المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حظوظ المكلفين في القرآن الكريم بين الجلب والدفع

خيرة سرير حاج

صفحة ١٦ من ٣٠

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 238 و في المعنى نفسه يقول ابن العرن:" الفعل بنية العبادة لا يكون إلا في المندوبات خاصة دون المباح و المنهي عنه"2 ،مستدلا على ذلك بقوله تعالى:﴿ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْت ُوْا الْب ُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا ﴾3، و وجه الدلالة أن اقتحام البيوت من ظهورها، لم يكن ندبا فيقصد به وجه القربة 4 ،يقول القرطبي:" في هذه الآية بيان أن ما لم يشرعه الله قربة و لا ندب إليه لا يصير قربة بأن يتقرب به متقرب" 5 ،و يذكر ضابطا لابن خويز منداد 6 فيما أشكل أمره من جهة كونه برا و قربة أو حيث يقول:" إذا أشكل ما هو بر و قربة بما ليس هو بر و قربة، أن ينظر في ذلك العمل، فإن كان له نظير في الفرائض و السنن فيجوز أن يكون، و إن لم يكن فليس ببر و لا قربة". 7 قال و بذلك جاءت الآثار عن النبي صلى الله عليه و سلم،و ذكر حديث من نذر أن يقوم و لا يقعد و لا يستظل و لا يتكلم و يصوم فقال النبي صلى الله عليه و سلم مُرُوهُ ف َلْيَتَكَلَّ مْ ، وَلْيَسْتَظِلَّ ، وَلْي َقْعُدْ ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ }8 ،فأبطل النبي صلى الله عليه و سلم ما كان غير قربة مما لا أصل له في شريعته و صحح ما كان قربة مما له نظير في الفرائض و السنن. 9 القول الثاني أن المباحات تصير قربا و طاعات بالنية ،جاء في المدخل لابن الحاج:"المباح ينتقل بالنية إلى الندب" 10 ،و يرى ابن القيم أن من خواص المقربين أن تنقلب المباحات في حقهم إلى قربات 1- مواهب الجليل، مصدر سابق، ج1، ص335- 336. 2- أحكام القرآن، ج 1، ص143. 3- سورة البقرة، الآية 189. 4- المصدر نفسه، ج1، ص143. 5- الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، ج3، ص237. 6- هددو محمددد بددن أحمددد عبددد الله بددنخددويز المددالكي، فقيدده أصددولي، تددوفي 390 هددد. معجددم المددؤلفين، عمددر بددن رضددا، بدديروت، دار إحيدداء الددتراث العددرن، ج 8، ص 280. 7- الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، ج 3، ص237. 8- رواه أبو داود في سننه،كتاب النذور ،باب باب مَن رَأَى عَلَي هِ كَفَارَةً إِذَا كَانَ فِ مَع صِيَة ،حديث رقم: 3.3300 ،ص389. 9- الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، ج 3، ص237. 10- المدخل،ابن الحاج ،مصدر سابق ، ج1، ص

عدد الصفحات ٢٤٥

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 239 و طاعات بالنية فليس في حقهم مباح متساوي الطرفين بل كل أعمالهم راجحة، إذ القص د منها ابتغاء وجه الله و التوسل إلى تحصيل طاعته. 1 و في المعنى نفسه يقول الغزالي:" و ما من شيء من المباحات إلا و يحتمل نية أو نيات يصير بها من محاسن القربات و ينال بها معالي الدرجات فما أعظم خسران من يغفل عنها و يتعاطاها تعاطي البهائم المهملة2،و دليل ذلك قو له صلى الله عليه و سلم وَلَسْتَ ت ُنْفِقُ ن َفَقَةً ت َبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا في في امْرَأَتِكَ }3 يقول النووي في شرح الحديث:" و فيه أن المباح إذا قصد به وجه الله تعالى صار طاعة و يثاب عليه و قد نبه صلى الله عليه و سلم على هذا بقولهحتى اللقمة تجعلها في في امرأتك} الإنسان هي من أخص حظوظه الدنيوية و شهواته و ملاذه المباحة، و إذا وضع اللقمة في فيها فإنما يكون ذلك في العادة عند الملاعبة...و التلذذ بالمباح...فغير هذه الحالة أولى بحصول الأجر إذا أراد وجه الله تعالى".4 ويقول صاحب دليل الفالحين:" ففي الحديث أن الأعمال بالنيات و إنما يثاب على عمله بنيته،و فيه أن المباح إذا قصد به وجه الله صار طاعة و يثاب عليه". 5 و منه قوله صلى الله عليه و سلم الْخَيْلُ ثَلاَثَةٌ هِىَ لِرَجُل وِزْرٌ ، وَهِىَ لِرَجُل سِت ْرٌ ،وَهِىَ لِرَجُل أَجْرٌ فَأَمَّا الَّتِى هِىَ لَهُ وِزْرٌ ف َرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً 6 عَلَى أَهْلِ الإِسْلاَمِ فَهِىَ لَهُ وِزْرٌ ، وَأَمَّا الَّتِى هِىَ لَهُ سِت ْرٌ ف َرَجُلٌ رَبَطَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ ي َنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِى ظُهُورِهَا وَلاَ رِقَابِهَا فَهِىَ لَهُ سِت ْرٌ ،وَأَمَّا 1- مدارج السالكين، مصدر سابق، ج 1، ص122- 123. 2- إحياء علوم الدين، مصدر سابق، ج4، ص371. 3- متفق عليه ،و اللفظ لمسلم 4- شرح النووي على مسلم، مصدر سابق، ج 11، ص77- 78. 5- دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، محمد بن علان الصديقي، بيروت، دار الكتاب العرن، ج 1، ص61. 6- أي معاداة لهم يقال ناوأته نواء إذا عاديته.

عدد الصفحات ٢٤٦

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 240 الَّتِى هِىَ لَهُ أَجْرٌ ف َرَجُلٌ رَبَطَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ لأَهْلِ الإِسْلاَمِ }1 و وجه الدلالة أن اتخاذ الخيل مع كونه مباحا عده النبي صلى الله عليه و سلم سببا للثواب و الأجر بالنية الحسنة. و جمعا بين ما تقدم، يمكن القول أن لا تعارض بين الأدلة المذكورة، ذلك أن ما نفاه الفريق الأول، ليس هو ما أثبته الثاني، فالمراد بالنفي أن تكون المباحات في نفسها قربات و طاعات، و هذا لا يقول به أحد، أما استحقاق الثواب عليها متى كان القصد منها ابتغاء وجه الله و الاستعانة بها على طاعته فليس محل خلاف.2 يقول القرافي:" غير المطلوب لا ينوى من حيث هو غير مطلوب بل يقصد بالمباح التق وي على مطلوب كما يقصد بالنوم التقوي على قيام الليل، فمن هذا الوجه تشرع نيته لا من جهة أنه مباح". 3 وقريب من ذلك يقول ابن نجيم:" و أما المباحات فإنها تختلف صفتها باعتبار ما قصدت لأجله، فإذا قصد بها التقوى على الطاعات أو التوصل إليها كانت عبادة". 4 فالعاداتبهذا الوصف وسائل لتحصيل العبادات، تصح أن تأخذ حكمها إذ الوسائل لها أحكام المقاصد ، هذا من جهة و من جهة أخرى، فإن المباحات متى أخذت بمجرد قصد الامتثال خرجت عن كونها حظوظا صرفة ، و إن حصل بها الحظ تبعا فأشبهت التعبدات، من حيث حصول الأجر، و تحقق معنى الامتثال. أما عن تأثير القصد في النواهي و المحرمات، فالأصل الخروج عن عهدتها بمجرد الترك، و إن لم يشعر المكلف بها فضلا عن القصد إليها5، و أما حصول الثواب فشرطه أن تستدعيه نفسه إليه قادرا على فعله 1-رواه مسلم في صحيحه.كتاب الزكاة ،باب إثم منع الزكاة ،حديث رقم 3242 ،ج3 ،ص71 2- ينظر: مقاصد المكلفين، ص 493- 495. 3- الفروق، مصدر سابق، ج1، ص304. 4- الأشباه و النظائر، مصدر سابق، ج12، ص762. 5- الأمنية في إدراك النية، القرافي، ص 127.

عدد الصفحات ٢٤٧

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 241 فيكفها عنه خوفا من ربه 1 ،و الشاهد قوله صلى الله عليه و سلم وَمَنْ هَ مَّ بِسَيِّئَة ف َلَمْ ي َعْمَلْهَا كَتَب َهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا ف َعَمِلَهَا كَتَب َهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً }2 قال الخطان في محل كتابة الحسنة على الترك:" أن يكون التارك قد قدر على الفعل ثم تركه لأن الإنسان لا يسمى تاركا إلا مع القدرة". 3 و اختلف في حمل الحديث على إطلاقه فلا يشترط استحضار نية الامتثال لحصول الأجر ، و قيل بل الحديث مقيد و دليله ما جاء في الحديث القدسي أن الله عز وجل يقول: { إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ ي َعْمَلَ سَيِّئَةً فَلاَ تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى ي َعْمَلَهَا فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا وَإِنْ ت َرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً }4 قال ابن حجر جمعا بين القولين:" و يحتمل أن تكون حسنة من ترك بغير استحضار ما قيد به دون حسنة الآخر، لما تقدم أن ترك المعصية كف عن الشر و الكف عن الشر خير". 5 الفرع الثالث فضل البناء على المقاصد الأصلية: تقدم التفريق في طلب حظ النفس بين العبادات و العادات، إلا أن الجامع بينها فضل بنائها على المقاصد الأصلية، حيث يتحقق مقام العبودية فيما هو حق خالص لله تعالى و حظ صرف للنفس، و هو أتم من جهة حصول الأجر و ابتغاء مرضاة الرب و تحصيل المصالح الدنيوية و الأخروية و بيان ذلك كما يقول الشاطبي:" أن ما ليس فيه للمكلف حظ بالقصد الأول يحصل فيه حظه بالقصد الثاني من الشارع لما ثبت في الشريعة من حظ نفسه و ماله ، و ما وراء ذل ك من احترام أهل التقوى و الفضل 1- الأشدددباه و النظدددائر، ابدددن نجددديم، مصددددر سدددابق، ص33، المنثدددور في القواعدددد، مصددددر سدددابق، ج3، ص2888، الأمنيدددة في إدراك النيدددة، مصددددر سدددابق، ص 157. 2- رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب من هم بحسنة، حديث رقم 6491 .ج4 ،ص189 3- فتح الباري، مصدر سابق، ج 11، ص396. 4- رواه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد ، باب قول الله تعالى :{يريدون أن يبدلوا كلام الله } ،حديث رقم: 7501.ج4 ،ص403. 5- فتح الباري، مصدر سابق، ج 1، ص396.

عدد الصفحات ٢٤٨

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 242 و العدالة ،زائدا إلى ما جعل لهم من حب الله و حب أهل السموات لهم و وضع القبول لهم الأرض".1 جاء في الحديث القدسيمن أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة "2 ،و جاء:" وَمَا ي َزَالُ عَبْدِي ي َت َقَرَّبُ إِلَيَّ بِالن َّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي ي ُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي ي َبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لأَُعْطِي َنَّهُ وَلَئِنْ اسْت َعَاذَنِي لأَُعِيذَنَّهُ ".3 ومن فضل البناء على المقاصد الأصلية وقوع العمل صحيحا سواء صاحبته المقاصد التابعة أم لم تصاحبه لتحقق معنى الامتثال 4 ،كما أن العمل على المقاصد الأصلية يصبر الطاعة أعظم، و إذا خولفت كانت معصيتها أعظم ، فالأول عامل على الإصلاح العام و الثاني عامل على نقيضه من الإفساد العام.5 1- الموافقات، مصدر سابق،ج 2 ،ص184. 2- رواه الطاني في الأوسط.حديث رقم 609،ج1 ،ص192 3- رواه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب التواضع، حديث رقم: 6502.ج4 ،ص192 4- الموافقات، مصدر سابق، ص401. 5- المصدرنفسه، ص 321.

عدد الصفحات ٢٤٩

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 243 المبحث الثالث: القواعد المتعلقة بالتحصيل و الانتفاع المطلب الأول: الأصل في المنافع الحل و في المضار التحريم المطلب الثاني: الاحتياط المطلب الثالث: قاعدة نفي الضرر.

عدد الصفحات ٢٥٠

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 244 تقدم أن حظوظ المكلفين إنما ينظر إليها من حيث اعتبارها من وجه :صحة القصد و صحة الطلب، وقد انتظم المبحثان السابقان القواعد المتعلقة بالقصود في قسميها مقاصد الشارع و مقاصد المكلفين، وفي هذا المبحث أتناول أهم القواعد الفقهية المستفادة من العمومات و الكليات القرآنية التي يرد إليها في ضبط الحظوظ المعتبرة .و لعل من أهمها :كون الأصل في المنافع الحل و في المضار التحريم و، أصل الاحتياط و قاعدة منع الضرر . و إن كان حاصل الكلام في هذه المسألة أن كل حظ أخذ من حيث الإذن الشرعي و على الجهة التي حدها الشرع ، تحصيلا و كسبا و انتفاعا مع رعي الحقوق الواجبة فيه هو حظ ثابت معتبر. المطلب الأول: الأصل في المنافع الحل و في المضار التحريم الفرع الأول :حقيقة القاعدة و اختلا ف العلماء فيها : المراد بهذه القاعدة عند من يحتج بها أن الحكم الذي يجب استصحابه في الأعيان و الأ فعال إذا كانت من قبيل المسكوت عنه هو الإذن و نفي الحرج حتى يثبت الحظر أو التحريم 1،بشرط كونها مما ينتفع به، و قد اختلف العلماء في المسألة إثباتا و نفيا على النحو الذي نفصله في الآتي على أن يخص 1- ينظر: قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة، أحمد بن عبد الله الضويحي، الرياض، جامعة الإمام محمد بن سعود، ص 1428هد، ص30.

عدد الصفحات ٢٥١

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 245 بالاستدلال ما كان بعد ورود الشرع إذ للقاعدة تعلق بحكم الأعيان و الأفعال قبل وروده ، مما يتفرع على خلافهم في التحسين و التقبيح العقليين، و هي غير مسألتنا هذه. القول الأول: الأصل في الأشياء الإباحة –دون تفريق بين المنا فع و المضار من حيث صياغة القاعدة-و هو مختار أكثر الحنفية و الشافعية1 و الحنابلة2، و أومأ إليه الإمام أحمد حيث سئل عن قطع النخل قال لا بأس لم نسمع في قطعه شيئا 3، و اختاره أبو الفرج 4 من المالكية 5 ،و نسبه صاحب العدة إلى الطاهرية 6 ،أما جملة المدارك الشرعية التي ابتنى عليها تقرير هذا الأصل فهي:  قوله تعالى:﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ﴾.7 و اللام تقتضي الاختصاص بجهة الانتفاع، 8و قد جرى الاعتراض على مثل هذا الاستدلال بأن المراد هو الاعتبار، يقول القرط "و الصحيح في معنى الآية الاعتبار"9 ،و في هذا المعنى يقول ابن عاشور:" و الحق أن الآية مجملة قصد منها التنبيه على قدرة الخالق بخلق ما في الأرض". 10  و قوله تعالى:﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴾11، و وجه الدلالة أن الله عز و جل أنكر على من حرم زينة الله و الطيبات من الرزق فإذا انتفت الحرمة بقيت الإباحة و هو المطلوب.1 1- ينظر: فواتح الرحموت، مصدر سابق، ج 1، ص42، التقرير و التحبير، مصدر سابق، ج2، ص102. 2- العدة في أصول الفقه، أبو يعلى محمدد بدن الحسدين الفدراء، تحقيدق: أحمدد بدن علدي سدير المبداركي، الريداض، ط 2،1410هدد1990م، ج4، ص 1254. 3- شرح الكوكب المنير، محمد بن أحمد الفتوحي، تحقي ق: محمد الزحيلي، نزيه حماد، الرياض، مكتبدة العبيكدان، ط 1،1413هدد1993م، ج1، ص 326. 4- هو أبو الفرج عمرو بن محمد الليثي، من تصانيفه الحاوي، طبقات الفقهاء، الشيرازي، ص 166. 5- شرح تنقيح الفصول، مصدر سابق، ص 88. 6- العدة في أصول الفقه، مصدر سابق، ص1241. 7- سورة البقرة، الآية 29. 8- المحصول، مصدر سابق، ج6، ص97. 9- الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، ج 1، ص251. 10- التحرير و التنوير، مصدر سابق، ج 1، ص275. 11- سورة الأعراف، الآية 32.

عدد الصفحات ٢٥٢

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 246  قوله تعالى:﴿ الْي َوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ ﴾2 ،و اللام في لكم للاختصاص على جهة الانتفاع و ليس ا لمراد بالطيبات الحلال و إلا يلزم التكرار، بل المراد ما تستطيبه النفوس3 ،و ذلك يقتضي حل المنافع بأسرها. 4  قوله تعالى:﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِم يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾5، فجعل الأصل الإباحة و التحريم مستثنى.6  قوله تعالى:﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾7 يقول ابن القيم استدلالا:" فكل ما لم يبين الله و لا رسوله صلى الله عليه و سلم تحريمه من ا لمطاعم و المشارب و الملابس و العقود و الشروط فلا يجوز تحريمها ، فإن الله سبحانه قد فصل لنا ما حرم علينا". و من السنة النبوية عن أن ثعلبة8 رضي الله عنه موقوفا قال {: إِنْ اللَّهَ ف َرَضَ ف َرَائِضَ فَلاَ تُضَي ِّعُوهَا وَحَدَّ حُدُودًا فَلاَ ت َعْتَدُوهَا وَن َهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلاَ ت َنْتَهِكُوهَا وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رُخْصَةً لَكُمْ لَيْسَ بِنِسْيَان فَلاَ ت َبْحَثُوا عَن ْهَا }9 ،فدل الحديث أن الأصل في المسكوت عنه الإباحة.10 و عنه صلى الله عليه و سلم أنه سئل عن الجبن و السمن و الفراء، فقال الحلال ما أحل الله في كتابه و الحرام ما حرم الله في كتابه و ما سكت عنه فهو مما عفا عنه }1 1- البحر المحيط، مصدر سابق، ج6، ص13. 2- سورة المائدة، الآية 05. 3- الإبهاج في شرح المنهاج، ج 3، ص166. 4- المحصول، مصدر سابق، ج6، ص103. 5- سورة الأنعام، الآية 145. 6- إرشاد الفحول، مصدر سابق، ج6، ص1159. 7- سورة الأنعام، الآية 119. 8-صحان جليل شهد بيعة الرضوان وغزا حنينا وكان ممن نزل الشام بداريا غرن دمشق إلى جهة القبلة، وقيل ببلاط قرية شرقي دمشق، فالله أعلم .وقد اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال كثيرة والأشهر منها جرثوم بن ناشر ،سير أعلام النبلاء ،ج2 ،ص567. ، 9- أخرجه البيهقي السنن الكبرى. كتاب الضحايا، باب: ما لم يذكر تحريمه. ج10 ،ص12 10- الأشباه و النظائر،السيوطي، ص 60.

عدد الصفحات ٢٥٣

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 247 يقول الترمذي و فيه– أي في الحديث- أن الأصل في الأشياء الإباحة.2 و قوله صلى الله عليه و سلم إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْء لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِه}3يقول ابن حجر:" و في الحديث أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد الشرع بخلاف ذلك".4 القول الثاني: الأصل في الأشياء الحظر ما لم يدل الدليل على الإباحة و هو مذهب أن حنيفة فيما ينسب إليه5 و بعض الشافعية و نسبه الشوكاني إلى ا لجمهور.6 و دليلهم في ذلك، قوله تعالى:﴿ وَلاَ ت َقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ ﴾ 7 ،ووجه الدلالة أنه سبحانه أخبر أن التحريم و التحليل ليس إلينا إنما هو إليه فلا نعلم الحلال و الحرام إلا بإذنه ،و يجاب عنه أن من يقول بالإباحة لا يقول بذلك من جهة نفسه ،و إنما استدلالا بنصوص الكتاب و السنة.8 و قوله صلى الله عليه و سلم الْحَلاَلُ ب َيِّنٌ وَالْحَرَامُ ب َيِّنٌ وَب َي ْن َهُمَا مُشَب َّهَاتٌ لاَ ي َعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ ات َّقَى الْمُشَب َّهَاتِ اسْتَب ْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّب ُهَاتِ كَرَاع ي َرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ ي ُوَاقِعَهُ }9 ،فأرشد صلى الله عليه و سلم إلى ترك ما بين الحلال و الحرام ،و لم يجعل الأصل فيه أحدهما، و لا يخفى أن الحديث لا يدل على مطلوبهم من أن الأصل المنع. 1- رواه الترمذي في سننه، باب: ما جاء في لبس الفراء، حديث رقم 1780. 2- تحفة الأحوذي، شرح جامع الترمذي، محمد عبد الرحمن المباركفوري، دار الفكر، (د.ت)، ج 5، ص397 . 3- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال، حديث رقم : 7289.ج4 ،ص361. 4- فتح الباري، مصدر سابق، ج 13، ص334. 5- المنثور في القواعد، ج1، ص176، الغياثي، الجوينّ، ص492. 6- إرشاد الفحول، مصدر سابق، ج 6، ص1158. 7- سورة النحل، الآية 116. 8- إرشاد الفحول، مصدر سابق، ج 6، ص1162. 9-متفق عليه

عدد الصفحات ٢٥٤

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 248 القول الثالث: الوقف و المراد به عدم الوقوف على حكم للمسألة يفيد القول بالفعل أو الترك ، قال ابن نجيم: " و قال أصحابنا الأصل فيها التوقف بمعنى أنه لا بد لها من حكم، لكن لم نقف عليه بالفعل".1 و إليه ذهب الأشعري و أبو بكر الصيرفي2 و بعض الشافعية3 ،و استدل لهم صاحب الإرشاد بالحديث المتقدم، في الوقوف عند الشبهات، معترضا على مثل هذا الاستدلال، بأن المراد بالمتشابهات ما تنازعته مدارك الحل و الحرمة، أما ما سكت الله عنه فهو مما عفي عنه كما تقدم في حديث سلمان. 4 القول الرابع: الأصل في المنافع الإباحة و في المضار التحريم أي التفريق بين المنافع و المضار، و هو ما ذهب إليه الرازي 5 و البيضاوي و السبكي6 و القرافي 7. و ليس المراد بالمنافع هنا مقابل الأعيان بل كل ما ينتفع به 8، و لم تخرج أدلة هذا القول عما ذكر سابقا في الاستدلال على أن الأصل في الأشياء الإباحة، إلا أنهم قد خصصوا عموم القول بالإباحة بالمنافع دون المضار، و مستندهم في ذلك أن عدم التخصيص يفضي إلى القول بالإذن دون تفصيل و 1- الأشباه و النظائر،مصدر سابق، ص 66. 2- هو محمد بن عبد الله أبو بكر الصيرفي، الفقيه الشافعي، توفي سنة320هد 3- إرشاد الفحول، مصدر سابق، ج 6، ص1158، البحر المحيط، مصدر سابق، ج6، ص12. 4- المصدر نفسه، ج6، ص1162. 5- المحصول، مصدر سابق، ج6، ص97. 6- الإبهاج، مصدر سابق، ج3، ص651. 7- الذخيرة، مصدر سابق، ج1، ص155. 8- البحر المحيط، مصدر سابق، ج6، ص15.

عدد الصفحات ٢٥٥

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 249 ليس كذلك منهج المحققين لما ثبت في أصول الشرع، من تحريم المضار ، و قد تواترت في ذلك النصوص، قال تعالى:﴿ لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ﴾.1 و قال تعالى:﴿ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّت َعْتَدُواْ ﴾.2 و قال تعالى:﴿ وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ ﴾.3 فهي و إن كانت في قضايا جزئية إلا أن استقراءها يدل على قصد الشارع تحريم كل أنواع الضرر ، و يفيد ذلك أصلا كليا يرد إليه. 4 و من السنة قوله صلى الله عليه و سلملا ضرر و لا ضرار}5 و وجه الدلالة أن الحديث يدل على نفي الضرر مطلقا لأن النكرة في سياق النفي للعموم، و هذا النفي ليس واردا على الإمكان و لا على الوقوع قطعا بل على ا لجواز ،و إذا انتفى الجواز ثبت التحريم و هو المراد 6، و يكاد شراح الحديث يتفقون على هذا المعنى، قال الزرقاني:"و فيه تحريم جميع أنواع الضرر إلا بدليل".7 أما أثر الخلاف في القاعدة فيظهر في المسكوت عنه و يتخرج عليها ما أشكل حاله، كالحيوان المشكل أمر ه و النبات المجهول اسمه، و النهر إذا لم يعرف حاله هل هو مملوك أو مباح... 8 ،و يلحق بذلك الخلاف فيما أحدثه الناس من الشروط و العقود و أنواع العادات و المعاملات، دون أن يرد فيها 1- سورة البقرة، الآية 233. 2- سورة البقرة، الآية 231. 3- سورة البقرة، الآية 282. 4- رفع الحرج، الباح سين، مصدر سابق، ص 406. 5- تقدم تخريجه 6- شرح البدخشي، منهاج العقول، محمد بن الحسن البدخشي، مصر، (د.ت)، ج3، ص128. 7- شرح الزرقاني على موطا مالك، ج 4، ص22. 8- الأشباه و الأنظار، ابن نجيم، مصدر سابق، ص75.

عدد الصفحات ٢٥٦

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 250 دليل يخص نوعها أو جنسها، فعلى التفصيل المذكور يباح ما تبين نفعه، و هو عمل المجامع الفقهية، م ع استشارة أهل الخبرة في كل اختصاص ، ذلك أن ترجيح النفع أو الضرر لا ينبغي أن يكون بمعزل عن فقه الواقع و مقتضياته أو ما يعرف بتحقيق المناط على المعنى الأعم. الفرع الثاني : مناقشة و ترجيح: من خلال عرض أقوال العلماء في المسألة و مداركها، يمكن القول أن الرأي الأخير، و الذي يقتضي التفريق بين المنافع و المضار هو الأقرب إلى مسلك أهل التحقيق، و درك مقاصد التشريع، و بيان ذلك أن تعميم القول بالإباحة مما لم يقل به أحد تحقيقا لخروج المضار عن مقتضى التخيير بمجموع أدلة الشرع ، أما القول بالحظر فبعيد لمنافاته قواعد التيسير و رفع الحرج التي انبنى عليها التشريع ، و في القول بالوقف نظر، ذلك إنه إن كان المراد به التوقف عن الحكم في المسألة بنفي أو إثبات فهو سلبية تأباها الشريعة فلكل واقعة حكم علمه من علمه و جهله من جهله،و الأصل بذل الوسع في الكشف عن أحكام الشرع، و لا يخلوا الأمر من قائم على ذلك، و ذهب الشيخ الخضري إلا أن المراد الامتناع عن العمل فيلحق القول بالحظر 1، و قد تبين كونه مرجوحا. و إن كان من المتقدمين من يرى أن إضافة القول بالوقف إلى جملة الأقوال في المسألة، خلط وقع فيه البعض، استصحابا لما قبل السمع إلى ما بعده، و التحقيق أنهم " لم يحكوا قولا بالوقف كما هناك لأن الشرع ناقل" 2 ، فخرج عن محل النزاع. و عليه تكون قاعدة الأصل في المنافع الحل و في المضار التحريم أقرب كما تقدم إلى مقاصد التشريع ، و الأجرى على مسالكه لما علم من ابتنائه على جلب المصالح و دفع المفاسد ، و لا يكون ذلك إلا بإباحة المنافع و تحريم المضار ، أما كون المنافع و المضار عامتها أن تكون إضافية تختلف بحسب 1- أصول الفقه، مصدر سابق، ص355، وينظر: رفع الحرج، الباحسين، مصدر سابق، ص 396. 2- البحر المحيط، مصدر سابق، ج6، ص12.

عدد الصفحات ٢٥٧

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 251 الأحوال و الأوقات و الأشخاص، و إذا كانت كذلك فكيف يتوارد الأمر و النهي على محل واحد؟ فجوابه أن المراد بالمنافع و المضار ما اعتبره الشارع كذلك و ضابط ه معيار الغلبة، فيما يذهب إليه شيخ المقاصديين ذلك أن "المصلحة إذا كانت غالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد فهي المقصودة شرعا ، فإن تبعتها مفسدة فليست بمقصودة في شرعية ذلك الفعل و طلبه ،و كذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتياد فرفعها هو المقصود شرعا". 1 و إن كان مثل هذا المعيار، قد يشكل أمره حال التعارض ، فوجب الرد و الحال كذلك إلى ما تقرر في قواعد الترجيح ، و بيان ذلك أنه متى تعارضت مصلحتان في مناط واحد،بحيث لا بد لنيل إحداهما من تفويت الأخرى ،وجب عرضها على النظر من ج وانب ثلاثة :من حيث اعتبار ذاتها و قيمتها ،و مرتبتها من حبث كونها ضرورية أو حاجية أو تحسينية ، ومن حيث اعتبار عمومها و خصوصها ،و من حيث القطع بحصولها و عدمه 2،فيقدم الضروري على الحاجي و التحسينّ ،و العام على الخاص ، و القطعي على الظنّ ...، يقول ابن القيم :"الشريعة مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان ،و أن لا يفوت منها شيء ،فإن أمكن تحصيلها كلها حصلت ،و إن تزاحمت و لم يمكن تحصيل بعضها إلا بتفويت البعض قدم أكملها و أهمها و أشدها طلبا للشارع" 3. و قد تتعارض المصالح و المفاسد،فإن أمكن الجمع بين الجلب والدفع كان أولى ،و إن تعذر قدم الراجح على المرجوح ،وفي هذا المعنى يقول العز بن عبد السلام :" إذا اجتمعت مصالح ومفاسد فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك امتثالا لأمر الله تعالى فيهما لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَات َّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾4، وإن تعذر الدرء والتحصيل فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا 1- الموافقات ،مصدر سابق ،ج2 ،ص27 2- المقاصد العامة للشريعة ،العالم ،ص189. 3- مفتاح دار السعادة ،مصدر سابق ،ج2 ،ص733 4- سورة التغابن ،الآية 16.

عدد الصفحات ٢٥٨

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 252 نبا بفوات المصلحة، ...وإن كانت المصلحة أعظم من المفسدة حصلنا المصلحة مع التزام المفسدة، وإن استوت المصالح والمفاسد فقد يتخير بينهما وقد يتوقف فيهما"1. و الغالب أن لايقع التساوي بين المصالح و المفاسد من كل وجه ،بحيث يتعذر الترجيح ، إلا أنه لا يمكن القطع بانتفائه من حيث التقريب أو ما ظهر للمكلف أو المجتهد ،لامتناع الإحاطة بملابسات كل مسألة من المسائل ،وخفاء بعض أوجه الصلاح و الفساد ،فلا يقال بالتخيير و الح ال كذلك إلا بعد استفراغ الوسع في طلب المرجح 2،و قد يقضى بتفديم دفع المفسدة على جلب المصلحة لما تقرر ،من أن دفع المفاسد أولى من جلب المصالح ،حال التعارض ،إلا أن تكون مرجوحة فلا يلتفت إليها. وفي ختام المسألة يمكن القول أنه لا يخفى وجه الملائمة بين هذه القاعدة و رعي حظوظ المكلفين لما علم من أن النفوس مجبولة على طلب الملائم و دفع المنافر ،و تقديم الأغلب و الأقوى حال التعارض، إلا أن تنزيل مثل هذا الأصل يحتاج إلى فقه دقيق لواقع المكلفين ،و قواعد الموازنات و هو لا يقتصر على أهل الاجتهاد من علماء الشريعة ،إذ تحدد كل مسألة من المسائل طبيعة الخبرات التي ينبغي الاستعانة بها في تكييف الوقائع و الكشف عن الأحكام الشرعية المتعلقة بها،هذا بالنسبة إلى وظيفة الاجتهاد، أما بالنسبة إلى كل مكلف في خاصة نفسه فينبغي في حقه تحري الأقرب إلى مراد الشارع من اجتلاب أفضل المصالح ،و دفع أرذل المفاسد و قد علم قيام الحياة على أساس الاختبار و البلاء ،قال تعالى : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَب ْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾3،هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن هذه القاعدة تجسيد لأصل جلب المصالح ،و دفع المفاسد حال سكوت الشارع ،مع التنبيه إلى أن المصالح المعتبرة هي المقصود للشارع جلبها و كذلك 1- قواعد الأحكام ،مصدر سابق ،ص98. 2-يقددول ابددن القدديم نافيددا وقددوع التسدداوي مددن كددل وجدده والجددواب أن هددذا القسددم لا وجددود لدده إن حصددره التقسدديم بددل التفصدديل :إمددا أن يكددون حصددوله أولى بالفاعل وهو راجح المصلحة ،و إما أن يكون عدمه أولى به ،وهو راجح المفسدة ...فإن المصلحة ،و المفسدة ،و المنفعة ،و المضدرة ،و الألم إذا تقدابلا فدلا بدد أن يغلددب أحدددهما الآخدددر فيكددون الحكدددم للغالب"مفتدداح دار السدددعادة. ج2 ،ص333،و إليدده أشدددار الشدداطبي ،و خالفددده العددز بدددن عبددد السدددلام و الطدداهر بدددن عاشددور ،ينظددر في حقيقددة الخددلاف :قواعددد الأحكددام ،مصدددر سددابق ،ص98،الموافقددات ،مصدددر سددابق ،ج2،ص30 ،مقاصددد الشددريعة ،الطدداهر بددن عاشددور ،مرجع سابق ،ص 297.نظرية التقريب و التغليب ،مرجع سابق ،ص 372. 3- سورة الملك،الآية2.

عدد الصفحات ٢٥٩

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 253 المفاسد هي ما قصد الشارع دفعها ،و المعاشر لموارد التشريع نظرا و تتبعا و عملا،يحصل له من أسباب التوفيق ما يميز به بين الصحيح المعتبر و المردود الملغى من الأدلة و المناسبات، يقول صاحب قواعد الأحكام:" ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد، حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها إجماع ولا نص ولا قياس خاص، فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك. ومثل ذلك أن من عاشر إنسانا من الفضلاء الحكماء العقلاء وفهم ما يؤثره ويكرهه في كل ورد وصدر، ثم سنحت له مصلحة أو مفسدة لم يعرف قوله فإنه يعرف بمجموع ما عهده من طريقته ،وألفه من عادته ،أنه يؤثر تلك المصلحة ويكره تلك المفسدة"1. المطلب الثاني: الاحتياط الفرع الأول :حقيقة الاحتياط و أدلته: أ - الحقيقة اللغوية: الاحتياط في اللغة افتعال من حوط و هو الشيء يطيف بالشيء2،يقال حاطه يحوطه حوطا و حياطة أي حفظه و تعهده، و احتاط الرجل أي أخذ في أموره بالأحزم ،و احتاط الرجل لنفسه أي أخذ بالثقة ،و حاطه الله حوطا و حياطة صانه و كلاه و رعاه. 3 و قال الفيومي: الاحتياط هو طلب الأحظ،و الأخذ بأوثق الوجوه. 4 ب- الحقيقة الاصطلاحية: 1-قواعد الأحكام ،مصدر سابق ،ص463. 2- معجم مقاييس اللغة، مصدر سابق، ج2، ص120. 3- لسان العرب، مصدر سابق، ج 12، ص1052، وينظر: الصحاح، ج2، ص1152. 4- المصباح المنير، مصدر سابق، ص60.

عدد الصفحات ٢٦٠