الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 222 مَالاً ف َهُوَ ي َقُولُ لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ مَا لِهَذَا عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي ي َعْمَلُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ف َهُمَا فِي الأَْجْرِ سَوَاءٌ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً وَلَمْ ي ُؤْتِهِ عِلْمًا ف َهُوَ يَخْبِطُ فِيهِ ي ُنْفِقُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَرَجُلٌ لَمْ ي ُؤْتِهِ اللَّهُ مَالاً وَلاَ عِلْمًا ف َهُوَ ي َقُولُ لَوْ كَانَ لِي مَالٌ مِثْلُ هَذَا عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي ي َعْمَلُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ف َهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاء}1 يقول ابن القيم تعليقا على الحديث:" النية تتعلّق بالمقدور عليه و المعجوز عنه بخلاف القصد و الإرادة فإنهما لا يتعلقان بالمعجوز عنه لا من فعله و لا من فعل غيره". 2 أما عن الفرق بين النية و الإخلاص، فقد تقدّم في تعريف النية أن المراد قصد المكلّف بقلبه ما يريده بفعله، أما الإخلاص فهو تجريد القصد و هو الأصل في نية العبد فتكون النية أعم من جهة كون القصد إما أن يكون مطلق الإذعان و هو مقتضى الإخلاص أو يكون غير ذلك، و إليه ذهب الحافظ ابن رجب حيث يرى أن النية قد تأتي و يراد بها تمييز العبادات بعضها عن بعض، و تمييزها عن العادات كما قد يراد بها تمييز المقصود بالعمل و هل هو الله وحده لا شريك له أم الله و غيره ،و هي متعلّق كلام المتقدمين عن الإخلاص3 فتكون النية بهذا الاعتبار أعم و يقول الأسنوي 4:" النية تتعلّق بفعل العبادة و أما إخلاص النية في العبادة فيتعلّق بإضافة العبادة إلى الله".5 و يرى بعض المتأخرين:" أن الإخلاص أمر زائد على النية لا يحصل بدونها و قد تحصل دونه و نظر الفقهاء قاصر على النية و أحكامهم إنما تجري عليها و أما الإخلاص فأمره إلى الله". 6 1- رواه أحمد في مسنده من حديث أن كبشة الأنماري ،ج 29،ص552 2- بدائع الفوائد، مصدر سابق، ج3، ص1144. 3- جامع العلوم و الحكم، أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، بيروت، دار المعرفة، ط 6،1417هد- 1996م، ص10 . 4- محمد بن الحسن بن علدي بدن عمدر الأسدنوي الشدافعي، تدوفي سدنة764هدد، مدن تصدانيفه حيداة القلدوب في التصدو ف، شدذرات الدذهب، شدهاب الددين أبدو الفلاح عبد الحي بن أحمد العكري، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط و محمد الأرناؤوط، بيروت، دار ابن كثير، ط 1،1413هد- 1992م، ج8، ص346. 5- منتهدددى الآمدددال في شدددرح حدددديث إنمدددا الأعمدددال بالنيدددات، جدددلال الددددين السددديوطي، تحقيدددق: محمدددد عطيدددة، دار ابدددن جدددرام، ط 1،1419هدددد- 1998م، ص 121. 6- الأشباه و النظائر، السيوطي، ص20.
عدد الصفحات ٢٢٩الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 223 و العبارة الأخيرة ظاهرة الدلالة في التفريق بين النية و الإخلاص من حيث كونه وصفا زائدا لا أثر له صحة العمل و إن اتفقوا على عدم ترتب الثواب دونه، أي دون الإخلاص ، إلا أن النظر في مقاصد التشريع يقتضي عدم الوقوف عند مجرد معنى الإجزاء ، أو براءة الذمة، إذ الأصل تحصيل أكمل مقامات العبودية، لذلك كان الإخلاص، و تجريد القصد من أشرف الغايات، و إن عده البعض وصفا زائدا فما قررته النصوص أنه جوهر العبادة و لبها و أصل نية المؤمن في توجهه إلى الخالق عز و جل قال تعالى:﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِ لَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ﴾1، و قال عز و جل: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِي َعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُن َفَاء ﴾2 ،و قال تعالى: ﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَ افِرُونَ ﴾.3 و قال تعا﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ﴾4 ،قال القرطبي:" و في هذا دليل على وجوب النية في العبادات، فإن الإخلاص من عمل القلب و هو الذي يراد به وجه الله تعالى". 5 و من السنة قوله صلى الله عليه و سلمإنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوي}6 و قال إِنَّ اللَّهَ لاَ ي َقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَاب ْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ }7 أمور تنافي الإخلاص لقد جاءت النصوص ببيان ما ينافي الإخلاص، من الحظوظ المذمومة، و التي ما اجتمعت مع العبادة إلا و خرجت بها عن مقاصدها التي لأجلها شرعت و استوجب صاحبها المقت و العقاب فكان من أشدّها: الرياء و التسميع و العجب و بيانها فيما يأتي: 1- سورة الزمر، الآي ة: 02. 2- سورة البينة، الآية: 05. 3- سورة غافر، الآية 14. 4- سورة الزمر، الآية 11. 5- الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، ج 22، ص412. 6- رواه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي ،باب كَي فَ كَانَ بَد ءُ ال وَح يِ إِلىَ رَسُولِ اللَهِ صَلَى اللَهُ عَلَي هِ وَسَلَمَ ،حديث رقم : 1،ج1 ،ص13 7- رواه النسائي في سننه،كتاب الجهاد ،باب من غزا يلتمس الأجر و الذكر ،حديث رقم : 3140،ج6 ،ص25.وصححه الألبا
عدد الصفحات ٢٣٠الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 224 أ. الرياء: تعددت عبارات العلماء في تعريفه و مما جاء في ذلك أن المراد به " أن يفعل – أي المكلّف- شيئا من العبادات التي أمر الله بفعلها له لغيره" 1،و قال ابن العرن:" طلب ما في الدنيا بالعبادات و أصله طلب المنزلة في قلوب الناس" 2، و عرفه العز بن عبد السلام فقال:" الرياء إظهار عمل العبادات لينال مظهرها عرضا دنيويا إما بجلب نفع دنيوي أو لدفع ض رر دنيوي أو تعظيم أو إجلال"، 3و القدر المشترك بين التعريفات السابقة كون الرياء إظهار العبادة طلبا لنفع المخلوقين ودفع ضررهم، و إن ذهب البعض إلى أن كل حظ للنفس اجتمع مع قصد العبادة باب من أبواب الرياء 4 . و الرياء كما يقول المحاسبي على وجهين: 5 إرادة الع بد العباد بطاعة الله عز و جل لا يريد الله عز و جل بذلك و مثله لا يتصوّر من المؤمن في غالب أحواله،و إن كان يقع من المنافقين. قال تعالى: ﴿ ف َوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ، الَّذِينَ هُمْ ي ُرَاؤُونَ ، وَيَمْن َعُونَ الْمَاعُونَ ﴾6 ،و قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاةِ قَامُواْ كُسَالَى ي ُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾.7 الثاني: إرادة المخلوقين و إرادة الثواب و هو الشرك بالإرادة في العمل قال صلى الله عليه و سلمإن الله تبارك يقول أنا أغنى الشركاء عن الشرك }8 التسميعو هو أن يذكر ما عمله خالصا ليحصل أغراض الرياء و هو التسميع الصادق ، و قد يكون كاذبا بأن يدعي خلاف ما هو عليه فيجمع بين معصية الكذب و معصية التسميع رياء. 9 قال صلى الله عليه و سلم مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ ي ُرَائِي ي ُرَائِي اللَّهُ بِهِ }1 1- الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، ج 6، ص299. 2- أحكام القرآن، مصدر سابق، ج 4، ص454. 3- قواعد الإحكام، مصدر سابق، ج1، ص146. 4- و منه تعريف الحسن البصري الرياء بأنه طلب حظ النفس من عملها في الدنيا. الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، ج 6، ص299 . 5- الرعاية لحقوق الله، الحارث المحاسبي، تحقيق: عبد القادر أحمد عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 4، (د.ت)، ص163- 164 . 6- سورة الماعون، الآيا ت: 04- 07. 7- سورة النساء، الآية 142. 8- تقدم تخريجه 9- القواعد الصغرى، العز بن عبد السلام، تحقيق: صالح بن عبد العزيز آل منصور، دار الفرقان، ط 1،1417هد- 1998م، ص188.
عدد الصفحات ٢٣١الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 225 و في الفرق بينه و بين الرياء يقول ابن حجر:" المراد بالسمعة نحو ما في الرياء لكنها تتعلّق بحاسة السمع و الرياء بحاسة البصر" 2 ،فالتسميع على هذا لا يكون إلا في الأمور التي تسمع كقراءة القرآن و ذكر الله تعالى و نحو ذلك. و يرى العز بن عبد السلام أن أعمال القلوب مصونة من الرياء ،إذ لا رياء إلا بأفعال ظاهرة ترى أو تسمع، و التسميع خاص لأعمال القلوب و الجوارح 3، و هو يفترق عن الرياء من جهة كون الأخير مفسدا مقارنا، في حين قد يقع العمل قبل التسميع خالصا.4 و ليس كل تسميع مذموم، ذلك أن الطاعات كما يقول صاحب قواعد الأحكام ثلاثة أضرب: ما شرع مجهورا به كالأذان و الإقامة و عيادة المرضى فهذا لا يمكن إخفاؤه ما يكون إسراره خير من إعلانه كإسرار القراءة في الصلاة و إسرار أذكارها ما يخفى تارة و يظهر أخرى كالصدقات، فإخفاؤها أفضل لمن خشي على نفسه الوقوع في الرياء ،و إن لم يخش فلا يخلو حاله من أمرين، أحدهما أن يكون ممن يقتدى به فيجمع بين مصلحة إظهار الصدقة و مصلحة الإقتداء، أو لا يكون كذلك ، فالإخفاء في حقه أولى. و عليه فالتسميع المذموم ما قصد به الرياء خاصة دون غيره ، أما الترجيح بين فضائل الإسرار و الإعلان في الطاعات، فمرده إلى حال المكلّف. العجب من إعجاب المرء بنفسه " و هو ملاحظته لها بعين الكمال مع نسيان نعمة الله". 5 و هو مذموم في كتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم، قال تعا ﴿ وَي َوْمَ حُن َيْن إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَث ْرَ تُكُمْ ف َلَمْ ت ُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا﴾.1 ذلك في معرض الإنكار و قال تعا﴿ يَحْسَبُونَ أَن َّهُمْ 1- رواه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب الرياء، حديث رقم 6499.ج4،ص191 2- فتحالباري، مصدر سابق، ج 11، ص146. 3- قواعد الأحكام، مصدر سابق، ج1، ص146. 4- الفروق، مصدر سابق، ج4، ص367. 5- فتح الباري، مصدر سابق، ج 10، ص320.
عدد الصفحات ٢٣٢الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 226 يُحْسِنُونَ صُن ْعًا ﴾2، و هو من العجب بالعمل و قد يكون المرء في عمله مخطئا و يغفل عن ذلك لشدة العجب3،و قال صلى الله عليه و سلم ثَلاثٌ مُهْلِكَاتٌ ، شُحٌّ مُطَاعٌ ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بنفْسِهِ }4 ،و العجب كثيرا ما يقترن بالرياء إلا أن الفرق بينها أن الرياء إشراك الخلق و العجب إشراك النفس 5 ،و إن كان ا يتفقان في إفساد الأعمال لوقوع المنة بها أو لقصد التشريك ،و النصوص في ذلك كثيرة. و من خلا ل ما تقدم يتبين أن الإخلاص و تجريد قصد الامتثال أصل الأعمال و أن أهم مفسداته لجهة الاقتران الرياء و العجب، و يكتفى في هذا المقام بقصد الرياء تمثيلا ،فأمكن القول أن الرياء إما أن يكون تشريك الخلق أو تشريك حظوظ النفس دون النظر لأحوال الخلق ، فأما المعنى الأول إذا كان مجردا بحيث لا يشوبه قصد الطاعة فهو مبطل للعمل من جهة حصول الثواب باتفاق . الفرع الثاني :أقوال العلماء في أثر التشريك في العبادة بين الصحة و الفساد: اختلفت أقوال العلماء في أثر تشريك طلب المحمدة أو أمور الدنيا مع قصد العبادة على النحو الآتي : القول الأول: و هو صحة العبادة و أنها لا تبطل بالخطرات التي لا تملك إذا كان أصل عمله لله و إليه ذهب الإمام مالك و تابعه ابن رشد في شرحه على العتبية مستدلا بحديث معاذ – رضي الله أنه سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال{: يا رسول الله، إنه ليس من بني سلمة إلا مقاتل، فمنهم من يقاتل طبيعته، ومنهم من يقاتل رياء ومنهم من يقاتل احتسابا فأي هؤلاء الشهيد من أهل الجنة ؟ فقال يا معاذ بن جبل: من قاتل على شيء من هذه الخصال أصل أمره أن تكون كلمة الله هي 1- سورة التوبة، الآية 25. 2- سورة الكهف، الآية 410. 3- إحكام علوم الدين، ج3، ص370. 4-أخرجه الطبرا المعجم الأوسط،حديث رقم: 5452،ج5 ،ص328.. 5- مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 10، ص277.
عدد الصفحات ٢٣٣الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 227 العليا فقتلفهو شهيد من أهل الجنة}1 قال ابن رشد:" هذا الحديث فيه نص جلي على أن من كان أصل عمله لله ،و على ذلك عقد نيته لم تضره الخطرات التي تقع بالقلب و لا تملك ، على ما قاله مالك، ذلك أنه سئل عن الرجل يحب أن يلقى في طريق المسجد ،و يكره أن يلقى في طريق السوق ، فقال: إذا كان أول ذلك و أصله لله فلا بأس به". 2 ومنهقوله تعالى:﴿ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْق فِي الآخِرِينَ ﴾.3 و عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ف َقَالَ : أَخْبِرُونِي بِشَجَرَة تُشْبِهُ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لاَ ي َتَحَاتُّ وَرَق ُهَا وَلاَ ت ُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِين ، قَالَ : ابْنُ عُمَرَ ف َوَقَعَ فِي ن َفْسِي أَن َّهَا النَّخْلَةُ وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْر وَعُمَرَ لاَ ي َتَكَلَّمَانِ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ ، ف َلَمَّا لَمْ ي َقُولُوا شَيْئًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :هِيَ النَّخْلَةُ ، ف َلَمَّا قُمْنَا ق ُلْتُ لِعُمَرَ يَا أَب َتَاهُ وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِي ن َفْسِي أَن َّهَا النَّخْلَةُ ف َقَالَ مَا مَن َعَكَ أَنْ تَكَلَّمَ ،قَالَ : لَمْ أَرَكُمْ تَكَلَّمُونَ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ أَ وْ أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ : عُمَرُ لأََنْ تَكُونَ ق ُلْت َهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَ ا}4 يقول القاضي عياض في شرح الحديث:" و قد احتج بهذا مالك على أن الخواطر ما يقع في القلب من محبة الثناء على أعمال الخير لا يقدح فيها إذا كان أصلها لله تعالى أو لا ينفك المراد عنه" 5 ،ذلك أن محبة الخير و الثناء مما جبلت عليه النفوس و في القول بكونها قادحة في الإ خلاص محبطة للعمل حرج و عنت ، فمتى وقع العمل في أصل أمره خالصا لله لا يضيره ما اجتمع فيه من الخطرات التي لا انفكاك للنفس البشرية عنها، و إلا كان ذريعة لترك العمل و فتح مسالك الشيطان ، و الأصل في الشريعة سدها ، إلا أنهم 1-الحديث أورده العتبي عن الإمام مالك كما ذكر ابن رشد ،وفي سنن الترمذي، عن أن موسى قال : {سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله ؟ قال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله}،كتاب الجهاد ،باب النية في القتال ،حديث رقم 1646 ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح 2- البيددددان و التحصدددديل، محمددددد بددددن أحمددددد بددددن رشددددد، تحقيددددق: محمددددد العرايشددددي ،أحمددددد الحبددددان، بدددديروت، دار الغددددرب، ط 2،1408هددددد- 1988م، ج17، ص 630. 3- سورة الشعراء، الآية 84. 4- متفق عليه. 5- إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، مصدر سابق، ج 8، ص174.
عدد الصفحات ٢٣٤الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 228 و إن اتفقوا على أن المكلّف إذا كانمدافعا للخاطر كارها له، أنه لا يضره 1، و قد روي مثل ذلك عن غير الإمام مالك، حكاه ابن بطال عن الطبري و قال هو قول عامة السلف2 ، فقد اختلفوا فيما إذا استرسل معه يقول ابن رجب:" و أرجو أن عمله لا يبطل بذلك و أنه يجازى بنيته الأولى". و ذكر ابن جرير:" أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة و الصيام و الحج، أما ما لا ارتباط فيه كالقراءة و الذكر فإنه يحتاج إلى تجديد نية". 3 القول الثانيعدم صحة تشريك الأمور الدنيوية مع قصد العبادة، و أنه قد يفضي في مواضع إلى ترتب الإثم و البطلان، و مثال ذلك ما ذهب إليه ابن حزم في قوله بعدم إجزاء وضوء من خلط بنية الطهارة للصلاة نية التبرد أو غير ذلك ،مستدلا بقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِي َعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُن َفَاء ﴾4، و وجه الاستدلال فيما يرى:" أن من مزج بالنية التي أمر بها نية لم يؤمر بها فلم يخلص لله تعالى العبادة بدينه، ذلك و إذا لم يخلص فلم يأت بالوضوء الذي أمره تعالى به". 5 و إلى مثل ذلك ذهب القرطبي، حيث قال:" و ذهب بعض علمائنا أنه من تطهر تبردا أو صام محما لمعدته و نوى مع ذلك التقرب لم يجزه لأنه مزج في نية التقرب نية دنياوية ،و ليس له إلا العمل الخالص"6، مستدلا في موضع آخر بقوله تعا ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّن ْيَا وَزِينَت َهَا ن ُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ ي ُبْخَسُونَ ﴾7، على أن من توضأ لتبرد أو تنظف لا يقع قربة من جهة الصلاة.8 1- جامع العلوم الحكم، مصدر سابق، ص16، الرعاية لحقوق الله، مصدر سابق، ص 188. 2- طرح التثريب في شرح التقريب عبد الرحيم بن الحسين ولي الدين أبو زرعة، بيروت، دار إحياء التراث العرن، (د.ت)، ج 2، ص26- 27. 3- جامع العلوم و الحكم، مصدر سابق، ص16. 4- سورة البينة، الآية 05. 5- المحلى، ابن حزم، تحقيق: محمد منير الدمشقي، مصر، إدارة المطبعة المن ية، ط 1،1352هد، ج1، ص76. 6- الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، ج 6، ص298 . 7- سورة هود، الآية 15. 8- المصدر نفسه، ج11، ص85.
عدد الصفحات ٢٣٥الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 229 أما شواهده في السنة النبوية فقوله صلى الله عليه و سلمإن الله عز و جل يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكي، يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله عز و جل، فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أخلص له، و لا تقولوا هذا لله و الرحم فإنها للرحم و ليس لله منها شيء، و لا تقولوا هذا لله و لوجوهكم فإنها لوجوهكم و ليس لله منها شيء}1 وأ خرج النسائي عن أن أمامة الباهلي رضي الله عنه:" أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه و سلم، فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر و الذكر ما له؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: لا شيء له. فأعادها ثلاث مرات. يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: لا شيء له. ثم قال من العمل إلا ما كان خالصا له و ابتغى به وجهه }2و في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه و سلم قال مَا مِنْ غَازِيَة ت َغْزُو فِى سَبِيلِ اللَّهِ ف َيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلاَّ ت َعَجَّلُوا ث ُلُثَىْ أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ وَي َب ْقَى لَهُمُ الث ُّلُثُ وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ }3 إلا أن هذه النصوص و إن كان ظاهرها يفيد أن لا ثواب للعمل متى كان فيه تشريك، " فإنها لا تخلو من معارض"4 ،ومن ذلك فوله تعالى:﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن ت َبْت َغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾.5 و قال تعالى:﴿ وَمَن ي َتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ، وَي َرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ﴾.6 و قال صلى الله عليه و سلم و قد سئل عن الرجل يعمل العمل يسره إذا اطلع عليه أعجبه له أجران أجر السر و أجر العلانية}7،و عنه صلى الله عليه و سلمأن رجلا قال: يا رسول الله إن بني سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل للدنيا و منهم من يقاتل نجدة و منه م من يقاتل ابتغاء 1- رواه الدار قطنّ في سننه، باب النية، حديث رقم 313.ج1 ،ص78 2- رواه النسائي في سننه،كتاب الجهاد ، باب من غزا يلتمس الأجر و الذكر، حديث رقم: 3140. 3- رواه مسلم في صحيحه،كتاب الإمارة ، باب بدَيَانِ قَد رِ ثدَوَابِ مَن غَزَا فدَغَنِمَ وَمَن لمَ يدَغ نَم . حديث رقم: 5034.ج6 ،ص47 4- إحياء علوم الدين، مصدر سابق، ج4، ص306. 5- سورة البقرة، الآية 198. 6- سورة الطلاق، الآية: 02- 03. 7-رواه الترمذي في سننه ،باب عمل السر،حديث رقم 2384 ،ج4 ،ص594.
عدد الصفحات ٢٣٦الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 230 وجه الله، فأيهم الشهيد؟ قال: كلهم إذا كان أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا }1 ،فيكون الجمع بينها حمل ما أفاد منها البطلان على من تمحضت نيته لحظ النفس أو كانت غالبة بحيث لو منع من استجلاب حظه لما انتهض للعمل، مع تقرير أن تجريد القصد أو لى بحيث ينقص من الأجر بقدر ما نقص من الإخلاص و قد تقدم حديث مسلم في ذلك، و عنه صلى الله عليه و سلم أنه قالمن غزا في سبيل الله و هو لا ينو في غزاته إلا عقالا فله ما نو ى}2 ، قال الإمام أحمد:" التاجر و المستأجر و المكاري أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غزواتهم و لا يكون مثل من جاهد بنفسه و ماله لا يخلط به غيره". 3 القول الثالث التفريق في القول بالصحة و عدمه بين قوة الباعث الدنيوي و ضعفه بحيث يكون تابعا أو متبوعا و إلى ذلك ذهب الغزالي، حيث يقول في بحث نفيس عن حقيقة الإخلاص: " و الذي ينقدح لما فيه و العلم عند الله أن ينظر إلى قدر قوة الباعث، فإذا كان الباعث الدينّ مساويا للباعث النفسي تقاوما و تساقطا و صار العمل لا له و لا عليه، و إن كان باعث الرياء أغلب و أقوى فهو ليس بنافع و هو مع ذلك مضر و مفض للعقاب، و إن كان قصد التقرب أغلب بالإضافة إلى الباعث الآخر فله الثواب بقدر ما فضل من قوة الباعث الدينّ" 4، لقوله تعالى:﴿ فَمَن ي َعْمَلْ مِث ْقَالَ ذَرَّة خَي ْرًا ي َرَهُ ، وَمَن ي َعْمَلْ مِث ْقَالَ ذَرَّة شَرًّا ي َرَهُ ﴾5 ،و لقوله تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِث ْقَالَ ذَرَّة وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ﴾6 ، فلا ينبغي أن يضيع قصد الخير و إنما ينقص بقدر ما شابه من الأكدار و الأغيار.7 1- جامع العلوم و الحكم، و قد ذكر الحافظ أن أبا داوود قد خرجه في مراسيله. 2-أخرجه الحاكم في مستدركه ،كتاب الجهاد ،حديث رقم 2578،ج2 ،ص132 ،وقال : صحيح الإسناد و لم يخرجاه . 3- جامع العلوم و الحكم، مصدر سابق، ص16. 4- إحياء علوم الدين، مصدر سابق، ج4، ص307. 5- سورة الزلزلة، الآيتان 07- 08. 6- سورة النساء، الآية 40. 7- المصدر السابق، الصفحة نفسها
عدد الصفحات ٢٣٧الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 231 القول الرابع و هو التفريق بين أثر الرياء و مطلق التشريك على العبادة، حيث يرى القرافي أن أغراض الر ياء لا تعدو عن التعظيم ،و جلب المصالح الدنيوية و دفع المضار الدنيوية من الناس، و أنها متى كانت كذلك أبطلت العمل، أما تشريك أمور من المصالح ليس لها إدراك و لا تصلح للإدراك و لا للتعظيم فلا تقدح في العبادات، و مثاله من جاهد طاعة لله و ليحصل شيئا من الغنائم و من جمع بين قصد الحج و التجارة و الصوم قربة و ليصح جسده ، لقوله صلى الله عليه و سلم{: مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ ف َلْيَت َزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ف َعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ }1، فأمر بالصوم قصد التعفف و لو كان قادحا لما أمر به. و بعد هذا البيان يقول:" فظهر الفرق بين قاعدة الرياء في العبادات و بين قاعدة التشريك فيها غرض آخر غير الخلق، مع أن الجميع تشريك...لا يمنع أن هذه الأغراض المخالطة للعبادة قد تنق ص الأجر و أن العبادة إذا تجردت عنها زاد الأجر و عظم الثواب أما الإثم و البطلان فلا سبيل إليه" 2. و إن كان مثل هذه التفريق لا يخلو من نعومة نظر إلا أنه منتقد من جهة أن باعث النفس و إن لم يختص بمراءاة الناس متى كان متبوعا خرج عن رسم الإخلاص و مثله طلب المال أ و الجاه بالعبادة3 ،و كذلك قليل الرياء ، فيكون الواجب النظر في طبيعة الباعث المشارك و قوته معا. و في ختام المسألة نذكر توجيها حسنا جمع فيه الشاطبي بين منثور القول و مختلفات الفروع حيث يرى أن القصد الدنيوي بالعبادة يرجع إلى أمرين: 4 صلاح الهيئة و حسن الظن عند الناس و اعتقاد الفضيلة للعامل بعمله،فإذا كان القصد متبوعا فلا إشكال أنه رياء ، أما إن كان تابعا فهو محل نظر و اجتهاد ، و مثاله ما جاء في العتبية عن الإمام مالك في الرجل يحب أن يرى في طريق المسجد. 1-متفق عليه. 2- الفروق، مصدر سابق، ج3، ص43. 3- ينظر: مواهب الجليل لمشرع مختصر خليل، أبو عبد محمد بن محمد المغرن "الحطاب"، دار عالم الكتب، ج 3، ص505. 4- الموافقات، مصدر سابق،ج 2 ،ص217-218
عدد الصفحات ٢٣٨الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 232 نيل حظه من الدنيا: و هو إما أن يرج ع إلى ما يخص الإنسان في نفسه مع الغفلة من مراءاة الناس بالعمل كالصوم توفير للمال و الصدقة للذة الرخاء و الحج لرؤية البلاد...و الوضوء تبردا... و هي أيضا محل خلاف،بين القول بالصحة و عدمه، و أصله النزاع في مدى انفكاك القصدين و الراجح عنده القول بالانفكاك فيم ا يصح فيه الانفكاك و إليه ذهب ابن العرن. حيث يقول في الفرار من الأنكاد بالحج أو الهجرة:" إنه دأب المرسلين"، فقد قال الخليل عليه السلام: ﴿ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَي َهْدِينِ ﴾.1 و قال الكليم ﴿ ف َفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُم ﴾.2 و قد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم جعلت قرة عينه في الصلاة، فكان يقول أرحنا بها يا بلال }3 أما القسم الثاني و هو أن يطلب بالعبادة المال أو الجاه، و هو بذلك لا يخرج عن أصل الرياء. 4 فيكون الشاطبي بهذا التقسيم قد أحاط بالمسألة بحيث لا يخرج أمر عن جهة ا لنظر، و تقريرا لما تقدم، يمكن القول أن الحظوظ الدنيوية في اجتماعها مع العبادات إما أن تكون مما نص عليه الشارع و قد تقدمت أمثلتها في مواضع عديدة فيكون المكلّف بقصده لها قاصدا ما قصده الشارع فلا سبيل إلى القول بالبطلان و الحال كذلك ،إلا أن يكون قصد العبادة متبوعا بحيث لو تمحض لم ينتهض باعثا على العمل، و مثال ذلك ما جاء في القرآن الكريم من ذم لمن يعبد الله على حرف قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن ي َعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْف فَإِنْ أَصَابَهُ خَي ْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَاب َتْهُ فِت ْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَ جْهِهِ خَسِرَ الدُّن ْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾.5 1- سورة الصافات، الآية 99. 2- سورة الشعراء، الآية 21 . 3- رواه الطبري في معجمه 4- الموافقات، مصدر سابق،ج 2 ،ص 222. 5- سورة الحج، الآية: 11.
عدد الصفحات ٢٣٩الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 233 قال ابن عباس في سبب نزول الآية:" كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ،و نتجت خيله قال: هذا دين صالح ،و إن لم تلد امرأته و لم تنتج خيله قال هذا دين سوء" 1 ،و هو حال الكثيرين ممن طلبوا بدينهم عرض الدنيا، فمتى ابتلوا بشيء من العوز و المرض انقلبوا على أعقابهم خاسرين ، و إما أن يكون الحظ مما ثبت النهي عنه و كان في أصل وضعه منافيا للعبادة كالأكل و الشرب و النوم و الرياء و ما أشبهه ، فإنه مبطل للعمل موجب الإثم على ما ترجح في حكم الرياء خاصة ،ذلك أنهم اختلفوا في أثره على العبادة من حيث الإ جزاء و إن اتفقوا على عدم ترتب الثواب. يقول الحموي:" النية الخالصة ظاهرة في حصول الثواب لا الصحة لأن الثواب يبنى على وجود العزيمة و هو الإخلاص ،و أما الصحة فلا تتوقف على الإخلاص بل على أصل النية، فإنه لو صلى رياء صحت صلاته"2، و يقول ابن عابدين:" الإخلاص شرط للثواب لا الصحة". 3 و إليه ذهب الحليمي4 حيث يقول:" فثبتبالقرآن و السنة أن كلّ عمل أمكن أن يراد به وجه الله إذا لم يعمل لمجرد التقرب به إليه و ابتغاء رضوانه حبط و لم يستوجب ثوابا... ،و إن كا ن يسقط عنه الفرض و لا يؤاخذ به في الآخرة". 5 و خالف في ذلك العز بن عبد السلام6 و القرط 7 و الحطاب يقول صاحب مواهب الجليل: " العمل إذا كان خالصا لله فهو سبب الثواب ،و إن كان خالصا للرياء أو لحظ النفس فهو سبب للعقاب ،لا لأن طلب الدنيا حرام و لكن طلبها بأعمال الدين حرام ، لما فيه من الرياء و تغير العبادة عن وضعها". 1 1- أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التفسير ،حديث رقم: 4742،ج3 ،ص262. 2- غمز عيون البصائر، مصدر سابق، ج1، ص30. 3- حاشية رد ا تار على الدر المختار، ابن عابدين، دار الفكر، بيروت، 1421هد- 2000م، ص415. 4- هو أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بنحليم البخاري الشافعي، من أجل علماء الحديث و الكلام في عصره، توفي سنة 403هد 5- المنهددداج في شدددعب الإيمدددان، أبدددو عبدددد الله الحسدددين بدددن الحسدددن الحليمدددي، تحقيدددق: حلمدددي فدددودة، بددديروت، دار الفكدددر، ط1،1399هدددد- 1979م، ج3، ص 114- 115. 6- قواعد الأحكام، مصدر سابق، ج1، ص166. 7- الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، ج 6، ص298.
عدد الصفحات ٢٤٠الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 234 و يرى ابن العرن أن من أظهر الصلاة صيدا للدنيا و طريقا إلى الأكل بها فهذه نية لا تجزئ و عليه الإعادة 2 ،و هو مع ذلك يفرق بين ما كان همه الدنيا يطلبها بدينه و عبادته فهو المراد باستحقاق العقاب و البطلان، أما غير ذلك مما يصح القصد إليه فلا يضر و إن كان ينقص الأجر على ما تقدم بيانه ،ذلك أن العبادات متى خلت عن مقاصدها أشبهت الأجساد بلا أرواح فكيف يتصور إجزائها بمجرد الإتيان بظاهر أفعالها ، و هو متوجه بها إلى غير ما شرعت له أصالة ،و قد تقرر أن الأفعال بمقاصدها،و أن جوهر العبادة التوجه إلى الخالق خضوعا و امتثالا و إذعانا. و من أحسن ما قيل في المسألة ما روي عن الفضيل بن عياض، في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ لِيَب ْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾3، قال:" أي أخلصه و أصوبه، قيل: ما أخلصه و أصوبه، قال: إن العمل إن كان خالصا و لم يكن صوابا لم يقبل و إن كان صوابا و لم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون صوابا، فالخالص ما كان لله و الصواب ما كان على السنة". 4 و يبقى قسم آخر و هو غير المنصوص عليه و هو محل نظر و اجتهاد، و ما يظهر فيه أن مرده إلى شروط اعتبار الحظو ظ و المقاصد التابعة،فمتى كان تابعا مكملا معينا على تحقيق المقصد الأصلي اعتبر و إلا كان حكمه البطلان ، ذلك أن كل قصد رجع إلى تحقيق مقصود أصلي من كتاب أو سنة و كان مناسبا له بحيث لا يخرج عن الأصول الكلية، ثبت كونه حريا بالاعتبار، استنادا إلى أصل الاستصلاح،و قد تقدمت أدلة الأصل في مبحث المناسبة. و عليه أمكن القول، أن حظوظ النفس إذا خلت من نواقض الإخلاص و مبطلاته، و كانت تابعة لا متبوعة، معينة على الفعل مكملة له صح قصدها من المكلّف فيما يتعبّد به لكونها مقصودة للشارع، و قد علم منه رعي أحوال المكلفين و مصالحهم في أمور دنياهم و أخراهم، فكان 1- مواهب الجليل، مصدر سابق، ج3، ص506. 2- أحكام القرآن، ج 1، ص142. 3- سورة هود، الآية 07. 4- مدارج السالكين، مصدر سابق، ج 2، ص93.
عدد الصفحات ٢٤١الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 235 التطلع إلى ثمرات الأعمال لا يضاد الإخلاص و لا يناقضه ما دامت مقصودة للشارع 1 ثم إن عموم شرعة الإسلام يقتضي أنها لا تختص بفئة دون أخرى أو حال دون حال، بل أن تكاليفها جارية على الوسط الأعدل الذي لا إفراط فيه و لا تفريط ، حيث ينتفى الحرج و العنت...فكان تصحيح تشريك الحظوظ المحمودة أولى بالاعتبار ،و غالب أحوال الناس طلب المصالح العاجلة و الآجلة ،مع التنبيه إلى أن بناء الأعمال على المقاصد الأصلية أولى من حيث تمام الأجر، و عظم الفضل ،و تزكية النفس عن شوائب الرياء أن تعتادها و تستأنس فيبطل العمل و يمحق الأجر. و القاعدة المعتبرة في هذا أن التابع الذي يسوغ العمل به ما توفرت فيه شروط: 2 أن يكون مقويا و معينا على المقصد الأصلي من العبادة أن يكون العمل على وفقه غير قادح في الإخلاص، يقول الشاطبي:" فالحاصل لمن اعتبر أن ما كان مقويا و معينا على أصل العبادة و غير قادح في الإخلاص فهو المقصود التبعي السائغ و إلا فلا".3 أن يكون الباعث عليه القصد الأصلي لأن القصد التابع " إن كان الباعث عليه القصد الأصلي كان فرعا من فروعه فله حكمه". 4 أن يحظ في التابع أصل المشروعية. المطلب الثالث : القصد إلى الحظ في الأعمال العادية لا ينافي أصل الأعمال شرط مصاحبة المقاصد الأصلية: الفرع الأول :حقيقة القاعدة و أدلتها: 1- ينظر في هذا المعنى: مقاصد المكلفين، مرجع سابق، ص 399- 401 . 2- مقاصد الشريعة و علاقتها بالأدلة الشرعية، مرجع سابق، ص 374. 3- الموافقات، مصدر سابق،ج 2 ، ص 407 4- المصدر نفسه،ج 2 ، ص201
عدد الصفحات ٢٤٢الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 236 تقدم أن الأصل في العبادات بناؤها على المقاصد الأصلية و أن تشريك حظوظ النفس، إن صح فإنه خلاف الأولى، ذلك أن الاسترسال معها قد يترتب عنه التغيير في وجه محض العبودية، بل إنها في مواضع قد تكون مبطلة للعمل قادحة في الإخلاص. و ليس ذلك قاعدة مطردة في العادات حيث لا يضير المكلف بناؤها على قصد الحظ خاصة ،متى صاحبتها المقاصد الأصلية، و حقيقة المصاحبة إما أن تكون بالفعل كأن يقول هذا الشيء مما أباح لي الشارع الانتفاع به فأنا أستمتع بالمباح و أعمل باستجلابه لأنه مأذون فيه...أو بالقوة بأن يدخل في التسبب إلى ذلك المباح من الوجه المأذون فيه لكن نفس الإذن لم يخطر بباله". 1 و العمل بهذه الصورة لا إشكال في صحته لوجود معنى الامتثال في الحالتين و يقصد بالصحة ترتب آثار العمل عليه في الدنيا فتكون تلك المعاملات محصلة للأملاك و استباحة الاستمتاع و جواز الانتفاع... 2 ،ومما يستند إليه في تقرير الأصل المذكور جملة من المدارك نذكر منها: أصل رفع الحرج ،و بيان ذلك أن القصد إ لى الحظ في الأعمال العادية بفرض كونه منافيا لها يلزم منه، أن ليس لأحد أن يسعى في استجلاب حظ من حظوظه إلا بعد استحضار نية الامتثال و هو أمر لم يقل به أحد و لا أمر به الله تعالى، و لا رسوله الكريم رفعا للحرج عن المكلفين. ما تقرر في الأصول من أن العادات تفتقر إلى نية، يقول ابن القيم:"إنا رأينا الشريعة قد قسمت أفعال المكلفين إلى قسمين: قسم يحصل مقصوده و المراد منه بنفس وقوعه فلا يعتبر في صحته نية كأداء الديون و رد الأمانات و النفقات الواجبة و إزالة النجاسات، فإن مصالح هذه الأفعال حاصلة بوجودها ناشئة من ذا تها فإذا وجدت حصلت مصالحها فلم تتوقف صحتها على نية. 1- المصدر نفسه،ج 2 ، ص207 . 2- قواعد المقاصد، مرجع سابق، ص 410.
عدد الصفحات ٢٤٣الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 237 و قسملا يحصل مراده و مقصوده منه بمجرده ،بل لا يكتفي فيه بمجرد صورته العرية عن النية كالتلفظ بكلمة الإسلام و التلبية في الإحرام و الطواف حول البيت". 1 و في التفريق بين العبادات و العادات يقول :" كل ما تمح ض للتعبد أو غلبت عليه شائبته فإنه يفتقر إلى نية"،" و ما تمحض للمعقولية أو غلبت عليه شائبته فلا يفتقر كقضاء الدين و غسل النجاسة عند الجمهور"2 ،و ذكر ابن المن3 ضابطا فيما تشترط فيه النية مما لا يشترط فقال كل عمل لا تظهر له فائدة عاجلة بل المقصود منه طلب الثواب بالنية مشترطة فيه، و كل عمل ظهرت فائدته ناجزة وتعاطته الطبيعة قبل الشريعة فلا تشترط النية فيه". 4 و عليه يمكن القول أن كل ما تمحض لحظ النفس لا اشتراط للن ية فيه، فلا يقدح فيه القصد إلى طلب الحظ خاصة، و إلا كان مساويا للعبادات و هو بخلاف ذلك. وقوع الامتنان بحظوظ النفس في القرآن الكريم و السنة ،و لو لم يكن القصد إليها سائغا لما صح الامتنان بها، و قد تقدمت أمثلته في أول الدراسة. الفرع الثاني : الأمور المباحة تص ير قربا بالنيات :من المسائل التي تتفرع على هذه القاعدة خلافهم في الأمور المباحة، هل يمكن أن تتحول بالنية الصالحة إلى قربة أو طاعة يثاب فاعلها وفي ذلك قولين : القول الأول: أن المباح لا يتقرب به إلى الله تعالى فلا معنى للنية فيه و اختاره الحطاب و القرطبي و ابن العرن ،يقول صاحب مواهب الجليل:" الشريعة كلها إما مطلوب أو مباح و المباح لا يتقرب به إلى الله تعالى فلا معنى للنية فيه".1 1- بدائع الفوائد، مصدر سابق، ج3، ص1138. 2- القواعد، أبو عبد الله محمد بن محمد ، تحقيق: أحمد بن حميد، المملكة العربية السعودية، جامعة أم القرى، ج 1، ص265 . 3- هو أحمد بن محمد بن منصور بن القاسم بن المنير القاضي620هد689هد) من تصانيفه المتواري عن تدراجم البخداري، فدوات الوفيدات محمدد بدن شداكر الكتبي، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ط4،1974م، ج1، ص55. 4- فتح الباري، مصدر سابق، ج 1، ص120.
عدد الصفحات ٢٤٤