الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 156 و هي لا تخرج عن المعنى اللغوي و إن كانت تنضبط بوصف الشرع، فليس كل ما يحسبه المرء وسطا هو عدل و خيار و أفضل، إذ تتفاوت في ذلك الأفهام و تتعدد المنازع. فالوسطية في الشرع تنتظم معاني الخيرية و الأفضلية و التوسط بين جانبي الإفراط و التفريط و العدالة و لا يكون ذلك إلا بالتزام مقتضى الشرع و الوقوف على حدوده في الأمر و النهي و التخيير و على وزان من رعي أحوال المكلفين. و بيان ذلك أنه لما علم من التشريع ابتناؤه على وصف الفطرة، و أن المشرع أعلم بما يقيمها و يدرأ عنها أسباب الفساد و الانحراف، و أن ذلك لا يكون إلا على جهة التوسط و الاعتدال بحيث لا تحيف جهة على أخرى تقرر أن كليات التشريع و جزئياته قائمة على وصف الوسطية، و أن مثل هذا الوصف راجع في تحديد ماهيته و ضوابطه إلى تلك الكليات و الجزئيات. المنهج القرآني في تقرير وصف الوسطية إذا تتبعنا أدلة هذا الوصف، أمكن القول أنه قد تقرر في القرآن الكريم، بنصوصه و ظواهره و خفيه و جليه و منطوقه و مفهومه، و أحكامه و علله...و في جزئياته و كلياته، حال اجتماع الأدلة و انفرادها و الشواهد كثيرة يصعب حصرها، إلا أنه يذكر منها بيانا و استدلالا: وصف الأمةبالوسطية: قال تعالى:﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾.1 قال الطبري في تفسير الآية:"و أما الوسط فإنه في كلام العرب الخيار و هو في هذا الموضع بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين، ذلك أن الله تبارك و تعالى إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين فلا هم أهل غلو كغلو النصارى و لا هم أهل تقصير كتقصير اليهود، و لكنهم أهل توسط و اعتدال فوصفهم الله بذلك إذ كان أحب الأمور إلى الله أوساطها" 2،و أخرج البخاري و الترمذي و النسائي، من أكثر من وجه 3 أن المراد بالوسط "العدل ،كما في الحديث.4 1- سورة البقرة، الآية 143. 2- جامع البيان، مصدر سابق، ج2، ص626- 627 بتصرف يس 3- ينظر: فتح الباري، مصدر سابق، ج 8، ص217. 4- أخرج البخاري في كتاب التفسير عن أن سعيد الخدري قال:"يدعى ندوح يدوم القيامدة فيقدول: لبيدك و سدعيك يدا رب. فيقدول: هدل بلغدت؟، فيقدول: ن عدم. فيقدال لأمتده: هددل بلغكدم؟ فيقولدون: مددا أتاندا نددذير، فيقدول: مدن يشددهد لدك؟، فيقددول: محمدد و أمتده، فيشددهدون أنده قددد بلدغ، و يكدون الرسددول علديكم شددهيدا،
عدد الصفحات ١٦٤الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 157 يقول ابن حجر تعقيبا على ما ذكره الطبري في تفسير الآية:" لا يلزم من كون الوسط في الآية صالحا لمعنى التوسط أن لا يكون أريد به معناه الآخر كما نص عليه الحديث". 1 و هو معنى تواترت عليه عبارات المفسرين، جاء في أضواء البيان:"الوسط الخيار العدول و دليله قوله تعالى:﴿ كُنتُمْ خَي ْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾2.3 و قال صاحب التحرير:" فالوسط في هذه الآية ف سر بالخيار... ،و فسر بالعدول و الجمع بين التفسيرين هو الوجه". 4 و وجه الدلالة أن الأمة ما استحقت وصف العدالة و الخيرية على ما تقدم بيانه في تفسير الآية إ بانتسابها للشريعة بما هيأته من أسباب التوسط و الاعتدال ، سواء في أساليب البيان ،أم في جملة النصوص و تفاريع الأحكام. 5 أوالأمر بالتوسط بين جانبي الإفراط و التفريط: و قد جاء بأكثر من صيغة، و في مسائل مختلفة ،قال تعالى:﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ ت َبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ف َت َقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾.6 و مثله ما جاء في وصف عباد الرحمن، قال تعالى:﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ ي َقْت ُرُوا وَكَانَ ب َيْنَ ذَلِكَ ق َوَامًا ﴾.7 و النصان ظاهرا الدلالة في وجوب التوسط في الإنفاق و المنع من التبذير و الإسراف، قال تعالى:﴿ وَكُلُواْ وَاشْرَبُو اْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾.8 فذلك قوله جل ذكدره: :﴿ وَكَ ذَلِكَ جَعَلْنَ اكُمْ أُمَّ ةً وَسَ طًا لِّتَكُونُ واْ شُ هَدَاء عَلَ ى النَّ اسِ وَيَكُ ونَ الرَّسُ ولُ عَلَ يْكُمْ شَ هِيدًا ﴾، و الوسدط العددل"، حدديث رقدم: 4467. 1- فتح الباري، مصدر سابق، ج 8، ص216. 2- سورة آل عمران، الآية: 110. 3- أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين الشنقيطي، دار عالم الفوائد، (د.ت)، ج 1، ص104. 4- التحرير و التنوير، مصدر سابق، ج2، ص20. 5- يقول الطاهر بنعاشور قريبا من هدذا المعدنى:" و الآيدة ثنداء علدى المسدلمين بدأن الله قدد ادخدر لهدم الفضدل و جعلهدم وسدطا بمدا هيدأ لهدم مدن أسدبابه في بيدان الشريعة..."، التحرير و التنوير، ج2، ص18. 6- سورة الإسراء، الآية 29. 7- سورة الفرقان، الآية 67. 8- سورة الأعراف، الآية 31.
عدد الصفحات ١٦٥الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 158 و قال تعالى:﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾.1 و يقول عز و جل:﴿ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور ﴾.2 و مثل هذا المسلك إن كان ظاهرا في أنواع العادات و المعاملات فهو في العبادات أظهر ذلك أن درك مقصد الامتثال كما تقدم لا يقوم إلا على وزان من الوسطية و الجمع بين حظ النفس و حق الله تعالى بحيث تدفع ذرائع السآمة و الانقطاع عن التكليف، و كل م فسدة مترتبة عن التشديد أو التخفيف في غير موضعهما. و الشاهد قوله تعالى:﴿ وَاب ْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّن ْيَا ﴾.3 و المعنى أن أطلب بما أتاك الله رضاه و النجاة في الآخرة ،و لا تنس حظك من الدنيا في تمتعك با لال و طلبك إياه، قال ابن عطية تعقيبا على هذا الوجه في التأويل:" فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به و إصلاح الأمر الذي يشتهيه و هذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النبوة من الشدة". 4 وعليه يمكن القول أن الأمر بالتوسط و الاعتدال قدانتظم أنواع العبادا ت و العادات، تقريرا لوسطية القرآن الكريم و رعيا لحظوظ المكلفين ذلك أنه كما لا يصلح البدن الإسراف أو التقتير لا يصلح النفس مطلق التخفيف أو مطلق التشديد لأنهما مظنة الانقطاع أو التقصير فيما مقتضاه الامتثال و الإذعان. ثانيا :الوسطية في تشريع الأحكام: إذا نظرن ا إلى الأحكام الشرعية و جدناها لا تخرج عما تقدم في جانب التوسط و الاعتدال و بيان ذلك على وجه المثال، أن الشارع الحكيم أباح الزواج و قصره على أربع أو ما ملكت اليمين، ومنع الزنا و ذرائعه و كل أنواع الفاحشة و قيد الاستمتاع المباح بشرائط و أوصاف و أركان تميزه عن غيره من أنواع السفاح و البغاء، قال تعالى:﴿ فَانكِحُواْ مَا 1- سورة لقمان، الآية 19. 2- سورة لقمان، الآية 18. 3- سورة القصص، الآية 77. 4- المحرر الوجيز، مصدر سابق، ج 4، ص299.
عدد الصفحات ١٦٦الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 159 طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَث ْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ ﴾.1 و قال عز و جل:﴿ وَلاَ ت َقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً ﴾.2 و قال صلى الله عليه و سلملا نكاح إلا بولي و شاهدي عدل}3 و أباح البيوع و أنواع المعاملات وفق شرائط و ضوابط تدفع النزاع و الخصومة و تمنع التذرع إلى الغبن و الغرر و سائر المظالم التي تتفشى في معاملات الناس إن هي تركت لمجرد مبدأ الرضائية في التعاقد، قال تعالى:﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْب َيْعَ وَحَرَّمَ الرِّ بَا﴾.4 و قال عز و جل:﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن ت َرَاض مِّنكُمْ ﴾.5 و قال تعالى:﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم ب َي ْنَكُم بِالْبَاطِلِ ﴾.6 ثم إنه قد شرع العبادات و بين صفاتها و أركانها و شرائطها و أناطها بالعقل و القدرة ثم وضع من أنواع الرخص و التخفيفات، ما يدفع أسباب الشدة و المشقة البالغة، فضلا عن المنع من التبتل و المبالغة و التشديد على النفس، من دون داعية الشرع ،و كل ما فيه خروج عن مقتضى الحنفية السمحة و قد تقدم في أكثر من موضع. قال تعالى:﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ ف َلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّام أُخَرَ ﴾.7 و قال:﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْب َيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾.8 و في الحديث عن سلمان-رضي الله عنه - قال:" إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِن َفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلأَِهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ف َقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَ سَلْمَانُ }1 1- سورة النساء، الآية: 03. 2- سورة الإسراء، الآية: 32 . 3- رواه الحاكم في مستدركه ،كتاب النكاح ،حديث رقم 2769 ،ج2 ،ص202 4- سورة البقرة، الآية: 275. 5- سورة النساء، الآية 29. 6- سورة البقرة، الآية 188. 7- سورة البقرة، الآية 185. 8- سورة آل عمران، الآية 97.
عدد الصفحات ١٦٧الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 160 و عنه صلى الله عليه و سلم قال إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْق ، وَلاَ ت ُب َغِّضْ إِلَى ن َفْسِكَ عِبَادَةَ اللَّهِ ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لاَ أَرْضًا قَطَعَ ، وَلاَ ظَهْرًا أَب ْقَى }2 و قال عليه السلام إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْء مِنْ الدُّلْجَةِ }3، و في الحديث إشارة إلى الرفق العبادة و عبر بما يدل على السير، لأن العابد كالسائر إلى محل إقامته و هو الجنة.4 و كما أنه نهى عن المبالغة و التشديد توعد المضيعين لحدوده، المسترسلين في اتباع الشهوات، قال تعالى:﴿ فَخَلَفَ مِن ب َعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَات َّب َعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ ي َلْقَوْنَ غَيًّا ﴾.5 و قال:﴿ ف َوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ، الَّذِينَ هُمْ ي ُرَاؤُونَ ، وَيَمْن َعُونَ الْمَاعُونَ ﴾.6 و غيرها من أساليب الوعيد أما الاختلاف في التفصيل و الإجمال بين أحكام العبادات والمعاملات، فلما علم من أن العبادات قائمة على مقاصد قارة و أنه لا سبيل لاهتداء العقول إليها دون بيان من الشارع فناسبها التفصيل و التفريع، في القرآن و السنة ،أما المعاملات و سائر العاديات فطابعها التجدد و التغيير فكان الغالب نوطها بالقواعد و الأوصاف الكلية و ليس ذلك بما يقدح في الجمع بين حقوق الله تعالى و حظوظ المكلفين على جهة التوسط و الاعتدال، ذلك أن حظوظ النفس لها ما يستدعيها من باعث الطبع، لو فرض تأكيده بوازع الشرع لحصل التهالك و الفساد، فكان سكوت الشارع فيها كالحوالة على داعي الجبلة. و كذلك الاختلاف في الأحكام بين الا قتضاء أو التخيير فمرده إلى ما تقدم، و يضاف إليه ما علم من نفرة النفوس عن التكليف، فكان حادي الخوف و الرجاء، و الإلزام و الطلب باعثا على 1- روته البخاري في صحيحه ،كتاب الأدب ،باب صن ع الطعام و التكلف له ،حديث رقم : 6139،ج4 ،ص117. 2- رواه البيهقي في سننه، باب: القصد في العبادة،ج3،ص18. 3- رواه البخاري في صحيحه، كتا ب الإيمان ، بَاب الدِّينُ يُس رٌ وَقدَو لُ النَبيِِّ صَلَى اللَهُ عَلَي هِ وَسَلَمَ أَحَبي الدِّينِ إِلىَ اللَهِ الح َنِيفِيَةُ السَم حَةُ حديث رقم: 39،ج1 ،ص27. 4- ينظر: فتح الباري، مصدر سابق، ج 11، ص359. 5- سورة مريم، الآية 59. 6- سورة الماعون، الآيات 04،05،06،07.
عدد الصفحات ١٦٨الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 161 تحصيل حظوظ الآخرة، و مع ذلك نجد في القرآن الكريم ما يدعوا إلى الانتفاع بالطيبات و إنكار تحر المباحات.. ،و هو كثير بال قدر الذي تحصل منه مقاصد التشريع في رعي مثل هذه الحظوظ دون تفريط أو إفراط. و منه قوله تعالى:﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴾.1 و قال تعالى:﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْ ضِ وَاب ْت َغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾.2 ثالثاالوسطية في تقرير الحقوق: إن الناظر في خطاب التشريع باعتبار ما تقرر من حقوق الفرد و المجموع ليقطع بأنه، ما ثبت شيء منها على جهة الإنفراد و الاجتماع، إلا و كان التوسط أجمع أوصافه، و قد تقدم شيء من ذلك عند الحديث عن تشريع الأحكام و هي منشأ الحقوق و مردها ،و المراد هنا : معنى التوسط بين الحق العام و الخاص، حيث نجد أن القرآن الكريم، أثبت للفرد حقوقا، لا يحصل صلاحه إلا بها سواء كانت في محل الضرورة أ م الحاجة أم التحسين، كحق الحياة، و التدين و التملك، و حق الكرامة و الحرية و المساواة... ثم وضع من "المؤيدات الشرعية 3 ،المدنية و الجنائية و الأخروية، ما يحفظها في جانب الوجود و العدم، و حد لها حدودا و ضبطها بقواعد الشرع و أحكامه، حتى لا تتنكب عما شرعت له أصالة أو ابتداء، إذ إطلاق الحقوق بلا قيد مظنة التهالك و الفساد. و من تلكم المقيدات، عدم معارضة المصالح العامة، فتقدم و الحال كذلك، متى أمكن جبر حق الفرد بالتعويض، و لا يعنى ذلك مطلق تغييب الحق الخاص إن هو تعارض مع الحق العام، بل هو ثابت مصان ليس لأحد إسقاطه و لا تضييعه، و إنما المراد تحصيل أكمل المصالح، و لعموم انتفاعه بمقتضى الحق العام، مع تعويضه عن الضرر الحاصل بتفويت حقه الخاص، ثم أنه كما ثبت رعي مصلحة العموم بفرض الزكاة و النفقات الواجبة و الندب إلى الصدقات و سائر التطوعات، كان من نصيب الفرد في ذلك أنه متى أصابه العجز أو العوز أو القصور عن تحصيل مصالحه و دفع المفاسد عنه، قامت على 1- سورة الأعراف، الآية 32. 2- سورة الجمعة ،الآية :10 3- يعرفها الزرقا في مدخله بأنها:"كل ما يشرع من التدابير لحمل الناس على طاعة أحكام الشريعة"، المدخل الفقهي العام، ج 2، ث606 . وينظر في أقسامها: النظريات الفقهية، محمد الزحيلي، دمشق، دار القلم، ط 1،1414هد1992م، ص15- 17.
عدد الصفحات ١٦٩الفصل الأول حظ المكلف حقيقته ،شروطه ،وأدلة الاعتبار 162 ذلك الجماعة جلبا و دفعا. قال تعالى:﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ ، لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾.1 و قال تعالى:﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْي َوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَ ى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ ﴾.2 و عليه يمكن القول، أن الشواهد كثيرة يتعذر حصرها إلا أننا نجزم بما يحصله النظر منها، أنه حيثما ولي وجهه وجد "التوسط لائحا و مسلك الاعتدال واضحا" 3، سواء في النصوص، أم الأحكام، أم تقرير الحقوق، أم أساليب البيان، بما يحقق الإذعان و الامتثال و يمنع التهارج و الخصا م، و يحصل الحظوظ العاجلة و الآجلة، حظوظ الروح و العقل و النفس و البدن، و حظوظ الدنيا و الآخرة و الفرد و الجماعة، دون أن تحيف جهة على أخرى إلا بالقدر الذي تدرك به أكمل المصالح و أفضلها. 1- سورة المعارج، الآيتان 24،25. 2- سورة البقرة، الآية 177. 3- الموافقات ، مصدر سابق ، ج2 ، ص168
عدد الصفحات ١٧٠الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 165 الفصل الثانيقواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية (القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) لقد تقدم في الفصل الأول بيان حقيقة الحظوظ المعتبرة و شرائطها و أدلتها ، وفي هذا الفصل تتناول الباحثة أهم القواعد الضابطة للحظوظ المعتبرة، حيث أن أي محاولة للتنظير المقاصدي، ترتبط ارتباطا وثيقا باعتماد الكليات التشريعية و التعامل مع النصوص الجزئية وفق منهج استقرائي يحاول الجمع بين الأدلة الجزئية و صياغتها في قانون عام تواترت على تقريره أدلة ا لشرع 1 ،وقد انتظمت هذه الكليات قواعد المقاصد و الفقه و الأصول بالقدر الذي يحصل به المراد،ذلك أن ما اعتبره الشارع من حظوظ المكلفين كثير بكثرة الحاجات و تعدد المآرب وتغير لأحوال ، و المنصوص منها يسير إن هو قورن بالمستفاد من عموم أدلة التشريع،فكان ضبطها بقواعد الشرع أقوم في التمييز بين المردود و المعتبر دون الحاجة إلى كثرة التفريع ،سواء تعلق ذلك بجهة القصد أ م بجهة الطلب ويمكن تقسيمها على النحو الآتي : المبحث الأول: القواعد المتعلقة بقصد الشارع المبحث الثاني: القواعد المتعلقة بقصود المكلفين و موافقتها قصد الشارع المبحث الثالث: القواعد المتعلقة بالتحصيل و الانتفاع 1- ينظر: مقاصد الشريعة، طه جابر العلواني،بيروت ، دار الهادي ، ط 1 ،1421ه-2001م ، ص 124 .
عدد الصفحات ١٧٢الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 166 المبحث الأول: القواعد المتعلقة بقصد الشارع المطلب الأول: المقصد الشرعي إخراج المكلف عن داعية الهوى حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد لله اضطرارا المطلب الثاني :المصالح المجتلبة شرعا و المفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الآخرة. المطلب الثالث: تعلق التشريع بحظوظ أهل التكليف تقرير لمقصد الامتثال
عدد الصفحات ١٧٣الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 167 المطلب الأول :المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية الهوى حتى يكون عبدا لله اختيار ا، كما هو عبد لله اضطرارا . 1 المقصود بعبادة الله اختيارا، أي بمحض اختيارهم و بإخلاص و تجرد و تعقل 2، ذلك أن حقيقة العبودية إما أن يراد بها القصد التكوينّ أو الإرادة الكونية، و هي واقعة قهرا و اضطرارا، و خارجة عن مقدور المكلف، بحكم الخلق، و إما أن يراد بها القصد التشريعي. 3 فتكون متعلق فعل المكلف و اختياره ،و هي المرادة في هذا المقام ، و في هذا المعنى يعرفها الراغب الأصفهاني بأنها:" فعل اختياري مناف للشهوات البدنية، يصدر عن نية يراد بها التقرب إلى الله طاعة للشريعة" ،ثم يضيف بيانا و شرحا:" فقولنا فعلُ اختياريٌ يخرج منه الفعل التسخيري والقهري ويدخل فيه الترك الذي هو على سبيل الاختيار، فإن الترك ضربان، ضرب على سبيل الاختيار وهو فعل،وضرب هو العدم المطلق لا اختيار معه بل هو عدم الاختيار وليس بفعل ،وبقولنا مناف للشهوات البدنية يخرج منه ما ليس بطاعة، وأما ا لأفعال المباحة كالأكل والشرب ...فليس بعبادة من حيث أنها شهوة ولكنها قد تكون عبادة إذا تحري بها حكم الشريعة، وإنما قيل تصدر عن نية يراد بها التقرب إلى الله تعالى لأنها إن خلت عن نية أو صدرت عن نية لم يقصد بها التقرب إلى الله تعالى بل أريد بها مراءاة 1- الموافقات، مصدر سابق،ج 2 ،ص168 2- قواعد المقاصد، مصدر سابق، ص158. 3- في التفريدددق بددددين الإرادة و الشددددرعية يقددددول ابدددن القدددديم:" الإرادة الكونيددددة مددددا أراد الله عددددز و جدددل مددددن جهددددة القدددددر، و هدددي لا تقتضددددي المحبددددة و ا لرضددددا، فقددددد يريددد مددن عبدداده الكفددر و لا يرضدداه، و مثالهددا قولدده تعالى: ﴿فدَعَددالٌ لِّمَددا يُرِيدُ ﴾(سددورة هددود، الآيددة:107)، و قولدده﴿وَإِذَا أَرَد نَددا أَن نديه لِددكَ قدَر يَددةً ﴾ (سددورة الإسددراء ، الآية: 16.) أما الشرعية فما أراده الله من دينه و شرعه، و مثالها قوله تعا ﴿وَاللَهُ يُرِيدُ أَن يدَ تُوبَ عَلَي كُم ﴾(سورة النسداء، الآيدة: 27)، و قولده:﴿ وَلاَ يُرِيددُ بِكُدمُ ال عُس درَ ﴾ (سورة البقرة ، الآية: 185)، فلو كانت هذه الإرادة كونية لما حصل العسر لأحد منا و لوقعت التوبة من جميدع المكلفدين"، شدفاء العليدل في مسدائل القضداء و القدددر و التعليددل، القدداهرة، مكتبددة دار الددتراث، ص 550- 551، وينظددر : القصددد في القددرآن الكددريم بددين التكددوينّ و التشددريعي مقاربددة مقاصدددية، عبددد الر زاق ورو قية. إسلامية المعرفة، العدد 57،سنة2013.
عدد الصفحات ١٧٤الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 168 لم تكنأيضاً عبادة، وإنما قيل طاعة للشريعة لأن من أنشأ من نفسه فعلا ليس بسائغ في الشريعة لم يكن عبادة وإن قصد به التقرب إلى الله تعالى، فالعبادة إذاً فعل يجمع هذه الأوصاف كلها "1. و المراد بها المعنى العام، لا الخاص الذي ذكره الفقهاء 2 ، إذ غاية المراد أن يتوجه الم كلف بأعمال القلب و الجوارح طاعة للخالق ،و امتثالا لأمره و وقوفا عند حدود نهيه، في العادات و العبادات، و مما جاء في ذلك تعريف ابن تيمية للعبادة بأنها:" اسم جامع لكل ما يحبه الله و يرضاه من الأقوال و الأعمال الباطنة و الظاهرة" 3،و المعنى الفقهي و إن كان متشوفا إليه، إذ لا عبودية للخالق إلا بإقامة شعائر دينه،إلا أنه لا يستغرق حقيقة العبودية ،ذلك أنها تتسع لتنتظم على ما تقدم أمور المعاش و المعاد، فالإسلام نظام متكامل يجمع أبعاد الحياة كلها ، و مقتضى العبودية أن يجعل المكلف أقواله و أفعاله و تصرفاته و علاقا ته مع الناس ،وفق الأوضاع و المناهج التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، يفعل ذلك طاعة لله و استسلاما لأمره 4، قال تعا﴿إِنَّمَا كَانَ ق َوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ ب َي ْن َهُمْ أَن ي َقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَ ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾5، و قال عز و جل:﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِي َرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾6. و لا تنافي بين ذلك، و كون الشريعة إنما وضعت لمصالح المكلفين، و أثبتت لهم من الحظوظ ما تستقيم به أمور الدنيا و الدين، ذلك أن الاسترسال مع دواعي الأهواء مظنة الفساد، و المصالح المعتبرة إنما تنال على أتم وجه و أكمل صفة متى أخذت بمقتضى الشرع و على الحد الذي حده ، و هذا لا يتحقق إلا بالتحرر من الأهواء و النزوات و طلب المصالح الحقيقية وفق ما قرر الشرع ، يقول ابن الجوزي في ذم الهوى:" و ليعلم العاقل أن مدمنّ الشهوات يصيرون إلى حالة لا يتلذذونها 1- تفصيل النشأتين و تحصيل السعادتين ،أبو القاسم الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني ،بيروت ، 1349 هد ،ص77 2- و تعرف بأنها:" اسم لفعل يؤتى به تعظيما لله بأمره" و هو تعريف الإمام الشافعي، أصول البزدوي، ج 2، ص335 . 3- العبودية، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: علي حسن عبد المجيد، دار الأصالة، ط2،1999م، ص19. 4- مقاصد المكلفين، عمر الأشقر، مرجع سابق، ص 47. 5- سورة النور، الآية 51. 6- سورة الأحزاب، الآية 36.
عدد الصفحات ١٧٥الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 169 و هم مع ذلك لا يستطيعون تركها، لأنها قد صارت عندهم كالعيش الاضطراري... غير أن العادة تقتضيه ذلك..."1 و العقل في ذلك تابع للشرع مهتد بهديه لا استقلال له ب درك الصلاح،و غايته كما يقول ابن القيم: " أن يدرك بالإجمال حسن ما أتى الشرع بتفصيله أو قبحه...فما عجز عن إدراكه أتت الشريعة بتفصيله و ما أدرك حسنه جملة أتت الشرائع بتأكيده و تثبيته". 2 و كل من ابتغى غير ذلك في فهم دين الله و تنزيل أحكامه إنما هو صاحب هوى ، إ ذ ليس للعقل ولاية بغير هداية الشرع، و لذلك كله لم يحظ بالعصمة عن الخطأ و الزلل، لمحدوديته بالزمان و المكان و تأثره بالبواعث و الأغراض و مؤثرات البيئة فهو جاهل و قاصر، و القاصر لابد له من ولاية، و وليه و وصيه هدي الشرع. 3 قال تعا﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّ نِ ات َّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ﴾4. و الشاهد تظاهرنصوص القرآن الكريم و أحكامه على تقرير هذا الأصل و من جملة ذلك الأمر بالعبادة، و النهي عن الشرك ،و ذم إتباع الشهوات ، و تشريع الأحكام الصارفة للعبد عن الاسترسال مع دواعي الأهواء، ليكون حاديه في الأقوال و الأفعال و التصرفات هدي الشرع ،إما إحالة على الوازع الدينّ بالترغيب و الترهيب ، أو حملا على الامتثال بشرع الزواجر و العقوبات لاختلاف أحوال المخاطبين من حيث الانقياد لداعية الشرع ، تقريرا لمقصد العبادة كغاية أصلية للخلق و حفظا للمصالح الخاصة و العامة، من أن يتذرع إليها الاختلال و الانخرام. و مما جاء في الأمر بالعبادة: قوله تعالى:﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِي َعْبُدُونِ ﴾.5 و قوله تعا﴿ يَا أَي ُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن ق َبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ ت َت َّقُونَ ﴾.6 1- ذم الهوى، مصدرسابق، ص 36. 2- مفتاح دار السعادة، ابن القيم، دار الكتب العلمية، بيروت،1419هد- 1998م، ص437. 3- المقاصد العامة للشريعة الإسلامية،يوسف حامد العالم، الرياض ، الدار العالمية للكتاب الاسلامي ، ط 2 ،1415ه-1994م ، ص 141. وينظر: أهمية المقاصد في الشريعة الإسلامية و آثارها في فهم النص، سميح عبد الوهاب الجندي، دار القمة، مصر، ص 146. 4- سورة القصص، الآية: 50. 5- سورة الذاريات، الآية 56. 6- سورة البقرة، الآية 21.
عدد الصفحات ١٧٦الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 170 و قوله تعا﴿ وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾.1 وقال عز وجل ﴿وَلَقَدْ ب َعَث ْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِ بُواْ الطَّاغُوتَ ﴾.2 ومنهالنهي عن الشرك في قوله تعالى:﴿ قُلْ ت َعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾.3 وبيان عاقبته في قوله:﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ ف َقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار ﴾،4 ومدح المؤمنين و توعد المشركين ، قال تعالى:﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا ﴾.5 و قال عز و جل:﴿ وَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ﴾.6 و منه ذكر عاقبة الأمم المشركة المعرضة عن عبادة الله و بيان أفراد العبادة و جزئياتها و تقرير شرائطها و خصائصها و ثمراتها. 7 و كذلك ذم الهوى و إتباع الشهوات : فقد جعل الله تعالى إتباع الهوى مضادا للحق، وعده قسيما له، كما في قوله تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَْرْضِ فَاحْكُمْ ب َيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا ت َتَّبِعِ الْهَوَى ف َيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾8 ومنهقوله تعالى:﴿ وَلَوِ ات َّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ ﴾.9 وقوله تعالى:﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى ق ُلُوبِهِمْ وَات َّب َعُوا أَهْوَاءهُمْ ﴾.1 1- سورة النساء، الآية 36. 2- سورة النحل، الآية 36. 3- سورة الأنعام، الآية 151. 4- سورة المائدة، الآية: 72. 5- سورة الفرقان، الآية 63. 6- سورة فصلت، الآية 06. 7- ينظر: مقاصد الشريعة و علاقتها بالأدلة الشرعية، مرجع سابق، ص 485- 486. 8- سورة ص الآية 26 9- سورة المؤمنون، الآية 71.
عدد الصفحات ١٧٧الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 171 تشريع الأحكام من الأدلة و البراهين على أن العباد خلقوا لعبادة الله و إخراجهم عن دواعي الأهواء، جملة الأحكام الشرعية التي انتظمت أبواب العقائد و العبادات و المعاملات، و مضانها في القرآن الكريم آيات الأحكام، و يراد بها الآيات ا لتي تستفاد منها الأحكام الشرعية نصا أو استنباطا، حال انفرادها أو بضمها إلى غيرها،و قد ذهب بعض المصنفين إلى حصرها في خمسمائة آية و إليه ذهب الغزالي و الرازي و لعل مرادهم المصرح به فإن آيات القصص و الأمثال و غيرها يستنبط منه كثير من الأحكام2، قال الطوفي: " و الصحيح أن هذا التقدير غير معتبر ، و أن مقدار أدلة الأحكام في ذلك غير منحصر فإن أحكام الشرع كما تستنبط من الأوامر و النواهي، كذلك تستنبط من الأقاصيص و المواعظ " 3،و ذهب العز بن عبد السلام إلى أن معظم آي القرآن لا تخلو عن أحكام مشتملة على آداب حسنة و أخلاق جميلة ،و ألف في ذلك كتابا نفيسا سماه الإمام في بيان أدلة الأحكام 4، فآي الأحكام، إنما تنحصر و تتسع باختلاف دقة الفهم و قوة النظر، و المجتهدون في ذلك على تفاوت و المراد في هذا المقام، أن خطاب الشارع في بيانه للأحكام تصريحا و إشارة، إنما قصد حمل المكلفين على الامتثال، بالترغيب تارة، و بالترهيب تارة، و بوضع العقوبات الزاجرة و الحدود الرادعة، لكبح جماح النفس عن الاسترسال مع دواعي الأهواء، إذ لا يحصل انتظام الأحوال إلا بذلك، و هو أمر تشهد به العادات و التجارب،يقول الشاطبي:" المصالح الدينية و الدنيوية لا تحصل مع الاسترسال في إتباع الهوى و المشي مع الأغراض، بما يلزم من ذلك من التهارج و التقاتل و الهلاك الذي هو مضاد لتلك المصالح 1- سورة محمد، الآية 16. 2- البرهدددان في علدددوم القدددرآن، بددددر الددددين محمدددد بدددن عبدددد الله الزركشدددي، بددددر الددددين محمدددد بدددن عبدددد الله الزركشدددي، تحقيدددق: محمدددد أبدددو الفضدددل إبدددراهيم، ط 3، 1404هد- 1984م ، ج2، ص03- 04. 3- شرح مختصر الروضة، نجم الددين الطدوفي ، تحقيدق عبدد الله بدن عبدد المحسدن التركدي ، بديروت ، مؤسسدة الرسدالة ، ط 1 ،1407ه-1987م ، ج3، ص 577. 4- الإمددام في بيددان أدلددة الأحكددام، عددز الدددين بددن عبددد العزيددز بددن عبددد السددلام، تحقيددق: رضددوان مختددار بددن غريبددة، بدديروت، دار البشددائر الإسددلامية، 1407هددد- 1987م، ص284 و غيرها
عدد الصفحات ١٧٨الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 172 "1، ذلك أن الأغراض و المنافع تختلف في الأمر الواحد، فما يراه البعض مصلحة قد يراه البعض الآخر غير ذلك، ثم أن المنافع و المضار عامتها أن تكون إضافية تختلف من حال إلى حال و من شخص إلى شخص، و لو فرض شرعها وفق أهواء النفوس لساد التنازع و غلب الخصام، فتبين أن المصالح المعتبرة، إنما هي التي أثبتها الشرع وافقت الأغراض أو خالفتها 2 ،قال تعالى:﴿وَلَوِ ات َّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ ﴾.3 و الأحكام الشرعية لا تخلو من الخمسة، أما الوجوب و التحريم، فظاهر مصادمتها لمقتضى الاسترسال، لخروجها عن خيرة المكلف، إذ هي إما مأمور بها أو منهي عنها ،كان له فيها غرض أو لا، و كذلك سائر الأقسام، إنما دخلت تحت اختيار المكلف بإد خال الشرع لها، و إذ ذاك يكون اختياره تابعا لوضع الشارع و غرضه مأخوذا من تحت الإذن الشرعي، لا بالاسترسال الطبيعي و هذا عين إخراج المكلف عن داعية هواه. و للإمام الشاطبي في ذلك قاعدة جليلة مفادها أن:" التكاليف عائدة على المكلف في العاجل و الآجل،و لا يلزم من ذلك أن يكون نيله لها خارجا عن حدود الشرع ،و لا بأن يكون متناولا لها بنفسه دون أن يناولها إياه الشرع ". 4 و هو معنى لا يتناف مع مقصد الحرية كقيمة عليا يتصرف الإنسان بمقتضاها دون حجر حدود الإذن الشرعي كما قد يعتقد البعض 5، ذلك أن الشارع الحكيم أناط قسما كبيرا من التصرفات 1- الموافقات، مصدر سابق، ج 2 ، ص170. 2- المصدر نفسه،ج2، ص 40 3- سورة المؤمنون، الآية 71. 4- الموافقات، مصدر سابق، ج 2 ، ص172. 5- و في ذلك نسدجل اعتراضدا للددكتور محمدد حسدين جدابر مفداده أن الحصدر بهدذه الصديغة قدد يدوحي بتعطيدل دور العقدل و أن لديس للإنسدان مسداحة يتحدرك فيهددددا بالاسددددتقلال، المقاصددددد الكليددددة و الاجتهدددداد المعاصددددر تأسدددديس منهجددددي و قددددرآني لآليددددات الإسددددتنباط، بدددديروت، دار الحددددوار، ط 1،1421هددددد- 2001م، ص 210 .
عدد الصفحات ١٧٩الفصل الثاني: قواعد الاعتبار من خلال الكليات التشريعية :(القواعد المقاصدية و الفقهية و الأصولية ) 173 بفعل المكلف و اختياره دون حتم أو إلزام، إذ غاية المراد ربط أعمال القلوب و الجوارح بالمقصد الأعلى و هو تحقيق العبودية حتى فيما ظاهره التعلق بالحقوق الخالصة للعباد ،فهي ما انتظمت معنى الحق و خصائصه و لوازمه إلا بإثبات الشارع لها كذلك، و هو فرق جوهري بين النظرية الفردية للمصالح التي تقوم على أن منشأ الحق هو الحاجات الفطرية للإنسان ،و بين المنظور القرآني الذي يثبت هذه الحاجات كمنحة إلهية، الأصل التشوف في تحصيلها إلى تحقيق مقاصد الشارع. ويترتب على هذه القاعدة أمور كثيرة تتعلق في مجملها بطبيعة المصلحة المقصود من الشارع جلبها ،و ما يقابلها من مفاسد يطلب دفعها ،وعلاقتها بالحقوق الثابتة للأفراد من حيث تقريرها و ضوابط الانتفاع بحيث لا تتنكب عن ما شرعت له أصالة و تبعا ،و يمكن إجمال ذلك فيما يلي : أن المصالح المعتبرة، هي ما أثبته الشرع مصلحة لا ما اقتضته الأهواء و الشهوات، و عليه فإن الخلاف الذي قد يدور حول حقيقة المصلحة و الاحتجاج بها كدليل شرعي مرده إلى أصول الشرع و قواعده الكلية، إن مثل هذا الارتباط كما يقول البوطي:" يعصم من الوقوع في الزلل و التحلل من أواصر الشرع بدعوى المصلحة" 1 ،ثم إن حقيقة العبودية متى اجتمعت مع اليقين بحكمة المولى عز و جل و عدله و رحمته تقتضى الاعتقاد الجازم بأن الشارع الحكيم لا يشرع إلا ما فيه مصلحة حقيقية، و أن رحمته قد اقتضت ألا يكلف إلا بما فيه مصلحة و إن لم تظهر حال النظر، و ليس في ذلك شيء من الحجر، ذلك أن المعقولية هي الصفة الغالبة لأحكام الشرع،" إذ ليس من مقصود الشارع إخضاع المكلفين تحت سلطان التكليف ، دون إمكان العثور على وجه معقول ينهض بتفسيره لنفعهم و صالحهم، و إنما مقصوده أن يتحقق سلطان التشريع في نفوسهم ، بالرغب ة لا الإكراه و الاختيار لا الاضطرار". 2 1- من الفكر و القلب، ص138. 2- دراسات و بحوث في الفكر الإسلامي المعاصر، فتحي الدرينّ، ج 1، ص29
عدد الصفحات ١٨٠