصد تشريع العبادات كما نطقت بذلك نصوص القرآن الكريم القيام بحق العبودية، قال تعالى:﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِي َعْبُدُونِ ﴾1 ،و قال:﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِي َعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾2 ،و الشاهد من السنة قوله صلى الله عليه و سلميا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله و رسوله أعلم. قال: أن يعبدوه و لا يشركوا به }3 ،و العبادة على هذا المعنى غاية الخضوع و التذلل و الطاعة و هي تستغرق عموم الأفعال و التروك ، و إن كان المراد في هذا المقام، ما شرعه الله عز و جل من شعائر تعبدية على جهة الإنفراد و الاختصاص، انقيادا لأوامره و إفرادا له بالخضوع ،و تعظيما لجلاله و توجها إليه 4 ،و من مقاصدها كذلك شكر الخالق على نعمه و عظيم آلائه التي لا تعد و لا تحصى، و قد جمع الكاساني بين المعنيين حيث يقول:"العبادات وجبت لحق العبودية أو لحق شكر النعمة"1 ،أما مقاصدها التابعة فهي كثيرة بتعدد مسالك النظر 1- سورة الذاريات، الآية 56. 2- سورة البينة، الآية 05. 3-متفق عليه 4- ينظر في المقصد الأصلي للعبادة: الموافقات، مصدر سابق، ج2، ص301 .

عدد الصفحات ٣٠٥

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 296 و إن وقع التنبيه على بعضها فيما يأتي فليس المراد الحصر فيما ذكر ، ذلك أن البحث فيها مجال رحب تتفاوت فيه الأفهام ،و قد تضيق العبارة و تتسع ،و يبلغ النظر مغاليق المعاني و قد يقصر عن دركها -و إنما هو جهد المقل- ، أما شواهد الاعتبار فقد توزعت على قسمين رئيسين : مقاصد الأحكام والمقاصد العامة و المراد بالقسم الأول ما يحصله ا لنظر في آيات الأحكام من معاني و أوصاف جزئية بمسلك من المسالك المعتبرة مع التنبيه على مداركه من السنة تأكيدا وتفصيلا وتفريعا ،والمراد بالقسم الثاني تلك المقاصد التي لا تختص بحكم دون آخر. المطلب الأول :الصلاة الصلاة في اللغة الدعاء بالخير و منه قوله تعالى:﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾.2 و أما شرعا فهي: الأقوال و الأفعال المخصوصة المفتتحة بالتكبير و المختتمة بالتسليم 3 و هي على خمسة أقسام: فرض على الأعيان و فرض كفاية و سنة و فضيلة و نافلة، فالفرض على الأعيان الصلوات الخمس و هي الظهر و العصر و المغرب و العشاء و الفجر، و أما وجوب الجمعة فداخل في وجوب الظهر لأنها بدل منها،و الفرض على الكفاية الصلاة على الجنازة. و السنة على ضربين: سنة مبتدأة إما لأوقات و إما لأسباب تفعل عندها ،و مثالها صلاة الوتر و صلاة العيدين و صلاة كسوف الشمس و الاستسقاء و ركعتي الفجر،و سنة مشترطة في عبادة غيرها، و هي ركعتي الطواف و الركوع عند الإحرام، و الفضيلة تحية المسجد و صلاة خسوف القمر و قيام شهر رمضان و قيام الليل...،و النافلة ركعتان بعد الظهر و قبل العصر و وقت الضحى 4. و مما لا خلاف فيه أن الصلاة فريضة الله على عباده و عماد الدين و الفيصل بين الكفر و الإيمان ،و هو أمر تواترت عليه نصوص القرآن و السنة. قال تعالى:﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾.1 1- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، مصدر سابق ،ج2، ص118. 2- سورة التوبة، الآية 103. 3- التلقين في الفقه المالكي ،أبو محمد عبد الوهاب المالكي ،تحقيق محمد ثالث سعيد الغاني ،الرياض ،مكتبة نزار مصطفى الباز.ج1 ،ص78+79. 4- المصدر نفسه ،ج1 ،ص36.

عدد الصفحات ٣٠٦

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 297 و قال تعا﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآت َوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾.2 و من السنة، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال إِنَّ ب َيْنَ الرَّجُلِ وَب َيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ ت َرْكَ الصَّلاَةِ }3 و هي فريضة دائمة على من بلغ ا لم، لا تسقط لعذر من الأعذار4 بخلاف الحج و الصوم و الزكاة، حتى أمر بها في ساحة الحرب و ميدان القتال فشرعت صلاة الخوف 5 ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَب ْتُمْ فِي الأَرْضِ ف َلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن ت َقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن ي َفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَ فَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا ، وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ف َلْت َقُمْ طَائِفَةٌ مِّن ْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَت َهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ ف َلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُ صَلُّواْ ف َلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَت َهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ ت َغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ ف َ يَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّي ْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَ ر أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ، فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَامًا وَق ُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا ﴾.6 و قال تعالى:﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ ، فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُ رُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ ت َعْلَمُونَ ﴾.7 1- سورة الروم، الآية 31. 2- سورة التوبة، الآية 05. 3- رواه مسلم في صحيحه ،كتاب الصلاة ، باب بدَيَانِ إِط لاَقِ اس مِ ال كُف رِ عَلَى مَن تدَرَكَ الصَلاَةَ ،حديث رقم : 82،ج1 ،ص61. 4-اختلف في فاقد الطهورين هل تسقطعنه الصلاة أداء و قضاء ،و إليه ذهب الإمام مالك في رواية عنه خلافا للجمهور ينظر الذخيرة مصدر سابق ج2 ،ص350 ،المغنّ ،مصدر سابق ،ج1 ،ص328 ،البحر الرائق شرح كنز الدقائق ،بيروت ،دار الكتب العلمية ،ط 1 ،1418هد-1997م ،ج1 ،ص286. 5- الأركان الأربعة، أبو الحسن علي الند و ي، دار الكتب الإسلامية، ص 15- 71. 6- سورة النساء، الآيات 101- 103. 7- سورة البقرة، الآيتان 238،239.

عدد الصفحات ٣٠٧

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 298 و إن كانت الصلاة من حيث شرائطها و أركانها و مواقيتها مما قد تخفى فيه وجه المصلحة على جهة التفصيل إلا أنه لحظ المكلف منها نصيب لم يهدر ،و المتتبع للأحكام المتعلقة بها ليقطع بذلك. الفرع الأ ول :مقاصد الأحكام : - توقيت الصلاة بأوقات محددة لا يجوز الخروج عنها، و توزيعها على أجزاء الليل والنهار: نصب الشارع الحكيم للصلاة علامات، تدل عليها و أوقات لا يجوز التقديم عنها و لا التأخير،و الناظر إلى هذه الأوقات يجد أنها تتوزع على أجزاء الليل والنهار ، ومن جملة ما يتعلق بذلك من المقاصد التابعة و الحظوظ العاجلة و الآجلة :  الضبط و التحديد : وبيان ذلك أن التكاليف الشرعية لما كانت حقا خالصا لله تعالى،لم يجعل للمكلفين التصرف فيها بزيادة أو نقصان ، أو تحكم في زمان...إلا بالقدر الذي يجعله الشارع، دفعا لذرائع الحيرة و الاضطراب ، و التنازع و الغموض و الإبهام ، لاختلاف النوازع و الرغائب ، و لو فرض أن تحديد الأوقات كان موكولا لعموم المكلفين ، لما أقيمت العبادة إلا في حيز التقصير ، لكونه ذريعة إلى "التقاعس عنها و تعلة النفوس بالمطل فيها فتجتمع الصلوات ، فتثقل على المصلي فيتركها "1،و في ذلك فساد لا يرفعه إلا توقيت العبادة بمواقيت محددة و الشاهد النصوص الواضحة الدلالة ومنها : قوله تعالى:﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾2 ،أي محدودة بأوقات معلومة و قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَق ُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ ق ُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾3، فقوله:﴿ دُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾، يتناول الظهر و العصر، و قوله: ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ اقتضى 1 - الإمام في مقاصد رب الأنام ، مرجع سابق ، ص ، 317 2- سورة النساء، الآية 103. 3- سورة الإسراء، الآية 78.

عدد الصفحات ٣٠٨

الفصل الثالث: نماذج تطبيقية لرعي حظوظ المكلفين في القرآن الكريم من خلال العبادات و الأحوال الشخصية 299 المغرب و العشاء، و قوله ﴿ق ُرْآنَ الْفَجْرِ ﴾ اقتضى صلاة الصبح1، و منه قوله تعا﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾.2 و القدر المشترك ،تحديد أوقاتالصلاة و نوطها بعلامات ظاهرة دفعا لذرائع الاشتباه و التقصير.  تجديد العهد بذكر الله تعالى ،وبيان ذلك أن العبد لما كان من دأبه و طبعه أن يهمل جوارحه و يسيمها في مراتع الشهوات أمر بالعبودية ،و الإقبال على ربه بجميع جوارحه ،كما أمر أن يجدد الركوع و الإقبال وق تا بعد وقت لئلا يطول عليه الأمد فينسى ربه 3، يقول صاحب المنار في هذا المع : "إن الصلوات الخمس إنما تكون موقوت ة لتكون مذكرة لجميع أفراد المؤمنين بربهم في الأوقات المختلفة لئلا تحملهم الغفلة على التقصير في الخير"4 ،ثم إن هذه الأوقات انتظمت مبادئ شؤون الناس و نهايتها فتقرر رعي أحوالهم عونا لهم على الذكر و الشكر ليراقبو ا الله في أعمالهم و صنائعهم و ليشكروه عند العود منها5. والشاهد ما تقدم من النصوص الواردة في تحديد أوقات الصلاة.ودليل هذا المقصد مسلك المناسبة  تكفير السيئات و محو الخطايا ما اجتنبت الكبائرجمعا بين النصوص :جعلت الصلاة مكفرة للذنوب و الخطايا و الزلات و التقصير إذ العبد في أوقات ليله و نهاره ،لا يخلو من ذنب أو تقصير أو زلة 6 ،فأشبهت كما في الحديث النهر الذي يغتسل منه خمسا فهل يبقى من الدرن شيء ؟ ،والشاهد النصوص الظاهرة الدلالة. 1- أحكام القرآن، ابن العرن، ج 3، ص210. 2- سورة الروم، الآيتان 17،18. 3 - شفاء العليل ،مصدر سابق،ص230. 4 - تفسير المنار ،مصدر سابق ،ج5 ،ص387 5 - الإمام في مقاصد رب الأنام ، مرجع سابق ، ص 318 6 - بدائع الصنائع ،مصدر سابق ،ج1 ،ص90-91

عدد الصفحات ٣٠٩