المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإعجاز البياني في القرآن الكريم سورة الطارق

محمد مبارك المزيودي

صفحة ١ من ٣

سورة الطـــارق محمد مبارك المزيودي الإعجاز البياني في القرآن الكريم

عدد الصفحات ١

ﭑ ﭒ ﭓ ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮊ الطارق: ١ – ١١

عدد الصفحات ٢

سورة الطارق مكية ، وهي سبع عشرة آية مقاطع السورة 1- القسم على حفظ الإنسان ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﮊ الطارق: ١ – ٤ 2- الدليل على حفظالإنسان ﮋ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮊ الطارق: ٥ - ١١ 3- القسم على صدق ذلك ا ﮋ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮊ الطارق: ١١ - ٤١ 4- تهديد المكذب ﮋ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮊ الطارق: ٥١ – ١١ التقسيم المذكورين يبين دوران السورة حول محور واحد ، وهو قوله تعالى { أن كل نفس لما عليها حافظ } وهذا المحور ماهو إلا حقيقة من جملة حقائق القرآن الذي كذب به الكافرون، ولذلك تم الالتفات في المقط ع الثالث من الخاص، وهي الحقيقة المذكورة قبل قليل إلى العام فهو القرآن : { إنه لقول فصل وماهو بالهزل} .

عدد الصفحات ٣

التفسير والبيان 1- القسم على حفظ الإنسان ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﮊ الطارق: ١ – ٤ { والسماء والطارق} لم يختلف القول في معنى السماء، أما الطارق فقد ذُكرت فيه أقوال عديدة بدون الخروج عن دلالتة على النجم، فما دلالة الطارق ؟ وماوجه تناسب هذه الدلالة مع النجم ؟ ومامدى سريان هذه الدلالة على النجوم ؟ 1- دلالة{ الطــــــــــــــــارق} . الطرق في اللغة هو الدق ومنه سُميت المطرقة، وقد شاع استخدامها فيمن يقدم على أهله أو على غيرهم ليلاً، فسُمي قاصد الليل طارقاً لاحتياجه في الوصول إلى الدق. وقد اعتُمد على هذين المعنين في بيان { الطارق} فكان للسابقين تأويل وللمعاصرين تأويل، أما تأويل السابقين فهو أن الطارق هو كل نجم في السماء يظهر للعيان، ووصف بذلك لأنه يظهر ليلاً. أما المعاصرون فاجتهدوا من خلال الكشوفات الفلكية، فقالوا إنها نجوم موجودة في الامتداد الكوني، تصدر أصواتاً متتابعة تشبه صوت الطرق المتتابع. 2- الدرس والتحليل  من حيث الدلالة الأشهر لكلمة الطارق في لغة العرب، فإن كل نجم يظهر في صفحة السماء هو طارق، وذلك لأنه يظهر لعين الإنسان ليلاً  ولكن الآيات قصرت وصف النجم بأنه طارق حال كونه ثاقباً، أي أنه إن لم يكن ثاقباً لم يصح وصفه بأنه طارق . فما معنى كون النجم ثاقباً ؟

عدد الصفحات ٤

قال تعا ﮋ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮊ الصافات: ١١ وذلك أن الشياطين مُنعوا من استراق السمع لما يدور في الملأ الأعلى فأصبح أحدهم إذا أراد أ، يسرق خبراً تلقفه بسمعه وأسرع هارباً به، فيسلط الله عليه شهاباً ثاقباً يدركه فيحرقه، وهو مانشهده في بعض الليالي، إذ ينطلق شهاب كأنه القذيفة. أما وصفه بأنه ثاقب فقد أُوِل ب أنه المضيء ومن ذلك قولهم : أثقب نارك، أي أجعلها أكثر إضاءة. ولكن هذا المعنى ليس هو المعنى العجمي للكلمة، إنما هو النتيجة المترتبة على المعنى العجمي فالثقب هو الخرق، وعلى ذلك فإن الضوء المنبعث من النار يخترق المدى المحيط بها على قدر اشتعالها، فإذا أمدها صاح بها بالوقود ازدادت اشتعالاً، وبالتالي ازدادت نسبة إضاءتها، فاتسع المدى الذي يخترقه الضوء، ليصبح أكثر امتدادا إلا أن الثقب يحمل خصوصية في الدلالة لاتحملها كلمة : الخرق، وذلك أن الخرق لايحمل دلالة القوة في الفعل ، أما الثقب فهو خرق بقوة ثم هو يحمل دلالة استقامة الخرق، أي أنه خرق يمضي في خط مستقيم متساوي الأبعاد والشهاب الثاقب الذي يرسله الله على الشياطين له فلك يسبح فيه وقد لايكون مرئياً للعين الباصرة، فإذا سلطه الله على الشياطين انطلق انظلاق القذيفة، أي بسرعة عالية، فتولد عن احتكاكه بالفضاء الكوني مزيد اشتعال له، لأن الاحتكاك يولد حرارة ، فإذا كانت الكتلة كبيرة والاحتكاك عالياً ولّد ذلك اشتعالاً، ومن يلاحظ تلك الشهب في السماء يلاحظ أنها تخلف وراءها خطاً مُضِيئاً سرعان مايختفي، هذا الخط هو مايفقده الشهاب من كتلته بسبب احتكاكه الشديد بالفضاء ووجه وصفه بالثاقب أنه يثقب الفضاء الكوني ثقباً وبقوة عظيمة.

عدد الصفحات ٥

 أما الطارق فهو ليس شهاباً كتلك الشهب التي رصدها الله للشياطين بل هي نجوم لاتغادر مواقعها من السماء، وهي نجوم ثاقبة بالمعنيين المذكورين قبل قليل، الإضاءة الشديدة، ومايترتب على ذلك من ثقب، واجلاء المعنى كان لزاماً تفضيل أركان الصورة، وذلك فيما يلي: النجوم في السماء أجرام ملتهبة ، تحدث في كتلتها انفجارات نووية متتابعة، وبسبب هذه الانفجارات يصدر عنها الضوء، ولهذا المعنى وصف الله الشمس بأنها سراج، والشمس ماهي إلا نجم من النجوم. ولكن فعالية النجم لاتقف عند حدّ الإضاءة، لأن تلك الانفجارات النووية يتولد عنها انبعاث مغناطيسي وجاذبية عالية، وسأدرس فيما يلي طبيعة نجمنا الخاص { الشمس} ثم أسقط مايتبين لي من فعالياته على{ النجم الثاقب} :  الشمس نجم تدور من حوله تسعة كواكب ، من بينها كوكب الأرض الذي يعيش فيه الإنسان ، وكل كوكب من تلك الكواكب له فلك خاص حول الشمس، لاينحرف عنه قيد أنملة، فما الذي يمنع هذه الكواكب من أن تبتعد عن الشمس أو أن تتهاوى عليها ؟ إنه التناسب الدقيق في قوى التجاذب المغناطيسي بين الشمس وبين تلك الكواكب، وقد مرّ معنا في سورة { التكوير} أن تناقص الانفجاراتالنووية في الشمس سيفضي إلى اختلال نظام التو ازن في الأرض ، بل إن الكواكب المرتبطة بنجم كنجمنا ستتهاوى في الفراغ الكوني وهو قوله تعالى: ﮋ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﮊ الانفطار: ٢ فالشمس على ذلك نجم ثاقب، يثقب ضوؤه ذلك الفراغ الكائن بينها وبين الأرض والذي يبلغ { 33 } مليون ، وكذلك كل نجم يصل ضوؤه إلى بصر الإنسان هو نجم ثاقب، ثقب ضوؤه ذلك الفراغ الشاسع بينه وبين الأرض. وإذا تجاوزنا حد مايبصره الإنسان فإن

عدد الصفحات ٦

كل نجم هو أيضاً نجم ثاقب، نه مشتمل على الوقود النووي الذي يجعله مضيئاً، وليس شرطاً أن يراه الإنسان .  ولكن البناء اللغوي والدلالي يوحي بأن الطارق { النجم الثاقب } إنما هي نجوم مخصوصة أقسم الله بجنسها { والطارق } لتميزها عن بقية النجوم ، فإلى أين تذهب دلالة النجم الثاقب ؟ بيان ذلك يستدعي الذهاب إلى مدى أبعد من المجموعة الشمسية، وهو مدى المجّرة: إن شمسنا هذه ماهي إلا نجم صغير في مجرة تعرف درب التبانة، وهي مجرة تشمل على ملايين النجوم، وكل نجم له موقع مخصوص في البناء الحلزوني للمجرة، وشمسنا هذه في الطرف الأقصى من هذا الشكل الحلزوني. فما الذي يحفظ الملايين من النجوم في مواقعها الفكلية لتبقى على تلك الصورة الحلزونية ؟ إنه ذات مايحفظ كواكب المجموعة الشمسية في مواقعها من الشمس، فقد ذكر الفلكيون أنها - أي نجوم المجرة - تدور حول قلب المجرة، وهذه المجرة تشترك مع مجرات أخرى في الدوران حول مجرة أم مثلما هي الكواكب حول الشمس، وبما أن الله تعالى وصف السماء بإحكام البناء { والسماء ذات الحٌبك } الذاريات7 فإن الأمر يستلزم نظاماً تتماسك به كل المجموعات المجرية. وهذا التماسك – على المستويين الجزئي والكلي – ليس له أن يتحقق إلآ من خلال التوازن التام بين قوى الجاذبية بين نجوم المجرة الواحدة من جهة وبين نجوم المجموعة المجرية من جهة أخرى وبين المجموعات المجرية من جهة ثالثة، وهذا يستلزم وجود نجوم على مستوى المجرة الواحدة ذات مواصفات خاصة وذات جاذبية عالية، تحقق الاستقرار لبقية النجوم من جهة، وترتبط بأمثال لها في المجموعة المجرية وفي المجاميع المجاورة، أي أن جاذبيتها وأي واسعاً، لاترقى إليه النجوم الأخرى، وبالنظر إلى أن الفضاء يزخر بالمجالات الكهرومغناطيسية فإن قدرة { النجم الثاقب} على الامتداد تتغلب على تلك المجالات فتثقبها، وكأنها بذلك أعمدة ترابط أجرام السماء.

عدد الصفحات ٧

ومؤشرنا في تلك الدلالة تكرار ذكر السماء مع مايشير إلى نظام بنائها قال تعا { والسماء ذات البروج} البروج1 وقد بينا هناك أن تلك البروج شاهد على استقرار نظام السماء والأرض وأن زوالها شاهد على زوال الحياة الدنيا. وقال تعالى{ والسماء ومابناها} الشمس5 ،وهاهو جل شأنه يقول في هذه السورة: { والسماء والطارق} وهو مايستدعي أن يكون النجم الثاقب أساساً من أسس بناء السماء، وذلك على الوجه الذي فصلته، والأمر يتسع للمزيد من الاجتهاد. التقوب السوداء كل نجم في السماء قوتان قوة طرد وقوة جذب، وكل نجم يلــوح لنا ضوؤه في كبد السماء لايصل إلينا ضوؤه إلا بسبب قوة الطرد المـركزية وخاصية الضوء على الانبعاث، فإذا كانت قوة الجذب أقوى بكثـير من قوة الطرد فــإن الضوء لن يقدر على الأفلات من النجم، ولـذلك فإن موقعه سيبدو على هيئة ثقب أسود . فما هي مهمة الثقب الأســود ؟ إن السماء بناء متصل الأنحاء، عقد الله عقد مشابهة بينها وبين الإنسان في قوله تعالى: { أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها } النازعات27 ، والإنسان تموت منه خلايا وتولد مكانها أخرى، ليحفظ الله تقسيمات بنائه، وكذلك السماء تموت فيها نجوم وتولد أخرى، فإذا انفجر النجم أو الكوكب فإلي أين تذهب بقاياه ؟ قوة انفجار النجم تبعد اجزاءه عن مداره، فتصبح اجزاؤه تائهة في الفضاء الكوني، ولو بقى الأ مر على ماهو عليه لكثرت المخلفات، ولربما تسبب ذلك في إفساد أحوال بعض النجوم أو الكواكب، وهنا يأتي دور الثقوب السوداء، إ أنها بجاذبيتها العالية التي حبست ضوءها عن أن ينبعث منها تصل إلى تلك المخلفات قبل غيرها من النجوم ، وكأنها بذلك تشبه كريات الدم البيضاء التي تتسارع إلى التهام الجراثيم التي تغزو الجسم قبل أن تؤثر في أجزائه الحيوية.

عدد الصفحات ٨

وهذا الثق ب الأسود قد تسري عليه دلالة { النجم الثاقب } وذلك بالنظر إلى تميز جاذبيته غيره من جاذبية غيره من النجوم، فالنجم يثقب الفضاء من حوله بقوتين، قوة الطرد وقوة الجذب ، فكان ارتفاع جاذبية الثقب الأسود سبباً لطول مدى الثقب لديه. الكواسار مع اختراع التلسكوب الراديو اكتشف العلماء أجساماً سم ـــاوية، تولد من الطاقة مايتجاوز الطاقة التي تولدها مجرة كاملة بكل مافيهـا من نجوم ومجموعات شمسية.ولاحظ العلماء أنها تتحرك عبر الكون بسرعة خرافية لايمكن تصديقها، تكاد تصل إلى نصف سرعةالضوء وفوق ذلك لاحظوا أن كثير من الكوارسات يلحقها تغير مــلحوظ في مدى تألقها ولمعانها خلال ستة أشهر وقد احتار العلماء في تفسير هذا الجسم العملاق لايمكن أن يتعرض لتغير لمعانه وتألقه خلال مثل هذا الزمن القصير جداً، خاصة إذا عرفنا أن الضوء لكي يعبر من طرف الكواسار إلى طرفه الآخر يستغرق آلاف السنين. وعلى هذا الكواسار تنطبق دلالة { الثاقب } بقوة فضوءه أبعد من ضوء أي نجم من النجوم، فالطاقة التي تنطلق منه تعادل الطاقة المنبعثة من انفجار مجرة بأكملها ، وسرعته سرعة ثاقبة، عُبر عنها في النص بلفظ سرعة خيالية، إذ تكاد تبلغ نصف سرعة الضوء: ﮋ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﮊ الطارق: ٢ - ٣ كل ماجاء في القرآن بلفظ { وماأدراك } ذكر الله له بياناً له، واستخدم صيغة الاستفهام له مؤشر دلالي وهو عِظم شأن { الطارق } فشأنه شأن عظيم، أدرانا الله به بقوله تعالى : { النجم الثاقب}.

عدد الصفحات ٩

ﮋ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﮊ الطارق: ٤ هذا هو جواب القسم، يقسم جل شأنه على أن كل نفس عليها حافظ. وقد قُرئت هذه الآية قراءتان: 1- إنْ : نافية { لما} بمعنى إلا، وهي لغة هُذيل ، والمعنى ماكل نفس إلا عليها حافظ 2- إن: مخففة من الثقيلة، وما{ لما } زائدة للتوكيد، والمعنى إن كل نفس لعليها حافظ. فتضافرت على تأكيد هذه الحقيقة مؤكدات عديدة، ففي القراءة استخدام أسلوب الحصر: { إن+ لما { بمعنى إ} وفي القراءة الثانية: إن المخففة من الثقيلة+ لام التوكيد + زيادة قوله {لما }بتخفيف الميم لا بتضعيفها. قوله تعالى: { إن كل نفس لما عليها حافظ} هو الحقيقة التي ألقاها الله للعباد، واختار السماء والطارق بين سائر خلقه ليقسم به على تلك الحقيقة، وقد أسلافنا، رحمهم الله، حفظ الإنسان إلى ماوجدوه نصاً في القرآن، فردوا دلالة الحفظ إلى الله، أو إلى الملائكة، واستندوا في ذلك قوله تعالى ﮋ ﭝ ﭞ ﭟ ﮊ يوسف: ٤٤ ﮋ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮊ الرعد: ١١ وهو مرجع صحيح بالنظر إلى أن الله لايغفل شيئاً من خلقه، وإلى أنه سبحانه أيضاً له خلق يُدعون الملائكة يفعلون مايأمرهم به من حفظ الإنسان... وفي دلالة حفظ الإنسان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وسلم + ...وأعلم أن الأمة لو أجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك غلا بشيء قد كتبه الله عليك ."رواه أحمد والترمذي والحاكم .

عدد الصفحات ١٠

ولكن حفظ الله للعبد لايقف عند جُهد الملائكة، لأ،ه سبحانه قدر من الأسباب الأرض مايحقق ذلك الحفظ ، وفي هذا يأتي قوله تعالى: ﮋ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﮊ المدثر: ١٣ وسوف ندور في فلك هذا المعنى في العنوان التالي: العلاقة بين ركني القسم كنت قد اخترت فيما سبق من سور جزء عم وجوب وجود صلة ما بين ركني القسم، ومستندي في ذلك ان الله عز وجل لم يختر السماء والطارق من جملة خلقه الذي لايعد ولايُحصى اختياراً عشوائياً لاغاية من ورائه، بل هو اختيار مقصود، فيه إشارة إلى صلة مابين المقسم به والمقسم عليه، فما هو وجه الصلة بينهما في هذه السورة ؟ كنت قد غضضت الطرف في سورة { البروج}عن علاقة البروج في السماء بأحوال الإنسان، وذلك بسبب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم + كذب المنجمون ولو صدقوا " وما يترتب على علم النجوم من ترك للتوكل على الله، ورد مايرجوه المرء من خير ومايخشاه من أذى إلى أحوال النجوم ولذلك لم أتعرض لهذا المعنى في سورة البروج، وعندما أتيت إلى سورة الطارق وجدت النسق ذاته في بدايتها أيقنت أنه لابد من تدبر ذلك النسق برعم مافيه من محذروات ومحظورات، وفيما يلي خطوات ذلك التدبر: الارتباط الأول قرن الله عز وجل بين تكوين السماء وتكوين الإنسان خلقاً وخُلقاً وفي مواضيع عديدة من كتابه الكـــــــــــريم.

عدد الصفحات ١١

 أقسم بقوله{ والسماء والطارق} على{ إن كل نفس لما عليها حافظ}  وأقسمبقوله: { والسماء ذات البروج} على مايكون بين المؤمنين والكافرين من تدافع { قُتل أصحاب الأخدود } وماتلاها من آيات  وأقسم بقوله{ والسماء ذات الحُبك } على مايكون بين الناس من اختلاف في حقيقة البعث: { إنكم لفي قول مختلف}  وأقسم بقوله{ والسماء ومابناها} على قوله { قد أفلح من زكاها . وقد خاب من دساها } وكل وإنسان ماهو إلا أحد هذين{ زكاها ، دساها}. فالشواهد السابقة تربط بين بناء السماء وبين بناء الإنسان، وقد عقد جل شأنه ب البنائين في قوله تعالى ﮋ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ ﮐ ﮑ ﮊ النازعات: ١٢ ﮋ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﮊ غافر: ١٥ وأقرب ماقد يُقال في الغاية من عقد المقارنة هذا أن السموات جميعاً لناء متجانس ومرتبط الأجزاء مثلما هو الارتباط بين أجزاء الإنسان بحيث أنه لو اشتكى منه جزء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. الأرتباط الثاني تبين لأصحاب النظر أن القمر هو السبب في حصول ظاهرتي المد والجزر في البحار، فهل نجد للقمر تأثيراً على الإنسان .؟ دم الإنسان سائل يدور في جسده، وفي أصول الطب العربي أصل يُعرف باسم الحجامة، وهو استخراج، لبعض الدم علاجاً لعله من العلل، وقد ذكر ابن القيم أن ا لأطباء أجمعوا

عدد الصفحات ١٢

على أن الحجامه في النصف الثاني من الشهر القمري ومايليه من الربع الثالث من أرباعه أنفع من أوله وآخره، وقد ذكر في ذلك أحاديث مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تذكر الأيام سبع عشرة وتسع عشرة وإحدى عشرين، إلا أنها ضعيفة، ولكن صعفها لم يتعارض مع ماأجمع عليه الأطباء... إذن فالقمر الذي يؤثر على ماء البحر مداً وجزراً يصل تأثيره إلى دم الإنسان، هذا في حدود مايدركه الإنسان بحواسه، فهل تكون الشمس وهي أقرب نجم إلينا خالية من التأثير على الإنسان، وهي النجم الذي تحيا بتأثيره كل الكائنات الحية ؟ ! لقد تحدث العماء عن التأثير المغناطيسي للشمس على بعض القدرات والإبداعات البشرية، وتحدثوا عن تأثير العواصف الشمسية على الإنسان، وغير ذلك مما يقطع بتأثير هذا النجم على طبائع الإنسان . فإذا جئنا إلى { البروج} وجدنا أن الناس جميعاً مرتبطون بها، وذلك بحسب مواليدهم، وقد ذُكر أن كل برج يتميز أصحابه بجملة من السمات الخُلقية يتميز بها عن غيره من ذوي الأبراج الأخرى، وكل تلك السمات مُدرج في قوله تعالى { فألهما فجورها وتقواها} وكل برج من هذه الأبراج مُكون من عدد من النجوم تأخذ شكلاً معيناً يعطيها تلك الأسماء المتداولة بين الناس وعلى افتراض صحة هذا الكلام فإن كل نجم من تلك النجوم المكونة لتلك الأبراج هو نجم ثاقب، تثقب فعاليته ذلك المدى الواسع بينه وبين الأرض، بل إنه يمتد ليخترق جسد الإن سان، فيجعله ذا طابع مخصوص تميزه عن غيره من أصحاب الأبراج الأخرى. وهذه النجوم المكونة لأبراج السماء، كل منها هو نجم طارق، فمن حيث دلالة الطارق على من يقبل من جوف الظلام، فإ، النجوم غارقة في الظلام الكوني ومن حيث دلالتها

عدد الصفحات ١٣

على الطرق فإنها يجب أن تكون حامل ة لهذه الدلالة،لأن الكلمة في القرآن كلمة قد ترد أيضاً في معرض دلالة الطرق قد تمضي أيضاً على مايشبه نظام الطرق ، حدوثاً وانقطاعاً كأن يكون موجات متتالية أو رنيناً ذا ترددات متتابعة . أما بعد : فإن ماسبق عرضه إن هو إلا محاولة لفهم دلالة { الطارق. النجم الثاقب } وفهم الصلة بينه وبين وقوله تعالى: { إن كل نفس لما عليها حافظ} فإن أصبت فبتوفيق من الله، وإن أخطأت فبما جُبل عليه الإنسان من جهل وخطأ وقصور. وقد بقى اجتهاد آخر في بيان معنى الطار ق سأعرض له لاحقاً، مع بيان مايوافقه في بعض ماذكرناه من دلالة النجم الثاقب. 2- الدليل على حفظ الإنسان ﮋ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮊ الطارق: ٥ - ١١ بعد أن أقسم جل شأنه بالسماء والطارق على حقيقة غيبية، دُعي الناس إلى الإيمان بها، وهي { إن كل لما عليها حافظ} دعاهم الله إلى النظر في شاهدٍ يدل على هذه الحقيقة ، وهو هذه الآيات المذكورة في هذا المقطع. وهنا يجب أن يلف النظر إلى أن التناسب البياني والدلالي في السورة يستدعي أن يكون هذا الشاهد المذكور في هذه الآيات ذا صلة بدلالة حفظ كل إنسان ومن ورائها دلالة السماء والطارق ، ولتوثيق هذا الوجه نذكر له نظير، وهو قوله تعالى:

عدد الصفحات ١٤

ﮋ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﮊ عبس: ١١ - ٣٢ تذكر الآيات خلق الإنسان ابتداء من نطفة، ونشره يوم القيامة من عجب الذنب الذي هو في حجم حبة الخردل، ولكي يؤمن الإنسان بهذه الحقيقة دُعي إلى النظر في شاهد يثبت له هذه الحقيقة، فقال مباشرة بعد تلك الآيات: ﮋ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﮊ عبس: ٤٢ - ٢٣ فكما تنبت الحبة من الأرض ينبت الإنسان من النطفة ابتداءُ ومن عجب الذنب يوم القيامة . وبهذا المثال يُثبت لنا حتمية الارتباط بين السماء والطارق وبين { إن كل نفسٍ لما عليها حافظ } وبين ماجعا الله الإنسان إلى النظر إليه ﮋ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﮊ الطارق: ٥ { فلينظر} الفاء رابطة ، أي مترتبة على كلام سابق ، وذلك أن رسول الله دعا الكُفار إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، وأعلمهم أنهم مخلوقون، وأنهم بعد موتهم مبعوثون، فأنكر الكافرون ذلك، فذكر الله لهم هذا دليل، فكان اقترانه بالفاء دالاًُ على ماسبق ذكره.

عدد الصفحات ١٥

اللام في قوله{ فلينظر} لام الأمر، أفادت أن الله يأمر الإنسان أن ينظر في أصل خلقه، ليعلم أن هناك حافظاً يتعاهد خلقه. والفعل ينظر إذا كان مقيداً بنظر العين تعّدي بالحروف { إ} ومن ذلك قوله تعا ﮋ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﮊ محمد: ١٢ ﮋ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﮊ الأعراف: ٣٤١ فإذا تجاوز الأمر حد نظر العين لم يُذكر حرف الجر ، لأن المراد هو تدبر ماوراء الشيء المنظور إليه، ومن ذلك قوله تعالى: ﮋ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﮊ محمد: وعلى هذا الوجه جاء الفعل في آية الطارق، وقد تعدى إلى المفعول به للدلالة على أن المراد هو التدبر والتأمل . ولأن النظر الذي هو بمعنى التدبر يبني على ماتنظر إليه العين قدّم الله شاهداً تشهده العين، وهو ماذكره جل شأنه بقوله { ماء دافق} أما المفعول به فهوجملة الاستفهام { مم خلق} والمراد جواب هذا الاستفهام { مم} {من– ما } أدغمت النون في الميم وحذفت الألف من اسم الاستفهام{ ما} ﮋ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﮊ الطارق: ٤ في آيات النظر في ملكوت الله لايقتصر العليم الحكيم على دعوة الإنسان إلى التدبر والتأمل، بل يقدم به مع هذه الدعوة شريحة علمية ليقوم الإنسان بوضعها تحت مجهر التدبر والتأمل، وهاهو جل شأنه يقدم له شريحة النظر في أصل خلق الإنسان { ماء دافق} وهو ماء الرجل وماء المرأة ، لجواب رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليهودي الذي سأله : محمد ، مم يُخلق الإنسان ؟

عدد الصفحات ١٦