المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدولة الحديثة المسلمة دعائمها ووظائفها

علي محمد الصلابي

صفحة ٥ من ٢٩

65 ـ ضرب السرية التامة على موعد، ومكان الاجتماع، بحيث لم يعلم به سوى العباس بن عبد المطلب، الذي جاء مع النبي صلى الله عليه وسلم ليتوثق له1، وعلي بن أبي طالب الذي كان عيناً للمسلمين عل ى فم الشعب وأبو بكر الذي كان على فم الطريق ـ وهو الآخر ـ عيناً للمسلمين2، أما من عداهم من المسلمين وغيرهم، فلم يكونوا يعلمون عن الأمر شيئاً، وقد أمر جماعة المبايعين ألا يرفعوا الصوت، وألا يطيلوا في الكلام، حذراً من وجود عي ن تسمع صوتهم، أو تجس حركتهم3. ـ متابعة الإخفاء والسرية حيث كشف الشيطان أمر البيعة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعوا إلى رحالهم، ولا يحدثوا شيئاً رافضاً الاستعجال في المواجهة المسلحة التي لم تتهيأ لها الظروف بعد؛ وعندما جاءت قريش تستبرئ الخبر، مَ رَّ المسلمون عليهم بالسكوت، أو المشاركة بالكلام الذي يشغل عن الموضوع4. ـ اختيار الليلة الأخيرة في ليالي الحج، وهي الليلة الثالثة عشرة من ذي الحجة حيث سينفر الحجاج إلى بلادهم ظهر اليوم التالي، وهو يوم الثالث عشر، ومن ثم تضيق الفرصة أمام قريش في اعتراضهم أو تعويقهم، إذا انكشف أمر البيعة، وهو أمر متوقع، وهذا ما حدث5. ـ وكانت البنود الخمسة للبيعة من الوضوح والقوة بحيت لا تقبل التمييع والتراخي، إنه السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في اليسر والعسر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام في الله لا تأخذهم فيه لومة لائم، ونصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحمايته إذا قدم المدينة6. ـ وسرعان ما استجاب قائد الأنصار ـ دون تردد ـ البراء بن معرور، قائلاً: والذي بعثك بالحق، لنمنعنك مما نمنع منه أُزُرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب وأهل الحلقة، ورثناها كابراً عن كابر، فهذا زعيم الوفد يعرض إمكانيات قومه على رسول الله 1 المصدر نفسه، ص62. 2 التربية القيادية2 /109.) 3 الهجرة النبوية المباركة، ص62. 4 المصدر نفسه، ص62. 5 الهجرة النبوية المباركة، ص67. 6 التحالف السياسي، ص82.

عدد الصفحات ٦٥

66 صلى الله عليه وسلم فقومه أبناء الحرب، والسلاح 1، ومما يجدر الإشارة إليه في أمر البراء: أنه عندما جاء مع قومه من يثرب قال لهم: إني قد رأيت رأياً، فو الله ما أدري: أتوافقونني عليه أم لا؟ فقالوا: وما ذاك؟ قال: قد رأيت ألا أدع هذه البنية ـ يعني: الكعبة ـ مني بظهر، وأن أصلي إليها فقالوا له: والله ما بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلاا إلى الشام ـ بيت المقدس ـ وما نريد أن نخالفه، فكانوا إذا حضرت الصلاة صلاو ا إلى بيت المقدس وصلى هو إلى الكعبة، واستمروا كذلك حتى قدموا مكة، وتعرفوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع عمه العباس رضي الله عنه بالمسجد الحرام، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم العباس رضي الله عنه: «هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟» قال نعم. فقصا عليه البراء ما صنع في سفره من صلاته إلى الكعبة. قال: فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: «قد كنت على قبلة لو صبرت عليها»2. قال كعب: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلىا معنا إلى الشام، فلما حضرته الوفاة أمر أهله أن يوجهوه قبل الكعبة ومات في صفر قبل قدومه صلى الله عليه وسلم بشهر، وأوصى بثلث ماله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقبله ورداه على ولده، وهو أول من أوصى بثلث ماله3، ويستوقفنا في هذا الخبر ـ الإنضباط والالتزام من المسلمين بسلوك رسولهم صلى الله عليه وسلم وأوامره، وإن أي اقتراح مهما كان مصدره، يتعارض مع ذلك يُعد مرفوضاً، وهذه الأمور من أولويات الفقه في دين الله، تأخذ حيزها في حياتهم وهم ـ بعد ـ مازالوا في بداية الطريق. ـ إن السيادة لم تعد لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن توقير أي إنسان واحترامه، إنما هو انعكاس لسلوكه، والتزامه بأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهكذا بدأت تنزاح تقاليد جاهلية لتحل محلها قيم إيمانية، فهي المقاييس الحقة، التي بها يمكن الحكم على الناس تصنيفاً وترتيباً 4. 1 السيرة النبوية لأبي شهبة1 /444.) 2 السيرة النبوية لأبي شهبة1 /444.) 3 السيرة النبوية لأبي شهبة1 /445.) 4 المصدر نفسه1 /445.)

عدد الصفحات ٦٦

67 ـ كان أبو الهيثم بن التيهان صريحاً عندما قال للر سول صلى الله عليه وسلم: إن بيننا وبين الرجال حبالاً، وإنا قاطعوها ـ يعني اليهود ـ فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله، أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم»1. وهذا الاعتراض يدلنا على الحرية العالية التي رفع الله تعالى المسلمين إليها بالإسلام، حيث عبار عماا في نفسه بكامل حريته 2، وكان جواب سيد الخلق صلى الله عليه وسلم عظيماً، فقد جعل نفسه جزءاً من الأنصار والأنصار جزءاً منه 3. ـ يؤخذ من اختيارالنقباء دروس مهمة، منها: ـ أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعين النقباء، وإنما ترك طريق اختيارهم إلى الذين بايعوا، فإنهم سيكونون عليهم مسؤولين وكفلاء، والأولى أن يختار الإنسان من يكفله، ويقوم بأمره، وهذا أمر شورى، وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يمارسوا الشورى عملياً من خلال اختيار نقبائهم. ـ التمثيل النسبي في الاختيار فمن المعلوم أن الذين حضروا البيعة من الخزرج أكثر من الذين حضروا البيعة من الأوس ثلاثة أضعاف من الأوس بل يزيدون ولذلك كان النقباء ثلاثة من الأوس وتسعة من الخزرج. ـ جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم النقباء مشرفين على سير الدعوة في يثرب، حيث استقام عود الإسلام هناك، وكثر مثقفوه ومعتنقوه، فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم لم يعودوا غرباء لكي يبعث إليهم أحداً من غيرهم وأنهم غدوا أهل الإسلام، وحماته وأنصاره4. في قول العباس بن عبادة بن نفلة: والله الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلنا على أهل منى غداً بأسيافنا، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى 1 السيرة النبوية للصلابي1 /346.) 2 التاريخ الإسلامي للحميدي (3 /97.) 3 التربية القيادية2 /67.) 4 دراسات في السيرة النبوية، د.عماد الدين خليل، ص132.

عدد الصفحات ٦٧

68 رحالكم»، درس تربوي بليغ، وهو: أن الدفاع عن الإسلام، والتعامل مع أعداء هذا الدين، ليس متروكاً لاجتهاد أتباعه، وإنما هو خضوع لأوامر الله تعالى، وتشريعاته الحكيمة، فإذا شرع الجهاد، فإن أمر الإقدام، أو الإحجام متروك لنظر المجتهدين، بعد التشاور، ودراسة الأمر من جميع جوانبه 1، وكلما كانت عبقرية التخطيط السياسي أقوى ، أدت إلى نجاح المهمات أكثر، وإخفاء المخططات وتنفيذها عن العدو هو الكفيل ـ بإذن الله ـ بنجاحها ولكن ارجعوا إلى رحالكم2. ـ وكانت البيعة بالنسبة للرجال ببسط رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، وقولهم له: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه، وأما بيعة المرأتين اللتين شهدتا الوقعة فكانت قولاً، ما صافح رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أجنبية قط، فلم يتخلف أحد عن بيعته صلى الله عليه وسلم، حتى المرأتان بايعتا بيعة الحرب، وصدقتا عهدهما، فأما نسيبة بنت كعب "أم عمارة" فقد سقطت في أحد، وقد أصابها اثنا عشر جرحاً، وقد خرجت يوم أحد مع زوجها زيد بن عاصم بن كعب ومعها سقاء تسقي به المسلمين، فلما انهزم المسلمون، انحازت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تباشر القتال، وتذب عنه بالسيف وقد أصيبت بجراح عميقة، وشهدت بيعة الرضوان3، وقطع مسيلمة الكذاب ابنها إرباً إرباً، فما وهنت، وما استكانت، وشهدت معركة اليمامة في حروب الردة مع خالد بن الوليد، فقاتلت حتى قطعت يدها، وجُرحت اثني عشر جرحاً 4، وأما أسماء بنت عمرو من بني سلمة، قيل: هي والدة معاذ بن جبل، وقيل: ابنة عمة معاذ بن جبل رضي الله عنهم جميعاً 5. ـ وعندما نراجع تراجم أصحاب العقبة الثانية من الأنصارفي كتب السير والتراجم، نجد: أن هؤلاء الثلاثة والسبعين قد استشهد قرابة ثلثهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، ونلاحظ أنه قد حضر المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة 1 التاريخ الإسلامي للحميدي3 /104.) 2 التحالف السياسي في الإسلام، ص96. 3 المرأة في العهد النبوي، د.عصمة الدين، ص108. 4 السيرة النبوية لابن هشام2 /80.) 5 المرأة في العهد النبوي، ص108.

عدد الصفحات ٦٨

69 النصف، فثلاثة وثلاثون منهم كانوا بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع غزواته، وأما الذين حضروا غزوة بدر، فكانوا قرابة السبعين. لقد صدق هؤلاء الأنصار عهدهم مع الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم، فمنهم من قضى نحبه، ولقي ربه شهيداً، ومنهم من بقي حتى ساهم في قيادة الدولة المسلمة، وشارك في أحداثها الجسام، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبمثل هذه النماذج قامت دولة الإسلام، النماذج التي تعطي ولا تأخذ، والتي تقدم كل شيء، ولا تطلب شيئاً إلا الجنة، ويتصاغر التاريخ في جميع عصوره ودهوره، أن يحوي في صفحاته أمثال هؤلاء الرجال والنساء1. ح ـ الهجرة إلى المدينة: بعد أن مُ نيت قريش بالفشل في منع الصحابة رضي الله عنهم من الهجرة إلى المدينة على الرغم من أساليبها الشنيعة والقبيحة، فقد أدركت قريش خطورة الموقف، وخافوا في مصالحهم الاقتصادية، وكيانهم الاجتماعي القائم بين القبائل العرب، لذلك اجتمعت قيادة قريش في دار الندوة للتشاور في أمر القضاء على قائد الدعوة، وقد تحدث ابن عباس في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِذ يَم كُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُث بِتُوكَ أَو يَق تُلُوكَ أَو يُخ رِجُوكَ وَيَم كُرُونَ وَيَم كُرُ اللهُ وَاللهُ خَي رُ ال مَاكِرِينَ ﴾ (الأنفال ، آية : 30.) فقال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح، فأثبتوه بالوُثُق يريدون النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله نبيه على ذلك فبات عليُّ على فراش النبي صلى الله عليه وسلم ـ تلك الليلة 2. وخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحوا، ثاروا إليه، فلما رأوا علياً ردَّ الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري فاقتصُّوا أثره، فلما بلغوا الجبل، اختلط عليهم الأمر ، فصعدوا الجبل، فمرُّوا بالغار، 1 السيرة النبوية للصلابي1 /348)، التربية القيادية 2 مصنف عبد الرزاق5 /389.)

عدد الصفحات ٦٩

70 فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن ينسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاثاً 1. قال سيد قطب ـرحمه الله ـ في تفسيره للآيات التي تتحدث عن مكر المشركين بالنبي صلى الله عليه وسلم: إنه التذكير بما كان في مكة قبل تغيُا ر الحال، وتبدل الموقف، وإنه ليوحي بالثقة واليقين في المستقبل، كما ينبه إلى تدبير قدر الله وحكمته فيما يقضي به ويأمر، ولقد كان المسلمون ا لذين يحاطون بهذا القرآن أول مرة يعرفون الحالين معرفة الذي عاش، ورأى، وذاق، وكان يكفي أن يذكروا بهذا الماضي القريب، وما كان فيه من خوف وقلق في مواجهة الحاضر الواقع، وما فيه من أمن وطمأنينة، وما كان من تدبير المشركين ومكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في مواجهة ما صار إليه من غلبة عليهم لا مجرد النجاة منهم. لقد كانوا يمكرون ليوثقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحبسوه حتى يموت أو ليقتلوه ويتخلصوا منه، أو ليخرجوه من مكة منفياً مطروداً، ولقد ائتمروا بهذا كله، ثم اختاروا قتله، على أن يتولى ذلك المنكر فتية من القبائل جميعاً، ليتفرق دمه في القبائل، ويعجز بنو هاشم عن قتال العرب جميعاً، فيرضوا بالدية، وينتهي الأمر﴿وَيَم كُرُونَ وَيَم كُرُ اللهُّ وَاللهُّ خَي رُ ال مَاكِرِينَ ﴾ إنها صورة ساخرة، وهي في الوقت ذاته صورة مفزعة، فأين هؤلاء البشر الضعاف المهازيل من تلك القدرة القادرة، قدرة الله الجبار، القاهر فوق عباده، الغالب على أمره، وهو بكل شيء محيط2. وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بالترتيبات اللازمة للهجرة ولم يعلم بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب وكان أبو بكر الصديق في رفقته، وآل الصديق في خدمته صلى الله عليه وسلم. وعندما أحاط المشركون بالغار، وأصبح منهم رؤي العين، طمأن الرسول صلى الله عليه وسلم الصديق بمعية الله لهما، فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه 1 البداية والنهاية3 /181.) 2 في ظلال القرآن3 /1501.)

عدد الصفحات ٧٠

71 وسلم وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال صلى الله عليه وسلم«ما ظنك باثنين الله ثالثهما»1؟ وذكر المولى عز وجل في كتابه قوله تعالى:﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَد نَصَرَهُ اللهُ إِذ أَخ رَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اث نَي نِ إِذ هُمَا فِي ال غَارِ إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَح زَن إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَي هِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُود لَّم تَرَو هَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّف لَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ ال عُل يَا وَاللهُ عَزِيز حَكِيم ﴾ (التوبة، آية : 40.) ولما سمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوماً بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم، أوفى رجل من يهود على أُطُم 2، من آطامهم، لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مُبيضين 3 يزول بهم السراب4، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معاشر العرب، هذا جدكم5 الذيتنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الا ثنين6، من شهر ربيع الأول 7، فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتاً، فطفق من جاء من الأنصار ـ ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يُحيِّ ي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك، فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة 8، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ركب راحلته9. 1 أخرجه البخاري، الحديث رقم3922. 2 أُطُ م: بضم أوله وثانيه الحصن. 3 مُبيضين: عليهم ثياب بيض 4 السراب: أي يزول السراب عن النظر بسبب عروضهم له 5 جدكم: حظكم وصاحب دولتكم الذي تتوقعونه 6 هذا هو المعتمد وشذ من قال: يوم الجمعة الفتح، رقم3906. 7 الهجرة في القرآن الكريم، لأحزمي سمعون، ص351. 8 المصدر نفسه، ص352. 9 أخرجه البخاري، الحديث رقم3906.

عدد الصفحات ٧١

72 وبعد أن قام رسول الله صلى الله عليه وسلم المدة التي مكثها بقُباء، وأراد أن يدخل المدينة بعث إلى الأنصار فجاؤوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، فسلموا عليهما وقالوا: اركبا آمنين مطاعين فركب نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وحطُّ وا دونهما السلاح. وعند وصوله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، قيل في المدينة: جاء نبيُ الله فأشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبي الله1. فكان يوم فرح وابتهاج لم تر المدينة يوماً مثله، ولبس الناس أحسن ملابسهم كأنهم في يوم عيد، ولقد كان حقاً يوم عيد، لأنه اليوم الذي انتقل فيه الإسلام من ذلك الحيز الضيق في مكة، إلى رحابة الانطلاق والانتشار بهذه البقعة المباركة "المدينة" ومنها إلى سائر بقاع الأرض. لقد أحسَّ أهل المدينة بالفضل الذي حياهم الله به، وبالشرف الذي اختصهم به أيضاً، فقد صارت بلدتهم موطناً لإيواء رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته المهاجرين، ثم لنصرة الإسلام، كما أصبحت موطناً للنظام الإسلامي العام، والتفصيلي بكل مقوماته، لذلك خرج أهل المدينة يهللون في فرح وابتهاج، ويقولون يا رسول الله، يا محمد، يا رسول الله2. روى الإمام مسلم بسندهقال: عندما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الغلمان والخدم في الطرق، ينادون: يا محمد يا رسول الله، يا محمد يا رسول الله 3، وبعد هذا الاستقبال الجماهيري العظيم الذي لم ير مثله في تاريخ الإنسانية، سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل في دار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فعن أنس رضي الله عنه في حديث الهجرة الطويل: فأقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب، فإنه ليحدث أهله4، إذ سمع به عبد الله بن سلام، وهو في نخل لأهله يخترف5 لهم فعجال أن يضع الذي يخترف لهم فيها، فجاء وهي معه فسمع من نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى أهله، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «أي بيوت أهلنا 6 أقرب؟» فقال أبو 1 أخرجه البخاري، الحديث رقم3911. 2 الهجرة في القرآن الكريم، ص353. 3أخرجه مسلم، الحديث رقم3014. 4 فتح الباري7 /251.) 5 يخترف: يجتني من ثمارها 6 الهجرة في القرآن الكريم، ص354.

عدد الصفحات ٧٢

73 أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري، وهذا بابي قال: «فأنطلق فهيء لنا مقيلاً »1، ثم نزلرسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه وبهذا قد تمت هجرته صلى الله عليه وسلم، وهجرة أصحابه رضي الله عنهم، ولم تنته الهجرة بأهدافها وغاياتها بل بدأت بعد وصول رسول الله صلى الله عليه وسلم سالماً إلى المدينة، وبدأت معها رحلة المتاعب، والمصاعب والتحديات، فتغلب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم للوصول للمستقبل الباهر للأمة، والدولة الإسلامية، التي استطاعت أن تصنع حضارة إنسانية رائعة، على أسس من الإيمان والتقوى والإحسان والعدل ، بعد أن تغلبت على أقوى دولتين كانتا تحكمان العالم، وهما: دولة الفرس ودولة الروم2. ومن الفوائد والدروس والعبر ـ الصراع بين الحق والباطل صراع قديم وممتد: وهو سنة إلهية نافذة، قال عز وجل: ﴿الَّذِينَ أُخ رِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَي رِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَو لاَ دَف عُ اللهَِّ النَّاسَ بَع ضَهُم بِبَع ض لَّهُدِّمَت صَوَامِعُ وَبِيَع وَصَلَوَات وَمَسَاجِدُ يُذ كَرُ فِيهَا اس مُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز ﴾ (الحج، آية : 40.) ولكن هذا الصراع معلوم العاقبة ﴿كَتَبَ اللهُ لأََغ لِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيز ﴾. ـ مكر الأعداء بالمصلحين مستمر متكرر: سواء عن طريق الحبس أو القتل أو النفي والإخراج من الأرض، وعلى المصلح أن يلجأ إلى ربه، وأن يثق به ويتوكل عليه، ويعلم: أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، قال عز وجل : ﴿وَإِذ يَم كُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُث بِتُوكَ أَو يَق تُلُوكَ أَو يُخ رِجُوكَ وَيَم كُرُونَ وَيَم كُرُ اللهُ وَا للهُ خَي رُ ال مَاكِرِينَ ﴾ (الأنفال، آية : 30.) 1 أخرجه البخاري، حديث رقم: 3911. مقيلاً: مكان تقع فيه القيلولة 2 الهجرة في القرآن الكريم، ص355.

عدد الصفحات ٧٣

74 ـ دقة التخطيط والأخذ بالأسباب إن من تأمل حادثة الهجرة ورأى التخطيط فيها، ودقة الأخذ بالأسباب من ابتدائها إلى انتهائها، ومن مقدماتها إلى ما جرى بعدها، يدرك أن التخطيط المسدد بالوحي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قائماً، وأن التخطيط جزء من السنة النبوية، وهو جزء من التكليف الإلهي في كل ما طولب به المسلم، وأن الذين يميلون إلى العفوية، بحجة أن التخطيط وإحكام الأمور ليسا من السنة، أمثال هؤلاء مخطؤون، ويجنون على أنفسهم، وعلى المسلمين1. *ـ وجود التنظيم الدقيق للهجرة حتى نجحت، برغم ما كان يكتنفها من صعاب وعقبات وذلك أن كل أمر من أمور الهجرة، كان مدروساً دراسة وافية، فمثلاً: ـ جاء صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر، في وقت شدة الحر ـ الوقت الذي لا يخرج فيه أحد ـ بل من عادته لم يكن يأتي له في ذلك الوقت لماذا؟ حتى لا يراه أحد. ـ إخفاء شخصيته صلى الله عليه وسلم في أثناء مجيئه للصديق، وجاء إلى بيت الصديق متلثماً، لأن التلثم يقلل من إمكانية التعرف على معالم الوجه المتلثم2. ـ أمر صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يخرج من عنده، ولما تكلم لم يبين إ الأمر بالهجرة، دون تحديد الاتجاه. ـ كان الخروج ليلاً، ومن باب خلفي في بيت أبي بكر. ـ بلغ الاحتياط مداه، باتخاذ طرق غير مألوفة للقوم، والاستعانة في ذلك بخبير يعرف مسالك البادية، ومسارب الصحراء، ولو كان الخبير مشركاً، مادام على خلق ورزانة وفيه دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يحجم عن الاستعانة بالخبرات مهما يكن مصدرها3. *ـ انتفاء شخصيات عاقلة لتقوم بالمعاونة في شؤون الهجرة، ويلاحظ أن هذه الشخصيات كلها تترابط برباط القرابة، أو برباط العمل الواحد، مما يجعل من هؤلاء الأفراد، وحدة متعاونة على تحقيق الهدف الكبير. 1 الأساس في السنة، سعيد حوى1 /357.) 2 السيرة النبوية للصلابي1 /385.) 3 الهجرة في القرآن الكريم، ص361.

عدد الصفحات ٧٤

75 *ـ وضع كل فرد من أفراد هذه الأسرة في عمله المناسب، الذي يجيد القيام به، على أحسن وجه، ليكون أقدر على أدائه والنهوض بتبعاته. *ـ فكرة نوم علي بن أبي طالب مكان الرسول صلى الله عليه وسلم فكرة ناجحة، قد ضللت القوم وخدعتهم وصرفتهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى خرج في جنح الليل، تحرسه عناية الله وهم نائمون، وقد ظلت أبصارهم معلقة بعد اليقظة، بمضجع الرسول صلى الله عليه وسلم، فما كانوا يشكون في أنه ما يزال نائماً مسجى في بردته، في حين أن النائم هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه. *ـ وقد كان عمل أبطال هذه الرحالة على نحو التالي: ــ علي رضي الله عنه: ينام في فراش الرسول صلى الله عليه وسلم، ليخدع القوم ويسلم الودائع ويلحق بالرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك. ــ عبد الله بن أبي بكر: رجل المخابرات الصادق وكاشف تحركات العدو. ــ أسماء ذات النطاقين: حاملة التموين من مكة إلى الغار، وسط جنون المشركين، بحثاً عن محمد صلى الله عليه وسلم ليقتلوه. ــ عامر بن فهيرة: الراعي البسيط الذي قدم اللبن واللحم إلى صاحبي الغار، وبدد آثار أقدام المسيرة التاريخية بأغنامه، كي لا يتفرسها القوم، لقد كان هذا الراعي يقوم بدور الإ مداد، والتموين، والتعمية. ــ عبد الله بن أريقط: دليل الهجرة الأمين، وخبير الصحراء البصير ينتظر في يقظة إشارة البدء من الرسول صلى الله عليه وسلم، ليأخذ الرد طريقه من الغار إلى يثرب. فهذا تدبير الأمور على نحو رائع دقيق، واحتياط الظروف بأسلوب حكيم، ووضع كل شخص من أشخاص الهجرة في مكانه ا لمناسب وسد لجميع الثغرات، وتغطية بديعة لكل مطالب الرحلة واختصار على العدد اللازم من الأشخاص من غير زيادة ولا إسراف.

عدد الصفحات ٧٥

76 لقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بالأسباب المعقولة أخذاً قوياً حسب استطاعته وقدرته، ومن ثم باتت عناية الله متوقعة1. ـ الأخذ بالأسباب أمر ضروري: إن اتخاذ الأسباب أمر ضروري وواجب، ولكن لا يعني ذلك دائماً حصول النتيجة ذلك لأن هذا أمر يتعلق بأمر الله ومشيئته، ومن هنا كان التوكل أمراً ضرورياً وهو من باب استكمال اتخاذ الأسباب. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعدا كل الأسباب، واتخذ كل الوسائل، ولكنه في الوقت نفسه مع الله يدعوه ويستنصره أن يكلل سعيه بالنجاح وهنا يستجاب الدعاء، وينصرف القوم بعد أن وقفوا على باب الغار، وتسيخ فرس سراقة في الأرض، ويكلل العمل بالنجاح2. ـ دور المرأة فيالهجرة: وقد لمعت في سماء الهجرة أسماء كثيرة، كان لها فضل كبير ونصيب وافر من الجهاد، منها: عائشة بنت أبي بكر الصديق التي حفظت لنا القصة ووعتها، وبلغتها للأمة، وأسماء ذات النطاقين، التي أسهمت في تموين الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار، بالماء والغذاء، وكيف تحملت الأذى في سبيل الله، فقد حدثتنا عن ذلك فقالت: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي. قالت: فرفع أبو جهل يده ـ وكان فاحشاً خبيثاً ـ فلطم خدي لطمة طرح منها قُرطي، قالت: ثم انصرفوا3، فهذا درس من أسماء رضي الله عنها، تعلمه لنساء المسلمين جيلاً بعد جيل، كيف تخفي أسرار المسلمين عن الأعداء وكيف تقف صامدة شامخة أمام قوى البغي والظلم، وأما درسها الثاني البليغ فعندما دخل عليها جدُّها أبو قحافة، وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قالت: كلا يا أبت ضع يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه، 1 أضواء على الهجرة، لتوفيق محمد، ص393 ـ397. 2 من معين السيرة، ص148. 3 تاريخ الطبري2 /379 ـ380.)

عدد الصفحات ٧٦

77 فقال: لا بأس إذا كان ترك لكم هذا، فقد أحسن. وفي هذا بلاغ لكم، قالت: ولا والله ما ترك لنا شيئاً ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك 1. ولقد ضربت أسماء رضي الله عنها بهذه المواقف لنساء، وبنات المسلمين مثلاً هُنا في أمس الحاجة إلى الاقتداء به والنسج على منواله. وظلت أسماء مع أخواتها في مكة، لا تشكو ضيقاً ولا تظهر حاجة حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وأبا رافع مولاه، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة، فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وسودة بنت زمعة زوجه، وأسامة بن زيد، وأمه بركة المكناة بأم أيمن وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، فيهم عائشة وأسماء، فقدموا المدينة فأنزلهم في بيت حارثة بن النعمان2. ـ أمانات المشركين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في إيداع المشركين ودائعهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مع محاربتهم له، وتصميمهم على قتله دليل باهر على تناقضهم العجيب، الذي كانوا واقعين فيه، ففي الوقت الذي كانوا يكذبونه ويزعمون أنه ساحر، أو مجنون أو كذاب، لم يكونوا يجدون فيمن حولهم من هو خير منه أمانة وصدقاً، فكانوا لا يضعون حوائجهم ولا أموالهم التي يخافون عليها إلا عنده وهذا يدل على أن كفرانهم لم يكن بسبب الشك لديهم في صدقه، وإنما بسبب تكبرهم واستعلائهم على الحق الذي جاء به وخوفاً على زعامتهم وطغيانهم (3) وصدق الله العظيم، إذ يقول ﴿قَد نَع لَمُ إِنَّهُ لَيَح زُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُم لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِّ يَج حَدُونَ ﴾ (الأنعام، آية : 33.) وفي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم لعليا رضي الله عنه بتأدية هذه الأمانات لأصحابها في مكة، برغم هذه الظروف الشديدة التي كان المفترض أن يكتنفها الاضطراب بحيث لا يتجه التفكير إلا إلى إنجاح خطة هجرته فقط، برغم ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان 1 السيرة النبوية لابن هشام2 /102) إسناد صحيح 2 الهجرة النبوية المباركة، ص128. 3 فقه السيرة، د.محمد سعيد البوطي، ص193.

عدد الصفحات ٧٧

78 لينسى، أو ينشغل عن رد الأمانات إلى أهلها حتى ولو كان في أصعب الظروف التي تُنسي الإنسان نفسه، فضلاً عن غيره 1. ـ وضوح سنة التدرج حيث نلاحظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما تقابل مع طلائع الأنصار ـ في لقائه الأول ـ لم يفعل سوى ترغيبهم في الإسلام، وتلاوة القرآن عليهم، فلما جاؤوا في العام التالي، بايعهم بيعة النساء على العبادات والأخلاق والفضائل، فلما جاءوا في العام الذي يليه، كانت بيعة العقبة الثانية على الجهاد والنصر والإيواء2، وجدير الملاحظة: أن بيعة الحرب لم تتم إ بعد عامين كاملين، أي تأهيل وإعداد استمر عامين كاملين، وهكذا تم الأمر على تدرج ينسجم مع المنهج التربوي الذي نهجت عليه الدعوة من أول يوم3. إنه المنهج الذي هدى الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلىالتزامه، ففي البيعة الأولى، بايعه هؤلاء الأنصار الجدد على الإسلام عقيدة ومنهاجاً وتربية، وفي البيعة الثانية، بايعه الأنصار على حماية الدعوة، واحتضان المجتمع الإسلامي الذي نضجت ثماره، واشتدت قواعده قوة وصلابة. إن هاتين البيعتين أمران متكاملان ضمن المنهج التربوي للدعوة الإسلامية، وإن الأمر الأول هو المضمون، والأمر الثاني ـ وهو بيعة الحرب ـ هو السياج الذي يحمي ذلك المضمون، نعم كانت بيعة الحرب بعد عامين في إعلان القوم الإسلام، إذ تم إعدادهم حتى غدوا موضع ثقة وأهلاً لهذه البيعة، ويلاحظ: أن بيعة الحرب لم يسبق أن تمت قبل ذلك اليوم مع أي مسلم، إنما حصلت عندما وجدت الدعوة في هؤلاء الأنصار، وفي الأرض التي يقيمون ف يها المعقل الملائم، الذي ينطلق منه المحاربون لأن مكة لوضعها عندئذ لم تكن تصلح للحرب4. 1 الهجرة في القرآن الكريم، ص364. 2 الهجرة النبوية المباركة، ص202. 3 بناء المجتمع الإسلامي في عصر النبوة، محمد توفيق، ص119. 4 بناء المجتمع الإسلامي في عصر النبوة، محمد توفيق، ص119.

عدد الصفحات ٧٨

79 وقد اقتضت رحمة الله بعباده: ألاا يحمالهم واجب القتال إ لاا أن توجد لهم دار إسلام، تكون لهم بمثابة معقل يأوون إليه، ويلوذون به، وقد كانت المدينة المنورة أول دار إسلام1. 1 فقه السيرة للبوطي، ص172.

عدد الصفحات ٧٩

80 ثانياً: دعائم دولة الإسلام في المدينة شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ دخوله المدينة يسعى لتثبيت دعائم الدولة الجديدة، على قواعد متينة وأُ سس راسخة، فكانت أولى خطواته المباركة، الاهتمام ببناء دعائم الأمة، كبناء المسجد الأعظم بالمدينة، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار على الحب في الله، وإصدار الوثيقة أو الدستور الإسلامي في المدينة الذي ينظم العلاقات بين المسلمين واليهود ومشركي المدينة، وإعداد جيش لحماية الدولة، والسعي لتحقيق أهدافها، والعمل على حل مشاكل المجتمع الجديد، وتربيته على المنهج الرباني في شؤون الحياة كافة، فقد استمر البناء التربوي التعليمي، واستمر القرآن الكريم يتحدث في المدينة عن عظمة الله، وحقيقة الكون والترغيب في الجنة والترهيب من النار، ويشراع الأحكام لتربية الأمة ودعم مقومات الدولة وكانت مسيرة الأمة العلمية والتربوية، تتطو ر مع مراحل الدعوة وبناء المجتمع، وتأسيس الدولة، وعالج رسول الله صلى الله عليه وسلم الأزمة الاقتصادية بالمدينة واستمر البناء التربوي، ففرض الصيام، وفرضت الزكاة، وأخذ المجتمع يزدهر والدولة تتقوى على أسس ثابتة قوية. 1ـ بناء المسجد كان أول ما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة بناء المسجد، وذلك لتظهر فيه شعائر الإسلام، التي طالما حُوربت، ولتقام فيه الصلوات، التي تربط المرء برب العالمين وتنقي القلب من أدران الأرض، وأدناس الحياة 1، وشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمل مع أصحابه، وضرب أول معول في حفر الأساس الذي كان عمقه ثلاثة أذرع، ثم اندفع المسلمون في بناء هذا الأساس بالحجارة والجدران ـ التي لم تزد عن قامة الرجل إلا قليلاً ـ باللبن الذي 1 فقه السيرة للغزالي، ص191، فقه السيرة للبوطي، ص151.

عدد الصفحات ٨٠