المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حظوظ المكلفين في القرآن الكريم بين الجلب والدفع

خيرة سرير حاج

صفحة ١٧ من ٣٠

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 254 تعددت عبارات العلماء في ت عريف الاحتياط، اصطلاحا و إن تقاربت في مضامينها، تحت مسمى الورع أو الاحتياط، و مما جاء في ذلك تعريف ابن عبد السلام حيث يقول:" الورع ترك ما يريب المكلف إلى ما لا يريبه ،و هو المعبر عنه بالاحتياط".1 و قريب من هذا المعنى عرفه القرافي بأنه:" ترك ما لا بأس به حذ را مما به بأس". 2 و يقول ابن حزم:" الاحتياط هو التورع نفسه ،و هو اجتناب ما يتقي المرء أن يكون غير جائز ،و إن لم يصح تحريمه عنده أو اتقاء ما غيره خير منه عند ذلك المحتاط". 3 و الاحتياط ترك و فعل ، و منه قول صاحب قواعد الأحكام " و الشرع يحتاط لدرء مفاسد الكراهة و التحريم ،كما يحتاط لجلب مصالح الندب و الإيجاب".4 و قريب من هذا المعنى ما جاء في الأشباه و النظائر لابن السبكي حيث يقول:" اعلم أن مسائل الاحتياط كثيرة يطول استقصاؤها، يرجع حاصلها إلى أن الاحتياط قد يكون لتحصيل منفعة كإيجاب الصلاة على المتحيرة و إن احتمل كونها حائضا ، و قد يكون لدفع المفسدة كتحريم وطئها". 5 المعنى الذي نجده متضمنا في تعريفات بعض الباحثين المعاصرين ، و مثالها ما جاء في تعريفه بأنه: " الاحتراز من الوقوع في منهي أو ترك مأمور عند الاشتباه" ،و الاحتراز جنس يشمل ما كان بالفعل و ما كان بالترك و ما كان بالتوقف أو غيرها من الطرق التي يتحقق فيها الاحتياط. 6 1- قواعد الأحكام، مصدر سابق، ص333. 2- الفروق، مصدر سابق،ج4، ص368. 3- الإحكام، مصدر سابق، ج1، ص50. 4- قواعد الأحكام، مصدر سابق، ص267. 5- الأشددباه و النظددائر، عبددد الوهدداب بددن عبددد الكددافي السددبكي، تحقيددق: عددادل أحمددد عبددد الموجددود، علددي محمددد عددوض، بدديروت، دار الكتددب العلميدددة، ط 1، 1411هد1991م، ج1، ص110. 6- العمل بالاحتياط الفقه الإسلامي، منيب شاكر، الرياض، دار النفائس، ط1،1418هد1998م، ص48.

عدد الصفحات ٢٦١

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 255 و تعريفه بأنه:" احتراز المكلف عن الوقوع فيما يشك فيه من حرام أو مكروه" و هو يشمل ما كان بالفعل و ما كان بالترك و ما كان بالتوقف. 1 وتستمد قاعدة الاحتياط مشروعيتها من نصوص الكتاب و السنة، و من جملة ما جاء في ذلك: قوله تعالى:﴿ اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ ب َعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾.2 فلا يخفى أنه أمر باجتناب بعض ما ليس بإثم خشية الوقوع فيما هو إثم و ذلك هو الاحتياط 3، قال الرازي:" و قوله تعالى:﴿ إِنَّ ب َعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ إشارة إلى الأخذ بالأحوط. 4 و قوله تعالى:﴿ يَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ ت َقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾.5 و وجه الدلالة منع المسلمين من قول راعنا و إن كان الأصل فيه الإباحة احتياطا ، لئلا يؤدي ذلك إلى سب النبي صلى الله عليه و سلم. و من السنة: قوله صلى الله عليه و سلمإن الحلال بين و إن الحرام بين، و بينهما مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه و عرضه ،و من وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا و إن لكل ملك حمى ،ألا و أن حمى الله محارمه ،ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ،و إذا فسدت فسد الجسد كله، ألا و هي القلب}6 قال البغوي:" هذا الحديث أصل في الورع و هو أن ما اشتبه على الرجل أمره في التحليل و التحريم ،و لا يعرف له أصل متقدم فالورع أن يجتنبه و يتركه، فإذا لم يجتنبه و استمر 1- رفع الحرج، صالح بن حميد، مرجع سابق، ص 332. 2- سورة الحجرات، الآية 12. 3- الأشباه و النظائر، ابن السبكي، ج1، ص110. 4- مفاتيح الغيب، مصدر سابق، ج28، ص134. 5- سورة البقرة، الآية 104. 6- أخرجه الشيخان و اللفظ لمسلم

عدد الصفحات ٢٦٢

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 256 عليه و اعتاده، جره ذلك إلى الوقوع في الحرام"، 1 وقال ابن رجب:" و فيه - أي في الحديث- إشارة إلى أنه ينبغي التباعد عن المحرمات ،و أن يجعل الإنسان بينها و بينه حاجزا" 2، و هو معنى الاحتياط و قوله صلى الله عليه و سلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الخير طمأنينة و إن الشر ريبة}3 و بيان ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بترك مواقع التهمة و الريب إلى ما ليس كذلك ، و هو المراد بالاحتياط،يقول ابن رجب:" و معنى هذا الحديث يرجع إلى الوقوف عند الشبهات و اتقائها، فإن الحلال المحض لا يحصل لمن في قلبه منه ريب، و الريب بمعنى القلق و الاضطرا ب ، بل تسكن إليه النفس و يطمئن به القلب ،و أما المشتبهات فيحصل بها القلق و الاضطراب الموجب للشك"، 4و منه قوله صلى الله عليه و سلم الْبِرُّ مَا سَكَنَتْ إِلَيْهِ الن َّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ وَالإِْثْمُ مَا لَمْ تَسْكُنْ إِلَيْهِ الن َّفْسُ وَلَمْ يَطْمَئِنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ }5 و من الأدلة التطبيقية، قضاؤه صلى الله عليه و سلم بالاحتياط في مناسبات عدة و منها أمره صلى الله عليه و سلم لسودة بنت زمعة رضي الله عنها بالاحتجاب من ابن وليدة زمعة ،و كان سعد بن أن وقاص قد اختصم فيه إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقضى به لصاحب الفراش ،و أمر زوجه بالاحتجاب فقال صلى الله عليه و سلمالولد للفراش و للعاهر الحجر، ثم قال لسودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه و سلم: احتجبي يا سودة لما رأى من شبهه بعتبة 6}، فما رآها حتى لقي الله7،قال ابن حجر:" و وجه الدلالة منه قوله صلى الله عليه و سلماحتجبي منه يا سودة} 1- شرح السنة، الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، بيروت، المكتب الإسلامي، ط 2،1403هد1983م، ج8، ص13 . 2- جامع العلوم و الحكم، مصدر سابق، ص73. 3- أخرجه الحاكم في مستدركه ،كتاب البيوع ، ، حديث رقم: 2232.ج2 ،ص16. 4- جامع العلوم و الحكم، مصدر سابق، ص109. 5-رواه الطبراني في المعجم الكبير ،ج22 ،ص119.. 6- هو عتبة بن أن وقاص أخو سعد بن أن وقاص، و قد عهد إليه أن ابن وليدة زمعة منه فاقبضه 7-تقدم تخريجه.

عدد الصفحات ٢٦٣

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 257 حكمه أنه أخوها لأبيها، لكن لما رأى الشبه البين فيه من غير زمعة ،أمر سودة بالاحتجاب منه احتياطا في قول الأكثر".1 إن الناظر في هذه الأدلة و غيرها مما سيق في هذا المقام، يجد أنها تتفاوت في دلالتها منحيث الظهور و الخفاء ومن حيث اقتضاء الوجوب و الندب، إلا أنها مجتمعة تقرر أصل الاحتياط كقاعدة كلية ، المعنى الذي تواترت عبارات العلماء على إثباته ، يقول السرخسي:" الأخذ بالاحتياط أصل في الشرع"، 2و قال الجصاص:" و اعتبار الاحتياط و الأخذ بالثقة أصل كبير من أصول الفقه، قد استعمله الفقهاء كلهم"، 3و قريب من ذلك يقول الشاط فالاحتياط للدين ثابت من الشريعة مخصص لعموم أصل الإباحة ".4و يرى ابن تيمية أنه مسلك و دليل لكثير من الفقهاء في كثير من الأحكام 5 و في المقابل فإن هذه الأدلة لم تسلم من الاعتراض، و كان من أكثر ال فقهاء، طعنا في انتهاضها لإثبات الحكم بالاحتياط وجوبا ابن حزم في كتابه الإحكام. و من جملة ما جاء في ذلك قوله:" و لا يحل أن يقضى به على أحد، و لا أن يلزم أحدا لكن يندب إليه لأن الله تعالى، لم يوجب الحكم به". 6 و يقول في موضع آخر:" و لا يحل لأحد أن يحتاط في الدين فيحرم ما لم يحرم الله تعالى، لأنه يكون حينئذ مفتريا في الدين و الله تعالى أحوط علينا من بعضنا على بعض".7 مستدلا بقوله تعالى:﴿ وَلاَ ت َقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّت َفْت َرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾.1 1- فتح الباري، مصدر سابق، ج 4، ص368. 2- أصول السرخسي، مصدر سابق، ج2، ص21. 3- الفصول في الأصول، أحمد بن علي الجصاص، تحقيق: عجيل النشمي، وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية، ط 2،1994م، ج2، ص101. 4- الموافقات، مصدر سابق،ج1،ص 186 5- مجموع الفتاوى، ج 20، ص262. 6- الإحكام في أصول الأحكام، مصدر سابق، ج1، ص51. 7- المصدر نفسه، ج6، ص10.

عدد الصفحات ٢٦٤

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 258 و قوله:﴿ قُلْ أَرَأَي ْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْق فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَ مْ عَلَى اللَّهِ ت َفْت َرُونَ ﴾.2 يقول:" اتضح بهاتين الآيتين أن كل من حلل أو حرم ما لم يأت إذن من الله تعالى في تحريمه أو تحليله ،قد افترى على الله كذبا". 3 إلا أن الناظر فيما ذهب إليه ابن حزم من خلال رده على مخالفيه يجد أنه لم ينف القول بالاحتياط كلية، و إنما أنكر منه ما كان ذريعة إلى التحليل أو التحريم دون مسوغ صحيح من نص أو إجماع،و هو جار على مسلكه في رد العمل بالقياس، أم ا ما كان على جهة الندب، تورعا و اجتنابا لمظنة الريب و التهمة فلا خلاف في إثباته، المعنى الذي عبر عنه في تعريفه للاحتياط بقوله:" الاحتياط كله أن لا يحرم المرء شيئا إلا ما حرم الله تعالى ،و لا يحل شيئا إلا ما أحل الله تعالى".4 و جمعا بين ما تقدم يمكن القول، إن ما قد يعده البعض احتياطا مما هو من قبيل الوسوسة و التنطع، الثابت من الشرع رده و إلغاؤه ، أما ما ذهب إليه الجمهور من القول بالأخذ بالأحوط، المستند إلى النصوص الجزئية و الأصول الكلية، هو مسلك جار على مقاصد التشريع، متى تحققت مضانه، و استوفيت ضوابطه و الحكم بالإيجاب أو الندب، مرده إلى القطع أو الظن بجلب الصلاح أو درء الفساد، فما كان مقطوعا بالتوسل به إلى جلب مصلحة أو درء مفسدة، أو مظنونا ظنا غالبا، وجب الأخذ به احتياطا، أما ما كان دون ذلك فالندب مسلك محمود، حيث لا يصلح لعموم المكلفين حملهم على ترك كل مفسدة و إن كانت موهومة و تحصيل كل مصلحة و إن كانت دون القطع أو الظن،يقول العز بن عبد السلام:" و الاحتياط ضربان: 1- سورة النحل، الآية 116. 2- سورة يونس، الآية 59. 3- الإحكام في أصول الأحكام، مصدر سابق، ج6، ص12. 4- المصدر نفسه، ج6، ص13 .

عدد الصفحات ٢٦٥

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 259 أحدهما ما يندب إليه و يعبر عنه بالورع...كالخروج من خلاف العلماء عند تقارب المآخذ و كاجتناب كل مفسدة موهومة، و فعل كل مصلحة موهوم ة، فمن شك في عقد من العقود أو في شرط من شروطه أو في ركن من أركانه فليعده بشروطه و أركانه ،و لو شك في إبراء دين أو تعزير أو حد أو قصاص فليبرأ من ذلك ليحصل على أجر المحسنين و يبرأ خصمه بيقين. ثانيا: ما يجب لكونه وسيلة إلى تحصيل ما تحقق وجوبه أو درء ما تحقق تح ريمه، فإذا دارت المصلحة بين الإيجاب و الندب، فالاحتياط حملها على الإيجاب لما في ذلك من تحقق براءة الذمة و إن دارت المفسدة بين الكراهة و التحريم، فالاحتياط حملها على التحريم". 1 إن النظر في حكم الاحتياط و تردده بين الوجوب و الندب مرده إلى تبين مقتضياته من مثارات الاشتباه، حيث علم أن لا احتياط حال قوة دليل الحل أو الحرمة، و إنما مجال النظر فيما وقع فيه الاشتباه. حيث تتماثل المآخذ و المدارك فيقع الالتباس ، و من المباحث النف يسة في هذا المقام ما ذكره صاحب الإحياء، في بيان مثارات الاشتباه و أقسامها فكانت على ال نحو الآتي: الفرع الثاني: مثارات الاشتباه : المثار الأول: الشك في السبب المحلل و المحرم و هو أربعة أقسام: القسم الأول: أن يكون التحريم معلوما من قبل، ثم يقع الشك في المحلل، فهذه شبهة يجب اجتنابها، و يحرم الإقدام عليها، فمن رمى صيدا فوقع في الماء فصادفه ميتا، لا يدرى إن مات بالجرح أو الغرق فإن الصيد يحرم لأن الأصل المنع. 1- قواعد الأحكام، مصدر سابق، ص268.

عدد الصفحات ٢٦٦

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 260 و على هذا ينزل قوله صلى الله عليه و سلم لعدي بن ح اتم، و قد سأله عن الكلب يجده مع كلبه المعلم و قد أرسله للصيد فَلاَ تَأْكُلْ فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْب آخَرَ }1 القسم الثاني الشك في المحرم بعد العلم بالحل، فالأصل الحل، إعمالا لقاعدة اليقين لا يزول بالشك، إلا أنه قد يفتى بالتحريم بجهة الندب لا الوجوب، و منه فتوى الشعبي لرجلين تنازعا أيهما أحسد فزوجته طالق ثلاثا، فأشكل الأمر، بالاجتناب، على معنى أن فتوى الإمام القاضية بتحريم الزوجين معا إنما تحمل على الورع لا على التحريم المحقق و يشهد لذلك ما تقرر من تغليب جانب الحظر في نظر الشرع و إن قل أثره و قوي مدرك الحلال. 2 القسم الثالث اختلاط حرام غير محصور بحلال غير محصور ، و مثاله حال الأموال عند فساد الزمان. و الحكم فيه أن الاختلاط في هذا القسم لا يقتضي التحريم، إلا إذا اقترن بالشيء المعين أمارة تؤذن بتحريمه، أو يكون الأمر من باب الورع تنزيها. و قد يشكل على مثل هذا التقسيم حد المحصور، إذ لا ضابط، الأمر الذي لم يغفل عنه الغزالي، و رده إلى التقريب حيث يقول:" كل عدد لو اجتمع على صعيد واحد لعسر على الناظر عدهم بمجرد النظر فهو غير محصور، و ما سهل فهو محصور، و بين الطرفين أوساط متشابهة تلحق بأحد الطرفين بالظن".3 و مثاله أن يؤدي اجتهاده إلى نجاسة أحد الإناءين بالاعتماد على علامة معينة توجب غلبة الظن فتوجب تحريم شربه كما أوجبت منع الوضوء به. المثار الثاني: شك منشؤه الاختلاط و حاصله ثلاثة أقسام: 1- أخرجه البخاري في صحيحه ، كِتَاب ال وُضُوءِ ، بَاب ال مَاءِ الَذِي يدُغ سَلُ بِهِ شَعَرُ الإ ِن سَانِ ،حديث رقم 175:ج1،ص77 2- مدارس النظر إلى التراث و مقاصدها، الأخضر الأخضري، دمشق، دار الريادة، ط 1،1430هد2009م، ص112. 3- إحياء علوم الدين، مصدر سابق، ج2، ص127.

عدد الصفحات ٢٦٧

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 261 القسم الأول أن تستبهم العين بعدد محصور كما لو اختل طت الميتة بمذكاة أو عشر مذكيات ، أو اختلطت رضيعة بعشر نسوة فهذه شبهة يجب اجتنابها اتفاقا لتعذر الاجتهاد. القسم الثاني: اختلاط حرام محصور بحلال غير محصور فالحكم الحل رفعا للحرج، كما لو اختلطت رضيعة بنسوة بلد كبير، فإذن ذلك لا يجب اجتناب نكاح نساء البلد. القسم الثالث: أن يكون الأصل التحريم و لكن طرأ ما أوجب تحليله بظن غالب، فالمختار حله متى استندت غلبة الظن إلى سبب معتبر شرعا ، و إن كان الورع و التنزيه يقتضي الاجتناب، و مثاله أن يرمي إلى صيد فيتغيب، ثم يدركه ميتا و ليس عليه أثر سوى سهمه مع احتمال كونه مات بسبب آخر، فإن ظهر أثر الأخير وجب اجتنابه و لحق بالقسم الأول، و إن لم يظهر، فالأصل الحل، و الشاهد قوله صلى الله عليه و سلم{:وَإِنْ رَمَيْتَ الصَّيْدَ ف َوَجَدْتَهُ ب َعْدَ ي َوْم أَوْ ي َوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إِلاَّ أَث َرُ سَهْمِكَ فَكُلْ وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَلاَ تَأْكُلْ }1 القسم الرابع أن يكون الحل معلوما، و لكن يغلب على الظن طريان محرم بسبب معتبر في غلبة الظن شرعا. فيرفع الاستصحاب و يقضى بالتحريم بموجب الظن الغالب. المثار الثالث: أن يتصل بالسبب المحلل معصية تعتري قرائنه أو لواحقه أو سوابقه أو عوضه. و مثال معصية القرائن، البيع وقت الن داء لصلاة الجمعة و البيع على البيع و الذبح بالسكين المغصوبة...و الناظر في هذه التصرفات يجد أنها يتجاذبها طرفا الكراهة و التحريم و الصحة و الفساد و ليس القول واحد فيها عند جميع المذاهب، و مرده ذلك إلى ما هو معلوم عند أهل الأصول، من اقتضاء النهي الفساد أو عدمه، حال كون المنهي عنه أمرا خارجا عن العقد، و عليه اختلفوا في حكم البيع عند النداء الأخير كصلاة الجمعة و البيع على البيع ي قول ابن العرن"فأما النهي عن الشيء فهل يدل على فساد المنهي عنه فهي مسألة حسنة اختلف العلماء فيها، فقال قائلون النهي عن الشيء يدل 1- رواه البخاري في صحيح ه،كتاب الذبائح و الصيد ، باب الصيد إذا غاب عنه، حديث رقم: 5484.ج3 ،ص453

عدد الصفحات ٢٦٨

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 262 على فساده وعدم الاعتداد به شرعا وقال آخرون لا يدل على فساده ...،والصحيح من مذهبه أن النهي على قسمين : نهي يكون لمعنى في المنهي عنه ونهي يكون لمعنى في غيره فإن كان لمعنى في المنهي عنه دل على فساده ،وإن كان لمعنى في غير المنهي عنه فذلك يختلف إلا أن الأغلب فيه أنه لا يدل على الفساد "1 ،و الاحتياط يقتضي الاجتناب، إلا أنه يختلف من حيث القول بالوجوب أو الندب باختلاف القرائن و أثرها في التصرفات صحة و فسادا. أما مثال اللواحق، فهو كل تصرف يقضي في سياقه إلى معصية كبيع العنب ممن يعصره خمرا ،و بيع السلاح لصاحب الفتنة...و قد تقدم ذكر خلاف أهل العلم في مسألة الذرائع المفضية إلى المفاسد، و ترجيح القول بوجوب الاحتياط ، تحصيلا لمقاصد الشارع في جلب المصالح و دفع المفاسد. 2 و مثال معصية السوابق أو المقدمات الامتناع من أكل شاة علفت بعلف مغصوب ، أو رعت في مرعى حرام ، و منه ما نقل عن بشر بن الحارث 3 ،من امتناعه من الماء المساق في نهر أمر بحفره ظالم. 4 و الجامع هو أن التعلق في هذه الموارد بالامتناع هو من قبيل الورع الذي لا يمكن تكليف عامة الخلق به،5ذلك أنه قد علم أن عموم المكلفين لا يصلحهم ترك كل مفسدة و إن كانت موهومة لذلك ترد د أصل الاحتياط بين الوجوب و الندب ، رعيا لأحوالهم و تقريرا لمقصد التوسط و رفع الحرج. المثار الرابع: الاختلاف في الأدلة و حقيقته أن تتعارض أدلة التشريع فيما يظهر للمجتهد فيشكل على الفقيه حمل الشيء على الحل أو الحرمة ،و مرد ذلك إلى الاجتهاد و الترجيح بين المدارك فيفتى بما قوي دليله و انتهضت حجته 1 - المحصول في أصول الفقه ، ابن العرن ،مصدر سابق،ص 71 2- و قد ذهب الغزالي في عرضه لمثارات الإشتباه و أقسامها إلى خلاف ذلك ترجيحا لمذهب الشافعية في المسألة و الله أعلم 3- هددو بشددر بددن الحددارث بددن علددي بددن عبددد الددرحمن المددروزي المعددروف بالحددافي مددن كبددار الصددالحين لدده في الزهددد و الددورع أخبددار و هددو مددن تقددات رجددال الحددديث (150هد ، ت227هد)، الأعلام، ج2، ص54. 4- ينظر في أخبار الورع و الزهد، كتاب الورع لابن الدنيا و أن بكر الم روزيي و الزهد للحارث المحاسبي و غيرها. 5- مدارس النظر، مرجع سابق، ص 118.

عدد الصفحات ٢٦٩

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 263 هذا في الأحكام و الفتاوى، أما الاحتكام إلى الورع فإنه يقضي بالترك، إذ من المعلوم أن اتقاء مواضع الخلاف مهم في الاحتياط في حق المفتي و المقلد. و يمكن أن نضيف إلى ما تقدم مثارا خامسا و هو اختلاف الفتوى: حيث قد يفتى في الشيء الواحد بالحل أو الحرمة، على ما تقرر عند كل مجتهد ، فهل من الاحتياط الأخذ بالأثقل و ليس دليله بأولى من دليل القائل بالأخف، و الظاهر في هذه المسألة أن ما يجب في حق المستفتي تحري حال المفتي من حيث العلم و العدالة و الانتصاب للفتوى و يكفيه خبر العدل الو احد1، أما تخييره بين الأخف و الأثقل فيكفيه فتوى من وثق بعلمه و دينه، يقول صاحب اللمع:" و الحق لا يختص بأغلط الجوابين بل قد يكون الحق في الأخف".2 قال تعالى:﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾.3 و يقول القرافي تعقيبا على م ا ذهب إليه الزناتي 4 في تجنب تتبع الرخص:" و إن أراد بالرخص ما فيه سهولة على المكلف، كيف كان يلزمه أن يكون من قلد مالكا في المياه و الأرواث و ترك الألفاظ في العقود مخالفا لتقوى الله و ليس كذلك". 5 و إن كان الورع يقتضي إن اختلف الحكم بين التحريم و الإباحة، الترك احتياطا6 لقوة جانب المنع، في الراجح من الأقوال،كما أن الورع الفعل مع اعتقاد الوجوب، إن اختلف في كونه مباحا أو واجبا، و إن اختلفوا هل هو مندوب أو حرام، فالورع الترك 7 ،و قد تقدم أن ذلك لا يكون إلا حال 1- ينظدددر: جمدددع الجوامدددع، مصددددر سدددابق، ج1، ص122، اللمدددع، ص256، الإحكدددام في أصدددول الأحكدددام، ج4، ص282، الواضدددح في أصدددول الفقددده، ج1، ص294. 2- اللمع، مصدر سابق، ص257. 3- سورة البقرة، الآية 185. 4- شيخ المالكية أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن عياش الزناتي، كان إ ماما مفتيا، توفي سنة 618هد و قد نيدف علدى السدبعين، سدير أعدلام الندبلاء، ج22، ص 175. 5- الذخيرة، مصدر سابق، ج1، ص141. 6- ينظر في هذا المعنى: كشف الشبهات عن المشتبهات، محمد بن علي الشوكاني، مصر، مطبعة المعاهد، (د ت)، ص 08. 7- الفروق، مصدر سابق، ج4، ص368.

عدد الصفحات ٢٧٠

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 264 تماثل المدارك بحيث يشتبه الأمر على الناظر أما " إذا كان أحد المذهبين ضعيف الدليل جدا بحيث لو حكم به حاكم لنقض لم يحسن الورع في مثله ، و إنما يحسن مما يمكن تقريره شريعة". 1 الفرع الثالث :مقاصد الاحتياط و علاقتها بحظوظ المكلفين : إن تقرير أصل الاحتياط ليس بعيدا عن مقتضى ما سيقت الأدلة له من رعي الشارع لحظوظ المكلفين، ذلك أن جلب المصالح و دفع المفاسد العاجلة و الآجلة لا يقوم إلا على وزان من الجمع بين قاعدتي التيسير و الاحتياط، تحقيقا لمعنى الامتثال، و دفعا للريب و الشك عن نفس المكلف، و منعا من الاسترسال المفضي إلى التحلل من أواصر الشرع، يقول ابن القيم:" فنحن إ ذا احتطنا لأنفسنا و أخذنا باليقين و تركنا ما يريب إلى ما لا يريب، و تركنا المشكوك فيه للمتيقن المعلوم و تجنبنا محل الاشتباه، لم نكن بذلك عن الشريعة خارجين... و هل هذا إلا خير من التسهيل و الاسترسال حتى لا يبالي العبد بدينه و لا يحتاط له"،2 و يقول امدي:" فالأقرب إلى الاحتياط يكون مقدما لكونه أقرب إلى تحصيل المصلحة و دفع المضرة". 3 و مما ينبغي التنبيه إليه، أن الورع في الشريعة مسلك محمود، ما لم يجاوز الحد المشروع، و إلا كان غلوا و تنطعا، نزهت عنهما الشريعة، لما يترتب عليهما من ضرر في نفس المكلف و دينه، و أعلاه " كراهية التكليف و ترك الامتثال باعتقاد الوجوب في الأخذ بالأثقل، و اليأس من تحصيل مقتضاه"،4و دليل ذلك قوله صلى الله عليه و سلم هَلَكَ الْمُت َنَطِّعُونَ ،قالها ثلاثا}5 قال النووي:" هلك المتنطعون أي المتعمقون المغالون المجاوزون الحدودأقوالهم و أفعالهم".6 1- المصدر نفسه، حاشية ابن الشاط، ج4، ص70. 2- إغاثة اللهفان، مصدر سابق، ج1، ص130. 3- الإحكام، مصدر سابق، ج4، ص327. 4- ينظر في هذا المعنى: مدارس النظر، مرجع سابق، ص 139. 5- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم ، باب: هلك المتنطعون، حديث رقم: 2670.ج8 ،ص58 6- شرح النووي، مصدر سابق، ج16، ص220.

عدد الصفحات ٢٧١

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 265 و قال الغزالي استدلالا بالحديث:"الورع حسن و المبالغة فيه أحسن و لكن إل حد معلوم" فقد قال صلى الله عليه و سلمهلك المتنطعون}1 فالورع و الاحتياط درجات أعلاها ورع الصديق و أدناها ورع العدول 2 ،و ما زاد ذلك أو نقص، ليس من الورع في شيء، إنما هو خروج عن مقتضيات التشريع و مقاصده، فكان حريا بالرد و الإلغاء. وعليه يمكن إجمال مقاصد الاحتياط من حيث علاقتها بإثبات حظ المكلف في أمور أربعة 3 : أولا :المحافظة على مصالح الأحكام :لما علم من الشارع نوط أحكام التشريع بجلب المصالح و دفع المفاسد وأن هذه الأحكام قد يعتريها الظن و الاشتباه حال النظر و التنزيل على واقع المكلفين ،كان الاحتياط أقرب إلى تحصيل مقاصدها ،ذلك أن جلب مصالح المأمورات و إن تعاورها الظن و دفع مفاسد المنهيات أولى من الترك و الإعراض عنها بالكلية ،وهو أمر يدركه أسوياء العقول ،يقول الشوكاني :" وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه ; لأنه إن كان في نفس الأمر حراما فقد برئ من التبعة ، وإن كان حلالا فقد استحق الأجر على الترك لهذا القصد "4،و تحكم مواطن التعارض قواعد الترجيح ،فيحتاط لإثبات الأقوى ما لا يحتاط لإثبات الأضعف ، وقد تقدم أن الأصل في ذلك قوة المصلحة أو ضعفها من حيث رتبتها في مجال القصد ، و أثرها في قيام حياة الأفراد و الجماعة . و هو مجال للنظر يستدعي من المجتهد بذل الوسع في طلب الأجرى على مقاصد التشريع ،ذلك أنه موضع مزلة أقدام و مضلة أفهام ،و قد يعود حال التقصير بخلاف المراد. 1- إحياء علوم الدين، مصدر سابق، ج2، ص137. 2- المصدر نفسه، ج2، ص 138 3 -ينظر في ذلك :نظرية الاحتياط الفقهي ،محمد عمر سماعي ،بيروت ،دار ابن حزم ،ط 1428،1ه-2007م، ص62-ص75 4 - نيل الأوطار ،مصدر سابق ،ص1071 –ص1072

عدد الصفحات ٢٧٢

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 266 ثانيا :برائةالذمة و سلامة العرض:من أهم مقاصد الاحتياط برائة الذمة و الخروج من عهدة التكليف بيقين يقول ابن العرن "فإن للشريعة طرفين : أحدهما : طرف التخفيف في التكليف . والآخر : طرف الاحتياط في العبادات فمن احتاط استوف الكل ، ومن خفف أخذ بالبعض"1 و الشاهد قوله عليهالسلام "فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه و عرضه"2 ،والمراد أن مجانبة الشبهات أدعى إلى درك المراد من حيث تحصيل ثواب الفعل و الأمن من مغبة الترك ، أما سلامة العرض فهو أمر قررته النصوص و تشهد به العوائد و التجارب ،"فالمدمن على انتهاك الشبهات ،لا يسلم في الغالب من قول يطعن في عرضه أو لمز يشين شرفه " 3،يقول الحافظ ابن حجر في مقام البيان لما يستفاد من حديث النهي عن الشبهات "وفيه دليل على أن من لم يتوق الشبهة في كسبه ومعاشه فقد عرض نفسه للطعن فيه ، وفي هذا إشارة إلى المحافظة على أمور الدين ومراعاة المروءة "4 ،ويدخل في هذا المعنى ترك مواطن التهمة و الريبة لا فيما يتعلق بخاصة نفسه فحسب ،و إنما لدى غيره أيضا ،تجنبا لإساءة الظن به ، و تحرزا من جرائر التهم أن تنال من عرضه فيتنغص عيشه و يتكدر صفوه ،وعلى ذلك كان النبي صلى الله عليه و سلم يرن أصحابه و يرشدهم إلى طلب السلامة من الناس ،عن أم المؤمنين صَفِيَةَ بِن تِ حُيَي قَالَت :{ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا فَأَت َيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً فَحَدَّث ْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ فَان ْقَلَبْتُ ف َقَامَ مَعِي لِي َقْلِبَنِي وَكَانَ مَسْكَن ُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْد فَمَرَّ رَجُلاَنِ مِنْ الأَْنْصَارِ ف َلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا ف َقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسْلِكُمَا إِن َّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ف َقَالاَ سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الإِْنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ ي َقْذِفَ فِي ق ُلُوبِكُمَا سُوءًا أَوْ قَالَ شَيْئًا}5. ثالثا :تعويد النفس على الامتثال الأصل في الاحتياط ترك مواطن الشبهات مرانا للنفس على الطاعة و دربة على الامتثال، و بيان ذلك أن الشارع الحكيم جعل بين الحلال و الحرام سترة من تجرأ عليها 1 - أحكام القرآن ،مصدرسابق ،ج 2،ص63 2 - تقدم تخريجه . 3 - نظرية الاحتياط الفقهي ، مرجع سابق ص 71 4 - فتح الباري ، مصدر سابق ،ج 1 ،ص80 5 - متفق عليه

عدد الصفحات ٢٧٣

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 267 استهان بالمنهيات و انتهاك المحرمات ، قال صلى الله عليه و سلم :"ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى أوشك أن يواقعه "1 ،فتبين أن الواقع في الشبهات واقع في الحرام غالبا لوقوع التقصير من حيث هو مطالب بالتحري و الاحتياط ،و لما تورثه في النفس من جرأة على المعاصى و قد علم "أن المتجرئ على الأخف بالإخلال به معرض للتجرؤ على ما سواه" 2،وفي المقابل فان التزام جانب الورع و الاحتياط الشرعي في غير تفريط أو إفراط مظنة حسن الامتثال ،لأن تارك مواطن التهم حري بترك ما هو آكد منها و أقوى، ومنه قوله تعالى :﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا ت َقْرَبُوهَا كَذَلِكَ ي ُب َيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ ي َت َّقُونَ ﴾3 ،يقول صاحب الكشاف في تفسير الآية : "من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق فنهى أن يتعداه لأن من تعداه وقع في حيز الباطل، ثم بولغ في ذلك فنهى أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل لئلا يداني الباطل، وأن يكون في الواسطة متباعدا عن الطرف فضلا عن أن يتخطاه"4 رابعا :حصول الاطمئنانلما علم أن الاحتياط سبب في حفظ مصالح الأحكام حال الاشتباه ، و أنه ذريعة إلى حسن الامتثال و الخروج عن عهدة التكاليف بيقين ،و السلامة من الناس ،كان أدعى لحصول الاطمئنان ،ذلك أن النفس تواقة إلى ما يقطع أسباب الريب و الخشية من مغبة التقصير ، و مسلك الاحتياط مما يدرك به ذلك، إلا أنه مسلك عزيز لا يجنّ ثماره إلا من أضاء قلبه بنور الورع وكان في أفعاله و تروكه متشوفا إلى مرضاة الرب وهو المراد بقوله عليه السلام { اسْت َفْتِ ق َلْبَكَ وَاسْت َفْتِ ن َفْسَكَ ثَلاَثَ مَرَّات الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ الن َّفْسُ وَالإِْثْمُ مَا حَاكَ فِي الن َّفْسِ وَت َرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَف ْتَاكَ النَّاسُ وَأَف ْت َوْكَ }5، يقول الغزالي في بيان حقيقة استفتاء القلب و أي نوع يعول عليه: "وحيث قضينا باستفتاء القلب أردنا به حيث أباح المفتي أما حيث حرمه فيجب الامتناع ،ثم لا 1 - تقدم تخريجه 2 - الموافقات ، مصدر سابق ،ج 2 ، ص22 3 - سورة البقرة ،الآية 187 4 - الكشاف ،مصدر سابق ،ج1 ،ص159 5 - أخرجه أحمد في مسنده من حديث وابصة بن معبد الأسدي ،ج29 ،ص533.

عدد الصفحات ٢٧٤

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 268 يعول على كل قلب فرب موسوس ينفر عن كل شيء ،ورب شره متساهل يطمئن إلى كل شيء ولا اعتبار بهذين القلبين وإنما الاعتبار بقلب العالم الموفق المراقب لدقائق الأحوال ، وهو المحك الذي يمتحن به خفايا الأمور وما أعز هذا القلب في القلوب، فمن لم يثق بقلب نفسه فليلتمس النور من قلب فيه هذه الصفة وليعرض عليه واقعته" 1 ، فانتفى أن يكون مثل هذا المدرك دليلا لتحكيم الأهواء و ،إنما هو كما تقدم مسلك في تنزيل الأحكام و التصرفات وفق مقتضيات الشرع على وجه تترك فيه ذرائع الوقوع في المنهيات، و ترك المأمورات حال تماثل المدارك حيث لا سبيل للقطع بأحدها .يقول الشاطبي ردا على من اعتبر مثل هذا النص و ما يقارب معناه دليلا على ثبوت الأحكام بطريق استفتاء القلب " وإنما يستقيم إعمال الأحاديث المذكورة فيما أعمل فيه قوله عليه الصلاة والسلام الحلال بين والحرام بين ،وما كان من قبيل العادات من استعمال الماء والطعام والشراب والنكاح واللباس وغير ذلك مما في هذا المعنى، فمنه ما هو بين الحلية وما هو بين التحريم وما فيه إشكال - وهو الأمر المشتبه الذي لا يدرى أحلال هو أم حرام فإن ترك الإقدام أولى من الإقدام مع جهله بحاله"2. المطلب الثالث :نفيالضرر (لا ضرر و لا ضرار): الفرع الأول :حقيقة القاعدة و أدلتها: القاعدة لفظ حديث نبوي في مرتبة الحسن، إلا أن الشواهد القرآنية و النبوية ترتقي بها لتنتهض واحدة من كليات التشريع،ذلك أن مقتضاها "عموم النهي عن أحاد الضرر و الضرار جميعا و تحريم ذلك"3، و قد جاءت بصيغة النفي فكانت أبلغ في النهي، و هو معنى في غاية العموم باتفاق، و إن اختلفوا في المراد بالضرر و الضرار و الفرق بينهما على أقوال جمعها صاحب التمهيد، فكان من جملتها أن الضرر و الضرار لفظتان بمعنى واحد تكلم بها جميعا عل ى وجه التأكيد و قيل الضرر عند أهل العربية الاسم و الضرار الفعل ، و معنى لا ضرر لا يدخل على أحد ضررا ثم يدخله على نفسه 1 - إحياء علوم الدين ،مصدر سابق ،ج2 ص118 2 - الاعتصام ،مصدر سابق، ص 158 3- المعيار المعرب و الجامع المغرب، أبو العباس أحمد بن يحي الونشريسي، المغرب، وزارة الأوقاف، ط 1401هد1981م، ج8، ص474.

عدد الصفحات ٢٧٥

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 269 و معنى لا ضرار، لا يضار أحد بأحد و قيل الضرر مالك فيه منفعة و على جارك فيه مضرة ،و الضرار ما لا منفعة لك فيه و لجارك فيه مضرة، يقول ابن ع بد البر تعقيبا:" و هذا وجه حسن المعنى في الحديث" 1، و مما جاء في التفريق بينهما أن الضرر أن تضر بمن لا يضرك ، الضرار أن تضر بمن قد أضر بك، من غير جهة الاعتداء بالمثل و الانتصار بالحق.2 و ما يظهر أن كل واحد من هذه المعاني لا يخرج عن حقيقة الضرر أو الضرار المقصود من الشارع منعهما إما على جهة الإطلاق في مسمى الضرر ، أو على وجه المقابلة كما يقتضيه معنى الضرار فيما ذهب إليه البعض3 ، إلا أن يدل الدليل على التخصيص. و هو لفظ عام كما يقول ابن عبد البر:" متصرف في أكثر أمور الدنيا ، و لا يكاد أن يحاط بوصفه إلا أن الفقهاء ينزعون به في أشياء مختلفة". 4 و المراد في هذا المقام، أن تصرف المكلف في طلب حظ النفس كسبا و انتفاعا مقيد بعدم إلحاق الضرر بالغير، على غير جهة الإذن الشرعي تخصيصا ، إذ يكون و الحال كذلك من باب الظلم الذي تواترت نصوص الشرع على تحريمه جملة و تفصيلا ،كما هو مقيد بعدم إلحاق الضرر بالنفس فيما لا خيرة له في إسقاطه من الحظوظ ،و سأتناول المعنى الأخير بالتفصيل في المبحث المتعلق بإسقاط الحظوظ . و من شواهد هذا الأصل ما تقدم في المنع من الضرر و المضارة، و ينضاف إلى ذلك ما جاء في تحريم الظلم عامة، و قد علم أنه وضع الشيء في غير موضعه و التصرف في حق الغير. و مجاوزة حد الشارع 1، فكلما تحقق فيه معنى التعدي و مجاوزة الحق إلى الباطل كان حقيقا بالنهي 1- التمهيد لما في الموطأ من المعاني و الأسانيد، يوسف بن عبد الله بن عبد البر، تحقيق: سعيد أحمد، ط1409هد1989م، ج20، ص158. 2- المصدر نفسه، ج20، ص159. 3- ينظر: الفتح المبين بشرح الأربعدين، شدهاب الددين أحمدد بدن محمدد بدن حجدر الهيثمدي، المملكدة العربيدة السدعودية، دار المنهداج، ط 2،1430هدد2009م، ص 516. 4- الاستذكار، ابن عبد البر، القاهرة، دار الوعي، ط 1،1414هد1993م، ج22، ص223.

عدد الصفحات ٢٧٦