113 ـ إطلاق حرية العمل الطلابي، والنشاط الجامعي ـ توفير ضمانات الانتخابات الحرة النزيهة وذلك من خلال تشكيل لجنة قضائية دائمة تنفرد بإرادة مجمل العملية الانتخابية. ـ توفير الضمانات اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة للنقابات المهنية والعمالية. ـ محاربة الفساد بكافة أشكاله، وعلى كافة المستويات. 4ـ سنة التدافع وحركة السرايا إن من السنن التي تعامل معها النبي صلى الله عليه وسلم، سنة التدافع، وتظهر جلياً في الفترة المدنية مع حركة السرايا والبعوث والغزوات التي خاضها النبي صلى الله عليه وسلم ضد المشركين وهذه السنة متعلقة تعلقاً وطيداً بالتمكين لهذا الدين، وقد أشار الله تعالى إليها في كتابه العزيز، وجاء التنصيص عليها في قوله تعالى : ﴿وَلَو لاَ دَف عُ اللهِ النَّاسَ بَع ضَهُم بِبَع ض لَّفَسَدَتِ الأَر ضُ وَلَـكِنَّ اللهَ ذُو فَض ل عَلَى ال عَالَمِينَ ﴾ (البقرة، آية : 251.) ـ وقال تعالى ﴿الَّذِينَ أُخ رِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَي رِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَو لاَ دَف عُ اللهِ النَّاسَ بَع ضَهُم بِبَع ض لَّهُدِّمَت صَوَامِعُ وَبِيَع وَصَلَوَات وَمَسَاجِدُ يُذ كَرُ فِيهَا اس مُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز ﴾ (الحج، آية : 40.) ونلاحظ في آية البقرة أنها جاءت بعد ذكر نموذج من نماذج الصراع بين الحق والباطل المتمثل هنا في طالوت وجنوده المؤمنين، وجالوت وأتباعه، ويذيل الله تعالى الآية بقوله : ﴿وَلَـكِنَّ اللهَ ذُو فَض ل عَلَى ال عَالَمِينَ ﴾ (البقرة، آية : 251.) مما يفيد أن دفع الفساد بهذا الطريق إنعام يعما الناس كلهم 1. 1 مفاتح الغيب للفخر الرازي3 /514.)
عدد الصفحات ١١٣114 وتأتي آية الحج بعد إعلان الله تعالى أنه يدافع عن أوليائه المؤمنين، وبعد إذنه لهم ـ سبحانه ـ بقتال عدواهم، ويختتم الآية بتقرير لقاعدة أساسية ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز ﴾ لقد أدرك الصحابة هذه السنة، وعلموا أن القضاء على الباطل وتدميره، لابد له من أمة لها قيادة ومنهج، وقوة تدمغ الباطل وترهقه، وأيقنوا أن الحق يحتاج إلى عزائم تنهض به، وسواعد تمضي به، وقلوب تحنو عليه، وأعصاب ترتبط. لقد علَّ مهم النبي صلى الله عليه وسلم كيف يتعاملون مع هذه السنة، فاستجابوا لأمر الله تعالى عندما أمرهم بالجهاد في سبيله، فقد شرع الله ـ عز وجل ـ الجهاد لهذه الأمة وجعله فريضة ماضية إلى يوم القيامة، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، وما تركه قوم إلا أذلهم الله، وسلط عليهم عدوهم وقد شرع الله ـ عز وجل ـ الجهاد على مراحل، ليكون أروض للنفس، وأكثر ملاءمة للطبع البشري، وأحسن موافقة لسير الدعوة، وطريقة تخطيطها1، فكان تشريع القتال على مراحل: ـ المرحلة الأولى:الحظر، وذلك عندما كان المسلم في مكة وكانوا يطالبون النبي صلى الله عليه وسلم بالإذن لهم في القتال فيجيبهم صلى الله عليه وسلم: «أصبروا فإني لم أومر بقتال». ـ المرحلة الثانية الإذن من غير إيجاب، قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُم ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَص رِهِم لَقَدِير ﴾ (الحج، آية : 39.) ـ المرحلة الثالثة وجوب قتال من قاتل المسلمين، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ للهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُم وَلاَ تَع تَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ ال مُع تَدِينَ ﴾ (البقرة، آية : 190.) ـ المرحلة الرابعة فرض قتال عموم الكفار على المسلمين، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا ال مُش رِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُم كَآفَّةً وَاع لَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ ال مُتَّقِينَ ﴾ (التوبة، آية : 36.) 1 الهجرة في القرآن الكريم، ص438.
عدد الصفحات ١١٤115 إن هذا التدرج في حكم القتال، كان يقتضيه وضع الدولة الإسلامية الناشئة، وحالة الجيش الإسلامي الذي كان آخذاً في التكوين من حيث العدد والعُدة، والتدريب وما إلى ذلك، فكان لابد من مضي فترة من الوقت، يكون التعرض فيها لأعداء الدعوة الإسلامية من كفار قريش الذين آذوا المسلمين، واضطروهم إلى الخروج من ديارهم، يكون فيها ذلك التعرض لأعداء الدعوة، إنما هو سبيل الاختيار، لا على سبيل الإجبار، وذلك إلى أن يصلب عود الدولة الإسلامية ويشتد بأسها، بحيث تستطيع الصمود أمام قوى الكفر في الجزيرة العربية، حتى لو عملت قريش على تأليبها ضد المسلمين، كما وقع فيما بعد وحينئذ يأتي وجوب القتال، في حالة تكون فيها أوضاع الدولة الإسلامية والجيش الإسلامي، على أهبة الاستعداد، لمواجهة الاحتمالات كافة، هذا فيما يتصل بالقتال الذي يتعرض فيه المسلمون لكفار قريش، جاء النص بالإذن أي بالإباحة لا بالوجوب، أما في حالة ما لو تعرض المسلمون ـ وهم في دولتهم في المدينة ـ لهجوم الأعداء عليهم، فالقتال هنا فرض، لا مجال فيه للخيار، وليس مجرد أمر مأذون فيه، وذلك تطبيقاً لبيعة الحرب، بيعة العقبة الثانية، التي أوجب ت على الأنصار حرب الأحمر والأسود من الناس، في سبيل الذود عن الدعوة الإسلامية وصاحبها صلى الله عليه وسلم وأتباعها1. ومع نزول الإذن بالقتال شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم في تدريب أصحابه على فنون القتال والحروب، واشترك معهم في التمارين والمناورات والمعارك، وعدا السعي في هذه الميادين من أجل القربات، وأقدس العبادات التي يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بتطبيق قول الله تعالى : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اس تَطَع تُم مِّن قُوَّة وَمِن رِّبَاطِ ال خَي لِ تُر هِبُونَ بِهِ عَد وَّ اللهِ وَعَدُوَّكُم وَآخَرِينَ مِن دُونِهِم لاَ تَع لَمُونَهُمُ اللهُ يَع لَمُهُم وَمَا تُنفِقُوا مِن شَي ء فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَي كُم وَأَنتُم لاَ تُظ لَمُونَ ﴾ (الأنفال ، آية : 60.) وكان منهجه صلى الله عليه وسلم في تكوين المجاهد المسلم، يعتمد على نهجين متوازيين، التوجيه المعنوي، والتدريب العملي. 1 القتال والجهاد لمحمد هيكل1 /463،464.)
عدد الصفحات ١١٥116 ـ التوجيه المعنوي كان صلى الله عليه وسلم يسعى إلى رفع معنويات المجاهدين فيمنحهم أملاً يقيناً بالنصر أو الجنة، ومنذ تلك اللحظات وفيما بعد، ظل هذا الأمل يحدو الجندي المسلم في ساحات القتال ويدفعه إلى بذل كل طاقاته النفسية والجسدية والفنية، من أجل كسب المعارك، أو الموت تحت ظلال السيوف1 فمن أقواله صلى الله عليه وسلم في حث أصحابه على الجهاد: «والذي نفسي بيده لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عنّي، ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغدو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أنيّ أقتل في سبيل الله ، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل»2. ـ وقوله صلى الله عليه وسلم«ما أحد يدخل الجنة، يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء، إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا في قتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة»3. ـ التدريب العملي سعى النبي صلى الله عليه وسلم إلى اعتماد كلا طاقات الأمة القادرة على البذل والعطاء ورجالاً ونساء وصبيانا وشباباً وشيوخاً، وإلى التمرس على كل مهارة في القتال، طعناً بالرمح وضرباً بالسيف ورمياً بالنبل، ومناورة على ظهور الخيل، وكان صلى الله عليه وسلم يمزج خطيا التربية العسكرية المتوازيين، التوجيه والتدريب والأمل في النصر أو الجنة، وتقديم الجهد في ساحات القتال، ويحض المسلمين على إتقان ما تعلموا من فنون الرماية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو قد عصى، فهي دعوة إلى عموم الأمة، وحتى من دخلوا في سن الشيخوخة للتدريب على إصابة الهدف ومهارة اليد، ونشاط الحركة. إن الإسلام يهتم بطاقات الأمة جميعها، ويوجهها نحو المعالي، وعلوا العمة. 1 دراسات في السيرة، ص161. 2 أخرجه البخاري، الحديث رقم2797. 3 أخرجه البخاري، الحديث رقم2817.
عدد الصفحات ١١٦117 وكان صلى الله عليه وسلم يهتم بالأعداء على حسب كلا طرف وحال، ويحث على كل وسيلة يستطيعها المسلمون، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «وَأَعِدّواْ لَه م مَّا اسْتَطَعْت م مِّن ق وَّةٍ : ألا إن القوة الرميّ ألا إن القوة الرّمي ألا إن القوة الرّمي »1. ولذلك أخلص الصحابة في جهادهم لله تعالى، طمعاً في ثوابه، خوفاً من عقابه، فكان كلامهم لله، وأنفقوا أموالهم ابتغاء مرضاة الله، وقدموا أنفسهم دفاعاً عن دين الله، ومن أجل إعلاء كلمة الله تعالى، وكان لجهاد الصحابة في سبيل الله تعالى آثاره العظيمة في تزكية نفوسهم، والتي تتجلى في الجوانب التالية وهي: تحرير النفس من حب الحياة والتعلق بها، تمحيص النفس وتدريبها على الصبر والفداء، وعزة النفس، وأما أهداف الجهاد، حماية حرية العقيدة، حماية الشعائر، والعبادات ودفع الفساد عن الأرض والابتلاء والتربية والإصلاح، وإرهاب الكفار وإخزاؤهم وإذلالهم، وتوهين كيدهم وكشف المنافقين، ودفع عدوان الكافرين. ـ أهم السرايا والبعوث التي سبقت غزوة بدر الكبرى: بدأت قريش بإعلان حالة الحرب بينها وبين دولة الإسلام بالمدينة، ونزل الإذن من الله تعالى بالقتال، وصار من الطبيعي أن تتعامل دولة المدينة مع قريش حسب ما تقتضيه حالة الحرب هذه، فقد اتجه نشاط الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل توطيد مكانة هذه الدولة، والردا على قريش في إعلانها حالة الحرب على المدينة فاتجه نشاطه صلى الله عليه وسلم نحو إرسال السرايا، والخروج في الغزوات2، فكانت تلك السرايا والغزوات التي سبقت بدر الكبرى، ومن أهمها: غزوة الأبوَاء، سرية عبيدة بن الحارث، سرية حم زة بن عبد المطلب، وغزوة بواط3، وغزوة العشيرة4، وسرية سعد بن أبي وقاص ـ وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم قبل البدء بحركة السرايا والغزوات بإجراء تعداد سكاني في السنة الأولى من الهجرة وبعد المؤاخاة مباشرة وكان الإحصاء للمسلمين فقط، أو حسب نص أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: «اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس»، 1أخرجه مسلم، الحديث رقم1917. 2 الجهاد والقتال، محمد خير هيكل1 /476.) 3 جبل من جبال جهينة، بناحية رضوى بقرب ينبع 4 موضع بين مكة والمدينة
عدد الصفحات ١١٧118 فبلغ تعداد المحاربين منهم 1500" ألفاً وخمسمائة رجل 1 فأطلق المسلمون بعد إجراء هذا الإحصاء تساؤل تعجب واستغراب: نخاف ونحن ألف وخمسمائة؟ لأنهم كانوا قبل لا ينامون إلا معهم السلاح خوفاً على أنفسهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمنع خروجهم ليلاً فرادى، حماية لهم من الغدر 2، وبعد هذا التعداد مباشرة، بدأت السرايا والغزوات، وهذا الإجراء الإحصائي يدخل ضمن الإجراءات التنظيمية في تطوير الدولة الناشئة3. ـ حراسة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم الشخصية: كان الصحابة رضي الله عنهم يحرسون النبي صلى الله عليه وسلم حراسة شخصية، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: أرِق النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقال: «ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة »، إذ سمعنا صوت السلاح، قال«من هذا؟» قال سعد يا رسول الله جئت أحرُسُك، فنام النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا غطيطه 4، وكان ذلك قبل غزوة بدر الكبرى5، وفي حديث عائشة رضي الله عنها: مشروعية من العدو، والأخذ بالحزم، ترك الإهمال في موضع الحاجة إلى الاحتياط، وأن على الناس أن يحرسوا سلطانهم خشية القتل، وفيه الثناء على من تبرع بالخير وتسميته، وإنما عنى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مع قوة توكله، للاستنان به في ذلك6. ـ نص وثيقة المعاهدة مع بني ضمرة والتعليق عليها بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله، لبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، بأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وأن لهم النصرة على من رامهم، إلا أن يحاربون دين الله، ما بل بحر صوفه7، وأن النبي إذا دعاهم لنصرة أجابوه عليهم بذلك ذمة الله وذمة رسوله، ولهم النصر على من برا منهم واتقى 8. 1 الوثائقالسياسية، لحميد الله، ص: 65. 2 الروض الأنف5 /43.) 3 دراسات في عهد النبوة، عبد الرحمن الشجاع، ص163. 4 أخرجه البخاري، الحديث رقم2885. 5 تفسير القرطبي6 /330.) 6 ولاية الشرطة في الإسلام، د.عمر الحميدي، ص63. 7 كناية عن التأييد والاستمرار 8 الوثائق السياسية لمحمد حميد الله، ص: 220، رقم159.
عدد الصفحات ١١٨119 انتهز النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الأبواء فرصة ذهبية فعقد حلفاً عسكرياً مع شيخ ضمرة، فقد كان موقع بلاده ذا قيمة عسكرية لا تقدر بثمن في الصراع بين الدولة الإسلامية الناشئة وقريش، ولذلك عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضمان حيدتهم، في حالة وقوع صدام مسلح بين المدينة وأهل مكة، وكانت خطته حتى وقعة بدر أن يزعج قوافل قريش بإرسال مجموعات صغيرة من المهاجرين وخاصة أن هذه القوافل كانت غير مصحوبة بجيش يحميها وهو أمر لم تفكر فيه قريش حتى تلك اللحظة 1 كان قرب بني ضمرة وحلفائهم من المدينة التي كانت سوقهم، ومصدر رزقهم قد وضعهم في موقف لا يسمح لهم بأي مسلك غير موادعة الدولة الإسلامية الناشئة، وهو حلف عدم اعتداء وفق المصطلح الحديث2. وقد دلت هذه الموادعة على أن مقتضيات السياسة الشرعية، قد تدفع المسلمين إلىالتحالف العسكري أو الاقتصادي أو التجاري، مع أي من الكتل القائمة، وأن التحالف السياسي له أصل في الشريعة، وضرورة يوجبها استهداف رفع الضرر الحاصل، أو المرتقب3، وأن التحالف مبني على قاعدة رفع الضرر، والمصلحة المشتركة، وأن تكون لأصل الحلف غاية شرعية معلومة، وأن يكون للمسلمين في الحلف قرار ورأي، أما إذا كانوا أتباعاً ومنقذين فهذا لا ينطبق عليه الأصل الشرعي وعلى قيادة الأمة أن تستوعب هدي النبي صلى الله عليه وسلم في حركته السياسية، وأن تفهم القاعدة الشرعية التي تقول :لا ضرر ولا ضرار4. وهذه القاعدة «لا ضَ رر ولا ضِ رار» من أركان الشريعة، وتشهد لها نصوص من الكتاب والسنة، ويشمل الضرر المنهيُّ عنه ما كان ضرراً عاماً أو خاصاً، ويشمل ذلك دفعه قبل الوقوع بطرق الوقاية الممكنة، ودفعه بعد الوقوع بما يمكن من التدابير التي تزيل آثاره، وتمنع تكراره، كما يدل على وجوب اختيار أهون الشرين، لدفع أعظمهما، لأن في ذلك تخفيفاً للضرر عندما لا يمكن منعه بتاتاً 5. 1 نشأة الدولة الإسلامية، د.عون الشريف، ص43. 2 الفقه السياسي، خالد الفهداوي، ص119. 3 المصدر السابق، ص124. 4 السيرة النبوية للصلابي1 /509.) 5 المدخل الفقهي، مصطفى الزرقا، ص972.
عدد الصفحات ١١٩120 إن هذه الموادعة توضح جواز عقد الدولة الإسلامية معاهدة دفاعية بينهما وبين دولة أخرى، إذا اقتضت ذلك مصلحة المسلمين، ولم يترتب أي ضرر على مثل هذه المعاهدة، ويجب على الدولة الإسلامية في هذه الحال، نصرة الدولة الحليفة إذا دعيت إلى هذه النصرة ضد الكفار المعتدين، كما يجوز للدولة الإسلامية أن تطلب من الدولة الحليفة إمدادها بالسلاح والرجال، ليقاتلوا تحت راية الدولة الإسلامية، ضد الأعداء من الكفار1. وقد شرط النبي صلى الله عليه وسلم على بنيضمرة ألا يحاربوا دين الله، حتى يكون لهم النصر على من اعتدى عليهم، أو حاول الاعتداء وفي هذا إبعاد للعقبات، التي يمكن أن تقف في طريق الدعوة، فقد أوجبت هذه المعاهدة على بني ضمرة ألا يحاربوا هذا الدين، أو يقفوا في طريقه2، وتعتبر هذه المعاهدة كسباً سياسياً وعسك رياً للمسلمين، لا يستهان به 3. ـ من أهداف السرايا عندما ندرس حركة السرايا والغزوات التي قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم بدقة وعمق وتحليل، نستطيع أن نتلمس كثيراً من الأهداف، وندرك بعض ما توحي به من دروس وعبر وفوائد، فإذا تأملنا في حركة السرايا التي سُيرت قبل بدر، نجد أن أفرادها كلهم من المهاجرين، ليس فيهم واحد من الأنصار، يقول ابن سعد ـ رحمه الله ـ : والمجتمع عليه أنهم كانوا جميعاً من المهاجرين، ولم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً من الأنصار مبعثاً حتى غزا بهم بدراً وهذا كان أمراً مدروساً له أهدافه، ومنها: إحياء قضية المهاجرين في أنفسهم أولاً، وإحياؤها على المستوى الخارجي، وإنهاك الاقتصاد القرشي، ومحاصرته واستعادة بعض الحقوق المسلوبة، وإضعاف قريش عسكرياً، وتدريب الصحابة على إتقان فنون القتال، ورصد تحركات قريش، وإرهاب العدو الداخلي في المدينة وما حولها، واختبار قوة العدوا 4. وقد حققت تلك السرايا أهدافها والتي من أهمها ـ بسط هيبة الدولة في الداخل والخارج. 1 الجهاد والقتال في السياسة الشرعية1 /479.) 2 دولة الرسول من التكوين إلى التمكين، ص530. 3 الدعوة الإسلامية، د.عبد الغفار عزيز، ص296. 4 غزوة بدر الكبرى لأبي فارس، ص14 ـ24.
عدد الصفحات ١٢٠121 ـ كسب بعض القبائل وتحجيم دور الأعراب ـ علاقة هذه السرايا بحركة الفتوح: وقد استمرت حركة السرايا والبعوث، وكانت بمثابة تمرينات عسكرية تعبوية، ومناورات حية لجند الإسلام، وكان هذا النشاط المتدفق على شكل موجبات متعاقبة من جند الإسلام الأوائل، دلالة قاطعة على أن دولة الإسلام في المدينة ـ وبقيادة النبي القائد صلى الله عليه وسلم ـ كانت مثل خلية النحل لا تهدأ ولا تكل، وإن الباحث ليلحظ في حركة السرايا والبعوث والغزوات الكبرى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، حرص الصحابة على المشاركة كقادة وجنود، فكان صلى الله عليه وسلم يعدُهم لتثبيت دعائم الدولة والاستعداد للفتوحات المرتقبة، والتي ما فتئ صلى الله عليه وسلم يُ بشا ر بها أصحابه بين الفينة والأخرى في أوقات الحرب والسلم والخوف والأمن. لقد كانت السرايا والغزوات التي أشرف عليها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في حياته، بمثابة تدريب حي نابض، بل يمكن اعتبارها دورات أركان للقادة الذين فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، فيما بعد. إن حياة الصحابة رضي الله عنهم، خلال الأربع والعشرين ساعة اليومية، عبارة عن تدريب مستمر، فالبرنامج اليومي المنتظم يبدأ مبكراً من صلاة الفجر، التي تؤدى في جماعة مع قائدهم الأعلى صلى الله عليه وسلم الذي كان يحثهم على أداء هذه الصلاة جماعة في وقتها موضحاً لهم ولأمته أنها المفتاح العجيب ليوم مليء بالنشاط والحيوية، ثم ينطلق كل منهم إلى عمله الذي تتخلله فترات الصلوات الباقية، حتى إذا ما صلوا الصلاة الآخرة "صلاة العشاء" ناموا حتى إذا ما أخذوا قسطاً وافراً من النوم أول الليل إلى الثلث الأخير منه، قام معظمهم لأداء صلاة التهجد التي تملأ قلوبهم روحانية وتكسبهم مزيداً من النشاط لأدائها في وقت يكون الجسم فيه مرتاحاً. هذا بالإضافة إلى الا ستعداد الدائم واليقظة التامة لمتطلبات دولة الإسلام، فكانوا يقومون بنشاطات تدريبية مركزة، تتمثل ركوب الخيل، والسيف والرماية وكان النبي صلى الله عليه
عدد الصفحات ١٢١122 وسلم يحُثهم على فعل ذلك، بل ويشارك هم فيه، معطياً مع نفسه القدوة، وكان صلى الله عليه وسلم يركز على تعلم الرماية كثيراً، موضحاً أنها خير ما يعد من قوة واستعداداً للكفار. وكان صلى الله عليه وسلم يشجعهم على الصناعة الحربية، المتمثلة في ذلك الوقت في صناعة الأسهم، يخبرهم: أن الأجر الذي غايته الجنة ينسحب، والمتنبل بها والرامي بها، فيروي لنا عقبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه الذي احتسب في صنعته الخير ومتنبله1، والرامي،ارموا وأركبوا، وأن ترموا أحبّ إليّ من أن تركبوا وليس من اللهو إلا ثلاثة: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته زوجته، ورميه بنبله عن قوسه، ومن ع لّم الرمي ثم تركه، فهي نعمة كفرها »2. إن المهمات والأهداف التي سعت لتحقيقها السر ايا والبعوث كانت تتفاوت تبعاً لا ختلاف الظروف المحيطة والحادثة، فكانت السرايا الأولى في معظمها عبارة عن دوريات استطلاعية وإستكشافية وجس نبض، ثم تطورت إلى سرايا اعتراضية توقع الرعب والفزع في القوافل القرشية، وذلك قبل غزوة بدر الفاصلة، وعندما قويت شوكة المسلمين بعدها، أصبحت مهمة بعض السرايا والبعوث تنصبُا في تصفية الأفراد من أعداء الدولة الإسلامية، الذين يحاولون النيل من مسيرتها، مثل كعب بن الأشرف، والعصماء بنت مروان، وأبي عفك، فكان في قتل كعب ردع لليهود، وقتل العصماء وأبي عفك ردع للمشركين والمنافقين في المدينة.3 وعندما انقلبت الأمور لغير صالح المسلمين بعد أحد، طمع الأعراب في خيرات الم دينة، واستهانوا بالمسلمين لدرجة أنهم غدروا ببعض البعوث التعليمية ـ كما في الرجيع وبئر معونة ـ غيار تبعاً لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم "إستراتيجيته" العسكرية فانتقل بالسرايا من قريش إلى الأعراب، لتأديبهم بطريقة صارمة وسريعة ومباغتة، وكان أهم ما يميز تل ك السرايا، هجومها التعرضي للأعراب قبل تحشدهم وجمع أمرهم بالهجوم على المسلمين. وظلت السرايا والبعوث النبوية تؤدي دورها، وتقوم بمهامها الخاصة لخدمة أهداف الدعوة، فمن درويات قتالية إلى سرايا تعقبية وأخرى تمويهية، حتى إذا ما توطاد الأمر للمسلمين بعد 11 المتنبل: هو الذي يناول السهم للرامي 2 سنن أبو داوود، الحديث رقم3251. 3 فتح الباري، الحديث رقم4355.
عدد الصفحات ١٢٢123 فتح مكة، اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بإزالة كل ما يمت للوثيقة بصلة، فبعث السرايا والبعوث من مكة لتحطيم بقية رموز الشرك والوثنية، فانطلقت السرايا لتحطيم العُزاى ومناة واللات وسواع ذي الخلصة، وغيرها من الأصنام، والطواغيت الوثنية1، وبعد ذلك انطلقت دعوة الإسلام في أرج اء الجزيرة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، ثم تحركت الجيوش الراشدية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، لنشر دين الله في المعمورة، وإزالة كل العوائق والقوى التي تقف في وجه الدعوة. لقد أدهشت النتائج الس ريعة الإيجابية لحركة الفتوح الإسلامية جميع المحللين عل ى اختلاف دياناتهم وأفكارهم ومشاربهم، ولكن ستزول دهشة المحللين المنصفين، عندما يقرؤون تلك التعاليم، والوصايا النبوية لقواد، وجنود السرايا والبعوث، والتي هي نواة حركة الفتوح الإسلامية، والتي صارت تتكرر على ألسنة الخلفاء، وقادة جيوش الفتوح، وتظهر في أعمالهم فيما بعد2. عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشاً، قال «انطلقوا باسم الله، لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً صغيراً ولا امرأة، ولا تغلوا وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين»3، وعن أبي موسى رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحداً من أصحابه في بعض أمره قال: «بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا»4. 5ـ الأمن أشار القرآن الكريم إلى أهمية هذا الجانب في آيات عديدة منها: أ ـ قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَنَالُونَ مِن عَدُوٍّ نَّي لاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَل صَالِح ﴾ (التوبة، آية : 120.) 1 السيرة النبوية للصلابي1 /519.) 2 المصدر نفسه1 /519.) 3 سنن أبو داوود، الحديث رقم2614. 4أخرجه مسلم، الحديث رقم1732.
عدد الصفحات ١٢٣124 وتشير الآية على أن كل نيل من العدو عليه جزاء 1، وأن استطلاع أخبار العدو ، ومعرفة مواطن الضعف فيه، مواقع آليته، ومنشآته يعتبر نيلاً لأنه يوصل للتخطيط السليم، المؤدي إلى الظفر به. ب ـ قال تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ اذ هَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَي أَسُوا مِن رَّو حِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَي أَسُ مِن رَّو حِ اللهِ إِلاَّ ال قَو مُ ال كَافِرُونَ ﴾ (يوسف، آية : 87.) وجه الاستدلال أن يعقوب عليه السلام قد طلب من أبنائه أن يتحسسوا ويبحثوا عن يوسف وأخيه وفي هذا إقرار من أحد أنبياء الله في جمع المعلومات عن الآخرين، ويعتبر جمع المعلومات من العناصر الأساسية في علم الاستخبارات ويؤكد على مبدأ جمع المعلومات ﴿وَلاَ تَي أَسُوا ﴾2. ج ـ وقالتعالى: ﴿فَمَكَثَ غَي رَ بَعِيد فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَم تُحِط بِهِ وَجِئ تُكَ مِن سَبَإ بِنَبَإ يَقِين ﴾ (النمل، آية : 22.) إن الآية الكريمة ذكرت مبدأ من مبادئ الاستخبارات، وهو مبدأ جمع المعلومات، حيث إن الظروف التي جمعت فيها المعلومات هي ظروف حرب بدليل قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَي مَانَ جُنُودُهُ مِنَ ال جِنِّ وَالإ ِنسِ وَالطَّي رِ فَهُم يُوزَعُونَ ﴾ (النمل، آية : 17). نلحظ من الآية تطبيق عناصر الاستخبارات وهي: ـ إقرار مبدأ الحصول على المعلومات إذ أقر سليمان الهدهد ثم أرسله مرة أخرى : ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَق تَ أَم كُنتَ مِنَ ال كَاذِبِينَ ﴾ (النمل، آية : 27.) ثم قال ﴿اذ هَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَل قِه إِلَي هِم ثُمَّ تَوَلَّ عَن هُم فَانظُر مَاذَا يَر جِعُونَ ﴾ (النمل، آية : 28.) 1 في ظلال القرآن4 /11.) 2 الاستخبارات العسكرية في الإسلام، عبد الله علي، ص105..
عدد الصفحات ١٢٤125 ـ عرض المعلومات المجمعة، قال تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ ام رَأَةً تَم لِكُهُم وَأُوتِيَت مِن كُلِّ شَي ء وَلَهَا عَر ش عَظِيم * وَجَدتُّهَا وَقَو مَهَا يَس جُدُونَ لِلشَّم سِ مِن دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّي طَانُ أَع مَالَهُم فَصَدَّهُم عَنِ السَّبِيلِ فَهُم لاَ يَه تَدُونَ ﴾ (النمل، آية : 23 ـ24). تقسيم المعلومات المعروضة وتقرير مدى صحتها، قال تعالى: ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَق تَ أَم كُنتَ مِنَ ال كَاذِبِينَ ﴾ (النمل، آية : 27.) ـ تحليل ودراسة المعلومات واستخلاص النتائج منها ـ إمداد المسؤولين وإطلاع القادة على المعلومات، فالهدهد كجندي من جنود سليمان رأى أن من واجبه أن يأتي بما حصل عليه من معلومات إلى مس ؤوله وهو سليمان 1 عليه السلام ﴿وَجِئ تُكَ مِن سَبَإ بِنَبَإ يَقِين ﴾ (النمل، آية : 22.) ـ المباغتة والمفاجأة في جمع المعلومات وتوصيلها وغير ذلك من الدروس والعبر د ـ وقال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَي مَانَ جُنُودُهُ مِنَ ال جِنِّ وَالإ ِنسِ وَالطَّي رِ فَهُم يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَو ا عَلَى وَادِي النَّم لِ قَالَت نَم لَة يَا أَيُّهَا النَّم لُ اد خُلُوا مَسَاكِنَكُم لاَ يَح طِمَنَّكُم سُلَي مَانُ وَجُنُودُهُ وَهُم لاَ يَش عُرُونَ ﴾ (النمل، آية : 17،18). نلحظ في هذه الآيات أن المعلومات السابقة لا تقتصر على بني البشر، فقد يستفيد منها الحيوان والطير، إذ استفاد النمل من المعلومات السابقة، فاستعمل وسائل الإنذار المبكر، إذ قالت نملة بلغة جنسها حسب ما وصلت إليه من معلومات، ادخلوا مساكنكم حفاظاً على حياتكم، لأن سليمان وجنوده ربما يدوسون بأرجلهم فوقكم فتحطمون بغير قصد، فقد بينت السبب في توجيه هذا الإنذار إلى جماعتها من النمل بفضل المعلومات المسبقة التي حصلت عليها2. 1 الاستخبارات العسكرية، ص108. 2 في ظلال القرآن4 /141.)
عدد الصفحات ١٢٥126 هـ ـ قال تعالى: ﴿وَقَالَت لأُِخ تِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَت بِهِ عَن جُنُب وَهُم لاَ يَش عُرُونَ * وَحَرَّم نَا عَلَي هِ ال مَرَاضِعَ مِن قَب لُ فَقَالَت هَل أَدُلُّكُم عَلَى أَه لِ بَي ت يَك فُلُونَهُ لَكُم وَهُم لَهُ نَاصِحُونَ ﴾ (القصص، آية : 11 ـ12.) ونلحظ في الآيات الآتي ـ إستخدام أم موسى مبدأ جمع المعلومات والحصول عليها في حفاظها على ابنها ﴿وَقَالَت لأُِخ تِهِ قُصِّيهِ ﴾ والتقصي إنما هو تتبع الأثر وجمع المعلومات. ـ اختيار العنصر الأمين والحريص في جمع المعلومات لتكون صحيحة وموثقة وأمينة على ذلك حريصة على تلك المعلومات ﴿وَقَالَت لأُِ خ تِهِ قُصِّيهِ ﴾، فأم موسى لم تختار غير أخته، لأن الأخت تعتبر من الحريصين والأمناء على تلك المصلحة وهي تندفع من ذاتها في جمع المعلومات وتحصيل الأخبار، والمهم بمكان أن يكون العنصر المرسل في عملية الاستخبارات أن يكون مندفعاً من ذاته حريصاً على المصلحة المرسلة إليه. ـ التقصي والتتبع بدون إشارة أو جلب أنظار ﴿قُصِّيهِ ﴾ إذ نفهم من كلمة التقصي الانتباه وعدم إشارة الأنظار، ودليل ذلك أنها بصرت به دون أن يشعروا بها. ـ دقة الملاحظة وقوة الفراسة أثناء جمع المعلومات ﴿فَبَصُرَت بِهِ عَن جُنُب وَهُم لاَ يَش عُرُونَ ﴾ (القصص، آية : 11.) ـ استعملت أخت موسى شكلاً من أشكال الاستخبارات العصرية، وهو التخريب الفكري فبعد أن نظرت إليهن وهن غير قادرات على إرضاعه ﴿فَقَالَت هَل أَدُلُّكُم عَلَى أَه لِ بَي ت يَك فُلُونَهُ لَكُم وَهُم لَهُ نَاصِحُونَ ﴾ (القصص، آية : 12). وقد قصدت إبعاد موسى عن المراضع، ليخلص إلى أمها دون إشعارهم أنها منه بسبيل.
عدد الصفحات ١٢٦127 ـ محاولة تحقيق الهدف أثناء جمع المعلومات، فأخت موسى لم تكتف بأن تعرف مكان موسى لتخبر أمها بمكانه، وإنما هي تقصت الأخبار، وتوصلت إلى مكانه وحاولت إعادته إلى أمه وقد نجحت في هذا1. و ـ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذ رَكُم ﴾ (النساء، آية : 71.) وقال تعالى ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاح ذَرُوا ﴾ (المائدة، آية : 92.) وقال تعالى ﴿وَل يَأ خُذُوا حِذ رَهُم وَأَس لِحَتَهُم وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَو تَغ فُلُونَ عَن أَس لِحَتِكُم وَأَم تِعَتِكُم فَيَمِيلُونَ عَلَي كُم مَّي لَةً وَاحِدَةً ﴾ (النساء، آية : 102.) إن الإعداد الأمني والاستخباراتي في بناء الدولة بالمدينة من مظاهره الحذر واليقظة، لأنها تحول دون مفاجآت الأعداء، وتطبيق لآيات القرآن السابقة، كما أن السعي للحصول على المعلومات عن العدو الداخلي أو الخارجي حتى يكون التخطيط على أساس من أسباب القوة ومظاهرها التي أمر الإسلام بإعدادها من أسباب حماية الدولة والمجتمع والمواطنين. إن من أهم أسباب حماية وبناء الدول أن ينشأ الحس الأمني لدى المواطنين منذ تفتح أعينهم على الحياة، وأن تقوم الدول بتأسيس مؤسسات أمنية على أسس راسخة من المعرفة والعلم والحذر واليقظة. *ـ معالم نبوية في التربية الأمنية: إن السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم، قد تركت لنا معالم مهمة وخطوطاً عريضة في هذا الجانب، فنجد في الفترة المكية من معالمها الكتمان والسرية، ولذلك نجد أن: 1 الاستخبارات العسكرية في الإسلام، ص111 ـ112.
عدد الصفحات ١٢٧128 أ ـالرسول صلى الله عليه وسلم اختار دار الأرقم بن الأرقم كمقر سري للدعوة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يربي أتباعه على الإيمان بأركانه الستة والأخلاق الرفيعة استعداداً لمرحلة قادمة، وكان سبب اختياره دار الأرقم: ـ أن الأرقم لم يكن معروفاً بإسلامه، فما كان يخطر ببال أحد أن يتم لقاء محمد صلى الله عليه وسلم بداره. ـ أن الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه من بني مخزوم، وقبيلة بني مخزوم هي التي تحمل لواء التنافس والحرب ضد بني هاشم، فلو كان الأرقم معروفاً بإسلامه فلا يخطر في البال أن يكون اللقاء في داره، لأن هذا يعني أنه يتم في قلب صفوف العدو. ـ أن الأرقم بن أبي الأرقم كان فتى عند إسلامه، فلقد كان في حدود السادسة عشرة من عمره، ويوم تفكر قريش في البحث عن التجمع الإسلامي، فلن يخطر في بالها أن تبحث في بيوت الفتيان الصغار، من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، بل يتجه نظرها إلى بيوت كبار أصحابه أو بيته هو نفسه ـ عليه الصلاة والسلام ـ فقد يخطر على ذهنهم أن يكون مكان التجمع على الأغلب في أحد دور بني هاشم، أو في بيت أبي بكر رضي الله عنه أو غيره، ومن أجل هذا نجد أن اختياره هذا البيت كان في غاية الحكمة من الناحية الأمنية، ولم نسمع أبداً أن قريشاً داهمت ذات يوم هذا المركز وكشفت مكان اللقاء 1، ونلحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم يهتم ببناء الجهاز الأمني لدعوته، ويزرع أتباعه في وسط القبائل من أجل السعي لتمكين دعوة الإسلام، فعندما أسلم عمرو بن عنبسة أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتم إسلامه ويلتحق بأهله وإذا نظرنا في قصة إسلام أبي ذر رأيت الجوانب الأمنية بارزة في تلك السيرة العطرة. ب ـ وفي بيعة العقبة الثانية نلحظ أن المسلمين رتبوا هذا اللقاء ترتيباً رفيعاً، فأخذوا بكافة الاحتياطات الأمنية من حيث الزمان والمكان، وعقدوا الاتفاق عقداً متيناً، وحققوا ما أرادوا والمشركين في غفلة عما يحدث، وفي هجرة النبي صلى الله عليه وسلم قمم شامخة في مجال 1 المنهج الحركي للسيرة النبوية1 /49) منير غضبان
عدد الصفحات ١٢٨