المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدولة الحديثة المسلمة دعائمها ووظائفها

علي محمد الصلابي

صفحة ٧ من ٢٩

97 ـ وإن المؤمنين المتقين "أيديهم" على "كل" من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة1 ظلم أو إثماً، أو عدواناً أو فساداً بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعاً، ولو كان ولد أحدهم. ـ ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر ولا ينصر كافراً على مؤمن. ـ وإن ذمة الله واحدة، يُجبر عليهم أدنا هم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس. ـ وإنه من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم. ـ وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم. ـ وإن كل غازية غزت معنا يُعقب بعضها بعضاً . ـ وإن المؤمنين يُبيء 2 بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل ا ـ وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه، وإنه لا يجبر مشرك مالا لقريش، ولا نفساً ولا يحول دونه على مؤمن. ـ وإنه من اعتبط3 مؤمناً قتلاً عن بي نة، فإنه قَوَد 4 به،إلا أن يرضى ولي المقتول ـ "العقل" وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه. ـ وإنه لا يحل لمؤمن أقرا بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر مُحدثاً 5، أو يؤويه وإن من نصره أو آواه، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل. ـ وإنه مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم. ـ وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين. ـ وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم نفسه وأثم، فإنه لا يُوتغ 6 إلا نفسه، وأهل بيته 1 دسيعة: عظيمة 2 يُبيء: من البَوَاء وهو المساواة 3 أي: قتله دون جناية أو سبب يوجب قتله 4 القود: القصاص. 5 من نصر جانياً وآواه وأجاره من خصمه 6 يوتغ: يهلك الهلاك، والمعنى: فسد وهلك وأثم

عدد الصفحات ٩٧

98 ـ وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف ـ وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف. ـ وإن ليهود بني جُشم مثل ما ليهود بني عوف. ـ وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف. ـ وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يُوتغ إلا نفسه وأهل بيته. ـ وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم. ـ وإن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وإن البر دون الإثم. ـ وإن موالي ثعلبة كأنفسهم. ـ وإن بطانة يهود كأنفسهم، بطانة الرجل: أي خاصته، وأهل بيته. ـ وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم. ـ وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم. ـ وإنه لا يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم. ـ وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين. ـ وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة. ـ وإن الجار كالنفس غير مُضار ولا آثم. ـ وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها. ـ وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث، أو اشتجار يخاف فساده، فإن مراده إلى الله ـ عز وجل ـ وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبراه، أي : إن الله وحزبه المؤمنين على الراضا به. ـ وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وإن بينهم النصر على من دهم يثرب.

عدد الصفحات ٩٨

99 ـ وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه، فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين وعلى كل أناس حصاتهم من جانبهم الذي قبلهم. ـ وإن يهود الأوس ـ مواليهم وأنفسهم ـ على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة وإن البرا دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبرَّه. ـ وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم، وإن الله جار لمن برا وأتقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم1. واضح من هذه الصحيفة المباركة التي قاربت الخمسين نصاً أنها أسست عدداً من المبادئ السياسية الهامة التي شكلت بمجموعها الدستور السياسي للمدينة الذي حدد حقوق وواجبات أعضاء المجتمع السياسي الجديد، مسلمين وغير مسلمين، وصاغ البنية السياسية للنظام الناشىء من جهة ولأمة الإسلام فيما بعد من جهة أخرى ولقد تناول العديد من الباحثين هذه المبادئ السياسية بالدراسة ونستطيع أن نجمل أهمها فيما يلي: ب ـ تحديد مفهوم الأمة: تضمان دستور المدينة مبادئ عامة، درجت دساتير الدول الحديثة على وضعها فيها، وفي طليعة هذه المبادئ، تحديد مفهوم الأمة، فالأمة في الصحيفة تضم المسلمين جميعهم، مهاجرين وأنصارهم، ومن تبعهم ممن لحق بهم، وجاهد معهم، أمة واحدة من دون الناس2، وهذا شيء جديد كل الجدة في تاريخ الحياة السياسية في جزيرة العرب، إذ نقل الرسول صلى الله عليه وسلم قومه من شعار القبلية والتبعية لها إلى شعار الأمة التي تضم كل من اعتنق الدين الجديد، فلقد قالت الصحيفة عنهم: إنهم أمة واحدة. ـ قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُم أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُم فَاع بُدُونِ ﴾ (الأنبياء، آية:92) 1 مجموعة الوثائق السياسية، ص41 ـ47. 2 التاريخ السياسي والعسكري، د.علي معطي، ص169.

عدد الصفحات ٩٩

100 ـ وبين سبحانه وسطية هذه الأمة في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَل نَاكُم أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَي كُم شَهِيدًا ﴾(البقرة، آية: 143.) ـ ووضح سبحانه وتعالى أنها أمة إيجابية، فهي لا تقف موقف المتفرج من قضايا عصرها، بل تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتدعو إلى الفضائل وتحذر من الرذائل1. قال تعالى ﴿كُنتُم خَي رَ أُمَّة أُخ رِجَت لِلنَّاسِ تَأ مُرُونَ بِال مَع رُوفِ وَتَن هَو نَ عَنِ ال مُنكَرِ وَتُؤ مِنُونَ بِاللهِ وَلَو آمَنَ أَه لُ ال كِتَابِ لَكَانَ خَي رًا لَّهُم مِّن هُمُ ال مُؤ مِنُونَ وَأَك ثَرُهُمُ ال فَاسِقُونَ ﴾ (آل عمران، آية : 110.) كما أن مفهوم الأمة مفتوح وغير مغلق على فئة دون فئة، بل هي ممتدة لتشمل الإنسانية كلها إذا ما استجابت لدين الله تعالى، الذي ارتضاه لخلقه ولبني آدم أينما كانوا2. ج ـ مفهوم المواطنة: إعتبرت الصحيفة اليهود جزءاً من مواطني ا لدولة الإسلامية، الذين يعيشون في أرجائها مواطنين، وأنهم أمة مع المؤمنين، ما داموا قائمين بالواجبات المترتبة عليهم، فاختلاف الدين ليس ـ بمقتضى أحكام الصحيفة ـ سبباً للحرمان من مبدأ المواطنة 3. د ـ إقليم الدولة: وجاء في الصحيفة: إن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة. وأصل التحريم ألا يقطع شجرها، ولا يقتل طيرها، فإذا كان هذا هو الحكم في الشجر والطير، فما بالك في الأموال 1 دستور الأمة، عبد الناصر العطار، ص9. 2 دولة الرسول من التكوين إلى التمكين، ص421. 3 نظام الحكم لظافر القاسمي1 /37.)

عدد الصفحات ١٠٠

101 والأنفس1؟ فهذه الصحيفة حدَّدت معالم الدولة أمة واحدة، وإقليم هو المدينة، وسلطة حاكمة يرجع إليها وتحكم بما أنزل الله. إن المدينة كانت بداية إقليم الدولة الإسلامية، ونقطة الانطلاق، ومركز الدائرة التي كان الإقليم يتسع منها، حتى يضع حداً للقلاقل والاضطرابات، ويسود السلم والأمن العام، وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ليثبتوا أعلاماً على حدود حرم المدينة من جميع الجهات وحدود المدينة بين لابتيها شرقاً وغرباً، وبين جبل ثور في الشمال، وجبل عير في الجنوب 2. ثماتسع "الإقليم" باتساع الفتح، ودخول شعوب البلاد المفتوحة في الإسلام، حتى عما مساحة واسعة من غرب أوروبا وجنوبها، ومناطق فسيحة من غرب آسيا وجنوبها إلى أكثر أهل الصين وروسيا شرقاً، وكل شمال إفريقيا وأواسطها3. إن إقليم الدولة مفتوح وغير محدود بحدود جغرافية أو سياسية، فهو يبدأ من عاصمة الدولة "المدينة" ويتسع حتى يشمل الكرة الأرضية بأسرها. وقال تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَو مِهِ اس تَعِينُوا بِاللهِ وَاص بِرُوا إِنَّ الأَر ضَ للهِِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِن عِبَادِهِ وَال عَاقِبَةُ لِل مُتَّقِينَ ﴾ (الأعراف، آية : 128.) هـ ـ الحريات وحقوق الإنسان: إن الصحيفة تدل بوضوح وجلاء على عبقرية الرسول صلى الله عليه وسلم في صياغة موادها، وتحديد علاقات الأطراف بعضها ببعض، فقد كانت موادُّها مترابطة وشاملة، وتصلح لعلاج الأوضاع في المدينة آنذاك، وفيها من القواعد والمبادئ ما يحقق العدالة المطلقة والمساواة التامة بين البشر، وأن يتمتع بنو الإنسان على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وأديانهم 1 المصدر نفسه1 /38.) 2 أخرجه البخاري، الحديث رقم6755. 3 دولة الرسول من التكوين إلى التمكين، ص411.

عدد الصفحات ١٠١

102 بالحقوق والحريات بأنواعها1، يقول الدكتور محمدسليم العواا: ولا تزال المبادئ التي تضمنها الدستور ـ في جملتها ـ معمولاً بها، والأغلب أنها ستظل كذلك في مختلف نظم الحكم المعروفة إلى اليوم.. وصل إليها الناس بعد قرون من تقريرها، في أول وثيقة سياسية دوانها الرسول صلى الله عليه وسلم2. فقد أعلنت الصحيفة أن الحريات مصونة، كحرية العقيدة والعباد، وحق الأمن ..إلخ، فحرية الدين مكفولة للمسلمين دينهم ولليهود، قال تعالى: ﴿لاَ إِك رَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّش دُ مِنَ ال غَيِّ فَمَن يَك فُر بِالطَّاغُوتِ وَيُؤ مِن بِاللهِ فَقَدِ اس تَم سَكَ بِال عُر وَةِ ال وُث قَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيع عَلِيم ﴾ (البقرة، آية : 256.) وقد أنذرت الصحيفة بإنزال الوعيد، وإهلاك من يخالف هذا المبدأ، أو يكسر هذه القاعدة، وقد نصات الوثيقة على تحقيق العدالة بين الناس، وعلى تحقيق مبدأ المساواة إن الدولة الإسلامية واجب عليها أن تقيم العدل بين الناس وتفسح المجال وتيسير السبل أمام كل إنسان ـ يطلب حقه ـ أن يصل إلى حقه بأيسر السبل وأسرعها، دون أن يكلفه ذلك جهداً أو مالاً 3، وعليها أن تمنع أي وسيلة من الوسائل التي من شأنها أن تعوق صاحب الحق في الوصول إلى حقه. لقد أوجب الإسلام على الحكام أن يقيموا العدل بين الناس، دون النظر إلى لغاتهم أو أوطانهم أو أحوالهم الاجتماعية، فهو يعدل بين المتخاصمين ويحكم بالحق ولا يهمه أن يكون المحكوم لهم أصدقاء، أو أعداء، أغنياء أو فقراء، عمالاً أو أصحاب عمل. يقول الأستاذ أبو الأعلى المودودي ـ رحمه الله ـ معقباً على قوله تعالى : ﴿فَلِذَلِكَ فَاد عُ وَاس تَقِم كَمَا أُمِر تَ وَلاَ تَتَّبِع أَه وَاءهُم وَقُل آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللهُ مِن كِتَاب وَأُمِر تُ لأَِع دِلَ بَي نَكُمُ اللهُ رَبُّنَا 1 دولة الرسول صلى الله عليه وسلم، ص420. 2 النظام السياسي في الإسلام لأبي فارس، ص65. 3 المصدر نفسه، ص58.

عدد الصفحات ١٠٢

103 وَرَبُّكُم لَنَا أَع مَالُنَا وَلَكُم أَع مَالُكُم لاَ حُجَّةَ بَي نَنَا وَبَي نَكُمُ اللهُ يَج مَعُ بَي نَنَا وَإِلَي هِ ال مَصِيرُ ﴾ (الشورى، آية : 15.) يعني أني مأمور بالإنصاف دون عداوة، فليس من شأني أن أت عصب لأحد أو ضد أحد، وعلاقتي بالناس كلهم سواء، وهي علاقة العدل والإنصاف، فأنا نصير من كان الحق في جانبه، وخصيم من كان الحق ضده، وليس في ديني أي امتيازات، لأي فرد كائناً من كان، وليس لأقاربي حقوق، وللغرباء حقوق أخرى، ولا للأكابر عندي مميزات لا يحصل عليها الأصاغر والشرفاء والوضعاء، عندي سواء فالحق حق للجميع والذنب والجرم ذنب للجميع، والحرام حرام على الكل، والحلال حلال للكل، والفرض فرض على الكل، حتى أنا نفسي لست مستثنى من سلطة القانون الإلهي1. وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِال قِس طِ شُهَدَاء للهِِ وَلَو عَلَى أَنفُسِكُم أَوِ ال وَالِدَي نِ وَالأَق رَبِينَ إِن يَكُن غَنِيًّا أَو فَقَيرًا فَاللهُ أَو لَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا ال هَوَى أَن تَع دِلُوا وَإِن تَل وُوا أَو تُع رِضُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَع مَلُونَ خَبِيرًا ﴾ (النساء، آية : 135.) وهذا نص قرآني صريح في تكليف المجتمع القيادي المسلم بتحقيق العدل على أتم صورة، وأكمل أحواله، فالعدل على النفس، وعلى أقرب ذوي القربى كالعدل مع غير النفس، وأبعد البُعدَاء، وفي قوله تعالى: ﴿كُونُوا ﴾ أمر للمجتمع المسلم، في جميع أفراده، وجماعاته، أينما حلوا من أرض الله، وحيثما كانوا في أوطانهم المتقاربة أو المتباعدة، وهو أمر كينونة يشعر بمادته بالإلزام والالتزام، والتهيا وء والانبعاث للقيام بإقامة منهج العدل في الحياة، وفي قوله تعالى ﴿ قَوَّامِينَ ﴾ بصيغة المبالغة ، إيماء إلى ما يجب أن يكون عليه المجتمع المسلم من النهوض بإقامة معالم العدل بكل ما أوتي من قوة مادية وروحية، مشمًّرا على ساق العزم في بذل الجهد، والتحفز للعمل في سبيل توطيد دعائم العدل الاجتماعي. 1 الحكومة الإسلامية، ص202.

عدد الصفحات ١٠٣

104 والقرآن الكريم بذلك لا يرضى للمجتمع المسلم أن يحمله تعزز الغني بثرائه وغناه على ألا يقام معه العدل، ويظلم له الفقير، ولا يرضى لهذا المجتمع المسلم أن تحمله الرحمة للفقير، فيحابى بظلم الغني لأجله، ولا يرضى القرآن الحكيم لمجتمعه المسلم أن يميل مع الهوى، ويخضع للعواطف، فيحيد عن العدل لياً بالحق، وإعراضاً عنه، وقد جاءت أخت هذه في نسق أسلوبها وألفاظها، لتكمل صورة إقامة العدل على أتام وجوهه، ولتقرر أن موازين العدل يجب أن يتساوى فيها المحب والمبغض، والقريب والبعيد، والصديق والعدو. ـ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِِ شُهَدَاء بِال قِس طِ وَلاَ يَج رِمَنَّكُم شَنَآنُ قَو م عَلَى أَلاَّ تَع دِلُوا اع دِلُوا هُوَ أَق رَبُ لِلتَّق وَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِير بِمَا تَع مَلُونَ ﴾ (المائدة، آية : 8.) فصورة الخطاب الكينوني هنا﴿كُونُوا ﴾ ـ الذي يجعل من العدل طبيعة خلائق المجتمع المسلم، الذي نيط به قيادة الإنسانية ـ هي صورته هناك، لأن العدل أمانة هذا المجتمع المسلم العظمى التي حملوها، ليؤداوها إلى الناس في حياتهم 1. بيد أن الأمر قد اختلف في الآيتين اختلافاً جمع متفرق مواطن العدل با عتباره أصلاً من أصول الرسالة الخالدة الخاتمة، الذي يعما الحياة من جميع جوانبها ، ففي الآية الأولى وجاه الأمر للمجتمع المسلم بأشرف أوصافه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ألى أن يكون قوًّاما بالعدل، ولو كان في ذلك مراغمة منازع الحبا والودا والقربى، وفي هذه الآية الثانية وجاه الآمر للمجتمع بعنوانه المشرق، إلى أن يكون قوًّاما بالعدل، ولو كان في ذلك مراغمة جميع عواطف البعض والعداوة2، وملتقى الآيتين الكريمتين في توجيه المجتمعالمسلم توجيهاً صارماً لا هوادة فيه إلى أن يكون نهًّاضا بالعدل، قائماً به بين الناس ، له قيادته للإنسانية، وليخلص له التوجه 1 محمد رسول ا3 /142،143،144.) 2 محمد رسول ا3 /144،145.)

عدد الصفحات ١٠٤

105 إلى الله تعالى في إخلاص العبودية له وحده، لا تحمله محبة مهما عظمت، أو بغض مهما اشتد على الإعراض عن إقامة العدل، إحقاقاً للحق، وإنصافاً للمظلوم، ونصراً للضعيف 1. وأما المساواة، فقد جاءت نصوص صريحة في الصحيفة حولها، منها: أن ذمة واحدة، وأن المسلمين ﴿يجير عليهم أدناهم﴾، وأن ﴿المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس﴾، ومعنى الفقرة الأخيرة: أنهم يتناصرون في السراء والضرااء "الفقرة 15" وتضمنت الفقرة19" أن ﴿المؤمنين يُبيء بعضهم على بعض، بما نال دماءهم في سبيل الله ﴾، قال السُهيلي ـ شارح السيرة ـ في كتابه "الروض الأنف" ومعنى قوله يبيء: هو من البَوَاء أي المساواة 2، ويعدمبدأ المساواة أحد المبادئ العامة التي أقراها الإسلام، وهو من المبادئ التي تساهم في بناء المجتمع المسلم ولقد أقرا هذا المبدأ، وسبق به تشريعات، وقوانين العصر الحديث ومما ورد في القرآن الكريم تأكيداً لمبدأ المساواة، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَق نَاكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَل نَاكُم شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَك رَمَكُم عِندَ اللهَِّ أَت قَاكُم إِنَّ اللهََّ عَلِيم خَبِير ﴾ (الحجرات، آية : 13.) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم«يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكمواحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى أبلّغت »3؟ إن هذا المبدأ كان من أهم المبادئ التي جذبت الكثير من الشعوب قديماً نحو الإسلام، فكان هذا المبدأ مصدراً من مصادر القوة للمسلمين الأولين 4. وليس المقصود بالمساواة هناالمساواة العامة" بين الناس جميعاً في أمور الحياة كافة، كما ينادي بعض المخدوعين، ويرون ذلك عدلاً 5، فالاختلاف في المواهب والقدرات والتفاوت في 1 محمد رسول ا3 /145.) 2 نظام الحكم للقاسمي1 /38.) 3 مسند أحمد5 /411.) 4 مبادئ نظام الحكم في الإسلام، عبد الحميد متولي، ص: 385. 5 الأخلاق الإسلامية وأسسها للميداني1 /624.)

عدد الصفحات ١٠٥

106 الدرجات غاية من غايات الخلق1، ولكن المقصود المساواة التي دعت إليها الشريعة الإسلامية، مساواة مقيدة بأحوال فيها التساوي وليست مطلقة في جميع الأحوال 2، فالمساواة تأتي في معاملة الناس أمام الشرع، والقضاء والأحكام الإسلامية كافة ، والحقوق العامة دون تفريق بسبب الأصل أو الجنس أو اللون أو الثروة أو الجاه أو غير ذلك3، إن الناس جميعاً في نظر الإسلام سواسية، الحاكم والمحكوم، ا لرجال والنساء، العرب والعجم، الأ بيض والأسود، لقد ألغى الإسلام الفوارق بين الناس بسبب الجنس واللون أو النسب أو الطبقة، والحكام والمحكومين كلهم في نظر الشرع سواء، ولذلك كانت الدولة الإسلامية الأولى، تعمل على تطبيق هذا المبدأ بين الناس وكانت تراعي الآتي: ـ إن مبدأ المساواة أمر تعبدي، تؤجر عليه من خالق الخلق سبحانه وتعالى. ـ إسقاط الاعتبارات الطبقية والعرفية والقبلية والعنصرية والقومية والوطنية والإقليمية وغير ذلك من الشعارات الماحقة لمبدأ المساواة الإنسانية، وإحلال المعيار الإلهي بدلاً عنها للتفاضل، ألا وهو التقوى. ـ ضرورة مراعاة مبدأ تكافؤ الفرص للجميع، ولا يُراعى أحد لجاهه أو سلطانه أو حسبه ونسبه، وإنما الفرص للجميع، وكل على حسب قدراته وكفاءاته ومواهبه وطاقته وإنتاجه. إن تطبيق مبدأ المساواة بين رعايا الدولة الإسلامية، يقوي صفها، ويوحد كلمتها، وينتج عنه مجتمع متماسك متراحم يعيش لعقيدة ومنهج ومبدأ4. كانت الوثيقة قد اشتملت على أتما ما قد تحتاجه الدولة من مقوماتها الدستورية والإدارية، وعلاقة الأفراد بالدولة، وظل القرآن يتنزل في المدينة عشر سنين، يرسم للمس لمين خلالها مناهج الحياة، ويرسي مبادئ الحكم، وأصول السياسة، وشؤون المجتمع، وأحكام الحرام والحلال، وأسس التقاضي وقواعد العدل، وقوانين الدولة المسلمة في الداخل والخارج، والسنة الشريفة تدعم هذا، وتشيده وتفصاله في تنوير وتبصرة، فالوثيقة خطات خطوطاً عريضة في 1 فلسفة التربية الإسلامية لماجد الكيلاني، ص179. 2 مبادئ علم الإدارة، محمد نور الدين، ص116. 3 فقه النصر والتمكين، د. علي الصلابي، ص463. 4 فقه النصر والتمكين، ص466.

عدد الصفحات ١٠٦

107 الترتيبات الدستورية، وتعد في قيمة المعاهدات التي تحدد صلة المسلمين بالأجانب الكفار المقيمين معهم، في شيء كثير من التسامح والعدل والمساواة، على التخصيص إذا لوحظ أنها أول وثيقة إسلامية تسجل وتنفذ في أقوام كانوا ـ منذ قريب ـ وقبل الإسلام ـ أسرى العصبية القبلية، ولا يشعرون بوجودهم إلا من وراء الغلبة والتسلط، وبالتخوض في حقوق الآخرين وأشيائهم1. و ـ المرجعية العليا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم: جعلت الصحيفة الفصل في كل الأمور بالمدينة يعود إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقد نصات على مرجع ففي الخلاف في الفقرة " 23" وقد جاء فيها: وإنه مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم، والمغزى من ذلك واضح، وهو تأكيد سلطة عليا دينية تهيمن على المدينة، وتفصل في الخلافات، منعاً لقيام اضطرابات في الداخل من جراء تعدد السلطات وفي الوقت نفسه تأكيد ضمني برئاسة الرسول على الدولة 2، فقد حدادت الصحيفة مصدر السلطات الثلاثة: التشريعية والقضائية والتنفيذية، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً على تنفيذ أوامر الله، من خلال دولته الجديدة، لأن تحقيق الحاكمية لله على الأمة هو محض العبودية لله تعالى، لأنه بذلك يتحقق التوحيد، ويقوم الدين، قال تعالى:﴿إِنِ ال حُك مُ إِلاَّ للهِِ أَمَرَ أَلاَّ تَع بُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ ال قَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَك ثَرَ النَّاسِ لاَ يَع لَمُونَ ﴾ (يوسف، آية : 40.) يعني: ما الحكم الحقُّ في الرُّبوبية والعقائد والعبادات والمعاملات، إلا لله وحده، يوحيه لمن اصطفاه من رسله، لا يمكن لبشر أن يحكم فيه برأيه وهواه، ولا بعقله واستدلاله، ولا باجتهاده واستحسانه، فهذه القاعدة هي أساس دين الله تعالى على ألسنة جميع رسله، لا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة3. لقد نزل القرآن الكريم من أجل تحقيق العبودية والحاكمية لله تعالى 1 صور وعبر من الجهاد النبوي، د. محمد فوزي، ص29 ـ30. 2 التاريخ السياسي والحضاري للسيد عبد العزيز، ص102. 3 تفسير المنار، محمد رشيد رضا12 /309.)

عدد الصفحات ١٠٧

108 ـ قال تعالى ﴿إِنَّا أَنزَل نَا إِلَي كَ ال كِتَابَ بِال حَقِّ فَاع بُدِ اللهَ مُخ لِصًا لَّهُ الدِّينَ * أَلاَ للهِِ الدِّينُ ال خَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَو لِيَاء مَا نَع بُدُهُم إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُل فَى إِنَّ اللهَ يَح كُمُ بَي نَهُم فِي مَا هُم فِيهِ يَخ تَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لاَ يَه دِي مَن هُوَ كَاذِب كَفَّار ﴾ (الزمر، آية : 2 ـ3.) ـ وقال تعالى ﴿إِنَّا أَنزَل نَا إِلَي كَ ال كِتَابَ بِال حَقِّ لِتَح كُمَ بَي نَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّل خَآئِنِينَ خَصِيمًا ﴾ (النساء، آية : 105.) فكما أن تحقيق العبودية غاية من إنزال الكتاب، فكذلك تطبيقالحاكمية غاية من إنزاله، وكما أن العبادة لا تكون إلا عن وحي منزل، فكذلك لا ينبغي أن يحكم إلا بشرع منزل، أو بما له أصل في شرع منزل1. إن تحقيق الحاكمية تمكين للعبودية، وقيام بالغاية التي من أجلها خلق الإنسان والجان، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَق تُ ال جِنَّ وَالإ ِنسَ إِلاَّ لِيَع بُدُونِ ﴾ (الذاريات، آية : 56.) وقد اعترف اليهود في هذه الصحيفة بوجود سلطة قضائية عليا، يرجع إليها سكان المدينة ـ بما فيهم اليهود ـ بموجب بند رقم "43"، لكن اليهود لم يُلزموا بالرجوع إلى القضاء الإسلامي دائماً، بل فقط عندما يكون الحدث ، أو الاشتجار بينهم وبين المسلمين، أما في قضاياهم الخاصة وأحوالهم الشخصية، فهم يحتكمون إلى التوراة، ويقضي بينهم أحبارهم ، ولكن إذا شاؤوا، فبوسعهم الاحتكام إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد خير القرآن الكريم النبي صلى الله عليه وسلم بين قبول الحكم فيهم، أو ردهم إلى أحبارهم، قال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِل كَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّح تِ فَإِن جَآؤُوكَ فَاح كُم بَي نَهُم أَو أَع رِض عَن هُم وَإِن تُع رِض عَن هُم فَلَن يَضُرُّوكَ شَي ئًا وَإِن حَكَم تَ فَاح كُم بَي نَهُم بِال قِس طِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ ال مُق سِطِينَ ﴾ (المائدة ، آية ، 42.) 1 الحكم والتحاكم في خطاب الوحي1 /433) عبد العزيز مصطفى

عدد الصفحات ١٠٨

109 ومـن القضايا التي أراد اليهـود تحكيم الرسول صلى الله عليـه وسلم فيها اختلاف بني النضير، وبني قريظة في دية القتلى بينهما، فقـد كانت بنو النضير أعزَّ من بني قريظة، فكانت تعرضهم عليهم دية مضاعفة لقتلاها، فلما ظهر الإسلام في المدينة امتنعت بنو قريظة عن دفع الضعف، وطالبت بالمساواة في الدِّية 1. فنزلت الآية﴿وَكَتَب نَا عَلَي هِم فِيهَا أَنَّ النَّف سَ بِالنَّف سِ وَال عَي نَ بِال عَي نِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَال جُرُوحَ قِصَاص فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَة لَّهُ وَمَن لَّم يَح كُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُو لَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ (المائدة ، آية : 45.) وبهذه الصحيفة التي أقرت المـادة ((43)) على: أنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حديث، أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم سلطة قضائية مركزية عليا، يرجع إليها الجميع، وجعلها ترجع إلى الله وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولها قوة تنفيذية، لأن أوامر الله واجبة الطاعة، وملزمة التنفيذ، كما أن أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم هي من الله، وطاعتها واجبة2. وبذلك أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم رئيس الدولة وفي الوقت نفسه رئيس السلطة القضائية والتنفيذية والتشريعية، فقد تولى رسول الله صلى الله عليه وسلم السلطات الثلاث، بصفته الرسول الحاكم، ورئيس الدولة، فقد تولى رئاسة الدولة وفق نصوص الصحيفة، وباتفاق الطوائف المختلفة الموجودة في المدينة، ممن شملتهم نصوص الصحيفة3.  الحقوق والحريات العامةفي الدولة الحديثة ذات المرجعية الإسلامية: فالدولة يمكن أن تطور دستورها مما ا يُلبي احتياجات الشعوب، من الحفاظ على الحريات العامة ومراعاة المواثيق والمعاهدات الدولية للحقوق والحريات وأحكام الشريعة الإسلامية والقيم والعادات والتقاليد الأصيلة، وأن دعمها وحمايتها ضرورة أساسية لممارسة ودعم 1 السيرة النبوية الصحيحة1 /291.) 2 دولة الرسول من التكوين إلى التمكين، ص418. 3 السيرة النبوية للصلابي1 /461.)

عدد الصفحات ١٠٩

110 وحماية الشورى ومن الحقوق والحريات العامة التي يجب أن ينص عليها دستور الدولة الحديثة. ــ لكل مواطن الحق في ممارسة الح ياة السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، والثقافية، والدينية، وحريته الشخصية، وملكيته الخاصة مصانتان مصونة. وحياته الخاصة حرم آمن، وحقه في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي مكفول، وله أن يصدع شكواه بشتى الطرق في حدود القانون دونما قيد أو شرط ولا مصادرة، أو تأميم أو فرض ضريبة إلا بقانون. ــ كل المواطنين سواسية أمام القانون، وفي تقليد الوظائف العامة والمناصب الرسمية وتكافؤ الفرص ضرورة والعمل حق وواجب وجنسية الدولة لا تمنح أو تسقط أو تسحب إلا وفقاً لأحكام القانون. ـ التعليم حق لكل مواطن، وعلى الدولة أن تكفله مجاناً في جميع مراحله بالمؤسسات التعليمية الحكومية ويجب عليها القضاء على الأمية كما ترعى وتدعم الدولة المؤسسات العلمية والبحثية، وتصون الحق في الملكية الفكرية والبحث العلمي. ـ الحرية المسؤولة للصحافة والطباعة والنشر والإعلام بكافة وسائله، فلا رقابة عليها ولا تقييد لها، والحق في الحصول على المعلومات مكفولة، وحرية الرأي والفك ر والتعبير والتجمع والتظاهر والاجتماع والإضراب مصانة. ـ الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي لكل مواطن، وحرمة جسده مصانة فلا يجوز بحال تعذيبه أو امتهانه، أو احتقاره أو ازدرائه أو المساس به مادياً ومعنوياً. ـ مؤسسات المجتمع المدني ركيزة مهمة من ركائز العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي وعلى الدولة العمل على حرية إنشائها والانضمام إليها ودعمها واستقلاليتها والأخذ بناصيتها بحسبانها اليد الطولى للمشاركة السياسية وذلك سواء كانت اتحادات أم نقابات أو جمعيات أو أندية أو روابط. ـ لمصابي الحروب أو بسببها، ولزوجات وأبناء الشهداء الأولوية في فرص العمل ولذوي الاحتياجات الخاصة نصيباً مفروضاً في كل تعيينات الدولة.

عدد الصفحات ١١٠

111 والدولة الحديثة تؤمن بأن السياسة ليست غاية في ذاتها بل هي إطار وآلية من خلالها تتفاعل إرادة أفراد الشعب لتحقيق طموحاتهم في الحرية والتنمية والعدالة والشورى، وأن المواطن هو الفاعل الحقيقي والمستهدف من سياسة الدولة، وأن الدولة في سياستها تنطلق من ال مبادئ والأسس التالية. ـ تؤكد على مبدأ سيادة القانون. ـ إن السلطة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، وتؤمن بمبدأ الفصل بين السلطات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتوازنها وتعاونها، وتؤمن بأن الشورى الحقيقية لا تتأتى إلا بتفعيل هذا المبدأ وتدعو إلى ضرورة تحقيق ذلك من خلال الرقابة على دستورية القوانين والتأكد من التزام السلطة التشريعية بما ورد في الدستور والحد من تفويض السلطة التشريعية صلاحياتها للسلطة التنفيذية، وخاصة فيما يتعلق منها بالحقوق والحريات وضرورة إخضاع أعمال السلطة التنفيذية للرقابتين البرلمانية والقضائية. ـ والدولة الحديثة هي دولة لجميع مواطنيها وتحترم كل إنسان يعيش فوق أراضيها. ـ وتؤمن بالتعددية السياسية والفكرية والحق في التدوال السلمي للسلطة، عبر انتخابات نزيهة حرة يشارك فيها المواطنون في الداخل والخارج على حد سواء. ـ تؤمن أن العملية السياسية الشورية أساسها في القانون وتعمل على تطوير كل التشريعات لتكون الشورى هي روح القوانين. ـ تنادي بإطلاق حرية تشكيل الأحزاب السياسية، على أن يكون تأسيسها بمجرد الأخطار، وتحت رقابة القضاء الطبيعي وحده وأن يكون الحزب مفتوحاً لعضوية جميع المواطنين بلا تمييز بسبب الجنس أو اللون أو الدين أو الجهة أو القبيلة، وأن يلتزم الحزب بقواعد العمل الشوري في إطار دستور مدني. ـ تؤمن بأن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات متكافئون في الفرص وفي حق تولي الوظائف العامة.

عدد الصفحات ١١١

112 ـ تؤيد التوسع في مفهوم تولي المناصب العامة بالانتخاب وبخاصة المناصب ذات العلاقة المباشرة بالشعب، مثل عمداء الكليات والبلديات ومدراء الأمن. ـ تدعم تعزيز مفهوم اللامركزية الإدارية وأهمية وجود جيل من متخذي القرار في المجالس المحلية على كافة الصعد الأمنية والتنموية والاستثمارية. ـ تؤيد مبدأ نسبية التمثيل في الانتخابات العامة المحلية حيث يضمن ذلك المبدأ التعبير الحقيقي والواقعي والفاعل عن أكبر عدد من التيارات السياسية والفكرية والاجتماعية كما يضمن تعبيراً أمثل عن حقوق الأقليات والنساء، ويراعي التعداد السكاني والتباين الجهوي، ويحترم اختلاف الأصول والأعراق والهويات. ـ تسعى لتحقيق حكم محلي شوري حقيقي يقوم على انتخاب المجالس المحلية وما في حكمها، وإعطاء المحليات صلاحيات فعلية في التقرير والتفيذ وتدبير موارد مالية محلية، وتكون بتلك المحليات مسؤولة أمام ناخبيها وليس أمام الحكومة ولأعضاء هذه المجالس حق سحب الثقة من رؤسائها. ـ تؤمن بأن الاعتبارات المفوضية ينبغي أن تكون المعيار الحاكم في شغل الوظائف الحكومية وغير الحكومية على حد سواء. ـ تلك الاعتبارات يجب أن تبنى على أسس من الكفاءة والمهنية والتفاني والإيمان الصادق بالتعبير عن مصالح الوطن وذلك بمعزل عن الاعتبارت الشخصية أو الأهواء الفردية. ـ ومن ثم فلا وجه لتوزيع وظائف الدولة على أساس قبلي أو جهوي أو طائفي أو عشائري أو مذهبي أو على خلفية من مخاصصة، أو إرضاء لحزب أو فكر أو تيار بعينه. ـ ترى أن خير دور للجيش هو الحفاظ على إقليم الدولة والدفاع عنه، ولا تقبل له بأي تدخل في مفاصل العمل المدني بشتى أشكاله السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية. ـ تثمن عالياً مهمة الشرطة في الحفاظ على الأمن وحماية الحريات وحقوق الإنسان وذلك من خلال بناء منظومة شرطية أساسها الكفاءة والتميز وفصلها عن المآرب السياسية والحزبية. ـ ترفض تماماً كافة الق وانين والمحاكم الاستثنائية أو الخاصة.

عدد الصفحات ١١٢