الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 174 أن الحقوق المقررة للأفراد إنما هي منحة إلهية أنعم بها المولى عز و جل على الإنسان تحصيلا لمصالحه العاجلة و الآجلة، فهي بهذا المعنى ليست حقوقا طبيعية لأصحابها و لا هي منح من المجتمع أو القانون الذي تصنعه الأمة،و هو لا يتناف، و أصل الفطرة ، ذلك أن ابتناء الشريعة على وصف الفطرة، في إثباته لحظوظ المكلفين و ما تستدعيه الجبلة من مصالح و حاجات إنما هو تأكيد لهذه المنحة الإلهية حيث لا يجب في حقه تعالى إلا ما أوجبه على نفسه تفضلا منه و إحسانا. أن الحق إذا كان ممنوحا لمصلحة قد قصد الشارع تحقيقها بشرعية الحق، تعين أن يكون تصرف الفرد بحقه مقيدا بما يحقق تلك المصلحة، وعليه كل عمل كان المتبع فيه الهوى بإطلاق من غير التفات إلى الأمر أو النهي أو التخيير فهو باطل بإطلاق، لأنه لابد للعمل من حامل عليه و داع يدعو إليه، فإذا لم يكن لتلبية الشارع في ذلك مدخل فليس إلا مقتضى الهوى و الشهوة ،و ما كان كذلك فهو باطل ،فان كان مثل ذلك في العبادات ظاهرا فالمراد به فيما يتعلق بتصرف المكلف في حظ النفس خاصة،عدم ترتب الثواب على مقتضى الأمر و النهي و كذلك الإذن في عدم أخذ المأذون فيه من جهة المنعم به.1 المطلب الثاني :المصالح المجتلبة شرعا و المفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى:2 من الأصول الثابتة أن الشارع الحكيم، إنما نظم أحكام الإسلام على أساس أن يكون اكتساب مصالح الدنيا سبيلا لنيل سعادة الآخرة ، و لا يتم هذا إلا عندما يتخذ الإنسان من جميع مقومات حياته 1- الموافقات، مصدر سابق،ج 2،ص173. 2- الموافقات ،مصدر سابق، ج 2 ،ص37.
عدد الصفحات ١٨١الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 175 و سعادته الدنيوية واسطة إلى اكتساب السعادة الخالدة 1 ،قال تعالى :﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾.2 و قال عز و جل:﴿ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْي َهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْي ُهُم مَّشْكُورًا ﴾.3 و بناء على ذلك فإنه لا يجوز للناظر في كليات الشريعة و فروعها أن يحكم على فعل أنه مصلحة بناء على ما له من الظواهر و الآثار الدنيوية، حتى يكون على بي نة من آثاره الأخروية ، فمعيار المصلحة كما تقدم ليس ذاتيا يستمد مشروعيته من الرغبات الفردية أو الخبرات العادية الصرفة، بمعزل عن قواعد الشرع ، إضافة إلى ذلك فإنه يقرر رؤية مجاوزة لحقيقة الصلاح تتعدى الحدود الدنيوية لتصل الإنسان بعالم الغيب حيث الحياة الحقيقة بوشيجة متينة هي وشيجة السبب و المسبب.4 وحيث يتحرى في تخيره بين الأسباب ما كان أقربها إلى تحقيق مراد الشارع ،و الفوز بجنته و مرضاته، حتى فيما يظن أنه من خالص حقه، ذلك أن الأحكام كلها سواء تعلقت بالعبادات و المعاملات ، تعود إلى قدر مشترك من التعبد يقتضي امتثال أوامر الشرع و نواهيه، و كل خروج عن ذلك ينفي كون المصلحة الدنيوية مقيمة للحياة الأخرى، بل يعزلها تماما عن كونها مصلحة معتبرة شرعا. 5 وقد أفاض القرآن الكريم في تقرير هذا الأصل من خلال الإخبار بالحياة الآخرة ، و تأكيد حقيقتها بالبراهين و الحجج ،و بيان صفاتها و فضلها، و الأمر باتخاذ الأسباب الدنيوية وسيلة لتحقيق السعادة الآخروية، و بيان ذلك أن الحياة الآخرة لما كانت من الغيب الذي لا سبيل إلى معرفته إلا بوحي من الخالق، تطلب أن تكون هذه الحقيقة مبثوتة في ثنايا الخطاب الشرعي بالقدر الذي يقيم الحجة على عموم المكلفين، و يدفعهم للامتثال رغبا و رهبا ،ومن جملة ما جاء في ذلك: 1- المقاصد العامة للشريعة الإسلامية،مرجع سابق ، ص 292 . 2- سورة الأنعام، الآية 162. 3- سورة الإسراء، الآية :19. 4- ينظر: ضوابط المصلحة، مرجع سابق، ص 45- 48. 5- قواعد المقاصد، مرجع سابق، ص 154، وينظر: ضوابط المصلحة، ص 48.
عدد الصفحات ١٨٢الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 176 أولا: الإخبار عن الحياة الآخرة و ذكر أوصافها و منه وصفها أنها الحياة الحقيقيةّ ، قال تعالى :﴿ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَي َوَانُ لَوْ كَانُوا ي َعْلَمُونَ ﴾1 و أنها دار القرار ، قال عز و جل:﴿ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّن ْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ﴾.2 و أنها خير و أبقى، قال تعا :﴿ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَي ْرٌ لِّلَّذِينَ ي َت َّقُونَ أَفَلاَ ت َعْقِلُونَ ﴾.3 و قال:﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّن ْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَي ْرٌ لِّمَنِ ات َّقَى ﴾4، و في كونها دار حساب و جزاء، يقول تعالى:﴿ ف َوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَن َّهُمْ أَجْمَعِينَ ، عَمَّا كَانُوا ي َعْمَلُونَ ﴾.5 و في إثبات هذه الحقيقة نجد أن أوجه الاستدلال تنوعت في أساليبها و طرائقه ا لتنتظم عموم المكلفين باختلاف أفهامهم و أحوالهم ، فانتظمت الاستدلال بالنشأة الأولى على الأخرى، قال عز و جل :﴿ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن ي ُت ْرَكَ سُدًى ، أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى ، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى، أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِر عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴾.6 وقال تعالى: ﴿ يَا أَي ُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِنَ الْب َعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ت ُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِنْ مُضْغَة مُخَلَّقَة وَغَيْرِ مُخَلَّقَة لِنُب َيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَل مُسَم ىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَب ْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ ي ُت َوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ ي ُرَد إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا ي َعْلَمَ مَنْ ب َعْدِ عِلْم شَيْئا﴾7 1- سورة العنكبوت، الآية 64. 2- سورة غافر، الآية 39. 3- سورة الأنعام، الآية 32. 4- سورة النساء، الآية 77 5- سورة الحجر، الآيتان 92- 93. 6- سورة القيامة، الآيات 36- 40. 7 - سورة الحج ،الآية 5
عدد الصفحات ١٨٣الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 177 وبآيات الله في الأنفس و الآفاق، قال تعا :﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ ت َرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَي ْهَا الْمَاء اهْت َزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْ مَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾.1 وقال تعالى: ﴿ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَن َّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَب ْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً أَوَلَمْ ي َرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِث ْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلا كُفُوراً ﴾ .2 وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِر عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِث ْلَهُمْ ب َلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ ي َقُولَ لَهُ كُنْ ف َيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء وَإِلَيْهِ ت ُرْجَعُونَ ﴾3 و غير ذلك من أنواع الاستدلال بما يورث اليقين و يبعث على الامتثال ، الأمرالذي يقرر ما تقدم من أن التشريع تنزه عن أن يكون مجرد تحكم بلا برهان ،وأنه كما قصد إذعان الجوارح و الأبدان، صرف إليه العقول و الأفهام ، بإعجاز البيان و قوة الحجة . ثانيا: الأمر باتخاذ الحياة الدنيا وسيلة للآخرة قال عز و جل:﴿ وَاب ْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ ﴾.4و قال تعا:﴿ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْي َهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْي ُهُم مَّشْكُورًا ﴾.5 1- سورة فصلت، الآية 39. 2 - سورة الإسراء ، الآية 98-99 3 - سورة يس ، الآيتان 81-83 4- سورة القصص، الآية: 77. 5- سورة الإسراء، الآية: 19.
عدد الصفحات ١٨٤الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 178 و النصوص القرآنية واضحة الدلالة في وحوب تحري أسباب النجاة في الآخرة، من خلال أكساب القلوب و الجوارح و الأبدان بما يجعل الحياة الدنيا مقيمة للآخرة، على أساس من الاعتقاد الصحيح بهذه الحياة و أفضليتها و دوامها، و لا ينفى ذلك حل الاستمتاع بالطيبات و المباحات، ذلك أنها من ضرورات و حاجيات الوجود الإنساني المقيمة للمقاصد العليا، و هو مقتضى وسطية الإسلام و شموله ،يقول صاحب التحرير:" فأما الأخذ بحظوظ الدنيا التي لا يفوت الأخذ بها حظوظ الآخرة فذلك غير مذموم"1 ،وعليه فاعتبار هذه القاعدة لا يعنّ بأي حال من الأحوال التقليل من شأن الدنيا ووظيفتها ، فالقرآن الكريم يوازن بين الحياتين ،و هو و إن اعتبر الغايات الأخروية آثر و أولى ،فإ نه يقرر بأنها لا يمكن أن تتجسد ما لم يسبقها عمل و لا عمل إلا في الدنيا ،و أي إنكار لأهمية إحدى هاتين الثنائيتين لا بد أن يعود بالنقض على مقاصد الشارع المتعلقة بالوجود الإنساني و المتمثلة في تحقيق العبودية و مقتضيات الخلافة في الأرض ، أما ما جاء في ذم الدنيا من النصوص، فالمراد به اعتبارها غاية لا وسيلة، ثم إن النفوس مجبولة على حبها ،و هي إن كانت مفطورة على معرفة الخالق و الإيمان به ، إلا أنه قد تصرفها العوارض عن ما تقتضيه عقيدة البعث و الجزاء ، فكان التذكير بالأفضل و الأبقى و التنبيه على ضآلة الدنيا في مقابلة ذلك اعتبارا لما تقدم ،و لو فرض تأكيد ما غرس في الجبلة من طلب النعيم الآجل لحصل التهالك و الفساد . المطلب الثالث: تعلق التشريع بحظوظ أهل التكليف تقرير لمقصد الامتثال: تقدم فيما سبق أن الشارع لم يثبت للمكلفين من الحظوظ إلا المصالح الحقيقية، التي تعود عليهم بالنفع العاجل و الآجل في المعاش و المعاد، و تقريرا لهذا الأصل جاء خطاب الشارع يحمل في خصائصه 1- التحرير و التنوير، مرجع سابق، ج 25، ص75.
عدد الصفحات ١٨٥الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 179 مقومات التكليف بمقتضاه فهما و تنزيلا، فلم يخاطب المكلف إلا بما يسعه تعقله، و لم يكلفه إلا بما هو مقدور له قاصدا امتثاله امتثالا يليق بعظمة التشريع و يحقق مصا لح العاجلة و الآجلة، فكان حريا بالنظر الوقوف على مثل هذه المقومات ببيان حقيقتها و الرد على الشبهات التي يمكن أن يعترض بها، على إثباتها أصولا كلية يهرع إليها في التشريع. الفرع الأول: خطاب المكلف بما يسعه تعقله لقد جاءت التكاليف الاعتقادية و العملية بما يسع المكلف فهمه ليسعه الدخول تحت حكمها بحيث يشترك فيها الجمهور باختلاف درجاتهم من حيث قوة الفهم و ضعفه، أما ما زاد على القدر المشترك، فهو مما يتفاضل فيه الناس، ذلك أنهم ليسوا على وزان واحد فلا يستوي العالم و من لا علم له، يقول الشاطبي:"و الاختصاصات فيها هبات من الله لا تخرج أهلها عن حكم الاشتراك، بل يدخلون مع غيرهم فيها و يمتازون هم بزيادات في ذلك الأمر المشترك بعينه، فإن امتازوا بمزيد الفهم لم يخرجهم ذلك عن حكم الاشتراك، فإن ذلك المزيد أصله الأمر المشترك". 1 و مثل هذا الأصل ثابت بالنص و الاستقراء. و من جملة ما جاء في ذلك من الأدلة نذكر الآتي: أولا: تيسير القرآن للفهم قال تعالى:﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ف َهَلْ مِن مُّدَّكِر ﴾2 و تيسير ه للذكر يتضمن أنواعا من التيسير، تيسير ألفاظه للحفظ و معانيه للفهم و أوامره و نواهيه للامتثال. 3 و لا يقدح ذلك كونه معجزا لفظا و معنى ، و حقيقة إعجازه أنه جاء من جنس كلام البشر في اللسان و المعاني و الأساليب مفهوم معقول، ثم لا يقدرون على الإتيان بسورة من مثله و لو اجتمعوا 4، 1- الموافقات، مصدر سابق، ج 2، ص92. 2- سورة القمر، الآية: 17. 3- الصواعق المرسلة على الجهمية و المعطلة، ابن القيم الجوزية، تحقيق: علي بن محمد الدخيل الله، الرياض، دار العاصمة، (د.ت)، ج1، ص331. 4- الموافقات، مصدر سابق،ج 3 ، ص388.
عدد الصفحات ١٨٦الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 180 ثم أنه قد جمع بين إفهام العامة و إفحام الخاصة و ليس كذلك كلام البشر، فإنه كما يقول الزرقاني :" إن أرضى الخاصة و الأذكياء لجنوحه إلى التجوز و الإغراب و الإ ثارة ،لم يرض العامة لأنهم لا يفهمونه و إن أرضى العامة لجنوحه إلى التصريح و الحقائق العارية المكشوفة ،لم يرض الخاصة لنزوله إلى مستوى ليس فيه متاع لأذواقهم و مشاربهم و عقولهم". 1 فكان من آي إعجاز القرآن الكريم تيسير الانتفاع به تلاوة و حفظا و فهما ، لكل مكلف بالقدر الذي يبلغ به فهمه و علمه. ثانيا: الأمر بتدبر القرآن و الاعتبار بما في آياته من المواعظ و البينات قال تعالى:﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّب َّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّ رَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾.2 و قال عز و جل:﴿ وَلَقَدْ ضَرَب ْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَل لَّعَلَّهُمْ ي َتَذَكَّرُونَ ، ق ُرْآنًا عَرَبِيًّا غَي ْرَ ذِي عِوَج لَّعَلَّهُمْ ي َت َّقُونَ ﴾.3 لقد جاء الأمر بالتدبر في الآيات القرآنية عاما للناس و لو ثبت كونه مستغلق الفهم ،أو خاصا بفئة دون أخرى لكان خطاب العموم عبث نزهت عنه الشريعة. ثالثا: إخبار الله عز و جل عن القرآن الكريم أنه برهان و نور و هدى و رحمة قال تعالى:﴿ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُو رٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ﴾.4 و قال تعا:﴿ يَا أَي ُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾.1 1- مناهددل العرفددان في علددوم القددرآن، محمددد عبددد العظدديم الزرقدداني، تحقيددق: فددؤاد أحمددد زمددرلي، دار الكتدداب العددرن، بدديروت، ط 1،1415هددد- 1995م، ج2، ص 246. 2- سورة ص، الآية 29. 3- سورة الزمر، الآيتان 27- 28. 4- سورة المائدة، الآية 15.
عدد الصفحات ١٨٧الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 181 و قال تعا:﴿ قَدْ جَاءَكُم ب ُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾.2 وكل هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم 3، حيث أنه لو كان غير مفهوم لم يحصل به اهتداء و لا رحمة و لا شفاء و لا بيان. رابعا: وصف الشريعة بالأمية و هو معنى تواترت في ت قريره نصوص الشرع،قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي ب َعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّن ْهُمْ ﴾4،و قال:﴿ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي ي ُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ ﴾.5 و في الحديث قوله صلى الله عليه و سلم إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ 6 لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا ي َعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلاَثِينَ }7 ،و معنى كون الشريعة أمية، أنها جاءت على مقتضى معهود الأميين في الخطاب، سهلة المأخذ قريبة الفهم، لا يحتاج في تعقل معانيها و درك مراميها إلى تعمق أو تكلف أو تعقيد، فقد نزلت على أمة أمية، و بعث بها نبي من الأميين الغالب من أحوالهم عدم القراءة و الكتابة و ترك التعمق في العلوم، 8إلا أنهم كانوا أهل فطرة سليمة قابلة للتعلم و التزكية و لما كان هذا وصفها، ثبت كونها مما يسع الجمهور تعقله سوا ء كانوا من الأميين أو غيرهم، لأن ما يسع الأمي تعقله يسع غيره بطريق أولى، بشرط الدراية باللسان العرن، و لا يعترض على ذلك بدخول غير العرب تحت 1- سورة يونس، الآية 57. 2- سورة النساء، الآية 174. 3- أساس التقديس، فخر الدين الرازي، تحقيق: أحمد حجازي السقا، القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، (د.ت)، ص 226. 4- سورة الجمعة، الآية 02. 5- سورة الأعراف، الآية 158. 6- و الأمي منسوب إلى الأموسمي النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أُمياً قيل لأنه كان لا يكتب وذلك لأن الأم أصل الشيء فمن لا يكتب فقد بقي على أصله في أن لا يكتب وقيل نسب إلى مكة وهي أم القرى ، مفاتيح الغيب ، مصدر سابق ، ج 8 ،ص90 وقيل: منسوب إلى الأمّة أي الذي حاله حال معظم الأمة ، أي الأمة المعهودة عندهم وهي العربية ، وكانوا في الجاهلية لا يعرف منهم القراءة والكتابة إلاّ النادر منهم ، ولذلك يصفهم أهلُ الكتاب بالأُميينّ ، لما حكى الله تعالى عنهم في قوله : ﴿ ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأُميين سبيل ﴾آل عمران ( 75 . )التحرير و التنوير ،ج9 ، ص 133 7- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصيام، بَاب قدَو لِ النَبيِِّ صَلَى اللَهُ عَلَي هِ وَسَلَمَ لاَ نَك تُبُ وَلاَ نحَ سُبُ ، حديث رقم: 1913.ج2،ص33 8- ينظر: تفسير القرطبي، ج 9، ث313، التحرير و التنوير، ج20، ص452،المحرر الوجيز، ج 5، ص306.
عدد الصفحات ١٨٨الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 182 أحكام الشرع ، و تكليفهم بغير مقتضى ما عهدوه في خطابهم ذلك أنهم مكلفون بتعلم القدر الواجب الذي يتأدى به التكليف على الوجه المطلوب، و سؤال أهل العلم،كما أن على هؤلاء النهوض بواجب الدعوة و تحصيل وسائلها. و قريب من ذلك ما عليه عامة أهل التشريع اليوم من بعد عن أصول اللغة ال عربية و أساليبها في الخطاب ، حتى غدا ما كان قريب الفهم سهل المنال عسيرا ،فكان الخلل راجعا إلى المكلف نفسه من حيث العناية بلغة الخطاب،و هو أمر لا يختص بالمجتهد كما قد يتوهم، و إن كان له مزيد اختصاص لاشتراط الدراية باللسان العرن في فهم النصوص و استنباط الأح كام، إلا أنه للعامة نصيب من ذلك لا يهدر، فهم مطالبون ببذل الوسع في تعلم اللسان العرن على القدر الذي يبلغهم الإتيان بالمأمورات و اجتناب المنهيات، يقول الشافعي:" على كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حتى يشهد به أن لا إله إلا الله و أن محمدا عبده و رسوله ،و يتلو به كتاب الله و ينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير و أمر به من التسبيح و التشهد و غير ذلك".1 ولا يتعارض ما تقدم بيانه مع تقرير اشتمال القرآن الكريم على دلائل الإعجاز التي تشهد بها العلوم الحديثة ، و غاية المراد كما يقول الطاهر بن عاشور :"أن مقدار أفهام المخاطبين به ابتداء لا يقضي إلا أن يكون المعنى الأصلي مفهوما لديهم، فأما ما زاد على المعاني الأساسية فقد يتهيأ لفهمه أقوام، وتحجب عنه أقوام، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"2 ،و بيان ذلك أن الشارع الحكيم قد أودع في النصوص القرآنية من المعاني ما لا تنقضي عجائبه، وجعل للمخاطب وسائل درك تلك المعاني والتدرج في الفهم بما يتفق مع فطرته الداعية إلى التفكير و حب الاستطلاع ،و ما تقتضيه طبيعة التطور المعرفي على وزان من الاعتدال، بحيث يكون الإفراط في تحميل النصوص ما لا تقتضيه إخلالا بمقصد التشريع ، و صرف ا لمعاني القرآن عما نزلت به ،و لا ينكر أحد تقرير بطلان نظريات كانت إلى وقت قريب من بديهيات المعرفة فكيف و قد عضد لها من آيات الذكر الحكيم ما يشهد بها دون تبصر 1- الرسالة محمد بن إدريس الشافعي ،تحقيق أحمد شاكر ،بيروت ،دار الكتب العلمية ،ص48. 2 - التحرير و التنوير ،مرجع سابق ،ج 1 ، ص45
عدد الصفحات ١٨٩الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 183 بمسالك النظر وأصول الاستدلال. ،و لا أجد في ختام المسألة أبلغ من كلام صاحب التحرير حيث يقول :"وكل ما كان من الحقيقة في علم من العلوم، وكانت الآية لها اعتلاق بذلك فالحقيقة العلمية مرادة بمقدار ما بلغت إليه أفهام البشر وبمقدار ما ستبلغ إليه ، وذلك يختلف باختلاف المقامات ويبنى على توفر الفهم ، وشرطه أن لا يخرج عما يصلح له اللفظ عربية ، ولا يبعد عن الظاهر إلا بدليل ، ولا يكون تكلفا بينا ولا خروجا عن المعنى الأصلي حتى لا يكون في ذلك كتفاسير الباطنية"1. خامسا: نوط الأحكام الشرعية بالأمور الظاهرة المشاهدة مما يتفرع على وصف الشريعة الأمية نوط أحكامها بالأمور المحسوسة المشاهدة التي لا تحتاج إلى تعمق في العلوم و الرياضيات ، و من ذلك التعريف بأوقات الصلاة بالظلال و طلوع الفجر و الشمس و غروبها و غروب الشفق و كذلك في الصيام 2 ،في قوله تعالى:﴿ حَتَّى ي َتَب َيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَب ْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾3 ،و من السنة قوله صلى الله تعليه و سلم الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَي ْلَةً فَلاَ تَصُومُوا حَتَّى ت َرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ }4 إن مثل هذا التعلق في الأحكام الشرعية يؤكد ما تقدم من كونها قريبة الفهم سهلة المأخذ يشترك في ذلك خاصة الناس و عامتهم. سادسا :موافقة المنقول للمعقول : يمكن أن يضاف إلى ذلك ما تقرر في التشريع من موافقة المنقول للمعقول و هو لا يخرج عما تقدم الاستدلال عليه، ذلك أن من ضرورات الفهم عدم وقوع التنافي بين مقتضيات الشرع و الحقائق العقلية. 1 - المرجع نفسه ، ج 1 ،ص44 2- الموافقات، مصدر سابق، ص253. 3- سورة ال بقرة، الآية: 187. 4- أخرجدده البخدداري في صددحيحه، كتدداب الصدديام ،بَدداب قدَددو لِ النَددبيِِّ صَددلَى اللَددهُ عَلَي ددهِ وَسَددلَمَ إِذَا رَأَيد ددتُم اله ِددلاَلَ فَصُددومُوا وَإِذَا رَأَيد تُمُددوهُ فَأَف طِرُو،حددديث رقددم، 1906 ،ج2 ،ص33
عدد الصفحات ١٩٠الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 184 أما ما قد يعترض به منوقوع التعارض بين العقل و النقل ، فيجاب عنه أن مثل هذا التعارض إما أن يكون متوهما بدافع الجهل أو الهوى و لو رد إلى صريح المعقول لقضى ببطلانه 1 ،أو أن يكون ظاهرا ذهن المجتهد، و هو لا يخلو من أمرين: أ. أن يعارض دليل العقل دليل النقل و فيه ثلاث صور: أن يكونالدليل النقلي قطعيا و العقلي ظنيا فيقدم النقل على العقل. أن يكون العقلي قطعيا و النقلي ظنيا و المراد به ظنية الدلالة، بأن يحتمل أكثر من مع و يترتب على الأخذ بظاهره مناقضة المقطوع به من الأحكام العقلية ، فيصرف عن ظاهره وفق ما تقرره أصول النظر و دلالات الألفاظ. أن يكون كلاهما ظنيين، و هو محل اجتهاد ب. أن يظهر التعارض بين الأدلة النقلية، ومعنى منافاتها للعقل، ورود حكمين مختلفين على محل واحد، و للعلماء في رفع هذا التعارض طريقتين: 2 طريقة الجمهور و تقوم على أساس الجمع و التوفيق بين المتعارضين بوجه مقبول فإن تعذر فيرجح أقواهما، ثم القول بالنسخ و أخيرا تساقط الدليلين. طريقة الحنفية و مسلكهم في ذلك القول بالنسخ فإن لم يعلم تاريخ النصين فالترجيح ثم الجمع و التوفيق ثم تساقط الدليلين. و قد يكون من أسباب التعارض عدم ثبوت الدليل النقلي و المراد به السنة النبوية، و ما عليه جمهور أهل العلم رد العمل بالأحاديث الموضوعة، و ما ثبت كذب نسبته إلى النبي صلى الله عليه و سلم. - وقوع المتشابه في القرآن الكريم: 1- ينظر في هذا المعنى: الصواعق المرسلة، مصدر سابق، ج 3، ص830، و درء تعارض العقل و النقل، أبو العباس أحمد بن عبدد الحلديم بدن تيميدة، تحقيدق محمد رشاد سالم المملكة العربية السعودية، جامعة محمد بن سعود، ط 2،1411هد- 1991م، ج1، ص194. 2- أصول الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي ، ج2، ص454- 461.
عدد الصفحات ١٩١الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 185 من المسائل التي قد يعترض بها على تقرير أصل تعقل خطا ب الشارع وقوع المتشابه في القرآن الكريم، و هو أمر ثابت بدلالة النصوص، ذلك أن خطاب المكلف بما يسعه فهمه و تعقله، قد يتبادر إلى الذهن منافاته للخطاب بما لم يتضح معناه- و هو المتشابه- و لما كان المراد إزالة الالتباس و تحرى مقاصد الشرع في مواطن جلاء المعاني و خفائها، رأيت أنه من الضروري الوقوف على هذه المسألة بيانا و استثمارا، فكان السؤال المطروح، ما حقيقة المتشابه، و هل للعقل سبيل إليه فهما و تأويلا، و غاية المطلوب استجلاء مقصد الشارع حال النفي أو الإثبات. أولا: حقيقة المتشابه إن المتتبع للنصوص يجد أن التشابه في القرآن الكريم ينتظم معنيين: معنى عام و يراد به التشابه في البلاغة و الحسن و الحقية 1، حيث جاء يشبه بعضه بعضا و يصدق بعضه بعضا2، لا تنافي في أحكامه و لا تفاوت في بلاغة لفظه و إعجاز نظمه، قال تعا ﴿اللَّهُ ن َزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾3 ، و هو محل اتفاق بين العلماء، إذ لا ينسب التضاد و التنافي و الاختلاف لكتاب الله عز و جل إلا متبع هوى أو جاهل بشرعة الإسلام. معنى خاص و المراد به الاحتمال و الاشتباه 4 ،و هو معنى قوله تعالى:﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾5، و هو المراد في هذا المقام ،و للجمهور فيه مذهبان: 6 1- التحرير و التنوير، مصدر سابق، ج3، ص156. 2- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، مصدر سابق، ج 5، ص17. 3- سورة الزمر، الآية 23. 4- معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم، ص 191. 5- سورة آل عمران، الآية 07. 6- التحرير و التنوير، مصدر سابق، ج3، ص156 .
عدد الصفحات ١٩٢الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 186 أولها أنه ما استأثر الله بعلمه و مما جاء في تعريفه على هذا المعنى ما ذكره السرخسي في أصوله من:" أنه اسم لما انقطع رجاء معرفة المراد منه، لمن اشتبه فيه عليه و الحكم فيه اعتقاد الحقية و التسليم بترك الطلب "1، و نسبه صاحب التحرير إلى الإمام مالك و الحنفية. 2 ثانيا ما لم يبين المراد منه من حيث اللغة، إلا أن تقترن به أمارة أو قرينة و ينتظم المجمل و المؤول ، و هي طريقة الشافعية، و إليه ذهب الآ مدي3 و الرازي 4 و ذهب الشاطبي إلى أن المعنى الأول، حقيقة التشابه أما اعنى الثاني فهو تشابه نسبي أو إضافي يعرض للمجتهد حال التقصير أو الجهل بمواقع الأدلة،و في ذلك يقول:" المتشابه الواقع في الشريعة على ضربين: أحدهما حقيقي، و الآخر إضافي، فالأول هو المراد بالآية و معناه راجح إلى أنه لم يجعل لنا سبيل إلى فهم معناه و لا نصب لنا دليل على المراد منه...و لا شك في أنه قليل لا كثير، و الثاني و هو الإضافي..."5،و لا تصح نسبته إلى الأدلة و إنما ينسب إلى الناظرين ، ذلك أنه متى تقصى الناظر أدلة الشرع وجد فيها ما يبين معناه ، و أما ما يظهر من تشابه فإما أن يكون لسبب التقصير أو اتباع الهوى. 6 و يمثل للتشابه الحقيقي بقيام الساعة و حقيقة صفات المولى عز و جل، و الروح و غيرها من الغيبيات التي لا سبيل للعقل إلى معرفة كنهها إلا تفويضا أو تأويلا -من حيث الجزء لا الكل- على مذهب من يرى ذلك ،أما التشابه النسبي فهو كثير و مضانه مباحث دلالات الألفاظ. 1- أصول السرخسي، مصدر سابق، ج 1، ص169. 2- التحرير و التنوير، مصدر سابق، ج3، ص156. 3- الإحكام في أصول الأحكام، مصدر سابق، ج1، ص223. 4- المحصول، مصدر سابق، ج1، ص 317 5- الموافقات، مصدر سابق،ج3 ،ص91. 6-اصدر نفسه بتصرف.
عدد الصفحات ١٩٣الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 187 و ممايتفرع على ما تقدم، مسألة المتشابه في القرآن الكريم، هل هو مما استأثر الله بعلمه أو أنه يمكن الإطلاع عليه، و قد اختلف فيها على قولين: أحدهما أنه للراسخين في العلم الإطلاع على معرفة المتشابه، و هو رواية عن ابن عباس و إليه ذهب الضحاك و اختاره النووي قال في شر ح مسلم:" إنه الأصح لأنه يبعد أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته ". 1 و استدلوا على ذلك بما ثبت من دعاء النبي صلى الله عليه و سلم لابن عباس أن يفقهه في الدين و يعلمه التأويل، و قوله تعالى:﴿ أَفَلا ي َتَدَب َّرُونَ الْقُرْآنَ ﴾2 وما لا يعقل معناه لا يتدبر.3 و أن الراسخين في العلم لو فرض استواؤهم مع العامة في العلم بالمحكم لم يكن لهم فضل أو مزية . قال مجاهد في قوله تعالى:﴿ وَمَا ي َعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾4 ":يعلمونه و﴿ ي َقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ﴾5 و لو لم يكن للراسخين في العلم حظ من المتشابه إلا أن يقولوا آمنا ، لم يكن لهم فضل على الجاهل لأن الكل قائلون بذلك".6 و ذهب فريق إلى أنه مما استأثر الله بعلمه، و نسبه السيوطي إلى الجمهور، و استدلوا على ذلك بما دلت عليه الآية من ذم متبعي المتشابه و وصفهم بالز يغ و ابتغاء الفتنة7 ،و ما أخرجه الشيخان عن عائشة – رضي الله عنها -أنها قالت تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الآْيَةَ {هُوَ الَّذِي أَن ْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي ق ُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ف َيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِت ْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا ي َعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ي َقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَب ِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَْلْبَابِ }قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا 1-المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ،يحإ بن شرف النووي ،ج 16 ،ص218 2- سورة محمد، الآية 24. 3- محاسن التأويل، محمد جمال الدين القاسمي، ط1،1376هد- 1957م، ج4، ص754. 4- سورة آل عمران، الآية 07. 5- سورة آل عمران، الآية 07. 6- البرهان في علوم القرآن، مصدر سابق، ج2، ص73 . 7- الإتقان علوم القرآن، مصدر سابق، ص 426.
عدد الصفحات ١٩٤الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 188 رَأَيْتِ الَّذِينَ ي َتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ }1، و ما أخرجه الطبرا معجمه من حديث أن مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي إِلا ثَلاثَ خِلال : أَنْ يُكْث َرَ لَهُمْ مِنَ الْمَالِ ف َيَتَحَاسَدُوا ف َي َقْتَتِلُوا ، وَأَنْ ي ُفْتَحَ لَهُمُ الْكُتُبُ يَأْخُذُ الْمُؤْمِنُ ي َبْتَغِي تَأْوِيلَهُ ، وَلَيْسَ ي َعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ي َقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَب َّنَا ، وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ ، وَأَنْ ي َرَوْا ذَا عِلْمِهِمْ ف َيُضَي ِّعُوهُ وَلا ي ُبَالُونَ عَلَيْهِ }2 و أصل الخلاف في المسألة فيما ذهب إليه الكثير من المفسرين الاختلاف في قوله ﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾ هل هو معطوف و يقولون حال، أو مبتدأ خبره يقولون و الواو للاستئناف3، و الظاهر أن الأصل الاختلاف في حقيقة المتشابه هل هو ما استأثر الله بعلمه، أو المجمل و المؤول الذي للعقول سبيل إلى بيان معناه بالرد إلى المحكمات ، فمن قال من العلماء أن الراسخين في العلم لا إطلاع لهم على علم المتشابه إنما أراد النوع الأول. 4 و في هذا المعيقول الألوسي:" و قال بعض أئمة التحقيق: الحق أنه إن أريد بالمتشابه ما لا سبيل إليه للمخلوق فالحق الوقف على﴿ إِلاَّ اللَّهُ ﴾ ،و إن أريد ما لا يتضح بحيث يتناول المجمل و نحوه ،فالحق العطف و يجوز الوقف لأنه لا يعلم جميعه أو يعلمه؛ ﴿إِلاَّ اللَّهُ ﴾.5 و يضاف إ لى ما تقدم الاختلاف في إعمال التأويل أو التفويض ، لما ظاهره التعارض مع اختصاص المولى عز و جل بصفات الجلال و الكمال و تنزهه عن مشابهة المخلوقين ، فمذهب المفوضة إثبات الصفات كما جاءت في القرآن الكريم و تفويض حقائقها إلى المولى عز و جل، و مذهب المؤولة، تأويلها بما تحتمله المعاني اللغوية دفعا للتعارض و تنزيها للخالق، و في ذلك يقول الشاطبي مرجحا لما 1- رواه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير ،سورة آل عمران ، حديث رقم: 4547.ج3،ص207 2- رواه الطبراني في المعجم الكبير، حديث رقم 3442.ج3،ص332 3- الإتقان في علوم القرآن، مصدر سابق، ص 456. 4- الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، ج 5، ص28. 5- روح المعاني، مصدر سابق، ج 3، ص86.
عدد الصفحات ١٩٥الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 189 عليه أهل التفويض،" و قد توسع قوم من المتأخرين في تسليط التأويل على المتشابهات رجوعا إلى ما يفهم من اتساع العرب في كلامها...تأنيسا للطالبين و بناء على استبعاد الخطاب بم ا لا يفهم "، و الأسلم التفويض و هو مذهب السلف الصالح من الصحابة و التابعين و من بعدهم من المقتدين1 . و لعله اتضح بهذا القدر مع إيجازه المراد فنقول جمعا بين ما تقدم ، و توفيقا بين ما ظهر للنظر فيه التنافي أن التشابه إما أن يكون حقيقيا، بأن لا يعلم كنهه إلا الله، و مثله لا يتعلق به التكليف إلا من حيث اعتقاد حقيته و الإيمان به، فخرج عن كونه منافيا لأصل تعقل التكاليف، ثم إن خطاب الشارع جاء بما يقرب معناه ، و اختص الخالق بعلم حقيقته و كنهه ابتلاء للعقول بمعنى التعبد و التذلل، جاء في الإتقان:" و لو لم يبتل العقل الذي هو أشرف البدن لاستمر العالم في أبهة العلم على التمرد فبذلك يستأنس على التذلل بعز العبودية ،و المتشابه موضوع خضوع العقول لبارئها، استسلاما و اعترافا بقصورها " 2، و هذا المعنى يستقيم على مذهب المفوضة و أهل التأويل على تفاوت في حصر ما سبيل للعقل إلى دركه ، و إما أن يكون نسبيا و هو محل الاجتهاد و إنعام النظر، و به نيل أعلى المراتب و أشرف الدرجات و المقصد الأسمى مران الفكر و دربة النظر على تحصيل المسائل من مضانها، و رد الفروع إلى أصولها، تقريرا لشمول الشريعة و عمومها، فكان من مقاصده : "فتح عباراته لمختل ف استنباط المستنبطين حتى تؤخذ منه أحكام الأولين و الآخرين، و تعويد حملة هذه الشريعة و علماء هذه الأمة على التنقيب و البحث و استخراج المقاصد من عويصات الأدلة...فيكونوا قادرين على استنباط الأحكام الشرعية، و لو صيغ لهم التشريع في أسلوب سهل لاعتادوا العكوف على ما بين أنظارهم في المطالعة الواحدة ".3 و هو معنى لا يقل في حقيقة الابتلاء عن المعنى الأول، إلا أنه خاص بمن ملك آلة النظر و تحققت فيه شرائط الاجتهاد جاء في تفسير ابن كثير:" و المتشابهات في الصدق لهن تصريف 1- الموافقات، مصدر سابق، ج 3 ، ص99. 2- الإتقان في علوم القرآن، مصدر سابق، ص 429. 3- التحرير و التنوير، مصدر سابق، ج3، ص158.
عدد الصفحات ١٩٦