المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حظوظ المكلفين في القرآن الكريم بين الجلب والدفع

خيرة سرير حاج

صفحة ١٨ من ٣٠

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 270 قال تعالى:﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّم لِّلْعَبِيدِ ﴾.2 و قال:﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِ ث ْقَالَ ذَرَّة ﴾3 ،و جاء في الحديث القدسي:" يَا عِبَادِى إِنِّى حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى ن َفْسِى وَجَعَلْتُهُ ب َي ْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا "4 ،و وجه الدلالة أن الله عز و جل قد تقدس و تعالى عن ظلم العباد5 ،و هو مليكهم و خالقهم، فثبت تحريمه بينهم ،و من شواهده قوله صلى الله عليه و سلم الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ }6 ،قال ابن حجر في شرح الحديث:" هو خبر بمعنى الأمر فإن ظلم المسلم للمسلم حرام"، 7 و قال عليه السلام{: إِن دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ }8 و منه النهي عن التعدي على النفوس و الأموال و الأعراض و عن الغضب...و كل ما هو في مع الإضرار أو الضرار ، و يدخل تحته الجناية على النسل أو العقل، و هو معنى في غاية العموم تواترت على تقريره كليات الشريعة و جزئياتها بما لا يدع مجالا للريب أو الشك ، و سرد شواهده جملة و تفصيلا مما يطول، غير أنه قد يكتفي بالإشارة لكونها في غاية الظهور. و يندرج تحت هذا الأصل فروع كثيرة أهمها:  الضرر يزال  الضرر لا يزال بمثله  يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام  الضرر الأشد يدفع بالضرر الأحق 1- الكليات، مصدر سابق، ص594، وينظر: معجم مفردات ألفاظ القرآن، مصدر سابق، ص 237. 2- سورة فصلت، الآية 46. 3- سورة النساء، الآية 40. 4- رواه مسلم في صحيحهكتاب البر و الصلة و الآداب ،باب تحريم الظلم ،حديث رقم : 6737،ج8 ،ص16. 5- ينظر في شرح الحديث: إكمال المعلم بفوائد مسلم، مصدر سابق، ج 8، ص46. 6- متفق عليه 7- فتح الباري، مصدر سابق، ج 5، ص123. 8- رواه مسلمفي صحيحه ،كتاب الحج ،باب حجة النبي صلى الله عليه و سلم ،ج4 ،ص39

عدد الصفحات ٢٧٧

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 271  درء المفاسد أولى من جلب المصا و نكتفي تمثيلا و تفريعا، بيان علاقة القاعدة، بالتعسف في استعمال الحق و تقديم المصلحة العامة على الخاصة، و الضوابط المتعلقة بإسقاط الحظوظ . الفرع الثاني : مظاهر نفي الضرر: أولا :منع التعسف في استعمال الحق: تبين من خلال ما تقدم أن كل تصرف يفضي إلى إلحاق الضرر بالغير، لا على جهة إذن شرعي هو محل للنهي سواء ترتب عليه فساد التصرف، أ م وجوب الضمان، أ م الحكم بالإزالة متى توقف عليه دفع الضرر بعد الوقوع ،و قد يقضى بمجرد ترتب الإثم و هو ما يعرف في خلافهم حول اقتضاء النهي الفساد أو عدمه، إلا أن ما يهم في هذا المقام أن إلحاق الضرر إما أن يكون بمقتضى تصرف غير مشروع أصالة كالغصب و السرقة، فلا خلاف في المنع منه، و إما أن يكون سببه فعل مشروع ابتداء، و النوع الأخير هو المراد و المعبر عنه في الكتابات المعاصرة بالتعسف في استعمال الحق و الذي يرت بط ارتباطا وثيقا بالقاعدة السابقة، إلا أنه يختص بالتعدي الحاصل من استعمال الحق الثابت، يتضح ذلك من خلال ما جاء في تعريفه بكونه "انحراف الحق عن الغاية التي شرع من أجلها هذا الحق" 1 ،و أظهر من ذلك تعريف الدرينّ للتعسف بأن "يمارس الشخص فعلا مشروعا في الأصل بمقتضى حق شرعي ثبت له-بعوض أو يغير عوض - أو بمقتضى إباحة مأذون فيها شرعا، على وجه يلحق بغيره الإضرار أو يخالف حكمة المشروعية" 2، و بعبارة أدق "مناقضة قصد الشارع في تصرف مأذون فيه بحسب 1- الشريعة الإسلامية في القرآن الكريم، عبد السلام التونجي، بنغازي، دار الكتب، ط 2،1416هد1997م، ج3، ص169. 2- النظريات الفقهية، مصدر سابق، ص 135.

عدد الصفحات ٢٧٨

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 272 الأصل1، و حاصل هذه النظرية فيما يقرره الشاطبي أن الفعل إذا كان جائزا شرعا فإ نه لا يلزم من جوازه أن يكتسب صاحبه الحق في تنفيذه بل لابد من النظر إلى نتائجه، فإن كان لا ينتج عنه إضرار بالغير بقي جائزا على أصله من الإذن الشرعي 2 ،"و لا حاجة للاستدلال عليه لثبوت الدليل على الإذن ابتداء"3 ،فإن كان ينتج عن التصرف المأذون ضرر فإنه ينظر إلى قصد الفاعل، فإن كان قصده الإضرار فلا إشكال في منع القصد من حيث هو إضرار لكن ينظر إلى العمل إذا اجتمع فيه حظ النفس مع قصد الإضرار، فإن أمكن تحصيل المصلحة من وجه آخر منع و إن لم يمكن له ذلك فحقه مقدم و يمنع من قصد الإضرار ،و إن لم يكن قاصدا إلحاق الضرر و ل زم عن تصرفه، فإما أن يكون الضرر عاما فيمنع لتقديم المصلحة العامة على الخاصة، و إما أن يكون خاصا و هو محل نظر، ذلك أنه إما أن يلحقه بالمنع منه ضرر و هو محتاج إلى فعله فيقدم حقه، و إما أن لا يلحقه بذلك ضرر، فينظر إلى إفضائه للمفسدة من حيث كونه قطعيا فيمنع ،أو نادرا فيبقى على أصله من الإذن ،إذ لا عبرة بالموهوم من المفاسد، أما لو كانت المفسدة غالبة أو كثيرة فهو محل خلاف 4 و المسألة تتخرج على خلافهم في أصل سد الذرائع ،حيث اعتبر البعض التصرف على الوجه المعتاد كاف للحكم بالصحة و سقوط الضمان، ذلك أنه لا حجر على صاحب الحق في التصرف بمقتضاه، بل إن حقيقة الضرر منع المرء من التصرف في ملكه مراعاة لغيره، و في هذا المعنى يقول ابن حزم: "و لا ضرر أعظم من أن يمنع المرء من التصرف في مال نفسه مراعاة لنفع غيره فهذا هو الضرر حقا" 5 ،و يرى السرخسي أن المالك مطلق التصرف في خالص حقه 6، و يقرر في موضع آخر أن من تصرف في خالص ملكه لم يمنع منه في الحكم ،و إن كان يؤدي إلى إلحاق الضرر بالغير 7 ،و الظاهر تقييد 1- المرجع نفسه، ص 136. 2- الشاطبي و مقاصدالشريعة، حمادي العبيدي، دار قتيبة، (د.ت)، ص 152. 3- الموافقات، مصدر سابق،ج 2 ، ص349 4- اصدر نفسه، ج 2 ، ص349-351 5- المحلى، مصدر سابق، ج6، ص245. 6- المبسوط، مصدر سابق، ج15، ص21. 7- المصدر نفسه، الصفحة نفسها

عدد الصفحات ٢٧٩

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 273 التصرف بما كان معتادا حيث يجب الضمان متى كان على غير الوجه المعتاد، كمن يؤجج نارا في ي وم عاصف فيحترق ما يليه1. و بالرد إلى القواعد العامة و كليات التشريع فإن التصرف المعتاد ليس وصفا كافيا للحكم بالصحة، لما علم من أن التصرفات إنما شرعت لتحقيق مقصوداتها، و أنه لا اعتبار لها ما لم توافق أو تلائم مقاصد التشريع، و من مقاصده، جلب المصالح و دفع المفاسد، على وزان من التوفيق بين حظ الفرد و مصلحة الجماعة، و الترجيح بين المنافع و المضار، على وجه يقدم فيه الأعم على الأخص، و الأشد على الأخف ، فيمنع والحال كذلك، كل تصرف ترتب عنه ضرر عام أو خاص، يربو على المصلحة المتغياة، وفق ما تقرر في قواعد الشرع من أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، على أن تكون المفسدة من الضرر البين الذي يحصل به التأذي ،و ليس من المتعارف في حقه التجاوز،أما الضرر المألوف فلابد من تحمله و التسامح فيه، إذ لو قيل بمنعه لأدى ذلك إلى تعطيل استعمال الحقوق2، فيكون حد التعسف في استعمال الحق فيما يقرره منهج التحقيق، و مسلك تقصيد الأحكام، بحيث لا تتنكب عن مقاصد التشريع يقوم على جملة من الضوابط: أ- قصد الإضرار و المراد به أن يستعمل صاحب الحق حقه سلبا أو إيجابا، قاصدا إلحاق الضرر بالغير ،و أظهر صوره أن لا تكون له مصلحة في الفعل أو الترك، و مثا له أن يهدم جداره الساتر لجاره لمجرد الإضرار لا لإصلاح أو هدم، و فيه ذهب ابن القاسم بوجوب إعادة البناء 3 ،أما إن كان له مصلحة في ذلك و أمكن تحصيلها على غير الوجه الذي يحصل به الضرر ،منع لوجود قرينة على قصد الإضرار دون وجه مشروع و لعموم أدلة منع الضرر. 1- ينظر: جامع العلوم و الحكم، مصدر سابق، ص 305،306 . 2- ينظر في هذا المعنى: النظريات الفقهية، مصدر سابق، ص 137. 3- ينظر: مواهب الجليل، مصدر سابق، ج7، ص115.

عدد الصفحات ٢٨٠

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 274 جاءفي البهجة شرح التحفة فيمن يحفر بئرا يتضرر بها جاره" أما إن وجد عنه مندوحة و لم يتضرر بترك حفره فلا يمكن من حفره لتمحض إضراره بجاره". 1 فإن لم يمكن تحصيل تلك المصلحة على غير ذلك الوجه فما يظهر من كلام الشاطبي أن حق الجالب أو الدافع مقدم و يمنع من قصد الإضرار ، إلا أن المراد هنا ما كان إفضاؤه إلى مفسدة غير مقصودة للشارع إيقاعها من الحكم كدفع الظلم عن نفسه و إن وقع بغيره، فحق صاحب اليد أو الملك مقدم، إلا أن يسقطه مواساة و إيثارا و هو من مكارم الأخلاق التي لا يقضى فيها بالوجوب فيما خلا حال الاضطرار و الحاجة، و هو من العموم الذي يعتريه التخصيص، فقد يمنع من طلب حظ نفسه دون قصد الإضرار إذا ترتب عنه ضرر بالغير، مقصود من الشارع رفعه، كأن يتعلق بحق الشريك أو الجار أو مصلحة العموم...متى كان الضرر اللاحق به يس ير ا مقارنة بما يلحق بغيره. 2 و هو معنى قولهم أن يكون له عنه مندوحة إذ يقتضى إمكان تحصيله من جهة أخرى، أو تركه كلية، و يأتى بيانه عند ذكر ضابط التناسب. ب: الباعث غير المشروع و هو أن ينطلق صاحب الحق في التصرف بالحق تحت تأثير باعث غير مشروع و لتحقيق أغراض غير مشروعة، مما يعد احتيالا على الغاية التي قررها الشرع للحق، و قد تقدم ذكر الخلاف في أثر القصد غير المشروع على التصرف، و ترجيح القول بالفساد أو ما يقوم مقامه...ذلك أن التصرفات إنما هي مطلوبة لتحقيق مقصوداتها، فإن هي صرفت عن ذلك خرجت عن كونها مشروعة،و منه المنع من نكاح التحليل و بيع العينة...و غيرها، ثم أن الشارع الح كيم إنما منح الحقوق لأصحابها لحكمة مقصودة له فكان الأصل فيه التقييد بما يكون سببا لتحصيل مراده أو ترك المناقضة على الأقل،فتبين أن كل فعل 1- البهجة في شرح التحفة، أبو الحسن علي بن عبد السلام التسولي، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1،1418هد1998م، ج، ص 556. 2- ينظر: فيما يبين عن ذلك من الفروع الفقهية ،تبصرة الحكام في أصول الأقضية و مناهج الأح كام ، برهان الدين إبراهيم بن فرحو ن، الرياض، دار عالم الكتب، ط 1413هد2003م، ج2، ص258 و ما يليها

عدد الصفحات ٢٨١

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 275 كان ظاهره الإباحة قصد به المخالفة كان حريا بالترك، تنزيها للشريعة عن العبث و تقريرا لأصل جلب المصالح و دفع المفاسد. ج: عدم التناسب بين المصالح المراد تحصيلها و الضرر المترتب عن الفعل بحيث يكون الضرر أعظم1 : و ينتظم الاختلال البين بين مصلحتين فرديتين، و الضرر الفاحش بالجار و كذلك الإضرار بالجماعة، و إن كان القسم الأخير ظاهرا بحيث لا يحتاج إلى كثير استدلال لتقديم المصلحة ال عامة على الخاصة، مع إمكان الجبر بالتعويض، فإن النوع الأول و الثاني مما يستدعي النظر، و بيان ذلك أن في استعمال الحق الثابت حق مضمون لصاحبه متى كان القصد مشروعا فهل ينضاف إلى المقيدات، منع الإضرار بالغير، بحيث يربوا على المصلحة الخاصة. و هو الأمر الذي قررته فتاوى الفقهاء في علاقات الجوار و الشركة 2 ،و كان مستندها ما تواترت على تقريره النصوص في حقوق الجوار و المسؤولية التضامنية التي يعبر عنها أصل الولاء و الأخوة في الدين ، و "مبدأ العدل المطلق في الفقه الإسلامي" فيما ذهب إليه صاحب نظرية التعسف في استعمال الحق 3، و إن كان إضافة وصف الإطلاق لمبدأ العدالة مما قد يوقف عنده، ذلك أن الأحكام الفقهية الكاشفة لمراد الشارع لا تخلو من الظنية فيكون وصف العدل حال التنزيل على واقع المكلفين أمرا تختلف فيه الأنظار و إن كان المقصد واحدا. و أهم ما يقوم عليه هذا الضابط، ما تقرر في الأصول من أن الضرر الأشد يدفع بالضرر الأخف حال امتناع التوفيق بين المصالح و المفاسد المتعارضة، إذ الأصل الجمع بحيث لا يفوت غرض مشروع، إلا أن تتعارض، فليزم الترجيح. 1- المدخل لدراسة الفقه، الش ر نباصي و آخرون، مصدر سابق، ص 498،499. 2- ينظر: مواهب الجليل، مصدر سابق، ج7، ص114 و ما يليلها، تبصرة الحكام، مصدر سابق، الفصل الثالث عشر في القضداء بنفدي الضدرر و سد الذرائع، ص 258 و ما يليها، البهجة شرح التحفة، مصدر سابق، ص 556 و ما يليها 3- التعسف في استعمال الحق، مرجع سابق، ص 264.

عدد الصفحات ٢٨٢

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 276 و دليل ذلك ما جاء في السنة النبوية، من قضاء الن- صلى الله عليه و سلم- بقلع نخلة سمرة بن جندب دفعا للضرر الأشد بالأخف.1 يقول ابن القيم استدلالا:" و إن كان عليه -أي صاحب الشجرة - في ذلك ضرر يسير، فضرر صاحب الأرض ببقائها أعظم فإن الشارع الحكيم يدفع أعظم الضررين بأيسرهما فهذا هو الفقه و القياس و المصلحة".2 و الخلاف حاصل فيما دون الضرر الفاحش، فما عليه الجمهور و منهم متأخري الحنفية منع التصرف حال الإضرار ضررا فاحشا. جاء في تبيين الحقائق:" للإنسان أن يتصرف في ملكه ما شاء من التصرفات ما لم يضر بغيره ضررا ظاهرا...لا يمكن التحرز عنه و القياس أنه يجوز لأنه تصرف في ملكه و ترك ذلك استحسانا لأجل المصلحة"3، و إن كانت فروع غيرهم كالمالكية مثلا تقضى بمنع ما كان دونه، فيكون القدر المتفق عليه الضرر البين أو الفاحش، و قد عد منه:" ما يكون سبب الهدم، و ما يوهن البناء، أو يخرج عن الانتفاع بالكلية و هو ما يمنع الحوائج الأصلية كسد الضوء بالكلية". 4 والظاهر أن حد الضرر الفاحش يختلف باختلاف الأزمان و الأحوال ،فينظر إلى المتعارف بينهم وفق ما يقرره الشرع في اعتبار العوائد و الأعراف. د: استعمال الحق دون احتراس و تثبت فيما يمكن الاحتراس فيه و التثبت (المسؤولية التقصيرية) :فيفضى إلى الإضرار بالغير و ذلك كما في صور الخطأ فإن أصل الفعل مباح و صاحبه لم 1- أخرج أبو داود في سننه من حديث سمرة بن جندب:"أنه كانت له عض د من نخل في حائط رجل مدن الأنصدار قدال: و مدع الرجدل أهلده فكدان سمدرة يددخل إلى نخلده، فيتددأذى بدده و يشددق عليده، فطلددب إليدده أن يبيعدده، فدأبى، فطلددب إليدده أن يناقلدده فدأبى فددأتى النددبي صددلى الله عليده و سددلم فددذكر ذلددك لده فطلددب إليدده النددبي صلى الله عليه و سلم أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى، فقال: هبه له و لك كذا و كذا أمرا رغبة فيه فأبى، فقال: أنت مضار، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم للأنصاري فاقلع نخله}3638. 2- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ابن القيم، تحقيق: نايف بن أحمد الحمد، دار عالم الفوائد ، (د.ت )، ج2، ص682. 3- تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، عثمان بن علي فخر الدين الزيلعي، القاهرة، المطبعة الكبرى، ط 1، ج4، ص196 . 4- فتح القدير، كمال الدين محمد بن الهمام، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1،2424هد2003م، ج7، ص306 .

عدد الصفحات ٢٨٣

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 277 يقصد به ضرر للغير و لكنه لم يحترس، فوجب في حقه الضمان 1، و هو المعبر عنه في الفقه بالتصرف على غير الوجه المعتاد. 2 فيكون صاحب هذا التصرف و إن كان منشؤه حق ثابت متعسف في استعماله و إن ارتفع الإثم، فحق الغير لا يرفعه الخطأ، و يعتبر مقصرا من حيث ترك النظر و الاحتراس المأمور به. 3 و عليه يمكن القول أن تصرف الإنسان في خالص حقه أو -حظه- كسبا و انتفاعا لا يصح متى ترتب عنه إلحاق الضرر بالغير فردا أو جماعة و كان هذا الضرر يربوا على المصلحة المرادة لصاحب الحق ، كما أنه لا يصح بقصد الإضرار أو أن يكون الباعث على الفعل غير مشروع فيتحصل من التقسيم المذكور معيارين: معيار ذاتي ينظر إلى البواعث النفسية المصاحبة للفعل، و معيار مادي يوازن بين مصلحة الفرد في التصرف و المفاسد المترتبة عنه سلبا أو إيجابا. و هي تشكل مجتمعة قيدا في اجتلاب حظ النفس بحيث لا يخرج عن الوجه المشروع، يقول الشاطبي:" إنما الفرض أن تكون الحظوظ مأخوذة من جهة ما حد الشرع من غير تعد يقع في طريقها و أيضا فإنما حدت الحدود في طريق الحظ، أن لا يخل الإنسان بمصلحة غيره فيتعدى ذلك إلى مصلحة نفسه، فإن الشارع لم يضع تلك الح دود إلا لتحرى المصالح على أقوم سبيل بالنسبة إلى كل أحد في نفسه"4 ،فتبين أن منع التعسف في استعمال الحق تحصيل لحظوظ المكلفين فيما اعتبره الشارع و ما ألغاه ،إذ لا يحصل الجمع بين مصلحة الخاصة و العامة إلا بذلك. أما جملة مدارك منع التعسف فمبثوثة في ثنايا الخطاب القرآني و النبوي، بما يفيد القطع حال الاجتماع لعموم المعنى المراد. 1- المقاصد العامة للشريعة، مصدر سابق، ص 198. 2- ينظر: جامع العلوم و الحكم، مصدر سابق، ص 306. 3- ينظر في هذا المعنى: الموافقات، مصدر سابق، ج 2 ،ص357. 4- الموافقات، مصدر سابق، ج 2 ،ص191.

عدد الصفحات ٢٨٤

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 278 و من ذلك قوله تعالى:﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء ف َب َلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّت َعْتَدُواْ ﴾،1 و قوله تعالى:﴿ وَب ُعُولَت ُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاحًا﴾.2 و الآيتان تدلان دلالة ظاهرة، أن الله سبحانه إنما أباح تعاطي الأسباب -أي ممارسة الحقوق - لمن يقصد بها الصلاح دون الإضرار إذ ينهى الشارع الزوج أن يستعمل حق المراجعة لا لغرض سوى الإضرار بالزوجة المطلقة 3 ،يقول ابن العرن في تفسير الآية الأولى:" هذا يدل على أن الرجعة لا تكون إلا بقصد الرغبة فإن قصد أن يمنعها النكاح و يقطع بها في أملها من غير رغبة اعتداء عليها فهو ظالم لنفسه". 4 و منه المنع من وصية الضرار، قال تعالى:﴿ مِن ب َ عْدِ وَصِيَّة يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْن غَي ْرَ مُضَارٍّ ﴾5، فالوصية حق ثابت للموصى إلا أن الشارع منع منها ما قصد به إضرار الورثة كالوصية لأحدهم أو بأكثر من الثلث و الإقرار بالدين محاباة سواء كان لوارث أم لغيره 6، يقول الرازي في بيان وجوه الضرار في الوصية:" واعلم أن الضرار في الوصية يقع على وجوه أحدها أن يوصي بأكثر من الثلث، وثانيها أن يقر بكل ماله أو ببعضه لأجنبي ،وثالثها أن يقر على نفسه بدين لا حقيقة له دفعا للميراث عن الورثة ،و رابعها أن يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه ووصل إليه، و خامسها أن يبيع شيئاً بثمن بخس أو يشتري شيئاً بثمن غال كل ذلك لغرض أن لا يصل المال إلى الورثة ، وسادسها أن يوصي بالثلث لا لوجه الله لكن لغرض تنقيص حقوق الورثة "7. 1- سورة البقرة، الآية 231. 2- سورة البقرة، الآية 228. 3- التعسف في استعمال الحق، مصدر سابق، ص202. 4- أحكام القرآن، مصدر سابق، ج 1، ص270. 5- سورة النساء، الآية 12. 6- ينظر: أحكام القرآن، ابن العرن، مصدر سابق، ج 1، ص454. 7 - مفاتيح الغيب ، مصدر سابق ،ج9 ،ص182

عدد الصفحات ٢٨٥

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 279 و النهي عن مضارة الوالدة أو المولود له بولدهما، كأن يمنع الأب الأم من الإرضاع إضرارا بها، أو أن تمتنع هي قصد الإضرار بأبيه أو تطلب أكثر من أجر مثلها 1 ،قال تعالى:﴿ لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ﴾.2 والمنع من مضارة المطلقة حتى تفتدي منه بمالها أو تخرج من مسكنه 3 ،قال تعالى ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَي ِّقُوا عَلَيْهِنَّ ۚ ﴾4 و من السنة النبوية فضلا عما تقدم في منع الضرر عامة، ما أخرجه البخاري عن النعمان بن بشير قال صلى الله عليه و سلممثل القائم على حدود الله و الواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها، و بعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا و لم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم، و ما أرادوا هلكوا جميعا، و إن أخذوا على أيديهم نجوا و نجوا جميعا5 و الحديث إن سيق أصالة للدلالة على وجوب الأ مر بالمعروف و النهي عن المنكر بطريق ضرب الأمثال، فإنه يتضمن منع التعسف في استعمال حق الملك، بالتذرع به إلى ضرر الشريك أو الجار، يقول ابن حجر في شرح الحديث -بلفظ آخر للبخاري 6- و بيان الأحكام المستفادة منه " أنه ليس لصاحب السفل أن يحدث على صاحب العلو ما يضر به و أنه إن أحدث عليه ضررا لزمه إصلاحه و أن لصاحب العلو منعه من الضرر". 7 1- ينظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، مصدر سابق، ج 4، ص216. 2- سورة البقرة، الآية 233. 3- تفسير ابن كثير مصدر سابق ،ج14، ص 40 4- سورة الطلاق الآية 3 5- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التركة، باب: هل يقرع في القسمة؟، حديث رقم 2493. 6- الحديث بلفظ:"مثل المدهن في حدود الله و الواقع فيها"، حديث رقم 2686. 7- فتح الباري، مصدر سابق، ج 5، ص370.

عدد الصفحات ٢٨٦

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 280 و ينضاف إلى ذلك ما جاء في "حسم مادة و سائل الفساد1، قال تعالى:﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ف َيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم ﴾.2 و وجه الدلالة أ نه منع سب الأصنام مع كونه -في الأصل مباحا- لإفضائه إلى مفسدة أعظم، و هي سب المولى عز و جل، و كذلك كل فعل مباح أفضى إلى مفسدة كان حريا بالمنع و لا يكتفى و الحال كذلك بالنظر إلى قصد الفاعل، و إنما إلى مآل الفعل، من حيث إفضائه إلى المصلحة أو المفسدة. و هكذا تحرم الذرائع المفضية إلى المحرمات و تجلب الذرائع التي تتوقف عليه الواجبات، ذلك أنه لما كان من سنن الله تعالى أن المسببات لا تنفك عن أسبابها و المقاصد ترتبط بوسائلها، أخذت الوسائل حكم الغايات،3 يقول القرافي:" و أعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها و يكره و يندب و يباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، و موارد الأحكام على قسمين:مقاصد و هي المتضمنة للمصالح و المفاسد في أنفسها و وسائل و هي الطرق المفضية إليها ، و حكمها حكم ما أفضت إليه و إن كانت أخفض رتبة من المقاصد في حكمها". 4 و ليس ذلك كما يقول من خواص مذهب الإمام مالك بل الذرائع ثلاثة أقسام:  قسم أجمعت الأمة على سده و منعه و حسمه كحفر الآبار في طريق المسلم  قسم أجمعت الأمة على عدم منعه، كالمنع من زراعة العنب خشية الخمر  و قسم اختلف فيه العلماء كبيوع الآجال و تضمين الصناع 5 1- كذلك عرف صاحب التبصرة أصل سد الذرائع، ينظر: تبصرة الحكام، مصدر سابق، ج 2، ص269. 2- سورة الأنعام، الآية 108. 3- نظرية التقريب و التغليب، مصدر سابق، ص 384،385. 4- الذخيرة، مصدر سابق، ج1، ص153. 5- الفروق، مصدر سابق، ج2، ص60، شرح تنقيح الفصول، مصدر سابق، ص 353.

عدد الصفحات ٢٨٧

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 281 إلا أنه مما لا خلاف فيه أن المالكية قد توسعوا في العمل بأصل سد الذرائع ،و إن لم تخل فروع غيرهم من اعتباره ، أما محل النزاع فما كان إفضائه إلى المفسدة غالبا أو كثيرا ، بخلاف المقطوع به أو النادر، فاعتبر المالكية و من وافقهم الظن الغالب و كثرة الوقوع قرينة كاف ية لثبوت المنع. ثانيا :تقديم المصلحة العامة على الخاصة: مما يتفرع على قاعدة منع الضرر، أن الضرر الأشد يدفع بالضرر الأخف، و هو مقتضى تقديم المصلحة العامة على الخاصة، ، و المراد بيانه في هذا المقام، أن الشارع الحكيم في اعتباره لحظوظ المكلفين قدم العموم على الخصوص حال التعارض بحيث يمتنع الجمع و التوفيق ،و بيان ذلك كما يقول البوطي-رحمه الله -:"أن المصالح و إن اتفقت فيما هي مصلحة له، و في مدى الحاجة إليها و لكنها كثيرا ما تختلف في مقدار شمولها للناس و مدى انتشار ثمراتها ، فيقدم حينئذ أعم المصلحتين شمولا على أضيقهما، إذ لا يعقل إهدار ما تتحقق به فائدة جمهرة من الناس من أجل حفظ ما تتحقق به فائدة شخص واحد أو فئة قليلة من الناس على أن الفرد لا يتضرر بترجيح مصلحة الجماعة عليه لدخوله غالبا فيهم"1، متى أمكن إنجبار حقه بالتعويض. و قد أشار إلى تقديم الكلي على الجزئي الغزالي في مسألة التترس حيث يقول:"و قد اضطررنا إلى مخالفة أحد المقصودين و لابد من الترجيح، و الجزئي، محتقر بالإضافة إلى الكلي و هذا جزئي بالإضافة، فلا يعارض بالكلي، فإن قيل مسلم أن هذا جزئي، و لكن لا يسلم أن الجزئي محتقر بالإضافة إلى الكلي، فاحتقار الشرع له يعرف بنص أو قياس على منصوص، قلنا عرفنا ذلك لا بنص معين بل بتفاريق الأحكام".2 و إن سيق الاستدلال على مسألة بعينها، فإنه مما لا خلاف فيه أن مصلحة العموم في نظر الشارع مقدمة على مصلحة الخصوص، حال التعارض و امتناع الجمع. 1- ضوابط المصلحة، مرجع سابق، ص 252. 2-المستصفى، مصدر سابق، ج1، ص322.

عدد الصفحات ٢٨٨

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 282 وخطاب التشريع ، إذ يقرر الحق في الاكتساب و الانتفاع وفق ما يقتضيه الشرع و ضمن الحدود التي يضعها، فإنه يقيده بعدم معارضة الحق العام و هو المراد بحق الله أو المصلحة العامة، إن مثل هذه النظرة المزدوجة للحقوق أقوم بمصالح الفرد و الجماعة، على وزان من الوسطية و أساس من رعي الفطرة الإنسانية. و هو أصل لم يؤخذ من نص واحد و إنما أفيد من جملة من النصوص بطريق الاستقراء ، و من ذلك ما جاء في النهي عن بيع الحاضر لباد رعاية لأهل السوق، و النهي عن تلقي الركبان لمصلحة أهل الحظر و تحريم الاحتكار، و إخراج الطعام من يد محتكره قهرا تقديما لمصلحة الجماعة في توفير الأقوات اللازمة لمعاشهم و الحجر على السفيه تقديما لمصلحة عامة هي حفظ مال الجماعة على اعتبار أن للجماعة حقا في ماله1، قال تعالى:﴿ وَلاَ ت ُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾.2 و قال صلى الله عليه و سلم لاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَاد }3 و قال لاَ ت َلَقَّوْا الرُّكْبَانَ }4 و قال عليه السلام لاَ يَحْتَكِرُ إِلاَّ خَاطِئٌ }5 و تتخرج على هذا الأصل فروع كثيرة ،من ذلك جواز التسعير للحاجة حال غلبة الظلم و التغابن الفاحش في الأثمان ، مع ورود النص بالتحريم1 ،يقول ابن القيم :" فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم ،وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق فهذا 1- مراعاة مقاصد الشريعة و مآلات الأفعال، في العمل المصرفي الإسلامي، حسين حامد حسان، hamed.com-wwwussein . وفي هذا المعنى يقول الشاط"كالمنع من تلقي الركبان فإن منعه ف الأصل ممنوع إذ هو من باب منع الإرتفاق ،وأصله ضروري أو حاجي لأجل أهل السوق، ومنع بيع الحاضر للبادئ لأنه ف الأصل منع من النصيحة إلا أنه إرفاق لأهل الحضر، وتضمين الصناع قد يكون من هذا القبيل وله نظائر كثيرة، فإن جهة التعاون هنا أقوى، وقد أشار الصحابة على الصديق إذ قدموه خليفة بترك التجارة والقيام بالتحرف على العيال لأجل ما هو أعم ف التعاون ،وهو القيام بمصالح المسلمين وعوضه من ذلك ف بيت المال"الموافقات، ج 3 ،ص260. 2- سورة النساء، الآية 05. 3- متفق عليه 4- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع ، بَاب هَل يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَاد بِغَير ِ أَج ر وَهَل يُعِينُهُ أَو يدَن صَحُهُ ،حديث رقم: 2150.ج2 ،ص102 5- رواه مسلم في صحيحه ،كتاب البيوع ، باب تحَ رِيمِ الاِح تِكَارِ فِ الأَقد وَاتِ ، حديث رقم: 4207.ج5 ،ص56.

عدد الصفحات ٢٨٩

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 283 إلى ا، فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق . وأما الثاني فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها، إلا بزيادة على القيمة المعروفة فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل ،ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل فالتسعير ههنا إلزام بالعدل الذي ألزمهم الله به " 2 ،و منه القول بتضمين الصناع مع أن الأصل كونهم أمناء بمقتضى عقد الإجارة ،لا يضمنون إلا بالتعدي أو التقصير و استثنّ الأجير المشترك لفساد الذمم رعيا لمصلحة العموم ... إن هذه النظرة التوفيقية بين حق الفرد و المجموع ،و الطبيعة المزدوجة للحقوق في الشريعة الإسلامية تعبر بجلاء عن وسطية التشريع في جلب المصالح و دفع المفاسد، بحيث يقوم حظ الفرد و المجموع دون أن يفتات أحدهما على الآخر ، و في تقديم مصلحة العموم اعتبار لحظ الفرد بطريق المآل فيتقرر رعي حظوظ المكلفين في الوجهين. ثالثا :إسقاط الحظوظ و علاقته بقاعدة منع الضرر لقد تبين مما سبق أن الحظوظ المعتبرة حقوق ثابتة للعبد، و أن هذه الحقوق ما ثبتت إلا بإثبات الشارع لها، و كل حق منها مشوب بحق الله تعالى و إن ظهر أنه من خالص حقوق العبد على التقسيم الذي ذكره الفقهاء ، إلا أن السؤال الذي يطرح في هذا المقام هو: هل للمكلف كل إسقاط لحظ من حظوظه و ما حقيقة هذا الإسقاط في بعده الفقهي و المقاصدي و ضوابطه ،و ما علاقته بقاعدة منع الضرر؟ أولا: حقيقة الإسقاط 1 - عنأنس رضي الله عنه قال:" غلا السعر على عهد النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا يا رسول الله لو سعرت لنا فقال إن الله هو القابض والرازق الباسط المسعر وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال " رواه الترمذي و قال :حديث حسن صحيح . 2 - الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ، مصدر سابق ، ص 354-355

عدد الصفحات ٢٩٠

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 284 الإسقاط لغة: الوقوع و الإلغاء، يقال سقط سقوطا وقع من أعلى إلى أسفل، و أسقطت الحامل ألقت جنينها و قول الفقهاء سقط الفرض أي سقط طلبه و الأمر به.1 أما في اصطلاح الفقهاء" إزالة الملك أو الحق لا إلى مالك و لا إلى مستحق و تسقط بذلك المطالبة به،2 و من معاني الإسقاط الإبراء، و هو إسقاط الدين عن ذمة مدينه و تفريغ لها منه ".3 و قيل هو تمليك للمديون ما في ذمته و توسط ابن السمعاني فقال هو تمليك في حق من له الدين إسقاط في حق المدين.4 و ما تنبغي ملاحظته أن الإسقاط كما يقع عل ى حق في ذمة آخر أو قبله يقع على حق ثابت بالشرع لم تشغل به الذمة، و مثاله حق الشفعة، و يسمى في هذه الحالة إسقاطا لا إبراء، فالأول أعم على هذا التقدير.5 و يرى ابن عبد السلام 6 من المالكية أن الإبراء أعم من جهة أخرى، إذ الإسقاط لا يكون إ في المعين و الإبراء أعم منه حيث يكون في المعين و غيره 7، و من معانيه العفو يقال عفوت عن الحق أسقطته8 ،و منه قوله تعالى:﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾9 أي التاركين مطالبهم عندهم لا يطالبونهم بها، 1- المصباح المنير، أحمد بن علي الفيومي، بيروت، مكتبة لبنان، (د.ت)، ص105، الصحاح تاج اللغة، مصدر سابق، المجلد2، ص1132. 2- الموسوعة الفقهية الكويتية، وزار ة الأوقاف و الشؤون الدينية، الكويت، ط 1427هد، ج1، ص143. 3- جواهر الإكليل شرح مختصر، خليل صالح عبد السميع الأبى، بيروت، المكتبة الثقافية، (د.ت)، ج 2، ص212. 4- المنثور في القواعد، مصدر سابق، ج1، ص80. وينظر: الذخيرة، مصدر سابق، ج6، ص241. 5- ينظر: ضوابط إسقاط الحقوق في الفقه الإسلامي، أحمد مصطفى سليمان، كلية العلوم الإسلامية، ، المجلددددددددددددد الأول، العدددددددددددددد الثدددددددددددداني، 1429هدددددددددددددد- 2008م، ص143 . 6- محمددد بددن عبددد السددلام بددن يوسددف بددن كثددير الهددواري أبددو عبددد الله، فقيدده مددالكي، تددوفي سددنة 1277هددد- 1348م. مددن تآليفدده شددرح جددامع الأمهددات لابددن الحاجب، الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلوم للملايين، بيروت، ط 15،2002م، ج6، ص205 . 7- شرح منح الجليل على مختصر خليل، محمد عليش، مكتبة النجاح، ليبيا، (د.ت)، ج 3، ص426. 8- المصباح المنير، مرجع سابق، ص 159. 9- سورة آل عمران، الآية 134.

عدد الصفحات ٢٩١

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 285 فالعفو الذي يستعمل في ترك الحق مساو للإسقاط في المعنى اللغوي إلا أنه أعم حال الإطلاق لتعدد استعمالاته.1 و من معاني الإسقاط: إسقاط العبادات عند وجود أعذارها، و من ذلك سقوط الجمعةو الصوم و الحج و العمرة و الجهاد بأعذار منها السفر و المرض،و الإعسار و غير ذلك،إلا أن ما تقدم أوثق صلة بالمعنى المراد، لتعلق الأخير بتصرفات الشارع و المراد أفعال المكلفين. من خلال التعريف بالإسقاط في الاصطلاح الفقهي يمكن أن نلحظ ذلك التداخل بين المعنى الذي ذكره الفقهاء و إسقاط الحظوظ، ذل ك أن الإسقاط كما تقدم إزالته الملك أو الحق إلى غير مالك أو مستحق أو ترك المطالبة به، و قد تبين فيما سبق أن كل مصلحة يميل إليها المكلف أثبتها الشرع حق معتبر و حظ ثابت، إلا أن الماهية المركبة لاصطلاح حظوظ المكلفين كما تفصلها الدراسة ، تجعل إسقاط الحظوظ ينتظم معاني أخرى، فضلا عن ما يقرره البعد الفقهي. و بيان ذلك أن النظر في حظوظ النفس لا يخلو من جهتين، جهة القصد و جهة الطلب. و يتوزع المراد بإسقاط الحظوظ على الجهتين، على النحو الآتي: أ. جهة القصد: و يراد به على هذا الاعتبار ترك الالتفات إلى المصالح الخاصة في أنواع العبادات و المعاملات ،و هو أصل في تحري الإخلاص و تصير العاديات من أبواب القرب و الطاعات 2، مما تقدم بيانه في مبحث الإخلاص. ب. جهة الطلب: و يراد به التنازل عن الحق الثابت في الحكم 3، ذلك أن الإسقاط لا يتصور إلا على مصلحة ثابتة، إلا أن المراد هو المعنى العام سواء وجد وصف الاختصاص أم لم يوجد، فيكون العلاقة بين المفهوم الفقهي للإسقاط و إسقاط الحظوظ علاقة عموم و خصوص مطلقين. 1- الموسوعة الفقهية الكويتية، مرجع سابق، ج 5، ص266. 2- ينظر: الموافقات، مصدر سابق، ص 431. 3- ضوابط المصلحة، مرجع سابق، ص 50.

عدد الصفحات ٢٩٢