الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 190 و تحريف و تأويل ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال و الحرام، ألا يصرفن إلى الباطل و لا يحرفن عن الحق " 1 ،أما العامي، و من قصر به النظر فسبيله سؤال أهل العلم فينتفي العذر و تقام الحجة، قال تعالى:﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ ت َعْلَمُونَ ﴾2، و قد تقدم أن تعقل التكاليفالمراد به القدر المشترك، أما ما زاد على ذلك من تعمق في أصول الدين و فروعه إنما هو فضل يؤتيه الله من يشاء على صبر و مجاهدة و نعومة نظر،و الناس في ذلك متفاوتون كتفاوتهم في أسباب المعايش و خصائص النفس و البدن. يقول الزركشي:" فلو كان القرآن كله محكما لا يحتاج إلى تأويل لسقطت المحنة و بطل التفاضل و استوت منازل الخلق، و لم يفعل الله ذلك، بل جعل بعضه محكما ليكون أصلا للرجوع إليه، و بعضه متشابها يحتاج إلى الاستنباط و الاستخراج و رده إلى المحكم ". 3 بل ها هنا فائدة أخرى كما يقول الرازي:" و هي أن الإنسان إذا وقف على المعنى و أحاط به سقط وقعه عن القلب، و إذا لم يقف على المقصود مع جزمه بأن المتكلم بذلك أحكم الحاكمين فإنه يبقى ملتفتا إليه أبدا و مفتكرا فيه أبدا... ،و لباب التكليف اشتغال السر بذكر الله تعالى و التفكر في كلامه فلا يبعد أن يقال، أن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبدا مصلحة عظيمة له ،فيتعبد الله تعالى بذلك تحصيلا لهذه المصلحة".4 و في ختام المسألة يمكن القول على لسان الشاطبي:" و المتشابهات ليست مما تعارض العقول و إن توهم الناس فيها ذلك ،فبناء على اتباع هواه لا أنه بناء على أمر صحيح، فإنه إن كان ك ذلك، 1- تفسير القرآن العظيم، مصدر سابق، ج 3، ص09. 2- سورة الأنبياء، الآية 07. 3- البرهانعلوم القرآن، مصدر سابق، ج 2، ص75. 4- أساس التقديس، مصدر سابق، ص229.
عدد الصفحات ١٩٧الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 191 فالتأويل فيه راجع إلى معقول موافق لا إلى مخالف و إن فرض أنها مما لا يعلمها أحد إلا الله فالعقول عنها مصدودة لأمر خارجي لا لمخالفته لها". 1 الفرع الثاني التكليف بالوسع: من الأصول الثابتة عند الجمهور أن التكليف بما لا يطاق غير واقع شرعا و إن جاز عقلا 2 بدلالة النصوص الصريحة، قال تعالى:﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ ن َفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾3 و وجه الدلالة أن الله تعا أخبر أنه لا يكلف إلا بما في الوسع، و التكليف بما لا يطاق ليس تكليفا بالوسع. و مثله قوله تعالى:﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ ن َفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا ﴾.4 و قوله:﴿ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ ن َفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾5 ،و قوله تعالى:﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج ﴾.6 و لا حرج أشد من التكليف بما لا يطاق 7 أما جملة ما تمسك به القائلون بالجواز فظواهر لا تفضي إلى القطع8 ،و لا تنتهض دليلا قادحا في كلي ابتناء الشرع على السماحة و اليسر. و مثال ذلك ما جاء في استدلالهم بقوله تعالى:﴿ رَب َّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾9 على جواز التكليف بما لا يطاق، إذ الممتنع بذاته مندفع بنفسه و لا حاجة لسؤال دفعه، فالاستعا ذة من 1- الموافقات، مصدر سابق، ج 3 ،ص31. 2- شدرح التلددويح علدى التوضدديح، مصددر سددابق، ج 2، ص367، البحدر المحدديط، مصددر سددابق، ج1، ص389، المستصدفى، ج1، ص123. و خددالف في هذه المسألة فريق فقالوا بالجواز و فرق بعضهم بين المستحيل لذاته و المستحيل لغيره، ينظر: المحصول، ج2، ص215، الإبهاج، ج1، ص172 . 3- سورة البقرة، الآية 286. 4- سورة الطلاق، الآية 07. 5- سورة الأنعام، الآية 152. 6- سورة الحج، الآية 78. 7- الإحكام،الآمدي، ج1، ص184. 8- البحر المحيط، مصدر سابق، ج1، ص389. 9- سورة البقرة، الآية 682.
عدد الصفحات ١٩٨الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 192 المحال محال1، و جوابه أنه ظاهر يحتمل التأويل و قد يكون المراد بما لا طاقة به ما فيه مشقة على النفس2، و قد يحمل على الرزايا و البلايا مما يقع الابتلاء به دون شرط القدرة بخلاف التكليف 3 و في الاستدلال بقوله تعالى:﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُ واْ أَن ت َعْدِلُواْ ب َيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾.4 بأنه سبحانه و تعالى كلف الرجال العدل بين النساء و أخبر أنهم لا يستطيعونه، يقول ابن العرن ردا على مثل هذا الوجه في الاستدلال:" و هو وهم عظيم فإن الذي كلفهم من ذلك هو العدل في الظاهر الذي دل عليه بقوله:﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ ت َعُولُواْ ﴾5 و هذا أمر مستطاع و الذي أخبر عنهم أنهم لا يستطيعونه لم يكلفهم إياه و هو النسبة في ميل النفس".6 لما ثبت عنه صلى الله عليه و سلم أنه كان يقسم فيعدل فيقول اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِى فِيمَا أَمْلِكُ فَلاَ ت َلُمْنِى فِيمَا تَمْلِكُ وَلاَ أَمْلِكُ }7 أما الاحتجاج بوقوع التكليف بما لا يطاق بتكليف أن جهل و نحوه بالإيمان مع امتناعه لإخبار النبي صلى الله عليه و سلم بخلافه، فكأنه أمره بأن يصدقه في أن لا يصدقه و هو محال 8، فمرده غ مسألة التكليف بالوسع، ذلك أن الإيمان ممكن منه إلا أن علم الله تعالى السابق بعدم وقوعه أحاله من جهة العلم به لا من جهة قدر ة المكلف. 1- البحر المحيط،المصدر السابق، ج1، ص387. 2- الإحكام،الآمدي، ج2، ص184. 3- الفروق، مصدر سابق، ج4، ص420. 4- سورة النساء، الآية 129. 5- سورة النساء، الآية 03. 6- أحكام القرآن، ج 1، ص834. 7- رواه الحاكم في مستدركه، كتاب النكاح ،حديث رقم 2820،ج2 ،ص222 و الحديث صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه 8- المستصفى، مصدر سابق،ج1، ص120.
عدد الصفحات ١٩٩الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 193 يقول الغزالي:" و التحقيق أن ما كان مقدورا في ذاته جائز الوقوع لا تتغير حقيقته بالعلم فقد أقدر ا سبحانه الكفار على الإيمان ،ثم علم أنهم يمتنعون مع القدرة فكان كما علم ،فلم ينقلب المقدور معجوزا عنه بسبب علمه".1 يتضح مما سبق أن المسائل التي ذكرها المخالف تأييدا لمذهبه في وقوع التكليف بما لا يطاق غير مسلم له فيها، ذلك أنها إما أن تكون في حقيقتها مما يطاق بالنظر إلى قدرة المكلف و إرادته، أو أنها ظواهر تحتمل التأويل، و أصل رفع الحرج الذي تندرج تحته مسألتنا هذه كلي تظاهرت على تقريره أدلة الشرع في أكثر من موضع و أكثر من صيغة، فيكون أقوى من جهة الاستدلال و الترجيح، ثم إن مقصود الأحكام امتثال المكلف، و لا يتأتى له ذلك إلا متى كانت في وسعه ، و وقوع التكليف بما لا يطاق، تكليف بما يضاد المقصود و هو منتف في حق الشارع الحكيم، أما ما يكون من جهة الابتلاء و الاختيار فغير مسألتنا هذه. ومن جملة ما يبنى على التكليف بالوسع مسائل أهمها2: أنكل فعل مأمور به شرطه أن يكون معلوم التمييز عن غيره حتى يتصور قصد المكلف إليه ، و أن يكون معلوما كونه مأمورا به من جهة الله تعالى حتى يتصور منه قصد الامتثال 3،لذلك فإننا إذا تتبعنا التكاليف الشرعية و جدناها مما يسع المكلف فهمها و تعقلها، إما بنفسه أو بسؤال أهل العلم متى تعذر عليه ذلك ،و قد تقدم الكلام عن هذه المسألة و أدلتها بما يكفي في الفرع السابق. أن يكون الفعل متعلقا لإرادة المكلف و قدرته بحيث يمكنه أن يتوجه إليه ليفعله ،و أن يكون قادرا على ذلك 1، فإذا حصل له مانع من أن يأتي به على وجه تكتمل فيه أركانه و شروطه ،لم يكلف إلا بما دخل تحت وسعه. 1- المنخول، مصدر سابق، ص 27- 28. 2- ينظر: رفع الحرج، م رجع سابق، ص 161- 169. 3- المستصفى، مصدر سابق، ج1، ص119.
عدد الصفحات ٢٠٠الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 194 قال صلى الله عليه و سلم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم و إذا نهيتكم عن شيء فدعوه}2يقول النووي في شرح الحديث:"هذا من قواعد الإسلام المهمة و من جوامع الكلم التي أعطيها صلى الله عليه و سلم و يدخل فيها ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها، فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي..." ،و كذلك الوضوء و الطهارة و الغسل و غيرها من الأحكام3، و هو موافق لقوله تعا:﴿ فَات َّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾4 ، و لما كانت القدرة شرطا في التكليف، كان العجز عن بعضه سببا في التخفيف أو الإسقاط و فروعه ما مبثوثة في كتب الفقه. لا تكليف إلا بما هو من فعل الإنسان و كسبه، فلا يكلف بأن يفعل غيره فعلا معينا، ذلك أن من شرط الفعل المكلف به أن يكون ممكنا مقدورا للمخاطب متعلقا بكسبه 5 ،و النصوص في ذلك ظاهرة الدلالة. قال تعالى:﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ﴾6. و قال:﴿ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ ت َعْمَلُونَ ﴾.7 و قال:﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ ن َفْس إِلاَّ عَلَي ْهَا ﴾.8 أما حديثإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه}9، فالجمهور على تأويله لمخالفته العمومات القرآنية بإثباته تعذيب من لا ذنب له، و من تلكم التأويلات أن المراد به من أوصى أن يبكى عليه لأنه بسببه و منسوب إليه، و قد كان ذلك من عادة العرب. 10 1- رفع الحرج، مصدر سابق، ص 162. 2- رواه مسلم، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، حديث رقم 1337. 3- المنهاج شرح صحيح مسلم، يحي بن شرف النووي، مصر، ط 1،1347هد1929م، ج9، ص102. 4- سورة التغابن، الآية 16. 5- المستصفى، مصدر سابق، ج1، ص119. 6- سورة النجم، الآية 39. 7- سورة التحريم، الآية 07. 8- سورة الأنعام، الآية 164. 9- متفق عليه 10- نيل الأوطار، مصدر سابق، ص784.
عدد الصفحات ٢٠١الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 195 و منه أن التكاليف لا تتعلق إبأفعال مكتسبة بأنفسها أو بأسبابها،1 و مما ذكره الشاط هذا المقام أن:" الأوصاف التي طبع عليها الإنسان كالشهوة إلى الطعام و الشراب لا يطلب برفعها، و لا بإزالة ما غرز في الجبلة منها، فإنه من تكليف ما لا يطاق ،كما لا يطلب بتحسين ما قبح من خلقة جسمه و لا تكميل ما نقص منها، فإن ذلك غير مقدور للإنسان، و مثل هذا لا يقصد الشارع طلبا له و لا نهيا عنه ،و لكن يطلب قهر النفس عن الجنوح إلى ما لا يحل، و إرسالها بمقدار الاعتدال فيما يحل ،و ذلك راجع إلى ما ينشأ من الأفعال من جهة تلك الأوصاف مما هو داخل تحت الاكتساب".2 و في المعنى نفسه يقول ابن عبد السلام:"كل صفة جبلية لا كسب للمرء فيها كحسن الصور و اعتدال القامات...فهذا لا ثواب عليه مع فضله و شرفه لأنه ليس بكسب لمن اتصف به و إنما الثواب و العقاب على ثمراته المكتسبة" 3 ،و هذا أمر ثابت و مقرر عند العلماء، فإن وقع خلاف في التكليف ببعض الجزئيات فإنه عائد إلى الاشتباه في أمرها. 4 و مردها إلى النظر و الاجتهاد ، فإما أن تكون متعلق كسب المكلف و قدرته فتأخذ حكمه أو أن تكون غير ذلك، فيكون التكليف راجعا إلى سوابقها أو لواحقها أو قرائنها 5 ،و بيان ذلك أن ما تعلق به الطلب ظاهرا من الإن سان على ثلاثة أقسام:6 - ما لم يكن داخلا تحت كسبه قطعا، كقوله تعالى:﴿ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾7 و حكمه أن الطلب به مصروف إلى ما تعلق به، من سوابقه ذلك أن لفظ النهي و إن كان واقعا على الموت ،و هو في الحقيقة خارج عن الكسب فإنه يحمل على الأمر بالإقامة على الإسلام، لأنه لما كان 1- شدددجرة المعدددارف و الأحدددوال و صدددالح الأقدددوال و الأعمدددال، عدددز الددددين بدددن عبدددد السدددلام، تحقيدددق: أحمدددد فريدددد المزيددددي، بددديروت، دار الكتدددب العلميدددة، ط1، 1424هد2003م، ص43 . 2- الموافقات، مصدر سابق،ج 2 ، ص109. 3- قواعد الأحكام، مصدر سابق، ج1، ص157. 4- رفع الحرج، مرجع سابق، ص 165. 5- الموافقات، مصدر سابق،ج 2 ، ص107. 6- المصدر نفسه،ج 2 ، ص109-110. 7- سورة آل عمران، الآية 102.
عدد الصفحات ٢٠٢الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 196 يمكنهم الثبات على الإسلام حتى إذا أتاهم الموت أتاهم و هم على الإسلام صار الموت على الإسلام بمنزلة ما قد دخل في إمكانهم. 1 - ما كان داخلا تحت كسبه قطعا و ذلك جمهور الأفعال ا كلف بها التي هي داخلة تحت كسبه ،و الطلب المتعلق على حقيقته في صحة التكليف بها سواء كانت مطلوبة لنفسها أم لغيرها. - ما قد يشتبه أمره كالحب و البغض و ما في معناها ، فحق الناظر فيها أن ينظر في حقائقها،فحيث ثبت له من القسمين أخذ حكمه، و قد فرق الشاطبي فيما يدخل على الإنسان اضطرارا ، بين ما يكون من أصل الخلقة، فينصرف التكليف إلى توابعه، و بين ما يكون لها باعث ا من غيره، و في ذلك وجهين: إما أن يكون الباعث داخلا تحت كسبه كالنظر المثير للشهوة فيتعلق به الطلب، أولا يكون داخلا تحت الكسب فينصرف التكليف إلى متعلقاته. 2 و خلاصة القول أن ما كان داخلا تحت الكسب تعلق الطلب به حقيقة ،و ما لم يكن كذلك فلابد فيه من التأويل، و صرف الطلب إلى ما يتعلق به من مثيرات سابقة أو نتائج لاحقة أو قرائن تحف بالمطلوب.3 و مثاله قوله صلى الله عليه و سلملا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده و ولده و الناس أجمعين}4فإن التكليف منصرف إلى سوابقه، ذلك أن تمام المحبة لا يحصل إلا بالمعرفة كما أنه متعلق ثمراتها و هي كمال الانقياد و الطاعة، فإن قدم المرء طاعة الرسول و امتثال أوامره على دواعي النفس كان دليلا على صحة محبته للرسول و تقديمها على ك ل شيء.5 1- مفاتيح الغيب، مصدر سابق، ج8، ص177. 2- الموافقات، مصدر سابق،ج 2 ، ص 110، بتصرف 3- رفع الحرج، مرجع سابق، ص 165. 4- رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب حب الرسول صلى الله عليه و سلم، حديث رقم: 15. 5- ينظر: في شرح الحديث، فتح الباري، مصدر سابق، ج 1، ص43.
عدد الصفحات ٢٠٣الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 197 و قوله صلى الله عليه و سلم لا تغضب }1 فليس النهي منصبا على ذات الغضب إذا تحققت موجباته، بل هو نهي عن الدخول في أسبابه و أمر بكظم الغيظ ،فلا يندفع وقت الغضب في قول أو فعل2، قال تعالى:﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾.3 و ما ينبغي ملاحظته أن المكلفين متفاوتون من حيث ما جبلوا عليه من أوصاف، لذلك نجد أن منهم من يصدر عنه الفعل الحسن عن سهولة و يسر و منهم من جبل على ضده، فتنبغي في حقه المجاهدة،و يكون له ثواب الفعل و ثواب الصبر على مخالفة حظ النفس يقول ابن عبد السلام:" فإن كان يرتاح إلى العطاء فطوبى له و إن كان ممن يشح بنفسه، فجاهد نفسه حتى بذلها فله أجران، إحداهما على جهاد نفسه و الثاني على بذلها المصلحة".4 التكليف بالوسع لا يستلزم انتفاء التكليف بالشاق لما تقرر من أن الشارع قاصد إلى التكليف بما يلزم عنه كلفة و مشقة ما، إلا أ نه لا يسمى في العادة المستمرة مشقة كما لا يسمى في العادة مشقة طلب المعاش بالتحرف و سائر الصنائع، فيكون المقصود ليس هو نفس المشقة و إنما ما يترتب عنها من مصالح عائدة على المكلف.5 و إذا نظرنا إلى أقسام التكاليف باعتبار المشاق المترتبة عنها وجدناها نوع 6 ما كانت مشقته مما ليس فيه خروج عن المعتاد في الأعمال العادية، و هي الغالب في أحوال التكليف بحيث لا ينفك عنها، و مثالها الصلاة و الصيام و الزكاة و الحج. 1- أصول الفقه، محمد أبو زهرة، مرجع سابق، ص 316- 317. 2- المرجع نفسه ، ص 316- 317. 3- سورة آل عمران، الآية 134. 4- القواعد الصغرى، مرجع سابق، ص 39. 5- الموافقات، مصدر سابق، ج 2، ص123. 6- أصول الفقه، محمد أبو زهرة، ص 318.
عدد الصفحات ٢٠٤الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 198 ما كانت مشقته بالغة الأثر بحيث لا يحصل إلا ببذل أقصى الوسع و قد يترتب عليه تلف الباذل كما هو الحال في الجهاد، و مثل هذه التكاليف مشروعة و لكن لا على وجه الدوام و الاستمرار، و لا على الجميع فرض عين . و المشاق التي لا تنفك عن العبادة في العادة أو في الغالب لا توجب التخفيف ، أما ما كان منفكا عنها بحيث يترتب عليه إلحاق الضرر دون مصلحة راجحة فهي مرفوعة بتظ اهر أدلة الشرع، و قد يحصل الاشتباه من جهة دخولها في القسم الأول أو الثاني مما يوجب الترخص و التخفيف ، و ضابط ذلك التقريب بقواعد الشرع، يقول القرافي:"يجب على الفقيه أن يفحص عن أدنى مشاق تلك العبادة المعينة فيلحقه بنص أو إجماع أو استدلال، ثم ما ورد عليه بعد ذلك من المشاق مثل تلك المشقة أو أعلى منها جعله مسقطا ،و إن كان أدنى لم يجعله مسقطا". 1 و عليه تحمل النصوص الدالة على فضل العمل الشاق، بأن متعلق الأفضلية ليس مجرد المشقة و إنما من جهة كونها وسيلة ، فإن لم تكن من جنس العمل و لا من معتاد الشارع ترتيب الثواب عليها فالقصد إليها مناف لقصد الشارع، و أدلة ذلك ما علم من رعي الشارع لمصالح المكلفين و ليس منه المشقة و الإعنات دون مصلحة معتبرة ،و أدلة رفع الحرج، و ما ثبت عنه صلى الله عليه و سلم أنه أمر من نذر أن يصوم قائما في الشمس أن يستظل2 ،و أن رب طاعة خفيفة يفضل ثوابها بكثير الطاعات الشاقة.3 1- الفروق، مصدر سابق، ج1، ص218. 2-أخرج ابن حبان في صحيحه عن ابن عباس قال : بينما النبي صلى الله عليه و سلم يخطب إذ رأى رجلا قائما في الشمس فسأل عنه فقالوا : هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس فلا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ولا يفطر فقال : ( مروه فليقعد وليستظل وليتكلم وليصم ولا يفطر ) ،كتاب النذور ،باب ذكر الأمر بوفاء نذر الناذر إذا نذر ما لله فيه طاعة،حديث رقم 4385،ج10 ،ص230 قال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح 3- ضوابط المصلحة، مرجع سابق، ص 103- 104.
عدد الصفحات ٢٠٥الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 199 الفرع الثالث :تقرير مقصد الامتثال لما علم من الشارع سوقه أحكام الشرع على وجه يحصل به صلاح المكلف في معاشه و معاده، بالقصد الأول أو الثاني، و أنه في خطابه للمكلفين رع ى مقومات التنزيل بأن لم يخاطبهم إلا بما يسعهم تعقله ،و كان مقدورا لهم دون حرج أو عنت، لم يبق إلا الامتثال امتثالا يليق بعظمة التشريع و يحصل مقاصده ، فكان التكليف إلزاما للمكلف بمقتضى الخطاب ، و إن اختلفت مراتب الجزم بطلب الفعل أو الترك لاختلاف مصالحهما، من حيث الأثر في قوام حياة الأفراد و الجماعات. إلا أنه ما ينبغي التنبيه إليه، أن رعي أحوال المكلفين في طريق تقرير مقصد الامتثال لم يقتصر على ما تقدم، و الناظر في القرآن الكريم يجد أن أساليبه قد تنوعت بين الترغيب و الترهيب ، و الوعد و الوعيد ،و القصص و الأمثال ،و بيان علل الأحكام و نوط الأفعال بالجزاءات استغراقا لأحوال المكلفين، و ما هم عليه من اختلاف في الطبائع و البواعث و القدرات...بل إن الشارع الحكيم في نصوص الصفات و العقائد و دلائل التوحيد قصد نوط أحكام التكليف بجانب العبودية لينتفي العذر و تقام الحجة ،و قد علم أنه كلام العليم الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و من خلفه، و في هذا المعنى فائدة نفسية لابن القيم نسوقها على طولها، لاستغراقها المعنى الم راد حيث يقول:"فتأمل كيف تجده يثنّ على نفسه ،و يمجد نفسه ،و يحمد نفسه ،و ينصح عباده ،و يدلهم على ما في سعادتهم و فلاحهم و يرغبهم فيه، و يحذرهم مما فيه هلاكهم، و يتعرف إليهم بأسمائه و صفاته و يتحبب إليهم بنعمه و آلائه، فيذكرهم بنعمه عليه و يأمرهم بما يستوجب ون به تمامها، و يحذرهم من نقمه ،و يذكرهم بما أعد لهم من الكرامة إن أطاعوه و ما أعدلهم من العقوبة إن عصوه... ،و يضرب لهم الأمثال ،و ينوع الأدلة و البراهين... ،و يهدي السبيل و يدعو إلى السلام...،و يحذر من دار البوار...و يذكر عباده فقرهم إليه و شدة حاجتهم إليه من كل وجه". 1 فكيف للمكلف و حال الخطاب كذلك 1- الفوائد، مصدر سابق، ج1، ص30.
عدد الصفحات ٢٠٦الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 200 أن يعرض بجانبه عن دلائل الهداية،وقد تنوعت تصاريف الاستدلال و أساليب البيان ،و أنواع الجزاءات بما يستغرق أحوال الخاصة و العامة ويقيم الحجة ويقطع ذرائع الوهم و الالتباس . المبحث الثاني: القواعد المتعلقة بقصود المكلفين و موافقتها قصد الشارع المطلب الأول: قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع المطلب الثاني: الأصل في العبادات البناء على مقصد الامتثال، و إن كان يصح التشريك شرط التبعية و التكميل و المناسبة. المطلب الثالث: القصد إلى الحظ في الأعمال العادية لا ينافي أصل الأعمال شرط مصاحبة المقاصد الأصلية.
عدد الصفحات ٢٠٧الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 201 المطلب الأول: قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع . الفرع الأول : حقيقة القاعدة و أدلتها: تتضمن هذه القاعدة ضابطا عاما من شانه أن يضبط قصود المكلفين بحيث تتفق مع مقاصد التشريع و تستوف حظوظهم قصدا و تحصيلا و انتفاعا، على وزان من الجمع بين صحة العمل و مشروعية القصد فلا يكفي أن يكون ظاهر الفعل مشروعا ليوصف بالصحة ما لم يصح القصد. و هو فرع عن غائية الأحكام في الشريعة الإسلامية 1، فالتصرفات ليست مقصودة لذاتها إنما هي ذرائع يتوسل بها إلى تحصيل مقصوداتها ،و إلا أشبهت أفعال غير العقلاء و العجماوات و لتصح مثل هذه التصرفات ينبغي أن تصح القصود، وحد ذلك أن توافق قصد الشارع أو أن لا تخالفه على الأقل ، ذلك أن الموافقة لا تقتضي تمام المطابقة فعامة المكلفين قد لا يعرفون مقاصد الشرع في كثير من أحكامه و 1- قواعد المقاصد، مرجع سابق، ص 384-385
عدد الصفحات ٢٠٨الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 202 تكاليفه1،و من موافقة قصد الشارع أن يقصد ما عسى أن يكون الشارع قصده من غير تحديد، أو أن يقصد مجرد امتثال أمر الشارع و الخضوع لحكمه و هو أكمل و أسلم لكونه أبعد عن الدواخل و الأكدار التي قد تغير في وجه مح ض العبودية2 ،و مثل ذلك يتصور في العبادات دون العادات، إذ يكفى فيها مجرد الملائمة بأن لا يتوجه قصده إلى نقيض قصد الشارع حتى و لو لم يقصد عين ما قصد، إذ لا يشترط في تكاليف العادات و المعاملات ظهور الموافقة و إنما يكتفي بعدم المناقضة 3 ،مما نعود إليه بالتفصيل عند الحديث عن أثر القصد المخالف في التصرفات. إن هذه القاعدة من الكليات التي تواترت على تقريرها نصوص الشرع، إجمالا و تفصيلا، و من جملة ما جاء في ذلك: الآيات التي نصت صراحة على الغاية من الخلق، و التي تقدمت في أكثر موضع كقوله تعالى:﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِي َعْبُدُونِ ﴾.4 إن مثل هذه النصوص لا تقتصر في دلالتها على أن تكون جوارح الإنسان الحسية محققة لتلك العبادة، و إنما تتسع لتشمل القصود المستكنة في القلوب فالعبادة الكاملة إنما تتحقق، متى أذعن قصد المكلف لقصد الشارع كما أذعنت جوارحه، فلا يقصد خلاف ما قصد مولاه 5، خاصة و قد تقرر أن المراد بالعبادة في مفهومها العام لا يختص بالشعائر التعبدية ،و إنما يتسع لينتظم جوانب الحياة بحيث يتجه المكلف في حركاته و سكناته إلى تحقيق الامتثال لأمر الشارع و اجتناب نواهيه طواعية و اختيارا، كما هو عبد لله اضطرارا. 1- نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، مرجع سابق، ص 165. 2- الموافقات، مصدر سابق،ج 2 ،373-374. 3- قواعد المقاصد، مرجع سابق، ص 390. 4- سورة الذاريات، الآية 56. 5- قواعدالمقاصد، مرجع سابق، ص 388.
عدد الصفحات ٢٠٩الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 203 ابتناء الشريعة على جلب المصالح و دفع المفاسد لقد علم باستقراء موارد التشريع، أن الشريعة إنما جاءت بما فيه جلب مصالح العباد و دفع المفاسد عنهم على العموم و الإطلاق، ضرورة و حاجة و تحسينا فكان حريا بالم كلف أن يجرى على ذلك في أفعاله ، و لا يقصد خلاف ما قصده الشارع 1، خاصة و قد علم منه السعي في تحصيل مصالحه العاجلة و الآجلة،و أنه لا يكون ذلك على أكمل وجه و أتم صفة إ لا بمقتضى الشرع و على الحد الذي حده ،"فكان الأساس المصلحي الذي قام عليه التشريع عدلا و مصلحة معتبرة" 2 ،ضابطا و موجها لتصرفات المكلفين و قصودهم بحيث لا تعود على مقاصد الشارع بالنقض و الإبطال رعيا لحظوظهم، حال العموم و الخصوص. أصل الاستخلاف تواترت نصوص القر آن الكريم على تقرير أصل الاستخلاف كوظيفة كبرى للإنسان، و أنه قائم بأدائها على وجه يكون خليفة لله في تحصيل المصالح الشرعية وفق طاقته و مقدار سعيه3 ،قال تعالى:﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾4 يقول ابن عاشور تفسير هذه الآية :"و المراد من الخليفة المعنى المجازي و هو الذي يتولى عملا يريده المستخلف...أي جاعل في الأرض مدبرا يعمل ما نريده في الأرض...و هو من جهة المجاز لكون الله تعالى لم يزل يدبر هذا الكون، و يجري أحكامه فيه إلا أنه خص الإنسان أن يتصرف في مخلوقاته بوجوه عظيمة "5 ، و حمله أمانة الخلافة في الأرض و القيام بحفظ عمرانها ،بإجراء أحكام الله في خلقه، قال تعالى:﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَب َيْنَ أَن يَحْمِلْن َهَا وَأَشْفَقْنَ مِن ْهَا وَحَمَ لَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾6 لا حاجة منه سبحانه و تعالى إنما ابتلاءا 1- الموافقات، مصدر سابق،ج2 ، ص331. 2- قواعد المقاصد، مرجع سابق، ص 387. 3- المرجع نفسه ، ص 388، الموافقات، ص401. 4- سورة البقرة، الآية 30. 5- التحرير و التنوير، مرجع سابق، ج 1، ص398. 6- سورة الأحزاب، الآية 72.
عدد الصفحات ٢١٠الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 204 و اختيارا 1 قال تعالى:﴿ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ ف َيَنظُرَ كَيْفَ ت َعْمَلُونَ ﴾.2 و قال:﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ ب َعْضَكُمْ ف َوْقَ ب َعْض دَرَجَات لِّيَب ْلُوَكُمْ فِ مَا آتَاكُمْ ﴾3 ،أي ليختبركم في ما أنعم به عليكم هل أديتم حقه، و في صحيح مسلم عن أن سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إِنَّ الدُّن ْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا ف َي َنْظُرُ كَيْفَ ت َعْمَلُونَ }4 و الخلافة على هذا الاعتبار أقسام، أعلاها خلافة الإمام الأعظم و أدناها خلافة العبد في مال سيده،5 بل إنها أخص من ذلك إذ تتضمن خلافة المكلف في نفسه و رعيته قواه و حواسه و جوارحه. 6 قال صلى الله عليه و سلم كُلُّكُمْ رَاع وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ }7 و ببيان حقيقة الاستخلاف و مراتبه كما نطقت به عبارات أهل الحديث و التفسير يتضح أن المكلف خليفة الله في نفسه و أهله و ماله و ولده و كل ما وضع تحت يده، و أن هذه الخلافة تقتضي أن يكون قائما على غايات التشريع يجري تصرفاته و مقاصده مجاريها 8، ولا يكون ذلك إلا متى وافق المكلف في تصرفاته و قصوده مقاصد المستخلف و غاياته في الخلق. الفرع الثاني : حقيقة الموافقة و درك مقاصد التشريع: 1- ينظر: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، أبو السعود بن محمدد العمدادي، تحقيدق: عبدد القدادر أحمدد عطدا، الريداض، مكتبدة الريداض، ج 1، ص 159. التحرير و التنوير، مرجع سابق، ج 22، ص129. 2- سورة الأعراف، الآية 129. 3- سورة الأنعام، الآية 165. 4- رواه مسدددددلم في صددددددحيحه، كتدددددداب الرقدددددداق ،بدددددداب بدددددداب أَك ثدَددددددرُ أَه ددددددلِ الج َنَددددددةِ ال فُقَدددددرَاءُ وَأَك ثدَددددددرُ أَه ددددددلِ النَددددددارِ النِّسَدددددداءُ وَبدَيَددددددانُ ال فِتد نَددددددةِ بِالنِّسَدددددداءِ . حددددددديث رقددددددم: 2742.ج8،ص89 5- أحكام القرآن، ابن العرن، مصدر سابق، ج 4، ص59. 6- فتح الباري، مصدر سابق، ج 13، ص142. 7- متفق عليه 8- ينظر: نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، مرجع سابق، ص 164.
عدد الصفحات ٢١١الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 205 من الثابت في الأصول، أن من شروط المجتهد درك مقاصد التشريع و بذل الوسع في ذلك، تحصيلا لصحة فهم النصوص و تصاريف الاستدلال و تنزيل الأحكام على واقع المكلفين، إلا أنه مما يثير التساؤل، كون معرفة مقاصد التشريع شرطا اختصت به وظيفة الاجتهاد، أم علما ينبغي في حق عموم المخاطبين دركه فهما و تنزيلا ، يقول الطاهر بن عاشور:" و ليس كل مكلف بحاجة إلى معرفة مقاصد الشريعة لأن معرفة مقاصد الشريعة نوع دقيق من أنواع العلم فحقي العاميِّ أن يتلقى الشريعة بدون معرفة المقصد، لأنه لا يحُسن ضبطه ولا تنزيله، ثم يتوسع للناس في تعريفهم المقاصدَ بمقدار ازدياد حظهم من العلوم الشرعية، لئلا يضعوا ما يلقنون من المقاصد في غير موضعه، فيعود بعكس المراد "1 ،إلا أن مثل هذا غير مسلم للإمام فيه، ذلك أنه لا يتصور إلا إذا سوغ للعامي أن يتصرف في الشريعة بهواه و في المقاصد بنظره القاصر و أعطي صلاحية الاجتهاد، و هذا لا يقول به أحد. 2 أما كونه لا يحسن ضبط المقصد و تنزيله،فهو صحيح بفرض التكليف بالنظر في النصوص و الأحكام لتحصيل مراد الشارع و ليس ذلك بمحل نزاع ،إنما المراد درك ما يتوسل به إلى صحة الفهم و حسن الامتثال دون تكلف أو إعنات ليؤتي ثمره عقيدة راسخة و عبادة صحيحة و موافقة ظاهرة و باطنه ،ذلك أن الجهل بالمقاصد أو إهمالها قد يجعل الناس يأتون بالأعمال و يتقيدون بأشكالها و رسومها و ألفاظها و لكنهم قد ينتهكون مقاصدها أو يتصفون بنقيضها 3 ،فإذا كان من المتفق عليه ب العلماء كون علم المكلف بحالته التي هو فيها من فروض الأعيان 4 ،فالنظر إ واقع المكلفين اليوم، و ما هم عليه من تجريد للأعمال عن مقاصدها و صرفها عن غاياتها، و الاكتفاء بظاهر صفاتها و تعطيلها عن وظائفها في جلب الصلاح و دفع الفساد يتطلب ربط أحكام الأفعال بمقاصدها من حيث معرفتها إيجابا و ندبا ،تحصيلا مباشرا من موارد التشر يع أو بسؤال أهل العلم مع التنبيه على ما ينبغي في 1- مقاصد الشريعة ،مرجع سابق ،ص 188 2- ينظر في هذا المعنى: مقاصد الشريعة عند ابن تيمية، مرجع سابق، ص 102. المقاصد العامة للشريعة الإسلامية بين الأصالة و المعاصرة، إحسان مير علي، دار الثقافة، ط1، (د.ت)، ص205. فقه الأولويات، دراسة في الضوابط، محمد الوكيلي، ص 62. 3- الفكر المقاصدي قواعده و فوائده، أحمد الريسوني، ص159. 4- الذخيرة، مصدر سابق، ج1، ص143، الإحكام، لابن حزم، ج5، ص122.
عدد الصفحات ٢١٢