+ يايهودي من كل يُخلق، من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة... " رواه أحمد وقد وصف ماء كل منهما بأنه دافق ، أي أنه يندفع بقوة ،ولايسيل سيلاً. ﮋ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﮊ الطارق: ١ وصف الماء بأنه{ دافق} وفي اللغة العربية قاعدة تقول : الجمل بعد المعارف أحوال وبعد النكرات صفات، وكلمة { ماء} نكرة ، ولهذا فإن جملة{ يخرج} في محل جر صفة ثانية لكلمة { ماء} وبين هاتين الصفتين كان هناك فصل ووصل وتفاوت أما الوصل فهو في تبعية الصفة الموصوف حتى وإن تعددت الصفات أضف إلى ذلك عدم الفصل بين الصفتين الأولى والثانية بحرف من حروف العطف وفي هذا الوصل إشارة إلى تلازم هاتين الصفتين في ذلك الماء، فهو أبداً دافق، وهو أبداً يخرج من بين الصلب والترائب أما الفصل فهو ذلك الفاصل الرقمي الذي فصل بين الصفتين، فالصفة الأولى { دافق} اسم فاعل، والاسم يفيد الثبات، فهو غير خاضع للتغير والتبدل، أما الصفة الثانية فجاءت جملة فعلية ، والفعل لايفيد الثبات مثلما هو الاسم، إنما يفيد التجديد، وهو أن يحدث الأمر مرة ويتوقف أخرى أي أنه خاضع للتغير. أما التفاوت فهو في أن الماء الذي يكون من المرأة له سمة خروج من بين الصلب والترآئب يحمل قدراً من الاختلاف عن خروج ماء الرجل، وهو ماسأعرض له بالتفصيل فيما يلي: { منبين الصلب والترائب } الصلب هو الظهر، والترائب هي عظام الصدر، فمن بين العظمين يخرج الماء، وقد تردد لدى المفسرين قديماً القول بأن الصلب للرجل وأن الترائب للمرأة، مع أن الآية ذكرت
عدد الصفحات ١٧ماءً واحداً، ولم تذكر مائين، ومن الثابت في نص الشريعة أن الماء الواحد الذي يخلق منه الإنسان هو الماء المختلط من ماء الرجل وماء المرأة ، وهي النطفة الأمشاج. وقد نظر بعض المفسرين إلى توحد دلالة الماء في الآية فردّ ذلك إلى اتحاد ماء الرجل وماء المرأة في ماء واحد، وذلك في رحم المرأة ، وهذا مبلغهم من النظر في خلق الإنسان ، وذلك للمستوى الذي كانت عليه أدوات البحث العلمي، أما في هذا الزمان، فقد قفز العلم قفزات واسعة، فكان لزاماً أن نذكر ماتوصل إليه العلماء في جزئية الصلب والترائب، لمساهمتة في فهم الآية: يقول الدكتور محمد على البار: إن الخصية والمبيض يتكونان من الخلية التناسلية بين صلب الجنين وترائبه.وتتكون الخصية والمبيض في هذه المنطقة تحديداً { بين الصلب والترائب } ثم تنزل الخصية تدريحياً حتى تصل إلى كيس الصفن { خارج الجسم} في أواخر الشهر السابع من الحمل، بينما ينزل المبيض إلى حوض المرأة، ولاينزل اسفل من ذلك ومع ذلك فإن تغذية الخصية والمبيض بالدماء والأعصاب واللمف تبقى من حيث أصلها، أي من بين الصلب والترائب ، فشريان الخصية أو المبيض يأتي من الشريان الأبهر من بين الصلب والترائب كما أن الأعصاب المغذية للخصية والمبيض تأتي من المجموعة العصبية، الموجودة تحت المعدة من بين الصلب والترائب ... فالحيوانات المنوية لدى الرجل وكذلك بويضة المرأة يستقيان مو اد تكوينها من بين الصلب والترائب، كما أن منشأها ومبدأهما أيضاً من بين الصلب والترائب عندما قال تعالى : { إن كل نفس} لم ينظر إلى ذكورة وأنوثه، لأنه أراد بذلك كل إنسان ذكراً كان أم أنثى، وعندما ذكر منشأ الماء الدافق لدى الذكر والأنثى نظر إلى الأصل المشترك بينهما وهو { من بين الصلب والترائب} فالماء لدى الرجل والمرأة ماء واحد إذا
عدد الصفحات ١٨نظرنا فيه إلى أصل تكوينه . وأمام هذه الحقيقة يعرض لنا سؤالان ، الإجابة عليها من جملة دلالات الآيات ، ولكن ليس بلفظ مباشر، إنما من خلال ضم القرائن إلى بعضها البعض: السؤال الأول: ماعلاقة حقيقة { من بين الصلب والترائب} بقوله تعا{ إن كل نفسٍ لما عليها حافظ } ؟ الخطوة الأولى: يخلق الله الإنسان من أم وأب ، وهذا الخلق قائم على نطفتين، نطفة الرجل { الحيوان المنوي } ونطفة المرأة { البويضة} وكل منهما يششتمل على ست وأربعين (64 ) كروسوماً { اختصار لكروموسوم } ليكون المجموع بذلك اثنين وتسع ( 29 ) كروسوماً، ولكن الإنسان، أيّ إنسان لايتم بناؤه إلا من ست وأربعين فقط ، ولذلك نجد عند اندماج النطفتين يتم الاختيار من جملة كروسومات الرجل والمرأة مايستوفي ذلك العدد ، وماسوى ذلك يتم نبذه. وتنتظم الكروسومات لدى الرجل والمرأة على هيئة أزواج ، فهي ثلاثة وعشرون زوجاً، وتفترق الأزواج لدى الرجل عنها لدى المرأة في الكروسوم الجنسي ، فالزوج لدى المرأة مؤنث ، ولدى الرجل أحداهما مذكر والآخر مؤنث الخطوة الثانية: تلك الكروسومات تحمل كل الصفات الورائية التي سيحملها الإنسان، ليخرج إلى الحياة إنساناً سوياً كغيره من الناس ، وقد كُتبت هذه الصفات في الكروسومات بلغة كيميائية ، ولو أردنا حصر هذه المعلومات وإفراغها على الأوراق لاحتجنا إلى دائرة معارف من ألف جزء مع انها مدونة في الأصل على خلية واحدة . هي النطفة الأمشاج، التي اتخد فيها الحيوان المنوي مع البويضة .
عدد الصفحات ١٩وهذ اللغة الكيميا ئية قائمة على أربع قواعد : أذنين وجوانين وثايمين وسايتوسين، وسأترك الحديث عن طريقة صياغة الكلمات طلباً للاختصار، واكتفاء بوفرة ماكُتب في ذلك. الخطوة الثالثة: هذه القواعد التي تُكتب بها اللغة الكيميائية التي ينبني بها خلق الإنسان مركبة من جملة عناصر كيميائية أكثرها حضوراً الكربون والهيدروجين والأكسجين والنيتروجين، ونسبتها إلى نطفة الإنسان 24% ومابقى من هذه النسبة فهو لعناصر أخرى فمن أين تأتي هذه العناصر ؟ إنها من غذاء الإنسان الذي يصل إلى الدم من الأمعاء الدقيقة ، فينقلها الدم مباشراً إلى سائر جسد الإنسان، ومن ذلك الموضع المذكور بلفظ { بين الصلب والترائب} ومن ب الصلب والترائب تنطلق تلك العناصر لتكوين الماء الدافق لدى الرجل والمرأة . الخطوة الرابعة : فلننظر الآن إلى دلالة { إن كل نفسٍ لما عليها حافظ } أمام ماذُكِر من خلق الإنسان: إن أدنى خلل أو اختلاف في نسب تلك العناصر قد يترتب عليه خلل في النطفة، والذي يترتب عليه خلل في الخِلقة، أو أن تصبح النطفة ضعيفة أو غير صالحة لأن يقوم عليها بناء إنسان، وقد شاء الله ان يخلق هذا الإنسان أو ذاك خلقاً سوياً، فأسبغ عليه حفظه إذ هو جملة عناصر كيميائية تنطلق من بين الصلب والترائب لدى الرجل ولدى المرأة ،لأن الخلق سينبني على نطفتيهما { والبويضة} والبويضة لاتكون مُعدة للتلقيح إلا بعد انتقالها إلى قناة { فالوب } فكان من حفظ الله للإنسان الذي سيقوم بناؤه على نصفها قوة دافعة بانفجار الحويصلة عنها، فتندفع مباشرة إلى مدخل قناة فالوب، وقد جعل الله مدخل القناة أهداباً تتلقفها، وتقودها إلى القرار المكين.
عدد الصفحات ٢٠أما الحيوان المنوي الذي سيكون الشق الثاني من ذلك الإنسان فإنه لايندفق من الرجل بمفرده، بل جملة من الحيوانات المنوية تبلغ مئات الملايين، فكيف يتسنى له من بين هذا الكم الهائل ان يكون هو صاحب قصب السبق ؟ إنه مدلول : { إن كل نفسٍ لما عليها حافظ } . وتتعدد جوانب حفظ الإنسان في طور الخلق: وصولاً إلى القرار المكين { الرحم} ثم مايتبع ذلك من أطوار الخلق: العلقة المضغة والعظام...ألخ وتفصيل ذلك تجدونه في مظانه، لأن السياقالذي نحن بصدده لايحتمل تفصيل كل ذلك، إنما تكفينا تلك الإشارة في بيان دلالة { حافظ} وربطها بالشاهد المذكور في خلق الإنسان. السؤال الثاني: ماعلاقة تجديد خلق الإنسان في قوله تعالى { من بين الصلب والترائب} بقوله تعا{ والسماء والطارق} ؟ سمعتُ أن الدكتور عبد الفتاح طيره قد رأى أن {الطارق} يحتمل توجه دلالته إ الحيوان المنوي، وهو رأي قد يبدو بعيداً، لبعد الشقة بين السماء وبين الحيوان المنوي، ولما تستسوجبه دلالة السماء من مناسبة المعطوف عليها لها، وهو قوله سبحانه: { النجم الثاقب } ومع ذلك فإنني أثق في رؤية العملية تأسيساً على ماقرأت له إلا أنني سأنظر إلى ماقال بما يستوعب دلالة الطارق على النجم الثاقب. قال علماء الأحياء: البويضة تكبر الحبوان بحوالي { 008 8 }ضعفاً، فتبدو وكأنها كوكب كبير، والحيوانـات المنوية من حولها كأنها كأنها الأقمار تدور في فلكها، وهذا الدوران بسبب حركـة الأهـداب على البويضة والموجات الناتجة عن حركة السائل الموجود في قناة فالوب فكل حيوان منـوي دائر حول بويضة يطرق جدار البويضة محاولاً أن يثقبها، فلا يستطيع ، فـإذا تم اختيـار أحـد هذه الحيوانات ليكون الشق الثاني في تكوين الإنسان الذي أراده الله ظهر نتؤ في غشاء
عدد الصفحات ٢١البويضة مقابل ذلك الحيوان، فيفرز من رأسه مواد مذيبة، ليحفر مدخلاً إلى البويضة فإذا دخل إليها ارتجفت البويضة لمدة دقيقة تقريباً، فتنصرف الحيوانات المنوية الأخرى بسبب الشحنة الكهربائية الصادرة عن رجفة البويضة. فإذا أردنا بيان وجه التناسب بين هذه الحقيقة وبين { والسماء والطارق} فإن البويضة تشبه السماء والحيوان المنوي يشبه الطارق { النجم الثاقب } وذلك أن الحيوان المنوي يجول حول قبة البويضة ويضرق هذه القبة مرة تلو أخرى، فإذا تيسر له الدخول ثقب تلك ودخل في فضاء البويضة تأسيس على ذلك الدخول بناء حياة... ويبقى لدينا الركن الثالث من ذلك التناسب بين دلالة { الطارق} وقوله تعا{ من ب الصلب والترائب } فالحيوان المنوي الذي يطرق سطح البويضة ثم يثقبها، كان قبل ذلك جملة من العناصر الكيميائية، لم تصل بعد إلى مرحلة بناء الحيوان المنوي. وهذا الوجه يشبه ماذكرناه من قبل من شأن الكواسار ، إذ تبين للعلماء أنه يتميز بمواصفات مغايرة للمظهر العام لنجوم السماء، وهي: يولّد من الطاقة مايتجاوز الطاقة التي تولدها مجرة كاملة فيها مائة ألف نجم تناقص لمعانها وبريقها خلال ستة أشهر، وهو مايستحيل حدوثهأي نجم من نجوم السماء
عدد الصفحات ٢٢هذه السماتالتي يتميز بها الكواسار، ويختلف بها عن السمات العامة لنجوم السماء يفترض أن له دوراً مميزاً في الكون، أفترض أنه المادة الأولية لتكوين النجوم، مثلما هي العناصر الكيميائية بين الصلب والترائب المادة الأولية لتكوين الحيوان المنوي. فإذا احتاج بناء السماء إلى نسج إضافي بسبب موت بعض النجوم أو بسبب اتساع السماء المتزايد جاء المدد من ذلك الكواسار نجماً جديداً يطرق قبة السماء، ثم يخترقها ليحتل موقعه من بناء السماء ومن المعلوم أن النجم حين ولادته يكون ضوؤه ثاقباً وذلك بسبب أنه في ذروة طاقته، وهو قول العربي لأخيه قديماً: أثقب نارك ، أي : زدها وقوداً لتزداد اشتعالاً وإضاءة وهذا النسق الذي ذكرته آنفاً نجد له مثيلاً في الكون الأصغر: الذرة فعالم الذرة عالم قائم أيضاً على فكرة المزاوجة، وهي الشحنة الموجبة في النواة والشحنة السالبة في الألكترون، وبما يحدث بينهما من تجاذب يتحقق معنى البقاء للذرة . فهل هذا فقط مايجري في عالم الذرة ؟ مازال هناك شيء آخر قابع في النواة الذرة، ألا وهو النبويترون، إلا أنه محايد، أي ليس سالباً وليس موجباً ، وماذا يفعل في الذرة ؟ ذكر الفيزيائيون ان النواة إذا تحللت يتحول أحد نيوتروناتها إلى بروتون يبقى في النواة وألكترون يتحرر على شكل أشعة بيتا. وبهذا القول يتبين لنا أن النيوترون المحايد إنما هو مدد العالم الذرة إذا حصل نقص في بروتوناتها، فيتحلل إلى تكوينين مختلفين: بروتون موجب وألكترون سالب، وذلك للحفاظ على تكوين الذرة. وأسمح لنفسي بذكر مافي قوله تعالى لاحقاً { والسماء ذات البروج} لما فيه من موافقةٍ لما ذكرناه من شانه الكواسار وخروج الماء الدافق من بين الصلب والترائب ودخول الذرة في ذات النظام . وهو مايسري على ماترجعه السماء مما يصعد إليها من بخار الماء. فالماء مادة سلئلة، والبخار مادة غازية والغاز أقل كثافة من الماء، ولذلك ترفعه الريح إلى السماء،
عدد الصفحات ٢٣وهو حالة بقائه في السماء بخاراً ليس له دور في إحياء الأرض، ومع ذلك فإن له دوراً آخر، وهو تكوين مادة الحياة، ألا هو الماء المتدفق من السماء، فتستقبله الأرض { ذات الصدع} فتنبثق فيها الحياة. فالنجار هو المادة الأولية التي يتكون منها ماء الحياة، فكيف يتم ذلك التكوين ؟ ذكر العلماء أن بخار الماء لايتكثف ليصبح ماء إلا بوجود مادة صلبة يتجمع البخار من حولها، وهذه المادة الصلبة موجودة أبداً في السماء وهي حبيبات من التراب يحتوي الجرام الواحد منه مليون مليون مليون حبيبه، ومن الحبيبات مايكون أصغر من ذلك، وهذه الحبيبات موجودة في السماء حتى في أشد حالات صفاء الجو. إذا تتكثف القطيرة من البخار حول تلك الحبيبة، وهذه القطيرة صغيرة جداً إذ يلزم أن تتجمع ثمانية ملايين قطيرة قطرة مطر عادية. وهكذا يتم تكوين السحب المحملة بالماء، فيسوقها الله ليحي بها بلدة كانت ميتاً، أي لخلق حياة جديد ة . وهنا تتبين لنا الآفاق الدلالية لقوله سبحانه { والسماء والطارق} فالماء الذي يُخلق منه الإنسان كان قبل ذلك { بين الصلب والترائب } أي مادة أولية يتم بها تكوين شقى الإنسان خلق الإنسان: الحيوان المنوي والبويضة . وبخار الماء الصاعد إلى السماء أيضاً ماد ة أولية يتكون منها ماء الحياة، فإذا تدفق إلى الأرض تم خلق الحياة، مثلما كان نزول مابين الصلب والترائب إلى المبيض وإلى الخصية سبباً لخلق حياة جديدة، والنيوترون في الذرة مادة محايدة ، فإذا تحللت نواة الذرة أصبحت عرضة للانهيار، وهنا يتحول النيوترون إلى بروتون وألكترون فبحفظ على الذرة { حياتها} . ووفقاً لكل ذلك فإن أقرب ماذُكر من تأويل { النجم الثاقب} هو تلك النجوم ال تتكون من المادة الأولية { الكواسار} لتحفظ بناء السماء من الاختلال بسبب مايعرض
عدد الصفحات ٢٤لبعض النجوم من موت ، وبسبب مايتولد عن اتساع السماء مناختلاف في توازن قوى التجاذب... ﮋ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﮊ الطارق: ٨ والضمير في { رجعه} الأقرب فيه أن يكون مرجعه إلى ماجرى الحديث عنه وهو الماء الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب، وهو جُلٌ مادارت عليه أقوال أهل التفسير ومن ذلك قولهم: رد الماءالأحليل. رد الماء في الصٌلب رد الإنسانماءً كما كان .... واختار الطبري القول بأنه ردّ الإنسان بعد الموت نلاحظ أن هذه الاية والآيتين التاليتين لها يختلط فيها الضمير ما. الإنسان، فالضمير في هذه الآية يدل على الإنسان، ولكنهما، أي الضميرين يسيران في حظ واحد، وهو ماجعل البعض يؤول الضمير في قوله { رجعه} بالإنسان مع أنه ألصق بالدلالة على ذلك الماء الذي خُلق منه الإنسان، ولذلك كان هذا التفاوت في دلالة الضمير تفاوتاً مقصوداً، أر اد به المولى عز وجل القول بأن ذلك الماء هو الإنسان، وأن الإنسان هو ذلك الماء، أي أنه له هيئتان، هيئة الماء وهيئة ذلك الهيكل الممتد طولاً وعرضاًَ ولبيان ذلك أذكر مثالاً واحداً وهو البصمة التي يحملها كل إنسان، والتي لايتشابه فيها اثنان، قال تعالى ﮋ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮊ القيامة: ٤ فخص البنان بالذكر لتفرد كل إنسان ببصمة خاصة، وكل انسان، من لدن آدم عليه السلام إلى آخر مولود بولد في الأرض، يبعثه الله ببصمتة التي كان عليها في الحياة الدنيا. فإذا التفتنا إلى خبر الماء الدافق { النظفة} فإن كل الأوامر الكيميائية التي سيؤسس عليها الإنسان مُدرجة في تلك الكروسومات ومن بينها رمز البصمة . هذا الماء يرجعه الله، أي
عدد الصفحات ٢٥يخلقه مرةأخرى حاملاً نفس المواصفات التي كان عليها ذلك الماء الدافق في الحياة الدنيا، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: + مابين النفختين أربعون ثم يُنزل الله من السماء ماءً، فتنبتون كما يبنت البقل، وليس من الإنسان شسء إلا يبلى، إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب ومنه يُركب الخلق يوم القيامة } رواه البخاري ومسلم ومن المؤكد أن ذلك الماء سيكون ذا مواصفات خاصة يفضي وصوله إلى كل عجب ذنب إلى { إنبات} الإنسان من جديد فها هو الماء الذي خُلق به الإنسان في الحياة الدنيا، رجعه الله أي بذات الفعالية التي كانت لذلك الماء في الحياة الدنيا. وقد أُ كد مضمون هذه الآية بمؤكدين: إن واللام، والقضية التي سرى عليها ذلك التوكيد هي قدرة الله على رجع ذل ك الماء، الذي هو الإنسان نفسه ولكن في لغة كيميائية، وقد استخدمت المؤكدات مراعاة لأمرين: الأول: التكوين المذهل لذلك الماء المشتمل على رموز خلق الإنسان من رأسه إلى أخفض قدميه، وقد مر معنا أن إفراغ كل تلك المعلومات على الأوراق يحتاج إلى دائرة معارف من ألف جزء، في حين أن كل ذلك موجود في خلية واحدة لاترى بالعين المجردة. فالله عز وجل قادر على رجع ذلك التكوين بعد فنائه على أدق ماكان عليه الثاني: التأكيد على أن ذلك الرّجع هين عليه سبحانه، وموضع الإشارة إلى أنه هين استخدام اسم الفاعل { قادر} وعدم استخدامصيغة المبالغة قدير، وقد صرّح جل شأنه بهذا المعنى في قوله: ﮋ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮊ الروم: ١٢
عدد الصفحات ٢٦ﮋ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﮊ الطارق: ٩ { يوم} ظرف زمان ، أما الظرف الذي أُدرج فيه فقد ورد فيه رأيان فقيل هو قوله { لقادر} وقيل هو{ رجعه} والمعنى وفقاً لهذين الرأي إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر إنه لقادر على رجعه يوم تبلى السرائر والرأي الأجدر بالاتباع أن يكون الظرف { يوم} ظرفاً لقوله { رجعه} لا لقوله { لقادر} لأن قدرة الله تعالى ليست مقيدة بزمان بعينه، بل هوقادر على ذلك الرجع متى شاء، أما دلالة { رجعه} فكائنة في ذلك اليوم، لا في سواه { تُبلى السرائر } { تُبلى } تمتحن وتختبر هذا في الأصل ، قال تعا ﮋ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﮊ الملك: ٢ وبالنظر إلى نتيجة البلاء نصل إلى دلالة الكشف، لأن الامتحان والاختبار يكشف ماكان مستوراً، وهي السرائر. قال تعالى: ﮋ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﮊ محمد: ١٣ فالغاية من { لنبلونكم} أن يظهر مافي القلوب في قول الإنسان وعمله وهو دلالة الجهاد والصبر على مايجده المؤمن في الجهاد من بأساء. { السرائر} جمع سريرة، من الفعل سًرَ، والسر هو مايخفيه الإنسان في صدره، وتبعاً لهذا الأساس أصبح لفظ السريرة لفظاً عاماً يُراد به دخلية الإنسان. فما كان الإنسان قادراً على إخفائه في الحياة الدنيا ينكشف يوم القيامة، ويُعلن على الملأ إن أراد الله عز وجل ذلك . ولأن السياق لم يحدد ذلك الإنسان من حيث الكفر أو الإيمان فإن بلو السرائر ماضٍ على
عدد الصفحات ٢٧الناس جميعاً، إلا أن المشهد مع المؤمن يختلف عن مشهد الكافر، وهو قوله صلى الله عليه وسلم..... +إن الله يُدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا ؟ فيقول : نعم أي رب . حتى إذا قرَره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك قال: سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته ، وأما الكافر والمنافقون فيقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألالعنة الله على الظالمين" رواه البخاري ومسلم. فالمؤمن يبلو الله سريرته، أي يكشف ماكان فيها بدون أن يطلع عليها أحدٌ سواه، والكافر والمنافق يُداع على الملأ كذبهما فيخزيهما. في هذه الآية تمّ الالتفات من حالة كون الإنسان { ماء دافق} إلى حالة كونة هيكلاً يسعى على قدمين { يوم تبلى السرائر} ﮋ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮊ الطارق: ١١ هذه الآية مترتبة على كلام سابقٍ، ولذلك اقترنت بها الفاء أن الإنسان إذا تمّ { رجعه} يوم القيامة كان عليها في الحياة الدنيا، وقد استخدم حرف الجر { من} لاستغراق القوة جميعاً، وذلك أن قولك ليس معي مالٌ غير قولك: ليس معي من مال، ففي المثال الأول قد تنفي به فقط أن تكون لديك مال يجعلك ممن يقال فيهم لديه مال، مع وجود القليل الذي لايكفي لديك، أما المثال الثاني فدل على استغراق المال كله، كثيرة وقليله، وهذا ماأفادته { من} { من قوة ولا ناصر} استغرقت هذه الكلمات كل مظاهر القوة التي كانت متيسرة للإنسان في الدنيا ، و هي القوة الذاتية والقوة الموضوعية ، أو القوة الداخلية والقوة الخارجية ، فهو في ذاته يملك قوة يدفع بها عن نفسه وإن لم تكف قوته الذاتية في ذلك
عدد الصفحات ٢٨فهناك القوة الخارجية{ ناصر} إذ يجد الإنسان من يعينه بقوة، من أهله أو من صاحبه أو سوى ذلك فنفى الله عن الإنسان كل ذلك { يوم تُبلى السرائر } وقد ذكر الله عز وجل ذلك في مواضع عديدة من كتابه الكريم، ومن ذلك قوله: ﮋ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﮊ الانفطار: ٩١ 3-القسم على صدق ذلك ا ﮋ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮊ الطارق: ١١ - ٤١ هذا القسم أجراه الله على القرآن كله، ووجه تناسب هذا المقطع مع ماسبقه أن الكلام السابق كان جملة من الحقائق الدينية التي يدعو إليها القرآن، فهي جزء من القرآن والقول فيها قول فصل، وقد التفت البيان من الجزء إلى الكل، لبيان أن هذه الحقيقة سارية على الكل ، وليس فقط على ذلك الجزء. وقد استخدم القسم في إعلان هذه الحقيقة لأن الخطاب جاء رداً على الكافرين الذين أنكروا أن يكون القرآن وحياً من السماء. ﮋ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮊ الطارق: ١١ - ٢١ يقسم جل شأنه بالسماء والأرض، وهما الثنائي الذي تستقسم به الحياة، ولوفقد أحمدما لما كانت هناك حياة للإنسان. وقد وُصف كل منهما بالصفة الفعالة فيه والتي تحقق معنى الحياة:
عدد الصفحات ٢٩{ ذات الرجع} اختار السلف الصالح القول بأنها ذات المطر، وهوقول صحيح، لأن الماء الذي يتبخر من الأرض بفعل حرارة الشمس يصعد إلى السماء، فترجعه السماء إلى الأرض غيثاً ينتفع به العباد . وهو المعنى المقصود وذلك لأمرين: الأول:مناسبتة للسياق العام وهو سياق الخلق المتجدد الذي بُدئ بالسماء والطارق وثُني بالماء الدافق، وهو هنا ماتُرجعه السماء من ماء يحي به الله الأرض بعد موتها. الثاني: مقابلة دلالة كلمة { الرجع} التي أشرنا إليها فيل قليل لدلاله الصدع الأرض، لاسما ء ترجع ترجع مايصل إليها من ماء فتصدع الأرض له، وهو مثل قوله تعالى: ﮋ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﮊ عبس: ٥٢ – ٤٢ ودلالة{ الرجع} على ماترجعه السماء من ماء لايمنع من اتساع دلالة الكلمة، وهو وجه من وجوه الإعجاز البياني في القرآن، ان تكون كل دلالات الكلمة مقصودة بدون أن يتعارض معنى آخر، ومن آفاق دلالة { الرجع} : 1- أن السماء محكمة الإغلاق حول الأرض، فما إليها من تكوين الأرض لايجد فيها منفذاً يعبر منه إلى الفضاء الخارجي، قال تعالى: ﮋ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮊ ق: ٤ والفروج جمع فَرج، وهي الفتحة تكون في الشيء 2- فعالية{ الرجع} ليست وقفاً على ماترّده السماء مما يصعد إليها من تكوين الأرض سارية على مايأتي الأرض من الفضاء الخارجي، مما قد يضر بنظام الحياة في الأرض، فالإشعاع الكوني والاشعاعات المضرة بالإنسان من شعاع الشمس تردّه السماء، وكذلك ترجع السماء مايقصد الأرض من شهب ومن نيازك فالسماء ذات رجع من جهتين.
عدد الصفحات ٣٠3- { ذات الصدع} ذكرت فيما سبق أن شقي القسم شقان منسجمان، يحملان دلالة المزوجة، فابالماء الدافق من الرجل والمرأة تنبثق حياة جديدة، وبرجع السماء وبصدع في الأرض تنبثق الحياة، قال تعالى: ﮋ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﮊ الروم: ٤٢ والصدع في الأرض يكون من جهتين من فوق ومن تحت . فنصفه الصدع الملازمة للأرض يتسرب الماء إلى باطنها، فينتفع العباد به لاحقاً، عيوناً أوآباراً، وبصفة الصدع تتمكن النبتة من شق طريقها وذلك في اتجاهين، فوق الأرض وتحت الأرض وقد ذكر الجيولوجيون أن المراد بالصدع شقوق عميقة في قيعان البحار، وهو كلام مردود، لأن انسجام وتواءم البناء الدلالي في السياق العام يستوجب أن يكون المعنى على الوجه الذي أوردته قبل قليل، وهذا لايمنع من اشتمالا دلالة الصّدع على المعنى الذي ذكره الجيولوجيون، لما ذكرناه من سمة الإعجاز البياني للكلمة في القرآن. ﮋ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮊ الطارق: ٣١ هذه الآية هي جواب القسم، والقول الفصل هو القول القاطع، وقد قيل في ذلك: يفصل بين الحق والباطل، ولكن المعنى أوسع من ذلك، لأن القول الفصل هوللذي ينقطع من بعده كل قول . ولجلاء هذا المعنى نذكر له مثلاً قالته العرب، وهو: قطعت جهيزة قول أحدهما من الآخر قتيلاً ، ويسألون أن يرضوا بالدية، فيبينا هم في ذلك إذ جاءت أمةٌ يقال
عدد الصفحات ٣١لها{ جهيزة} فقالت: إن القاتل قد ظفر به البعض أولياء المقتول فقتله، فقلوا عند ذلك قطعت جهيزة قول كل خطيب. اي لم يبق أمامهم مجال ليواصلوا الكلام فيما كانوا فيه. ولكلام الله المثل الأعلى، فكل قول قد يُرد وقد يُبارى وقد يُزاد عليه، أما القرآن فقول فصل، أسكت أرباب الفصاحة والبيان عن محاولة مجاراته، قال تعالى: ﮋ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﮊ الإسراء: ٨٨ لذلك هو قول فصل، قطع الإنس والجن عن مجاراته او محاكاته. وبالنظر إلى أن الإنسان في الأرض لابد له من قوانين ونظم تحكم جملة أحواله، فإن تُرك ذلك إلى اجتهاد الإنسان فإنه حتماً سيكون عرضة للخطأ، وللنقصان والزيادة، أي أن اجتهاده لن يكون اجتهاداً فصلاً يبلغ حدّ الكمال الذي يمتنع من الزيادة أو ا لتعديل. ومن هذا الوجه كان وصف القرآن بأنه فصل، إذ أن تشريعاته بلغت حدّ الكمال فيما يوافق صالح الإنسان في الدنيا والآخرة، فلا مجال معه للزيادة أو للتعديل أو للخوف ووصف القرآن بهذه الصفة في سورة من سور القرآن المكي فيه إشارة إلى الحقيقة التي تلقاها مشركو مكة بأن الله واحد وأنهم سوف يبعثون بعد موتهم، فجاءت الآية : { إنه لقول فصل } لبيان أن هذا الخبر فصل، اي لامرد له، ولاشبهة فيه ﮋ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮊ الطارق: ٤١ الهزل ضد الجدّ، وبالنظر إلى أن الهازل في القول يأتي بالأخيار والأمور على غير وجهها المعلوم والمعقول لغرض التفكه والتسلية، فإن نفي صفة الهزل عن القرآن الكريم فيه نظر إلى تلك الأخبار بها القرآن مما لم يكن للمشركين معرفة بها، هذا ماذكر من غيبيات لاسبيل إلى الاطلاع عليها، مثل أن الإنسان من بعد موته يعود حياً من جديد، ومن مثل الجنة
عدد الصفحات ٣٢