المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حظوظ المكلفين في القرآن الكريم بين الجلب والدفع

خيرة سرير حاج

صفحة ١٤ من ٣٠

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 206 حقهم فرض كفاية في التعريف بمقاصد الشريعة، قال تعالى:﴿ ف َلَوْلاَ ن َفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مِّن ْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَت َفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ ق َوْمَهُمْ ﴾.1 يقول ابن الحاج في مدخله، إني كنت كثيرا ما أسمع الشيخ أبا محمد عبد الله بن أن جمرة يقول:"و ددت أنه لو كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم". 2 و يقول في موضع آخر:" و ما افترق الناس إلا من هذا الباب، لأن الغالب على بعضهم تقارب أفعالهم ثم إنهم يفترقون في الخيرات و البركات بح سب مقاصدهم".3 الفرع الثالث الالتفات إلى المسببات: من المسائل المتفرعة على هذه القاعدة الالتفات إلى المسببات ،و حقيقة كونها شرطا في تمام الموافقة و بيان ذلك، أنه إذا كان الشارع قد وضع الأسباب من أجل مسبباتها و التي هي مقاصدها فهذا دليل على التفات الشارع ل ذلك المسبب و عنايته به، فهل يكون ترك النظر في ثمرات الأعمال و غاياتها مناقضة لقصد الشارع، و جوابه أن المسببات و إن ثبت قصدها من جهة الشارع لا يقتضي لزوم قصد المكلف لها و دليل ذلك من أوجه عدة:  أن هذا يلزم إذا فرضنا أن الشارع قصد وقوع المسببات بالتكليف بها كما قصد ذلك بالأسباب و ليس كذلك لأن المسببات غير مكلف بها. 4  أن مخالفة المكلف لقصد الشارع إنما يتصور في حال توجه قصده إلى نقيض ما أراده الشارع أما في حال ترك المكلف القصد لما ثبت توجه قصد الشارع إليه فليست بمعارضة و لا مناقضة، فخطاب الشارع بالسبب لا يلزم عن ه خطابه بالمسبب،و إن ثبت قصده لكليهما السبب و المسبب.1 1- سورة التوبة، الآية 122. 2- المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات، أبو عبد الله محمد بن محمد العبدرى ابن الحاج، بيروت، دار الكتب العلمية، ج 1، ص05 . 3- المدخل ،مصدر سابق، ج1، ص09. 4- الموافقات، مصدر سابق،ج 1 ،ص 971.

عدد الصفحات ٢١٣

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 207  أن التعلق بالمسببات قد يترتب عنه ترك الالتفات إلى المسبب الحقيقي و إلحاق الضرر بالمكلف من جهة فرط الحرص على تحصيل الثمرات و النتائج 2 ،و في ذلك مناقضة ظاهرة. إلا أنه مما لا ننكره أن النظر في المسببات قد يكون في أحوال أخرى باعثا معينا على الامتثال فيكون مطلوبا من جهة كونه كذلك ، و ضابط المسألة النظر في حال المكلف من حيث تطلعه إلى الأسباب، و هو لا يخلو من ثلاث فيما يرى الشاطبي :3  أن يدخل فيها على أنه فاعل للمسبب أو مولد له فهذا شرك أو مضاه له و العياذ با فالسبب غير فاعل بنفسه، قال تعالى:﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء ﴾.4 و قال تعالى:﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا ت َعْمَلُونَ ﴾.5و في الحديث القدسي { أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِن َوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ }.6 والقدر المشترك بين هذه النصوص جميعا أن خلق الأسباب و ترتيب المسببات عليها هي من جعل الله لا من كسب المخلوق 7. o أن يدخل في السبب على أن المسبب يكون عنده عادة، و محصوله طلب المسبب عن السبب ،لا باعتقاده الاستقلال بل من جهة كونه موضوعا على أنه سبب لمسبب... ،فالالتفات إلى المسبب من هذا الوجه ليس بخارج عن مقتضى عادة الله في خلقه و هو غالب أحوال المكلفين. 1- قواعد المقاصد، مرجع سابق، ص 396. 2- نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، مرجع سابق، ص 198. 3- الموافقات، مصدر سابق،ج 1 ،ص201-202. 4- سورة الرعد، الآية 16. 5- سورة الصافات، الآية 96. 6-متفق عليه. 7- قواعد المقاصد، مرجع سابق، ص 393.

عدد الصفحات ٢١٤

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 208 o أن يدخل في السبب على أن المسبب من الله تعالى لأنه المسبب فيكون الغالب على صاحب هذه المرتبة اعتقاد أنه مسبب عن قدرة الله و إرادته من غير تحكيم لكونه سببا ،و حاصله يرجع إلى عدم اعتبار السبب في المسبب من جهة نفسه و اعتباره فيه من جهة أن الله مسببه و هذا صحيح. فيكون القسم الأول ظاهر البطلان و القسم الأخير ظاهر الموافقة، أما القسم الثاني، فمرده النظر إلى مآل الالتفات، فكل ما كان باعثا و معينا و مثمرا للعمل بحيث يحصل على أكمل وجه و أتم صفة كلما كان أولى بالاعتبار ولا يكون ذلك إلا متى كان على وجه التوسط و الاعتدال فيكون المكلف في طلبه للمسببات باسطا يد الأسباب، كما يسأل الشيء باسطا يد الضراعة للمولى عز و جل.1 و مجمل ما تقدم في المقاصد التابعة أما البناء على المقاصد الأصلية و الالتفات إليها فصحيح بلا خلاف لأنه نظر إلى كليات التشريع و غاياته المصلحية ،يقول ابن عاشور:" و قد ظن بعض العلماء منهم الغزالي أن عدم التأمل في مصالح الأعمال أليق بقصد الامتثال بناء على أن التأمل في ذلك يجعل العمل مرادا منه حظ النفس في الدنيا و ليس كذلك ، فإن أدلة الشريعة متظاهرة على أن قصد الامتثال مع اعتقاد فائدة العمل في الدنيا أعون على الامتثال و أدخل في شكر الله تعالى".2 ثم إن الالتفات إلى المسببات كثمرات للأعمال دربة للنظر على رعي المآلات و نتائج التصرفات ليكون أقرب إلى ترشيد التصرف ، بحيث تحصل أكمل المصالح من حيث الحال و المآل ،بعيدا عن الرؤية الضيقة التي لا تهتم إلا بالنتائج الآنية على حساب الأبعاد الغائية ،فان قصرت يد السبب عن درك المسبب وجب النظر إلى تحقق الشروط و انتفاء الموانع تقويما و تصحيحا ومراجعة ،مع اليقين بأن الشارع الحكيم هو المسبب الحقيقي إلا أن سنته في ربط الأسباب بمسبباتها تقتضي الجمع بين النتائج ومقدماتها، 1- ينظر: نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، مرجع سابق، ص 201. مبدأ اعتبار المآلالبحث الفقهي، يوسف بن عبدد الله حميتدو، مركدز البحدوث و الدراسات، ص 92. قواعد المقاصد، مرجع سابق، ص 400. 2- أصول النظام الإجتماعي،مرجع سابق، ص 80.

عدد الصفحات ٢١٥

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 209 على جهة من النظر السديد و النقد القويم1،ولعل من أهم عوامل الضعف التي تعتري الأمة الإسلامية من حيث الأفراد و المجموع ضعف الحس السببي بصفة عامة سواء تجاه مظاهر الطبيعة أو ظواهر الاجتماع ، و ذلك ما هو مترجم بصفة جلية في ضرب من الزه د في الكشف عن السنن الإلهية في الأنفس و الآفاق مما يؤدي إلى عدم القدرة على التفسير الحقيقي لكثير من ظواهر الحياة وأحداثها ،و من جهة أخرى ف إن من مظاهر الخلل عدم مراجعة الفرد لأسباب إخفاقه لاعتقاده ابتداء أن عمله صائب و إن لم تأت النتيجة لأمر أراده الله ،هذا و إن كان واقعا إلا أن الاطمئنان إليه كتفسير وحيد يحول دون التكييف الدقيق للوقائع و ربطها بملابساتها و مسبباتها في نطاق المشيئة الإلهية 2. وهو من حيث كونه ذريعة إلى التبصر بعواقب الأمور قد يكون حائلا دون ارتكاب المنهيات و الجسور على انتهاك المحرمات ،وقد علم من خطاب التشريع و جملة التجارب و العادات إفضاؤها إلى المفاسد العاجلة و الآجلة ،يقول الشاطبي في هذا المعنى " فإذا نظر المتسبب إلى مآلات الأسباب فربما كان باعثا له على التحرز من أمثال هذه الأشياء"3 ،وهو مسلك في الاعتبار مبثوث في خطاب الشارع ، في مسلك الوعد و الوعيد ،و مسلك النعليل ،و نوط الأفعال بالجزاءات و غيرها ،قال تعالى :﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ ب َي ْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْب َغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَ نْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ ۚ ف َهَلْ أَن ْتُمْ مُنْت َهُونَ. ﴾4و قال تعالى : ﴿ وَلاَ ت َقْرَبُوا الزِّنَا ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ﴾5 ،وبيان ذلك أن الناظر إلى ما يترتب على هذه الأفعال ليقطع بقبحها ،و استدعائها الترك ، و إن كان قد تصرف عن دركه العوارض ،و التفاوت الذي فطرت عليه الأفهام، فجاء خطاب الشارع بما ينفي العذر ، و يقيم الحجة . 1-ينظر في هذا المعنى :طرق إثبات المقاصد الشرعية الأسباب و المسببات نموذجا ،فريد شكري ،الندوة العلمية الدولية ،مقاصد الشريعة و السياق الكوني المعاصر،الرباط 1433-2012 ،دار الأمان ،ص140-143 2 - ينظر عوامل الشهود الحضاري ، عبد المجيد النجار، بيروت ،دار الغرب الاسلامي ،ط 1 ،1999مد، ص57 . 3-الموافقات، مصدر سابق،ج 1، ص 203 4- سورة المائدة الآية 91 5- سورة الإسراء الآية :32

عدد الصفحات ٢١٦

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 210 هذا بالنسبة إلى كل مكلف في خاصة نفسه ،فان تعلق النظر بوظيفة الاجتهاد حق القول أن عمل المجتهد لا يكاد يخلوا من إلحاق الفروع بالأصول ،و الجزئيات بالكليات بطريق القياس الخاص أو العام و تحقيق المناط ،فكان من أخص وظائف المجتهد الكشف عن العلل و ربطها بمعلولاتها ،و أحكام التصرفات من حيث ترتب آثارها بتحقق الشروط و انتفاء الموانع، و هو المراد بالالتفات إلى المسببات من حيث المعنى الخاص .يقول الشاطبي :" فالالتفات إلى المسببات والقصد إليها معتبر ف العاديات ولا سيما في المجتهد فإن المجتهد إنما يتسع مجال اجتهاده بإجراء العلل والالتفات إليها ،ولولا ذلك لم يستقم له إجراء الأحكام على وفق المصالح إلا بنص أو إجماع فيبطل القياس ،وذلك غير صحيح فلابد من الالتفات إلى المعاني التي شرعت لها الأحكام والمعاني هي مسببات الأحكام"1 . الفرع الرابع أثر القصد المخالف على التصرفات: إذا علم أن قصد الشارع أن يكون قصد المكلف موافقا لقصده في التشريع، فإذا لم يكن موافقا بأن قصد في تصرفاته غير ما شرع ثبت كونه مناقضا لقصد الشارع ، و عمله في المناقضة باطل. يقول الشاطبي:" كل ما ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له، فقد ناقض الشريعة و كل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل".2 و هو يستدل على ذلك بوجوه 3  أن المكلف إذا قصد عين ما قصده الشارع بالإذن فقد قصد وجه المصلحة على أتم وجوهه، فهو جدير بأن تحصل له، و إن قصد غير ما قصد الشارع، و ذلك إنما يكون في الغالب لتوهم أن المصلحة 1 - الموافقات ،مصدر سابق ،ج1 ، ص200 2- المصدر نفسه ،ج2 ، ص333. 3- الموافقات ،مصدر سابق، ج 2 ،ص 333-334. وينظر: المقاصد العامة للشريعة، ص 97- 98.

عدد الصفحات ٢١٧

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 211 فيما قصد فقد جعل ما قصد الشارع مهمل الاعتبار ، و ما أهمل الشارع مقصودا معتبرا و ذلك مضادة للشريعة ظاهرة.  أن حاصل هذا القصد يرجع إلى أن ما رآه الله حسنا فهو عند هذا القاصد ليس بحسن ،و ما لم يره الشارع حسنا فهو عنده حسن و هذه مضادة أيضا.  أن قصد المكلف خلاف مقاصد الشرع مشاقة ظاهرة و هو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن ب َعْدِ مَا ت َب َيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَي َتَّبِعْ غَي ْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ن ُوَلِّهِ مَا ت َوَلَّى ﴾.1  أن الأخذ بالمشروع من حيث لم يقصد بها الشرع ذلك القصد آخذ في غير مشروع حقيقة، لأن الشارع إنما شرعه لأمر معلوم، فإذا أخذ بالقصد إلى غير ذلك الأمر المعلوم لم يأت بذلك المشروع أصلا. و إذا لم يأت به ناقض الشارع في ذلك الأخذ حيث صار كالفاعل لغير ما أمر به و التارك لما أمر به.  أن المكلف إنما كلف بالأعمال من جهة قصد الشارع بها في الأمر و النهي، فإذا قصد غير ذلك كانت بفرض القاصد وسائل لما قصد لا مقاصد لأنه لم يقصد بها قصد الشارع بل جعل قصد الشارع كالآلة المعدة لاقتناص أغراضه، و هو في ذلك مستهزء بآيات الله. قال تعالى :﴿ وَلاَ ت َتَّخِذُواْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾2 ،و المراد أن لا يقصد بها غير ما شرعه لأجله و لذلك قيل للمنافقين حيث قصدوا بإظهار الإسلام غير ما قصده الشارع:﴿ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْت َهْزِؤُونَ ﴾.3 و في المعنى نفسه يقول ابن القيم:" و قاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمها أن المقاصد و الاعتقادات معتبرة في التصرفات و العادات، كما هي معتبرة في التقربات و العبادات، فالقصد 1- سورة النساء، الآية 115. 2- سورة البقرة، الآية 231. 3- سورة التوبة، الآية 65.

عدد الصفحات ٢١٨

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 212 و النية و الاعتقاد يجعل الشيء حلالا و حراما و صحيحا أو فاسدا و طاعة أو معصية ،كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبة أو مستحبة أو صحيحة أو فاسدة"1، إن مثل هذا الاتجاه في بناء الأحكام، على أساس من اعتبار البواعث و القصود، لكونها لب الأعمال و جوهرها ، يتفق تماما مع ما تقرر في ضرورة إعمال المقاصد الشرعية و تنزيل أفعال المكلفين بحسبها ، إلا أننا لو رجعنا إلى الفروع الفقهية نجد تباينا واضحا في إعمال هذا الأصل لا ينبغي تجاوزه ، حيث نلحظ أن الفقه الإسلامي، يكتنفه اتجاهان متباينان: اتجاه تغلب عليه النزعة الموضوعية، و هو مذهب الشافعية و قريب منهم الحنفية ، حيث لا اعتبار للبواعث إلا ما كان منها مصرحا به، و عبرت عنه الإرادة الظاهرة. و اتجاه ذو نزعة ذاتية يقوم على أساس اعتبار القصود و البواعث في الحكم على التصرفات بالصحة و البطلان، و إن لم تسفر عنها الإرادة الظاهرة 2، و فيما يأتي مدارك كل اتجاه و بعض الفروع الفقهية التي انبنت عليه:  الإتجاه الأول و لبيان هذا المسلك في ابتناء الأحكام على الظواهر لا أجد أظهر من عبارة الإمام الشافعي حيث يقول:" أصل ما أذهب إليه، أن كل عقد صحيح في الظاهر لا أبطله بتهمة و لا بعادة بين المتبايعين و أجيزه بصحة الظاهر إلا أن النية إذا كانت لو ظهرت تفسد العقد فهي مكروهة و هي مستترة"3،و يقول أيضا:" أكره للرجل أن يشتري السيف على أن يقتل به ،و لا يحرم على بائعه أن يبيعه كما أكره للرجل أن يبيع العنب ممن يراه خمرا و لا يفسد البيع". 4 و على هذا المهيع أجرى قوله في صحة بيع العينة 5، و نكاح المحلل6 ،ما لم يشترط ذلك في العقد، و بيع الحيوان المباح و إن قصد به اللهو بقرينة الوصف ككبش النطاح و ديك المقاتلة 1،و مثاله 1- أعلام الموقعين، مصدر سابق، ج2، ص94. 2- ينظر: النظريات الفقهية، مرجع سابق، ص 232.. قواعد المقاصد، مرجع سابق، ص 438 . 3- الأم، محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: رفعت فوزي عبد المطلب، دار الوفاء، مصر، ط 1،1422هد2001م، ج4، ص152. 4- المصدر نفسه، ج4، ص152. 5- الأم، مصدر سابق ، ج4، ص162. 6- المصدر نفسه، ج6، ص206.

عدد الصفحات ٢١٩

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 213 عند الحنفية ما ذهب إليه الإمام أبو حنفية في القول بصحة إجارة حمال ليحمل له خمرا و أن الأجرة تطيب له، لكون الحمل ليس من ضرورات الشرب فقد يحمله قصد إراقتها أو للتخليل، و هو مباح. 2 و في صحة بيع العصير لمن يتخذه خمرا جاء في الاختيار لتعليل المختار:" و لا بأس ببيع العصير ممن يعلم أنه يتخذه خمرا لأن المعصية لا تقوم بعينه بل بعد تغيره". 3 إلا أن هذا الأصل لم يطرد في فروعهم، حيث قالوا بفساد بيع العينة 4 ،لمشابهته الربا و فساد بيع من اشترى كبشا على أنه نطاح أو ديكا على أنه مق اتل لأنه شرط فيه غرر، و لأن هذه الصفات يتلهى بها عادة و التلهي محظور فكان هذا شرطا محظورا يوجب فساد البيع 5، و على مثل هذا التعليل ذهب صاحب بدائع الصنائع في القول بفساد بيع القرد. 6 يتبين مما تقدم أن المذهب الحنفي و إن كان محسوبا على الاتجاه الأول إلا أننا ن لحظ إعمالا ظاهرا للقصد غير المشروع في الحكم على التصرف صحة و فسادا خاصة فيما أسفر عنه محل التعاقد ،و بالعودة إلى المذهب الشافعي، نجد أن الاحتكام إلى الظواهر أصل يرد إليه في أغلب أبواب الفقه على تعبير الإمام، و بجمع بعض ما تفرق في كتابه الأم يمكن أن نجمل ا لأدلة التي بنى عليها مسلكه هذا فيما يأتي:  بناء الأحكام على الظاهر و أن الله عز و جل هو ولي المغيب لاختصاص علمه به، و هو مستفاد من نصوص الكتاب و السنة، أما الكتاب فقوله تعالى:﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ 1- مغنّ المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج ، شمس الدين محمد بن الخطيب الشربينّ، بيروت، دار المعرفة، ط 1،1418هد1997م، ج2، ص18. 2- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، علاء الدين. أبو بكر بن مسعود الكاساني، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 2، 1406هد1986م ، ج4، ص 190 3- الاختيار لتعليل المختار عبد الله بن محمود الموصلي، دار الفكر العرن، (د.ت)، ج4، ص162. 4- مختصر الطحاوي، أحمد بن محمد الطحاوي، تحقيق: أبو الوفا الأفغاني، الهند، لجنة إحياء المعارف، (د.ت)، ص 82. 5- بدائع الصنائع، مصدر سابق،ج5، ص195. 6- المصدر نفسه، ج5، ص143.

عدد الصفحات ٢٢٠

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 214 إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَالل هُ ي َعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾1 إلى قوله تعا ﴿ ذَلِكَ بِأَن َّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى ق ُلُوبِهِمْ ف َهُمْ لا ي َفْقَهُونَ ﴾.2و وجه الدلالة أن المولى عز و جل قد أخبر عن كفرهم و س وء طويتهم و مع ذلك فقد أقرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم يتناكحون و يتوارثون و يسهم لهم إذا حضروا القسمة...أما السنة فقوله صلى الله عليه و سلمإنما أنا بشر و إنكم تختصمون إلي و لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع }3 فأخبرهم أنه يقضي بالظاهر و أن الحلال و الحرام عند ا بالباطن.4 و قال صلى الله عليه و سلم أَي ُّهَا النَّاسُ ، قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ ت َنْت َهُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا ، ف َلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ مَنْ ي ُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ }5 ، فأخبرهم أنه لا يكشف عما لا يبدون من أنفسهم.6 و مما استدل به الإمام أيضا أن النية حديث النفس و قد وضع عن الناس ما حدثوا به أنفسهم و قد ينوي الشيء و يفعله و ينويه و لا يفعله.7 و ليس الحديث في هذا المقام، عن الخواطر التي لا تؤثر في الفعل و إنما عن البواعث و القصود التي توجه الإرادة توجها جازما نحو الفعل أو الترك ، أما ما تقدم من النصوص، إن كان يصح الاستدلال بها في درء الحدود بالشبهات و إجراء أحكام الإسلام على الظاهر من أحو ال المسلمين، فإنها في أبواب العقود و المعاملات معارضة بغيرها مما هو أخص من جهة الاستدلال. 1- سورة المنافقون، الآية 01. 2- سورة المنافقون، الآية 03. 3- رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام ، باب موعظة الإمام للخصوم ،حديث رقم: 6748. 4- الأم، مصدر سابق، ج5، ص245- 246. 5- رواه البيهقي في السنن الصغرى،كتاب الأشربة،باب صفة السوط و الضرب ،حديث رقم، 3406 ،ج3 ،ص345. 6- الأم، مصدر سابق، ج5، ص246. 7- المصدر نفسه، ج6، ص206.

عدد الصفحات ٢٢١

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 215  الاتجاه الثاني و قد تقدم أنه مسلك في النظر اعتنى بالقصود و المعاني عنايته بالألفاظ و المباني فلم يكتفي بظاهر الموافقة و تمام الأركان و الشروط في الحكم على صحة التصرفات ،و إنما أجرى النظر في قصودها و غاياتها كجهة للمحاكمة و هو ما أبانت عنه عديد الفروع الفقهية في المذهب ا لمالكي و الحنبلي. و مثالها ما جاء في المدونة الكبرى في حكم هدية المديان قال الإمام مالك:" لا يصلح أن يقبل منه هدية إلا أن يكون رجلا كان ذلك بينهما معروفا و هو يعلم أن هديته ليس لمكان دينه فلا بأس به". 1 حيث جعل التهمة بمحاباة الدائن مانعا من صحة الهبة أو ادية، و في بيع العنب لمن يعصره خمرا و السلاح في الفتنة يقول صاحب كشاف القناع:" و لا يصح بيع ما قصد به الحرام كعنب أو عصير لمتخذهما خمرا و لا بيع سلاح و نحوه في فتنة أو لأهل حرب..." 2 ،إذا علم البائع ذلك من مشتريه و لو بقرائن لقوله تعالى:﴿ وَلاَ ت َعَاوَنُو اْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾.3 و مذهب الإمامين معروف في بطلان بيع العينة و نكاح المحلل و ليس المقام مقام استقراء للفروع ، أما عن الأصول المستند إليها في تقرير هذا المسلك، فتسفر عنها منظومة التشريع، و ما تظاهرت عليه نصوص الشرع من تعظيم لشأن النيات و كونها متعلق الأحكام أو أرواح الأعمال و المنع من الضرر الضرار ، قال تعالى:﴿ وَب ُعُولَت ُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاحًا ﴾.4 1- المدونة الكبرى، مالك بن أنس، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1،1415هد1994م، ج3، ص179. 2- كشاف القناع عن متن الإقناع، منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، تحقيق: محمد أمين الضناوي، عالم الكتب، (د.ت)، ج 2، ص488 . 3- سورة المائدة، الآية 02. 4- سورة البقرة، الآية 228.

عدد الصفحات ٢٢٢

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 216 و قال تعالى:﴿ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّت َعْتَدُواْ ﴾1 ،يقول ابن العرن:" هذا يدل على أن الرجعة لا تكون إلا بقصد الرغبة فإن قصد أن يمنعها النكاح و يقطع بها في أملها من غير رغبة اعتداء عليها فهو ظالم لنفسه فلو عرفنا ذلك نقضنا رجعته". 2 و يقول ابن عرفة في تفسير قوله تعالى:﴿ مِن ب َعْدِ وَصِيَّة يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْن غَي ْرَ مُضَارٍّ ﴾.3 "و المشهور أنه إن قصد الضرر ترد الوصية و إن كانت في الثلث" مستدلا بما نسبه إلى الإمام مالك في المدونة، في الرجل يوصي بثلثه لوارث فإن لم يجزه باقي الورثة فهو في السبيل قال :لم يجز ذلك بخلاف ما لو قال داري و فرسي في السبيل ،إلا أن يشاء ورثتي أن ينفذوا ذلك لابنّ فهو صحيح و حاصله التفريق بين تقديم الورثة أو الأجنبي فإن قدم الوارث في لفظه كان قرينة في إرادة الضرر فتبطل الوصية.4 و من السنة قوله صلى الله عليه و سلملا ضرر و لا ضرار}5 ،و ظاهره تحريم جميع أنواع الضرر إلا بدليل لأن النكرة في سياق النفي تعم 6 ،و قوله صلى الله عليه و سلمإنما الأعمال بالنيات، و إنما لكل امرئ ما نوى}7 مناقشة و ترجيح من خلال تتبع أدلة المانعين من الاعتداد بالقصد غير الظاهر في الحكم على التصرفات يمكن أن نحصر مدارك هذا المسلك في أمرين: 1- سورة البقرة، الآية 231. 2- أحكام القرآن، ج 1، ص270. 3- سورة النساء، الآية 12. 4- تفسير ابن عرفة، محمد بن محمد بن عرفة، تحقيق: جلال الأسيوطي، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1،2008م، ج2، ص13. 5- أخرجه الحاكم في مستدركه كتاب البيوع ،حديث رقم :2400،ج2 ،ص74وقال صحيح الإسناد على شرط مسلم و لم يخرجاه. 6- شروح سنن ابن ماجة، جلال الدين السيوطي و آخرون، تحقيق: رائد بن صبري، الأردن، بيت الأفكار الدولية، ج 1، ص901. 7- أخرجه البخاري في صحيحه ،كتاب بدء الوحي ، باب كَي فَ كَانَ بَد ءُ ال وَح يِ إِلىَ رَسُولِ اللَهِ صَلَى اللَهُ عَلَي هِ وَسَلَمَ ،حديث رقم : 1،ج1 ،ص13

عدد الصفحات ٢٢٣

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 217 أو: كون القصد المخالف أمرا خارجا عن العقد، - أو التصرف بمعنى أعم -و قد استوف أركانه و شروطه فلا مسوغ للحكم ببطلانه و إن ترتب الإثم،و جوابه أن المباني و إن قامت على أساسها التصرفات فهي مقصودة لغيرها لا لذاتها، فيكون و الحال كذلك" اعتبار القصود في العقود أولى من اعتبار الألفاظ...فإذا ألغيت و اعتبرت الألفاظ التي لا تراد لنفسها كان هذا إلغاء لما يجب اعتباره و اعتبار لما قد يسوغ إلغاؤه". 1 ثانيا: أن القصود و النوايا مما لا ينضبط في نفسه فيكون الاعتداد بها بناء على الظنون و الأوهام: فيقال أن اعتبار البواعث و القصود و ترتيب الأحكام على أساسها ليس احتكاما إلى الظنون المجردة أو الأهواء أو الأوهام ،إنما هو إعمال لما ظهر منها بالقرائن المقبولة أو بدلالة الحال و لا مسوغ لحصر انكشاف القصد باللفظ كما يقول الإمام الشافعي، 2 فقد يستدل على القصد بغير المبنى و منه دلالة الحال، و هو أمر دلت عليه السنة النبوية،أخرج الب خاري من حديث أن حميد الساعدي 3 قال استعمل رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلا على صدقات بنّ سليم يدعى اب نَ ال لَتَبِيَةِ ،فلما جاء حاسبه، قال هذا مالكم و هذا هدية، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ف َهَلاَّ جَلَسْتَ فِي ب َيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِي َّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا }4 في الحديث دلالة واضحة على اعتبار دلالة الحال على القصد، و الباعث و بيان ذلك أن الإهداء بذاته جائز و لما كان القصد منه في الغالب المحاباة لمكان المهدي إليه لحقه الفساد. 5 1- أعلام الموقعين، مصدرسابق، ج2، ص93. 2- أثر القصود في التصرفات و العقود، مجموعة بحوث فقهية معاصرة، عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، ط 1،1407هد1986م، ص 267. 3- هددو الصددحان الجليددل عبددد الددرحمن بددن سددعد بددن المنددذر، و كنيتدده أبددو حميددد السدداعدي مددن أهددل المدينددة، روى عندده جماعددة مددن أهلهددا، و تددوفي في آخددر خلافددة معاوية ،الاستيعاب في معرفة الأصحاب ابن عبد البر. 4-متفق عليه. 5- ينظر: أثر القصود في التصرفات و العقود، مرجع سابق، ص 269.

عدد الصفحات ٢٢٤

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 218 و من القرائن التي قد تسفر عن القصد المخالف،كثرة الوقوع و إن صح التخلف، و حاصلها أن القصد و إن كان مما لا ينضبط في نفسه لأنه من الأمور الباطنة إلا أن له مجالا في الاعتبار بالنظر إلى كثرة الوقوع أو مظنة ذلك، فكما اعتبرت المظنة و إن صح التخلف كذلك تعتبر الكثرة لأنها مجال القصد، و دليل ذلك أن الحكم قد يشرع لعلة مع كون فواتها كثيرا كحد الخمر فإنه مشروع للزجر و الازدجار به كثير لا غالب فاعتبرت الكثرة في الحكم بما هو على خلاف الأصل لحكمة الزجر. 1 و يعضد هذا الأصل نصوص كثيرة كنهيه صلى الله عليه و سلم عن الخليط 2، و عن شرب النبيذ بعد ثلاث3...و عن الخلوة بالأجنبية، و أن تسافر مع غير ذي محرم 4 و حاصل ما تقدم أن كثرة وقوع الفعل تكفي قرينة على قصد الإضرار و تقوم مقام مئنة القصد أو حقيقته وفق ما دلت عليه النصوص، و اعتبارا لأصل الاحتياط الذي قررته مقاصد التشريع تحصيلا لمصالح المكلفين و درءا لذرائع ا لفساد الواقع و المتوقع. لقد تبين مما سبق أن المكلف يجب أن يكون قصده موافقا لقصد الشارع، إلا أن القصود كما تقدم في أول الدراسة قسمان تابعة و أصلية، فما الحكم حال الاجتماع و المزاحمة، و للإجابة عن هذا السؤال نفرق بين ما هو عبادة و ما هو عادة لاشتراط النيات في العبادات دون العادات، فيتحصل من التقسيم القواعد الآتية :  الأصل في العبادات البناء على مقصد الامتثال و إن كان يصح التشريك شرط التبعية و التكميل و المناسبة. 1- الموافقات، مصدر سابق،ج 2، ص361 2- أخرج مسلم في صحيحه عن أنس قال أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى أن يخلط التمر و الزهر ثم يشرب}1981. 3- أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس قدال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم ينب ذ ل ه الزبي ب ف ي الس قاء فيش ربه يوم ه و الغ د و بع د الغ د، فإذا كان مساء الثالثة شربه و سقاه. فإن فضل شيء أهرا قه } حديث رقم 2004. 4- أخرج البخاري في صحيحه من حدديث ابدن عبداس أنده سمدع الندبي صدلى الله عليده و سدلم يقدوللا يخل ون رج ل ب امرأة و لا تس افرن إم رأة إلا و معه ا محرم}3006.

عدد الصفحات ٢٢٥

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 219  قصد الحظ في الأعمال العادية لا ينافي في أصل الأعمال ،شرط مصاحبة المقاصد الأصلية . المطلب الثاني: الأصل في العبادات البناء على مقصد الامتثال و إن كان يصح التشريك شرط التبعية و التكميل و المناسبة لبيان هذه القاعدة نقول أن الأصل في العبادات إخلاص النية و تجريد القصد طلبا لقبول الأعمال و تحصيلا للثواب على القدر المتفق، إلا أن النفوس لما علم منها شدة التقلب، و التوق إلى المصالح العاجلة و الآجلة، صار مثل ذلك عزيزا بحيث لا يخلو عمل من مقصد تابع اجتمع مع مقصد الإذعان و الامتثال، بل إن بعض هذه المقاصد جاءت النصوص بإقرارها ترغيبا و ترهيبا، فكيف السبيل إلى القول بإبطالها للعبادات أو منافاتها للإخلاص، و قد جاء من شواهدها الشيء الكثير في مبحث أدلة اعتبار الحظوظ، و لذلك ارتأيت أن أنحوا منحى آخر في الاستدلال ،حيث أبين حقيقة الإخلاص و نواقضه و اختلاف عبارات العلماء في اجتماع حظ النفس مع قصد الطاعة ، و مناقشتها للوصول إلى الرأي المختار و الذي عليه انبنت هذه الدراسة. الفرع الأول : حقيقة الإخلاص و التفريق بينه و بين النية: الإخلاص في اللغة من خلص يخلص خلوصا و خلاصا إذا كان قد نشب ثم نجا و سلم، و أخلصه و خلّصه و أخلص لله دينه أمحضه، و أخلص الشيء اختاره و يطلق على الزبد إذا خلص من اللبن و الثفل1 ،و الخالص من الألوان ما صفا و نصع و في البصائر الخالص الصافي الذي زال عنه 1- لسان العرب، مصدر سابق، الجلد 2، ج14، ص1227- 1229.

عدد الصفحات ٢٢٦

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 220 شوبه1 ،إلا أنه قد يفرق بينهما فيقال: الصافي ما لا شوب فيه و الخالص ما زال عنه الشوب بعد ما كان.2 فيكون مدار اللفظ على الصفاء و التميز من الأوشاب التي تخالط الشيء، و بهذه المعاني جاءت بعض نصوص القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن ب َيْنِ ف َرْث وَدَم لَّب َنًا خَالِصًا ﴾.3 أي لا يخالطه دم و لا فرث، و قال: ﴿ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا ﴾.4 أي لا يشاركهم فيها الإناث أما في الاصطلاح، فقد تعدد تعريفات الإخلاص ، و مما جاء في ذلك تعريفه عند الإمام العز: " أن يفعل المكلف الطاعة خالصة لله وحده لا يريد بها تعظيما من الناس و لا تو قيرا و لا جلب نفع دينّ و لا دفع ضرر دنيوي". 5و عرفه الحارث المحاس 6 بأنه:" خروج الخلق عن معاملة الرب 7 و قال التستري 8:" نظر الأكياس في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير هذا، أن تكون حركته و سكونه في سره و علانيته لله تعالى وحده لا يمازجه شيء لا نفس و لا هوى و لا دنيا" 9، و عرفه ابن القيم فقال: " إفراد الحق سبحانه بالقصد و تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوفين". 10 و لعله من الظاهر ذلك التوافق بين المعنى اللغوي و الاصطلاحي، فالإخلاص مداره على الصفاء 1- تاج العروس، مصدر سابق، ج7، ص558. 2- الكليات، مصدر سابق، ص433، معجم مفردات ألفاظ القرآن، ص 119. 3- سورة النحل، الآية 66. 4- سورة الأنعام، الآية 139. 5- قواعد الأحكام، مصدر سابق، ج1، ص146. 6- الحارث بن أسد بن عبد الله البصري من أعلام المتصوفة ولد سنة 170 هد،ينظر: طبقات الصوفية أبو عبد الرحمن السلمي، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، ط 2،1414هد- 2003م 7- القصد و الرجوع إلى الله، الحارث المحاسبي، تحقيق: عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1،1406هد- 1986م، ص259 . 8- هو سهل بن عبد الله بن رفيع من أئمة التصّوف، توفي سنة283هد، طبقات الصوفية، مصدر سابق، ص 166- 175. 9- الجددامع لشددعب الإيمددان، أبددو بكددر أحمددد بددن الحسددين البيهقددي، تحقيددق: مختددار أحمددد الندددوي، المملكددة العربيددة السددعودية، مكتبددة الرّشددد، ط1،1423هددد- 2003م، ج9، ص184. 10- مدارج السالكين، مصدر سابق، ج 2، ص95.

عدد الصفحات ٢٢٧

الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 221 و التميز من الأكدار، و كذلك حقيقته في الاصطلاح حيث لا يخرج عن تجريد القصد إلى ا و خلوصه مما يتكدر به العمل.1  الفرق بين النية و الإخلاص جاء في تعريف النية أنها:" قصد الإنسان بقلبه ما يريده بفعله" 2 ،و قال الخطان:" النية قصدك الشيء بقلبك و تحر ي الطلب منك له و قيل عزيمة القلب". 3 و قال البيضاوي:" النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضرر ن حالا أو مآلا و الشرع خصصهما بالإدارة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه الله و امتثالا لحكمه. 4 و قال صاحب المهذب:" النية القصد تقول العرب نواك الله بحفظه أي قصدك بحفظه". 5 و يرى ابن القيم أن النية تختلف عن القصد في أمرين 6  أن القصد متعلق بفعل الفاعل نفسه و غيره، و النية لا تتعلق إلا بفعل الفاعل نفسه  أن القصد لا يكون إلا بفعل مقدور يقصده الفاعل وأما النية فتكون في المقدور عليه و غيره. و دليل ذلك ما رواه أحمد في مسنده عن النبي صلى الله عليه و سلم قال مَثَلُ هَذِهِ الأُْمَّةِ مَثَلُ أَرْب َعَةِ ن َفَر رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْمًا ف َهُوَ ي َعْمَلُ بِهِ فِي مَالِهِ ف َي ُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ وَ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ ي ُؤْتِهِ 1- مقاصد المكلفين، مرجع ساب ق، ص 361. 2- الذخيرة، مصدر سابق، ج1، ص134. 3- عمدة القاري، شرح صحيح البخاري، مصدر سابق ،ج 1، ص23. 4- فتح الباري، مصدر سابق، ج 1، ص16. 5- المجموع شرح المهذب، محي الدين بن شرف النووي، تحقيق: محمد نجيب المطيعي، جدة، مكتبة الإرشاد، (د.ت)، ج 1، ص358. 6- بدائع الفوائد، ابن القيم، تحقيق: علي بن محمد العمران، دار عالم الفوائد، ج 9، ص1143.

عدد الصفحات ٢٢٨