المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإعجاز البياني في القرآن الكريم سورة الطارق

محمد مبارك المزيودي

صفحة ٣ من ٣

ومافيها من نعيم والجحيم ومافيه من عذاب والسموات السبع وأخبار القرون الأو سوى ذلك مما ذكره القرآن ممالم يكن للمشركين، لم به، فكل ذلك لم يكن هزلاً، أي حديثاً لاصلة له بالحقيقة، يُساق لمجرّد التفكه والتسلية. ومن شواهد اشتمال المشركين على هذه الدلالة: قال ابن اسحاق: وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وومن كان يؤدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصب له العداوة، وكان قد قَدِم { الحيرة} وتعلّم بها أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم واسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً فذكر فيه بالله وحذر قومه ماأصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله خلفه في مجلسه غذا قام، ثم قال :انا واله يامعشر قريش أحسن حديثاً، ثم يحدِثهم عن ملوك فارس ورستم واسفنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثاً منيً... لقد كان النضر يظن أنه يحاكي مايرد في القرآن من أخبار لم يكن فيها حضور في واقعهم، فهم يذكرونها للتفكه والتسلية، وهو مضمون دلالة { الهزل} وبهذا المعنى نجد أن كلمة { فصل} هي الضد المقابل لكلمة { الهزل} وذلك من حيث غايات ومآلات كل منهما، لامن حيث الدلالة اللغوية، لأن الهزل خبر يساق للتفكه، فهو لاصلة له بالحق والحقيقة، فهو عرضةٌ للرد والنقد والتعديل، وأما إن كان الخبر مذكوراً في القرآن فهو خبر فصل، وهو عين الحق والحقيقة، لايسري عليه الرد ولا النقد ولاالتعديل. ووجه المناسبة بين ذكر هذه الصفة للقرآن وبين سياق السورة ماورد فيها من مضامين غريبة، مضمون القسم ومضمون جواب القسم وأصل خلق الإنسان، ورجعه يوم تبلى السرائر، فكلها أخبار غريبة في عقول المشركين فظنوها هزلاً، فنفى الله عنها ذلك ، ووضفها بأنها { فصل} وأجمل ماجاء في جلاء الفصل للقرآن قول رسولالله صلى الله عليه وسلم:

عدد الصفحات ٣٣

+ كتاب الله تبارك وتعالى، فيه نبأ من قبلكم، وخبر مابعدكم، وحُكم مابينكم، هو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبارٍ قصمه الله ، ومن ابتغى الهُدى في غيره أضله الله . هو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لاتزيغ به الأهواء، ولاتلتبس به الألسنة، ولاتتشعب معه الآراء، ولايشبع منه العلماء، ولايمّله الأتقياء، ولايخلق على كثرة الرد، ولاتنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجباً. من علم به علمه سبق. ومن قال به صدق ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر ، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم" رواه الترمذي العلاقة بين ركني القسم أقسم الله عز وجل بالسماء في كونها ذات رجع، وبالأرض حال كونها ذات الصدع، وقد بين لنا أن ذكر هاتين الصفتين تحديداً فيه أشارة إلى تحقيق معنى الحياة، وهو مايتضافر مع معنى خلق الإنسان من ماء دافق، فكان القسم بالسماء ذات الرجع والأرض ذات الصصدع موافقاً لجواب القسم، إذ أن حقيقة كون القرآن من لدن رب العالمين يجعله سبباً يكون به الإنسان حياً وبدونه يكون ميتاً قال تعالى: ﮋ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮊ الأنعام: ٢٢١ فالإنسان حال كفره ميت حتى وهو يتنفس، ولايتحقق له معنى الحياة إلا بالأخذ بكتاب الله. ومثلما ينزل الماء من السماء إلى الإنسان حال كونه من طينة الأرض ليحييه، قال تعالى ﮋ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮊ الحشر: ١٢

عدد الصفحات ٣٤

كنت فيما سبق أفهم أن تصدع الجبل إنما هو سبب عظم وجلال القرآن، وهو معنى صحيح، إلا أنني في هذا الموضع أجد للكلمة معنى آخر وهو أن الجبل الصلد الأصم لايملك إلا أن يكون ذا صدع يتخلله جلال القرآن مثلما يتخلل ماء السماء الأرض بسبب ماهي عليه من صفة الصدع، وقد استخدم صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في بيان أحوال قلوب الناس مع كتاب الله، وهو قوله + مَثَل مابعثني الله به من الهدى والعلم كَمَثل الغيث أًصاب أرضاً، فكان منها نقية قبلة الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجارب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لاتمسك ماء ولاتنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه مابعثني الله به فَعلِم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلت به " رواه البخاري ومسلم. 6- تهديد المكذب ﮋ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮊ الطارق: ١١ هذه الآيات تمثل اختتاماً للخطاب الذي ابْتُدئ بقوله تعالى:+ والسماء والطارق " ثم بعد أن بين الله للإنسان حقيقة وجوده وحقيقة القرآ، المُنزل من السماء التفت إلى عبده ورسوله المكلف بالبلاغ ليثبت فؤاده أما مايجده من تكذيب المشركين من جهة، وليهدد المشركين من جهة أخرى. + إنهم يكيدون كيداً " إنهم : أي المكذبين يكيدون : الكيد هو اختلاف أمر أو صفة على غير وجه حقيقي لصرفت للآخرين ليلعب عن رؤية الوجه الحقيقي، فإخوة يوسف كادوه عندما دعوه ليخرج معهم ليلعب، وهم يريدون قتله أو إضاعته، وكادوا أباهم إذا أتوه بقميص عليه دم كذب ليوهموا أباهم

عدد الصفحات ٣٥

ان الذئب قد أكل يوسف، وغايتهم من ذلك تحقيق مراجهم في إبعاد يوسف بدون أن يقع عليهم غضب من أبيهم . ولذلك كان كيد المشركين للقرآن ذا وجوه عديدة، من بينها ماذكرته قبل قليل من فعل النضر بن الحارث، ومن ذلك أيضاً إلصاق صفات أخرى بالقرآن لصرف الناس عن الوجه الحقيقي للقرآن وهو أنه رسالة من الله الواحد الأحد، فقالوا فيه إنه سحر وقالوا هو شعر وقالوا هو من سجع الكهان.  + كيداً " مفعول مطلق للفعل { يكيدون} وفيه تكرار لمادة الفعل، وقد قيل: إن الزيادة في المبني تستدعي الزيادة في المعنى، وفي ذلك إشارة إلى حرصهم الشديد ومحاولاتهم العديدة في الكيد للقرآن ولمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو مايمضي عليه الكافرون والمنافقون قديماً وحديثاً . وبما أن الكيد حرب خفية يجعلها الخفاء اشد من الحرب المعلنة تكفل الله عز وجل بمواجهتها، وهو قوله تعالى: ﮋ ﮗ ﮘ ﮙ ﮊ الطارق: ٤١ بيّنت في الآية السابقة دلالة الكيد، وهي دلالة لاتجوز نسبتها إلى العلي العظيم، ولذلك فصل جل شأنه بين كيد المشركين وبين كيده بفاصل رقمي، إشارة إلى أن كيده له وجه آخر يليق بجلالة وكماله، وفي ذات الوقت ربط بين الكيدين برابط لغوي، وهو حرف الواو، وفي ذلك الربط إشارة إلى أن الله تعالى لايكيد للعبد إلا إذا قام ذلك العبد بالكيد للقرآن ولأهل القرآن، وهو كما قيل أهل العلم من قبيل إجازة بنفس الفعل إلا أنها مجازة ذكية { حكيمة } لأن الله عز وجل بنى حياة الإنسان في الأرض وفق ماتقتضيه حكمته ، وهو قوله سبحانه:

عدد الصفحات ٣٦

ﮋ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﮊ طه: ٣٢١ - ٤٢١ فالذي يكيد للقرآن عبىّ دفعه غباؤه ليكيد شيئاً لايُكاد، فكانت النتيجة أن مابدله من جهد في الكيد للقرآن مضى لصالح القرآن، فزاده انتشاراً وتمكنا من القلوب، وفي هذا المعنى قال الشاعر: وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ طويت أراح لها لسان حسود لولا انتشار النار فيما جاورن ماكان يُعْرفُ طِيب عرف العود فالحسود يحارب فضيله ما، ويُجرى لسانه بذمها والكيد لها، فكان كيد الله له أن جعل جريان لسانه بدمها ومعاداتها سبيلاً إلى انتشارها هذا إلى أبواب أخرى عديدة من كيد الله، لو أردنا استقصاءها لضاق بنا هذا المقام، إنما يكفينا النظر إلى عاقبة كيد مشركي مكة للقرآن ولمحمد صلى الله عليه وسلم، نشر الله دينه وأعز رسوله وأذل المشركين ونكل بهم وفي هاتين الايتين نذير لكل من يكيد للقرآن في هذا الزمان وفي كل زمان. ﮋ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮊ الطارق: ١١ من حيث اللغة كان بالإمكان أن يقال : مهل الكافرين رويداً، أو أن يُقال: أمهل الكافرين رويداً، ولكن اللع العليم الحكيم اختار تكرار مادة الفعل، فقيل في ذلك إنه للتوكيد، ولكننا نلاحظ أن الفعل لم يتكرر ذكره في صورته الأولى، إنما جاء على صورتين: فعَل وأفعل، وه ي مغايرة يجب أن تكون ذات دلالة، لأن البيان في القرآن بيان دقيق، يراعي كل حرف، بل وكل حركة، فماذا في هذه المغايرة ؟

عدد الصفحات ٣٧

 صيغة{ فعّل } في اللغة تفيد المبالغة في الفعل ، فدلالة{ كسّّر } على التكسير أبلغ من دلالة { كَسَر } غير المضعف، ولذلك كان فعل الأمر سنجدهميقولون إن الأمر مُوجه إلى رسول الله، فهل كان صلى الله عليه وسلم يجد ناصراً، فلقى من الأذى أشدّ مما كان يلقى في مكة، فعاد أدراجه، حتى إذا كان قريباً من مكة أتاه جبريل عليه السلام فقال، يامحمد، هذا ملك الجبال، إن شئت أن يطبق عليهم الأخشبين فعل . فأبى صلى الله عليه وسلم : + إني لأرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله حقاً " لقد كان ذلك العرض ابتلاء لمحمد صلى الله عليه وسلم، فكشف ذلك الابتلاء عن معدنه العظيم، الذي كان بياناً لقوله سبحانه: ﮋ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮊ الأنبياء: ١١١ أي أنه صلى الله عليه وسلم كان مجبولاً على الحلم والإمهال ولهذا فإن قوله سبحانه { فمهل الكافرين} لم يكن أمراً موجهاً إليه، إنما هو من قبيل مجيء الخبر في صورة الإنشاء، حيث أن الفرق بين الأسلوبين أن الخبر يحتمل الصدق وسواه، أما الإنشاء فلا يحتمل إلا الصدق ، لأنك إذا قلت للآخر : اقرأ درسك، وهو أسلوب أمر، فإن صياغة الحملة لامحل فيها لأن يُقال لك إنك صادق أو أنت كاذب، أما إن جاء البيان في صيغة الخبر كان تقول: سوف أقرأ درسي، فإنك تخبر خبراً ، قد تكون فيه صادقاً وقد تكون كاذباً. والآيات التي نحن بصددها ته ديد من الله للكافرين بأنه سيمهلهم مهلة قليلة قبل أن ينزل عذابه بهم، فكان بالإمكان أن يقال: سأمهل الكافرين إلا أنها ستكون جملة خبرية، فأراد المولى عز وجل أن يرفع من مستوى اليقين في ذلك الوعيد، فصاغه في أسلوبه الإنشاء { مهل} وهو فعل أمر ز

عدد الصفحات ٣٨

وللبيان وجه آخر، ويُنظر فيه إلى تواصل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ربه وشكواه إلى ربه مما يلقاه من الكافرين، فطمأنة بقوله: { فمهل الكافرين} ليس من قبيل دلالة الأمر المباشر، إنما من قبيل التهديد والوعيد. ولله المثل الأعلى، فقد يأتيك ولدك يشتكي من أحدهم، إلا أنك ترى ان الأمر أصغر من أن تتدخل، فقول لولدك: اصبر عليه قليلاً، ليس أنك تريد منه التحلي بخلق الصبر، إنما هو وتعبير منك عن ترصدك له، وماصبرك عليه إلا أنك تريد له أن يصل بأذاه إلى الحد الذي يستوجب منك التدخل بقوة.  ووقوف البيان عند حد قوله { فمهل ا لكافرين } سيجعل المهلة مهلة مفتوحة، غ مقيدة بحد معين، مع ما في صيغة { فعل} من مبالغة في الفعل فأتبعت هذه الجملة بجملة أخرى تحمل دلالة المهلة اليسيرة، فعُدل عن الفعل { مهَل } الذي يفيد الكثرة إ مالا يفيد الكثرة وهو { أمْهِل } ثم وصُف ذلك الإمهال بأنه قليل { رويداً } . فما وجه الجمع بين التعبيرين ؟ إن الزمن عند الله على غير مايظنه الإنسان، فما رأيالإنسان في دنياه زمناً طويلاً ماهو في حقيقتة إلا زمن مصير الله تعالى: ﮋ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮊ المؤمنون: ٢١١ – ٤١١ فاستخدم الفعل { مهل} بالنظر إلى المقاييس الزمنية في إدراك الإنسان، ثم عُدل عنه إ الفعل { أمهل} لبيان أن ذلك الإمهال الذي يظنه الإنسان ذا زمن طويل ماهو إلا زمن قليل عند الله تعالى. وقد استخدم هذا المنسق استخداماً مباشراً في قوله تعالى:ً ﮋ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮊ المزمل: ١١

عدد الصفحات ٣٩

فاستخدم صيغة{ فعّل } الدالة استطالة ومن الإمهال، ثم وُصف ذلك الإمهال بأنه قليل، وذلك بالنظر إلى حدّ الزمن في إدرا الإنسان وحدِه الحقيقي في علم الله تعالى  { رويداً } تصغ{ رود} ولايتكلم بها إلا مصغرة، وهي من رادت الريح تزُود روداً تحركت حركة ضعيفة ، والمراد في الآية : أمهلهم إمهالاًَ يسيراً الخط البياني وهو مخطط يضع السورة في إطار عام يبين مابين مقاطعها من ارتباط ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭼ الطارق: ١ - ٤ القسم على حفظ الإنسان ﭽ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﭼ الطارق: ٥ - ١١ الدليل على حفظ الإنسان ﭽ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﭼ الطارق: ١١ - ٤١ القسم على صدق ذلك الخبر ﭽ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﭼ الطارق: ٥١ - ١١ تهديد المكذبين

عدد الصفحات ٤٠