المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدولة الحديثة المسلمة دعائمها ووظائفها

علي محمد الصلابي

صفحة ٦ من ٢٩

81 يعجن بالتراب، ويسوى على أشكال أحجار صالحة للبناء1، وفي الناحية الشمالية منه أقيمت ظلة من الجريد على قوائم من جذوع النخل كانت تسمى الصفة أما باقي أجزاء المسجد، فقد تركت مكشوفة بلا غطاء 2، وأما أبواب المسجد فكانت ثلاثة : باب في مؤخرته من الجهة الجنوبية، وباب في الجهة الشرقية، كان يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بإزاء باب بيت عائشة، وباب من الجهة الغربية يقال له: باب الرحمة، أو باب عاتكة3. وبني لرسول الله صلى الله عليه وسلم حُجَر حول مسجده الشريف، لتكون مساكن له ولأهله، ولم تكن الحجر كبيوت الملوك والأكاسرة والقياصرة، بل كانت بيوت من ترَ فاع عن الدنيا وزخارفها، وابتغى الدارة الآخرة، فقد كانت كمسجده مبنية من اللبن والطين وبعض الحجارة، وكانت سقوفها من جذوع النخل والجريد وكانت صغيرة الفناء، قصيرة البناء، ينالها الغلام الفارغ بيده، قال الحسن البصري ـ وكان غلاماً مع أمه خيرة مولاة أم سلمة ـ: قد كنت أنال أول سقف في حُجَر النبي صلى الله عليه وسلم بيدي 4. وهكذا كانت بيوت النبي صلى الله عليه وسلم في غاية البساطة بينما كانت المدينة تشتهر بالحصون العالية، التي كان يتخذها علية القوم تباهياً بها في السالم، و اتاقاء بها في الحرب، وكانوا من تفاخرهم بها يضعون لها أسماء، كما كان حصن عبد الله بن أبَّ ي ابن سلول اسمه مزاحم، وكما كان حصن حسان بن ثابت رضي الله عنهما اسمه فارع، إن النبي صلى الله عليه وسلم بنى بيوته بذلك الشكل المتواضع، وكان باستطاعته أن يبني لنفسه قصوراً شاهقة، لو أنه أشار إلى رغبته بذلك مجرد إشارة، لسارع الأنصار في بنائها له، كما كان بإمكانه أن يشيدها من أموال الدولة العامة كالفيء ونحوه ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، ليضرب لأمته مثلاً رفيعاً وقدوة عالية في التواضع والزهد في الدنيا، وجمع الهمة والعزيمة للعمل لما بعد الموت5، ومن أهم الفوائد والدروس من بناء المسجد أ ـ المسجد من أهم الركائز في بناء المجتمع: 1 السيرة النبوية للصلابي (1 /416.) 2 محمد رسول الله، لمحمد رضا، ص143. 3 التاريخ السياسي والعسكري لدولة المدينة، علي معطي، ص157. 4 السيرة النبوية لأبي شهبة2 /36.) 5 التاريخ الإسلامي للحميدي4 /13.)

عدد الصفحات ٨١

82 إن إقامة المساجد من أهم الركائز في بناء الم جتمع الإسلامي ذلك أن المجتمع المسلم إنما يكتسب صفة الرسوخ والتماسك بالتزام نظام الإسلام وعقيدته وآدابه، وإنما ينبع ذلك من روح المسجد ووحيه1. ـ قال تعالى ﴿لاَ تَقُم فِيهِ أَبَدًا لَّمَس جِد أُسِّسَ عَلَى التَّق وَى مِن أَوَّلِ يَو م أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَال يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُّ يُحِبُّ ال مُطَّهِّرِينَ ﴾ (التوبة، آية : 108.) ـ وقال تعالى ﴿فِي بُيُوت أَذِنَ اللهَُّ أَن تُر فَعَ وَيُذ كَرَ فِيهَا اس مُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِال غُدُوِّ وَالآ صَالِ * رِجَال لاَّ تُل هِيهِم تِجَارَة وَلاَ بَي ع عَن ذِك رِ اللهَِّ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَو مًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ال قُلُوبُ وَالأ َب صَارُ * لِيَج زِيَهُمُ اللهَُّ أَح سَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَض لِهِ وَاللهَُّ يَر زُقُ مَن يَشَاء بِغَي رِ حِسَاب ﴾ (النور، آية : 36 ـ38.) ب ـ المسجد رمز لشمولية الإسلام ـ حيث أُنشيء ليكون متعبداً لصلاة المؤمنين، وذكرهم لله تعالى وتسبيحهم له، وتقديسهم إياه بحمده، وشكره على نعمه عليهم، يدخله كلُّ مسلم، ويقيم فيه صلاته وعبادته، ولا يضاره أحد مادام حافظاً لقداسته، ومؤدياً حق حرمته 2. ـ كما أنشىء المسجد ليكون ملتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه، والوافدين عليه طلباً للهداية، ورغبة في الإيمان بدعوته وتصديق رسالته 3. ـ وهو قد أنشىء ليكون جامعة للعلوم والمعارف الكونية والعقلية والتنزيلية، التي حثَّ القرآن الكريم على النظر فيها، ليكون مدرسة يتدارس فيها المؤمنون أفكارهم، وثمرات عقولهم، ومعهداً يؤمه طلاب العلم من كل صوب ليتفقهوا في الدين، ويرجعوا إلى قومهم مبشرين ومنذرين، داعين إلى الله هادين، يتوارثونها جيلاً بعد جيل4. 1 السيرة النبوية1 /425) للصلابي 2 محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحمد الصادق3 /33.) 3 المصدر نفسه3 /34 ـ35.) 4 المصدر نفسه3 /33.)

عدد الصفحات ٨٢

83 ـ وهو قد أنشىء ليجد فيه الغريب مأوى، وابن السبيل مستقراً لا تكدره مِ نَّة أحد عليه، فينهل من رفده، ويعب من هدايته ما أطاق استعداده النفسي والعقلي، لا يصده أحد عن علم أو معرفة أو لون من ألوان الهداية، فكم من قائد يتخرج، وبرزت بطولته بين جدرانه، وكم من عالم استبحر علمه في رحابه، ثم خرج به على الناس يروي ظمأهم للمعرفة وكم من داع إلى الله تلقى في ساحته دروس الدعوة إلى الله، فكان أسوة الدعاة، وقدوة الهداة، وريحانة جذب القلوب شذاها، فانجفلت إليها تأخذ عنها الهداية، لتستضيء بأنوارها. وكم من إعرابي جلف لا يفرق بين الأحمر والأصفر وفد عليه فدخله، ورأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله هالة تحف به، يسمعون منه، وكأن على رؤوسهم الطير فسمع معهم، وكانت عنده نعمة العقل مخبأة تحت ستار الجهالة، فانكشف له غطاء عقله، فعقل وفقه واهتدى واستضاء، ثم عاد إلى قومه إماماً يدعوهم إلى الله، ويربيهم بعلمه الذي علم وسلوكه الذي سلك، فآمنوا بدعوته واهتدوا بهديه، فكانوا سطراً منيراً في كتاب التاريخ الإسلامي 1. ـ وهو قد أنشىء ليكون قلعة الاجتماع إذا استنفروا، تعقد فيه أولوية الجهاد، والدعوة إلى الله، وتخفق فيه فوق رؤوس القادة الرايات، للتوجه إلى مواقع الأحداث وفي ظلها يقف جند الله في نشوة ترقب النصر أو الشهادة2. ـ وهو قد أنشىء ليجد فيه المجتمع المسلم الجديد ركناً في زواياه، ليكون مشفىً يستشفى فيه جرحى كتائب الجهاد، ليتمكن نبي الله صلى الله عليه وسلم من عيادتهم، والنظر في أحوالهم والاستطباب لهم، ومداواتهم في غير مشقة ولا نصب، تقديراً لفضلهم 3. ـ وهو قد أنش ىء ليكون مركزاً لبريد الإسلام، منه تصدر الأخبار، ويبرد البريد، وتصدر الرسائل، وفيه تُتلقى الأنباء السياسية سلماً أو حرباً، وفيه تُتلقى وتُقرأ رسائل البشائر بالنصر، ورسائل طلب المدد، وفيه يُنعى المستشهدون في معارك الجهاد، ليتأسى بهم المتأسون وليتنافس في الاقتداء بهم المتنافسون4. 1 المصدر نفسه3 /34 ـ35.) 2 محمد رسول الله لمحمد الصادق عرجون3 /34 ـ35.) 3 المصدر نفسه3 /34 ـ35.) 4 المصدر نفسه3 /35.)

عدد الصفحات ٨٣

84 ـ وهو قد أنش ىء ليكون مرقباً للمجتمع المسلم، يتعرف منه على حركات العدو المريبة ويراقبها، ولا سيما الأعداء الذين معه يساكنونه ويخالطونه في بلده، من شراذم اليهود، وزمر المنافقين، ونفاقات الوثنية، الذين انغمسوا في الشرك، فلم يتركوه ليتجنب المجتمع المسلم عاقبة كيدهم، وسوء مكرهم وتدبيرهم، ويأمن مغبة1 غدرهم وخيانتهم2. ج ـ التربية بالقدوة العلمية من الحقائق الثابتة أن النبي صلى الله عليه وسلم شارك أصحابه العمل والبناء، فكان يحمل الحجارة وينقل الطين على صدره وكتفيه، ويحفر الأرض بيديه كأي واحد منهم، فكان مثال الحاكم العادل الذي لا يفرق بين رئيس ومرؤوس أو بين قائد ومقود، أو بين سيد ومسود، أو بين غني وفقير فالكل سواسية أمام الله، لا فرق بين مسلم وآخر إلا بالتقوى، ذلك هو الإسلام عدالة ومساواة في كل شيء، والفضل فيه يكون لصاحب العطاء في العمل الجماعي للمصلحة العامة، وبهذا الفضل ثواب من الله، والرسول صلى الله عليه وسلم كغيره من المسلمين، لا يطلب إلا ثواب الله3، فقد كانت مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم في عملية البناء ككل العمال الذين شاركوا فيه، وليس بقطع الشريط الحريري فقط، وليس بالضربة الأولى بالفأس فقط، بل غاض بعملية البناء كاملة، وقد دُهش المسلمون من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد علته الغيرة، فتقدم أسيد بن حُضير رضي الله عنه ليحمل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : يا رسول الله، أعطينه، فقال: اذهب فاحتمل غيره فإنك لست بأفقر إلى الله مني4، وقد سمع المسلمون ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه، فازدادوا نشاطاً، واندفاعاً في العمل 5. إنه مشهد فريد من نوعه، ولا مثيل له في دنيا الناس، وإذا كان الزعماء والحكام قد يقدمونه على المشاركة أحياناً بالعمل، لتكون شاشات التلفزيون جاهزة لنقل أعمالهم، وتملأ الدنيا في الصحف، ووسائل الإعلام كلها، بالحديث عن أخلاقهم وتواضعهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم 1 المغبة منكل شيء: عاقبته وآخره. 2 محمد رسول ا3 /36.) 3 التاريخ السياسي والعسكري، د. علي معطي، ص158. 4 صور من حياة الرسول، أمين دويدار، ص261. 5 التاريخ السياسي والعسكري، د. علي معطي، ص158.

عدد الصفحات ٨٤

85 ينازع الحجر أحد أفراد المسلمين ويبين له أنه أفقر إلى الله تعالى، وأحرص على ثوابهمنه، وقد تفاعل الصحابة الكرام تفاعلاً عظيماً في البناء، وأنشدوا هذا البيت: لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المُضلُّل إن هذه التربية العملية لا تتم من خلال الموعظة، ولا من خلال الكلام المنمق، وإنما تتم من خلال العمل الحيا الداؤوب، والقدرة المصفا ة من رب العالمين، والتي ما كان يمكن أن تتم في أجواء مكة، والملاحقة والاضطهاد والمطاردة فيها، إنما تتم في هذا المجتمع الجديد، والدولة التي تُبنى، وكأنما غدا هذا الجمع من الصحابة الكرام كله صوتاً واحداً وقلباً واحداً، فمضى يهتف: اللهم إنا العيش عيشُ الآخرة فانصر الأنصار والمهاجرة ويهتف بلحن واحد: لئن قعدنا والنبي يعمل فذاك منا العمل المُضَلُّل وكان الهتاف الثالث: هذي الجمال لا جمالُ خيبر هذا أبر لربنا وأطهر فحمل التمر والزبيب من خيبر إلى المدينة كان له مكانة عظيمة في المجتمع المدني، لكنه أصبح لا يذكر أمام حمل الطوب لبناء المسجد النبوي العظيم، فقد أيقنوا بقوله تعالى:" مَا عِندَكُم يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِّ بَاق " (النحل، آية : 96.) وأما الهتاف الرابع: لا يستوي من يعمر المساجدا يدأب فيها قائماً وقاعداً

عدد الصفحات ٨٥

86 ومن يُرى عن الغبار حائداً 1 د ـ الاهتمام بالخبرة والاختصاص: أخرج الإمام أحمد عن طلق بن علي اليمامي الحنفي، قال: بنيت المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يقول: «قرّبوا اليمامى من الطين، فإنه أحسنكم له مسيساً »2، وأخرج الإمام أحمد عن طلق أيضاً قال: جئت إلى النبي صلى الله عليه وس لم وأصحابه يبنون المسجد، وكأنه لم يعجبه عملهم، فأخذت المسحاة فخلطت الطين، فكأنه أعجبه فقال: «دعوا الحنفي والطين، فإنه أضبطكم للطين»، وأخرج ابن حيان عن طلق، قال: فقلت: يا رسول الله أأنقل كما ينقلون؟ قال: «لا، ولكن أخلط لهم الطين فأنت أعلم به»3، فقد اهتمالنبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوافد على المدينة، والذي لم يكن من المسلمين الأوائل ووظف خبرته في خلط الطين، وفي قوة العمل، وهو درس للمسلمين في الثناء على الكفاءات والاستفادة منها، وإرشاد نبوي كريم في كيفية التعامل معها، وما أحوجنا إلى هذا الفهم العميق4. هـ ـ شعار الدولة المسلمة: إن أذان الصلاة شعار لأول دولة إسلامية عالمية "الله أكبر، الله أكبر" إنها تعني أن الله أكبر من أولئك الطغاة، وأكبر من صانعي العقبات، وهو الغالب على أمره، "أشهد أن لا إله إلا الله" أي: لا حاكمية ولا سيادة ولا سلطة، إلا لله رب العالمين "إن الحكم إلا لله" فمعنى لا إله إلا الله لا حاكم ولا آمر ولا مشرع إلا الله "أشهد أن محمداً رسول الله" أسلمه الله تعالى القيادة، فليس لأحد أن ينزعها منه، فهو ماض بها إلى أن يكمل الله دينه بما ينزله على رسوله من قرآن، وبما يلهمه إياه من سنة5، ويعني الاعتراف لرسالة الله بالرسالة، والزعامة الدينية والدنيوية والسمع والطاعة له6. 1 فتح الباري7 /314)، السيرة لابن هشام2 /142.) 2 مسند أحمد، مجمع الزوائد2 /9.) 3 صحيح ابن حبان، الحديث رقم1122. 4 التربية القيادية2 /252.) 5 قراءة سياسية للسيرة النبوية لمحمد قلعجي، ص114. 6 دولة الرسول من التكوين، ص438.

عدد الصفحات ٨٦

87 "حيَّ على الصلاة.. حيَّ على الفلاح" أقبل يا أيها الإنسان للانضواء تحت لواء الدولة التي أخلصت وجعلت من أهدافها تمتين العلاقة بين المسلم وخالقه، وتمتين العلاقة بين المؤمنين على أساس من القيم السامية "قد قامت الصلاة"، وقد اختيرت الصلاة من بين سائر العبادات، لأنها ع ماد الدين كله، ولأنها بما فيها من الشعائر كالركوع والسجود والقيام أعظم مظهر لمظاهر العبادة بمعناها الواسع، التي تعني الخضوع والتذلل والاستكانة، فهو خضوع ليس بعده خضوع فكل طاعة لله على وجه الخضوع والتذلل عبادة، فهي طاعة العبد لسيده، فيقف بين يديه قد أسلم نفسه طاعة وتذللاً. قال تعالى: ﴿قُل إِنِّي نُهِيتُ أَن أَع بُدَ الَّذِينَ تَد عُونَ مِن دُونِ اللهَِّ لَمَّا جَاءنِيَ ال بَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِر تُ أَن أُس لِمَ لِرَبِّ ال عَالَمِينَ ﴾ (غافر، آية : 66.) وهذا الارتباط بين شعار الدولة الرسمي بحاكمية الله، وسيادة الشرع، سقوط الطواغيت، وقوانينهم وأنظمتهم وشرائعهم، بـ "حيَّ على الفلاح.. قد قامت الصلاة" يشير إلى أنه لا قيام للصلاة، ولا إقامة لها كما ينبغي إلا في ظل دولة تقوم عليها وتقوم بها ولها، فقد كان المسلمون يصلون خفية في شعاب مكة قبل قيام دولتهم، أما وقد قامت تحت سيوف الأنصار، فليجهروا بالأذان والإقامة، وليركعوا ويسجدوا لله رب العالمين. إن الواقع التاريخي خير شاهد على أن الله لا يُ عبد في الأرض حق عبادته، إلا في ظل دولة قوية تحمي رعاياها من أعداء الدين، ثم تتكرر كلمات الأذان: الله أكبر.. الله أكبر للتأكيد على المعاني السابقة1. الأمن الاجتماعي في الدولة الحديثة ذات المرجعية الإسلامية: تهتم الدولة بالمساجد وتعمل على تطويرها من خلال تأسيس وزارة أوقاف و إرشاد مستقلة قادرة على المساهمة الحقيقية والفعالة في التنمية المجتمعية وفق فهم إسلامي يدرك الواقع 1 السيرة النبوية1 /430) للصلابي

عدد الصفحات ٨٧

88 ويستشرف آفاق المستقبل ويسخار المؤسسات الوقفية لخدمة المجتمع المدني وصولاً إلى تحقيق الأمن الاجتماعي ومن أهم الأهداف التي تسعى الدولة الحديثة لتحق يقها من خلال وزارة الأوقاف والشؤون الدينية: ـ تحقيق الملاءمة والانسجام مع مؤسسات المجتمع المدني والجامعات والمراكز البحثية دعماً للعلاقات التكاملية بينهما. ـ زيادة وعي القضاة والعاملين في مجال الوقف وبناء إدارات وقف وإرشاد قادرة على القيام بدورها وفقاً للمفهوم المدني للوقف. ـ رفع مستوى الإقبال على تعلم القرآن الكريم قراءة وحفظاً وتفسيراً وترتيلاً وتجويداً وتنمية مهارات القائمين على تحفيظه مما سيؤدي بدوره إلى تخريج أجيال من حفظة القرآن الكريم المهرة، ويعين على ذلك مع الاهتمام بأهل التخصص إعداد المساجد ومراكز التحفيظ إعداداً حضارياً يساهم في تحقيق الهدف. ـ نشر العقائد والمبادئ والأخلاق والمعلوم بالدين بالضرورة وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وتاريخ الإسلام من خلال دورات وندوات، ووسائل الإعلام وتفعيل دور المساجد حتى تصل إلى كل المواطنين والمواطنات. ـ التوسع في برامج التنمية المجتمعية ذات الصلة بالعمل النسائي والدعوة إلى التفاعل الإيجابي مع الحضارة المعاصرة مع الحفظ على سمات الهوية الإسلامية، تفعيل المساهمة مع الجمعيات الخيرية وعمل مراكز لها بجانب المساجد بحيث تشع روح المسجد على من حولها. ـ التأكيد على الوحدة الوطنية ونبذ التفرقة والتعصب والغلو وربط هذا الشعب بأمته وآمالها وطموحاتها. ـ تطوير أعمال الحج والعمرة بهدف رفع مستوى الخدمة وتنمية قدرات القائمين على أعمال وبرامج المساجد.

عدد الصفحات ٨٨

89 ـ جعل المسجد مركزاً للإشعاع الديني والحضاري والتربوي والثقا في والا جتماعي وإعداد إصدار الموسوعات الإسلامية بأساليب عصرية تساعد على التفقه في الدين وتوزيعها على المساجد والنوادي والمواطنين. ـ تفعيل دور البحوث والدراسات الشرعية في تلبية احتياجات المجتمع. ـ تطوير آليات بيان الحكم الشرع ي في القضايا العامة والخاصة والا هتمام بالمخطوطات الإسلامية، والإنسانية وحفظها بطريقة علمية عصرية نضمن حسن الانتفاع بها. ـ العمل على إيجاد مكتبات في كل المساجد وأخرى عامة تعزز الدور الفاعل للمكتبات في نشر الثقافة والعلم والمعرفة والفقه وتوثيق الروابط مع كافة المكتبات ومراكز البحوث ذات الصلة داخلياً وخارجياً. ـ نشر الوعي الإسلامي الصحيح بين المواطنين وتبني منهج الوسطية والحكمة والاعتدال في دعوة الناس إلى دين الله. ـ التواصل مع جميع شرائح المجتمع، ومؤسسات المجتمع المدني المهتمة بالشأن الإسلامي الداخلي والخارجي والعاملة في ميدان تنمية المجتمع. 2ـ المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار كان من أولى الدعائم التي اعتمدها الرسول صلى الله عليه وسلم في برنامجه الإصلاحي والتنظيمي للأمة وللدولة والحكم والاستمرار في الدعوة إلى التوحيد، والمنهج القرآني، بناء المسجد وتقرير المؤ اخاة بين المهاجرين والأنصار وهي خطوة لا تقلُّ أهمية عن الخطوة الأولى في بناء المسجد لكي يتلاحم المجتمع المسلم، ويتآلف وتتضح معالم تكوينه الجديد1. كان مبدأ التآخي العام بين المسلمين قائماً منذ بداية الدعوة في عهدها المكي ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ما يؤدي إلى التباغض بين المسلمين، فقال صلى الله عليه وسلم: « لا 1 الإدارة الإسلامية، د. مجدلاوي،ص: 52.

عدد الصفحات ٨٩

90 تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً ، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق الثلاثة أيام»1. ـ وقال صلى الله عليه وسلم«المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه2، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة 3، فرّج الله ـ عز وجل ـ عن ه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً، ستره الله يوم القيامة »4، وقد أكد القرآن الكريم الأخوة العامة بين أبناء الأمة في قوله تعالى: ﴿وَاع تَصِمُوا بِحَب لِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذ كُرُوا نِع مَةَ اللهِ عَلَي كُم إِذ كُنتُم أَع دَاء فَأَلَّفَ بَي نَ قُلُوبِكُم فَأَص بَح تُم بِنِع مَتِهِ إِخ وَانًا وَكُنتُم عَلَىَ شَفَا حُف رَة مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّن هَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُم آيَاتِهِ لَعَلَّكُم تَه تَدُونَ ﴾ (آل عمران، آية : 103.) ـ وقال تعالى ﴿وَأَلَّفَ بَي نَ قُلُوبِهِم لَو أَنفَق تَ مَا فِي الأَر ضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَت بَي نَ قُلُوبِهِم وَلَـكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَي نَهُم إِنَّهُ عَزِيز حَكِيم ﴾ (الأنفال، آية : 63.) وقد أسهم نظام المؤاخاة في ربط الأمة بعضها ببعض، فقد أقام الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الصلة على أساس الإخاء الكامل بينهم، هذا الإخاء الذي تذوب فيه العصبيات، فلا حمية إلا للإسلام، وتسقط به فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتأخر أحد أو يتقدم، إلا بمروءته وتقواه، وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخوة عقداً نافذاً لا لفظاً فارغاً، وعملاً يرتبط بالدماء والأموال، لا تحية تثرثر بها الألسنة، ولا يقوم لها أثر5. وكانت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال6. 1 أخرجه البخاري، الحديث رقم6065. 2 أي: لا يتركه مع من يؤذيه، ولا فيما يؤذيه بل ينصره 3 كربة أي: غمة 4 أخرجه البخاري، الحديث رقم2442، وأخرجه مسلم، الحديث رقم2580. 5 فقه السيرة للغزالي، ص193،194. 6 المصدر نفسه، ص194.

عدد الصفحات ٩٠

91 إن سياسة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار نوع من السبق السياسي، الذي اتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأصيل المودة وتمكينها في مشاعر المهاجرين والأنصار الذين سهروا جميعاً على رعاية هذه المودة وذلك الإخا ء بل كانوا يتسابقون في تنفيذ بنوده1. قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإ ِيمَانَ مِن قَب لِهِم يُحِبُّونَ مَن هَاجَرَ إِلَي هِم وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِم حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤ ثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصَاصَة وَمَن يُوقَ شُحَّ نَف سِهِ فَأُو لَئِكَ هُمُ ال مُف لِحُونَ ﴾ (الحشر، آية : 9.) ومما ن تآخوا في الله من المهاجرين والأنصار، أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وخارجة بن زهير، وعمر بن الخطاب وعتبان بن مالك، وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، والزبير بن العوام وسلامة بن سلامة بن وقش، وطلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك، وسعيد بن زيد وأبي بن كعب، ومصعب بن عمير وأبو أيوب، خالد بن الوليد وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعباد بن بشر وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان وأبو ذر الغفاري، والمنذر بن عمرو وحاطب بن أبي بلتعة 2، وعويم بن ساعدة وسلمان الفارسي، وأبو الدرداء وبلال مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو رويحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي3، ومن أهم الدروس والفوائد والعبر من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار أ ـ آصرة العقيدة هي أساس الارتباط: إن المجتمع المدني الذي أقامه الإسلام كان مجتمعاً عقدي اً يرتبط بالإسلام، ولا يعرف الموالاة إلا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وهو أعلى أنواع الارتباط وأرقاه، إذ يتصل بوحدة العقيدة والفكر والروح4. فقد فهم الصحابة أن ولاءهم لا يكون إلا لقيادتهم، وإخلاصهم لا يكون إلا لعقيدتهم، وجهادهم لا يكون إلا لإعلاء كلمة الله فحققوا ذلك كله في أنفسهم وطبقوه في حياتهم فمحاضوا ولاءهم 1 فصول في السيرة، عبد المنعم السيد، ص200. 2 بلتعة: تبلتع الرجل: إذا تطراف 3 السيرة النبوية لابن هشام2 /109 ـ111.) 4 السيرة النبوية الصحيحة للعمري1 /252.)

عدد الصفحات ٩١

92 وجعلوه لله ورسوله والمؤمنين وأصبح تاريخهم حافلاً بالمواقف الرائعة التي تدل على فهمهم العميق لمعنى الولاء الذي منحوه لخالقهم ولدينهم وعقيدتهم وإخوانهم1. إن التآخي الذي تمَّ بين المهاجرين والأنصار كان مسبوقاً بعقيدة تمَّ اللقاء عليها والإيمان بها فالعقيدة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى هي العمود الفقري للمؤاخاة التي حدثت، لأن تلك العقيدة تضع الناس كلهم في مصاف العبودية الخالصة لله، دون الاعتبار لأي فارق إلا فارق التقوى والعمل الصالح، إذ ليس من المتوقع أن يسود الإخاء والتعاون والإيثار بين أناس شتتتهم العقائد والأفكار المختلفة، فأصبح كل منهم ملكاً لأنانيته وأثرته وأهوائه2 . ب ـ الحب في الله أساس بنية المجتمعالمدني: إن المؤاخاة على الحب في الله أقوى الدعائم في بناء الأمة المسلمة، إذا ما وهنت وتآكل كل بنيانها3، ولذلك حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعميق معاني الحب في الله، في المجتمع المسلم الجديد، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يقول يوم القيامة أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظليّ »4. كانت توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم تحث الصحابة على معاني الحب والتكافل، واحترام المسلمين بعضهم بعضاً، فلا يستعلي غني على فقير، ولا حاكم على محكوم، ولا قوي على ضعيف، وكان للحب أثره في المجتمع المدني الجديد، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة نخلاً وكان أحب أمواله إليه بيُر حاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت : ﴿لَن تَنَالُوا ال بِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَي ء فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيم ﴾ (آل عمران آية : 92.) 1 السيرة النبوية للصلابي1 /442.) 2 فقه السيرة، للبوطي، ص156. 3 محمد رسول الله صلى ا عليه وسلم (3 /129.) 4أخرجه مسلم، الحديث رقم2566.

عدد الصفحات ٩٢

93 قام أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، إن الله يقول﴿لَن تَنَالُوا ال بِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾، وإن أحبا أموالي "بيُر حاء"، وإنها صدقة لله، أرجو براها، وذُخرها عند الله، فضع ها يا رسول الله حيث أراك الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين»، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسماها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه1. وهذا عبد الرحمنبن عوف رضي الله عنه يحدثنا عن هذه المعاني الرفيعة، حيث قال: لما قدمنا المدينة، آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالاً فأقسم لك نصف مالي، وأنظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها فإذا حلت2 وتزوجتها . قال: فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ قال: سوق قينقاع3. قال: فغدا إليه عبد الرحمن فأتى بأقط وسمن، قال: ثم تابع الغُدو 4، فما لبث أن جاء عبد الرحمن الرحمن عليه أثر صفره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تزوجت؟» قال: نعم. قال: «ومن؟» قالامرأة من الأنصار. قال: «كم س قت؟ » قال: زنة نواة من ذهب أو: نواة من ذهب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : «أولِ م ولو بشاة»5. ونلاحظ: أن كرم سعد بن الربيع قابله عفة وكرم نفس من عبد الرحمن بن عوف رضي ا عنهما، ولم يكن مسلك عبد الرحمن بن عوف خاصاً به، بل إن الكثير من المهاجرين كان مكوثهم يسيراً في بيوت إخوانهم من الأنصار، ثم باشروا العمل والكسب، واشتروا بيوتاً لأنفسهم، وتكفلوا بنفقة أنفسهم، ومن هؤلاء أبو بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم رضي الله عنهم. 1 أخرجه البخاري، الحديث رقم1461، وأخرجه مسلم، الحديث رقم998. 2 نزلت لك عنها: أي طلقتها لأجلك 3 قينقاع: قبيلة من اليهود نسب السوق إليهم 4 تابع العدو: أي داوم الذهاب إلى السوق للتجارة 5 أخرجه البخاري، الحديث رقم2048.

عدد الصفحات ٩٣

94 ج ـ النصيحة بين المتآخين في ا كان للمؤاخاة أثر في المناصحة بين المسلمين، فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً، فقال له: كل فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل، ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم فلما كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقاً ، ولنفسك عليك حقاً ، ولأهلك عليك حقاً ، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق سلمان»1. د ـ قيم إنسانية ومبادئ مثالية: من خلال الروابط الوثيقة التي ألفت بين المهاجرين والأنصار، أرست قيم إنسانية واجتماعية، ومبادئ مثالية، لا عهد للمجتمع القبلي بها، وإنما هي شأن المجتمعات المتحضرة الفاضلة، وفي مقدمة تلك القيم قيمة العمل الشريف كوسيلة لكسب الرزق، فلقد قبل المهاجرون في أول الأمر ما أظهره إخوانهم الأنصار من كرم الضيافة، ولكنهم أبوا بعد ذلك إلا أن يبحثوا عن موارد رزق لهم، ولا يعوالوا على رابطة المؤاخاة التي سعد بها الأنصار، فكان منهم م ن اشتغل بالتجارة، ومنهم من عمل بالزراعة، مستعذبين متاعب العمل على أن يكونوا عالة على إخوانهم، ذلك عزة الإيمان لا ترضي لصاحبها أن يكون عالة على أحد، بل تطلب منه أن يعطي أكثر مما يأخذ، فاليد العليا خير وأحب إلى الله من اليد السفلى، وقد فهم الصحابة الكرام من تعاليم الإسلام أن العمل عبادة، وهي منزلة لم تصل إليها النظم المعاصرة التي قصرت فائدتها على سد حاجات الإنسان المادية والمعنوية، وفي ضوء هذا المفهوم الإسلامي نستطيع أن نقول: إن الإخاء والعمل كانا حجر الزاوية في بناء مجتمع دار المهجر، وبالتالي في تأسيس 1 أخرجه البخاري، الحديث رقم1968.

عدد الصفحات ٩٤

95 الحضارة الإسلامية التي بنيت أصولها في المدينة بعد إقامة أول دولة في الإسلام، برئاسة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ترعرعت حتى أصبحت شجرة يتفيأ ظلالها العالم كله1. 3ـ دستور دولة المدينة نظم النبي صلى الله عليه وسلم العلاقات بين سكان المدينة، وكتب في ذلك كتاباً أور دته المصادر التاريخية، واستهدف هذا الكتاب أو الصحيفة توضح التزامات جميع الأطراف داخل المدينة، وتحديد الحقوق، والواجبات وقد سُميت في المصادر القديمة بالكتاب والصحيفة، وأطلقت الأبحاث الحديثة عليها لفظة "الدستور" ولقد تعرض الدكتور أكرم ضياء العمري في كتابه "السيرة النبوية الصحيحة" لدراسة طرق ورود الوثيقة، وقال:" ترتقي بمجموعها إلى مرتبة الأحاديث الصحيحة"2، وبيان أن أسلوب الوثيقة ينمُّ عن أصالتها، فنصوصها مكونة من كلمات وتعابير كانت مألوفة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم قلا استعمالها فيما بعد، حتى أصبحت مغلقة على غير المتعمقين في دراسة تلك الفترة وليس في هذه الوثيقة نصوص تمدح أو تقدح فرداً أو جماعة، أو تخص أحد بالإطراء، أو الذم، لذلك يمكن القول بأنها وثيقة أصلية، وغير مزورة3. ثم إن التشابه الكبير بين أسلوب الوثيقة، وأساليب كتب النبي صلى الله عليه وسلميعطيها توثيقاً آخر. أ ـ كتابه صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار: نص الوثيقة4: ـ هذا كتاب من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش، وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم. 1 الهجرة في القرآن الكريم، ص411. 2 السيرة النبوية للعمري1 /275.) 3 تنظيمات الرسول الإدارية لصالح العلي، ص4 ـ5. 4 مجموعة الوثائق السياسية لمحمد حميد الله، ص41 ـ47.

عدد الصفحات ٩٥

96 ـ إنهم أمة واحدة من دون الناس ـ المهاجرون من قريش على رِب عتهم 1، يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم2 بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ـ وبنو عوف على رِبعتهم، يتعاقلون معاقلهم 3 الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ـ وبنو الحارث "بنو الخزرج" على رِبعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ـ وبنو ساعدة على رِبعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ـ وبنو جُشم على رِبعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ـ وبنو النجار على رِبعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ـ وبنو عمرو بن عوف على رِبعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ـ وبنو النابيب على رِبعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طا ئفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ـ وبنو الأوس على رِبعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ـ وإن المؤمنين لا يتركون مُف رحاً 4 بينهم أن يعطوه بالمعروف من فداء أو عقل وألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه. 1 الربعة: الحالة التي جاء الإسلام وهم عليها 2 العاني: الأسير 3 معاقلهم: المعاقل: أي الديات والواحدة معقلة 4 مفرحاً: المثقل بالدين والكثير العيال

عدد الصفحات ٩٦