49 الانتصار أي ـ رد العدوان ـ وهكذا لا يوجد شيء واحد في حياة المسلم ليست له أخلاق تكيفه ولا شيء واحد ليست له دلالة أخلاقية مصاحبة. هذا أمر، والأمر الآخر ـ وهو الأهم ـ أن الأخلاق في المفهوم القرآني هي لله وليست للبشر ولا لأحد غير الله فالصدق لله، والوفاء بالعهد لله، واتقاء المحرمات في علاقات الجنس لله، والعفو والصفح لله، والانتصار من الظلم لله، وإتقان العمل لله، كلها عبادة لله تقدم لله وحده، خشية لله، وتقوى وتطلعاً إلى رضاه، إنها ليست صفقة بشرية للكسب والخسارة إنما هي صفقة مع الله1. لقد أولى المنهاج النبوي الكريم ـ المستمد من كتاب رب العالمين ـ الأخلاق أهمية كبيرة، وحث على التمسك بفضائلها بمختلف الأساليب، وحذر من ارتكاب مرذولها بشتى الطرق ونظرة القرآن إلى الأخلاق منبثقة من نظرته إلى الكون والحياة والإنسان، فإذا كانت العقائد تشكل أركان الصرح الإسلامي، فإن التشريعات تكون تقسيمات حجراته وممراته ومداخله، والأخلاق تضفي البهاء والرونق والجمال على الصرح المكتمل، وتصبغه الصبغة الربانية المتميزة، وإذا كانت العقيدة الإسلامية تشكل جذور الدوحة الإسلامية وجذعها، فإن الشريعة تمثل أغصانها وتشعباتها، والأخرى تكون ثمارها اليانعة، وظلالها الوارفة، ومنظرها البهيج النضير2. لقد استخدم المنهاج النبوي أساليب التأثير والاستجابة والالتزام في تربيته للصحابة، لكي يحول الخلق من دائرة النظريات إلى صميم الواقع التنفيذي والعمل التطبيقي، سواء كانت اعتقادية، كمراقبة الله تعالى، ورجاء الآخرة، أو عبادية كالشعائر التي تعمل على تربية الضمائر، وصقل الإرادات، وتزكية النفس ومع تطور الدعوة الإسلامية، ووصولها إلى الدولة أصبحت هناك حوافز إلزامية تأتي من خارج النفس متمثلة في: ـ التشريع: الذي وُضع لحماية القيم الخلقية، كشرائع الحدود والقصاص، التي تحمي الفرد والمجتمع من رذائل البغي على الغير: بالقتل أو السرقة، أو انتهاك الأعراض بالزنى والقذف أو البغي على النفس، وإهدار العقل بالخمر والمسكرات المختلفة. 1 دراسات قرآنية، محمد قطب، ص139. 2 المنهاج القرآني في التشريع، عبد الستار فتح الله سعيد، ص245.
عدد الصفحات ٤٩50 ـ سلطة المجتمع التي تقوم على أساس ما أوجبه الله تعالى من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتناصح بين المؤمنين، ومسؤولية بعضهم على بعض، وقد جعل الله تعالى هذه المسؤولية قرينة الزكاة والصلاة وطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم :﴿وَال مُؤ مِنُونَ وَال مُؤ مِنَاتُ بَع ضُهُم أَو لِيَاء بَع ض يَأ مُرُونَ بِال مَع رُوفِ وَيَن هَو نَ عَنِ ال مُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤ تُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَّ وَرَسُولَهُ أُو لَـئِكَ سَيَر حَمُهُمُ اللهُّ إِنَّ اللهَّ عَزِيز حَكِيم ﴾ (التوبة، آية : 71.) ـ سلطة الدولة التي وجب قيامها، وأقيمت على أسس أخلاقية وطيدة، ولزمها أن تقوم على رعاية هذه الأخلاق، وبثَّها في سائر أفرادها ومؤسساتها، وتجعلها من مهام وجودها ومبرراته 1. وبذلك اجتمع للخلق الإسلامي أطراف الكمال كله وأصبح للمجتمع الأخلاقي نظام واقعي مثالي، بسبب الالتزام بالمنهج الرباني. هذه بعض الخطوط في البناء العقائدي والروحي والأخلاقي في الفترة المكية، ولقد آتت هذه التربية أكلها، فقد كان ما يزيد على العشرين من الصحابة الكرام من الخمسين الأوائل السابقين إلى الإسلام، يمارسون مسؤوليات قيادية بعد توسع الدعوة، وانطلاقها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم آخرون معظمهم استشهدوا أو ماتوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان في الرعيل الأول أعظم شخصيات الأمة على الإطلاق، كان فيهم تسعة من العشرة المبشرين بالجنة، وهم أفضل الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم نماذج أسهمت في صناعة الحضارة العظيمة بتضحياتهم ا لجسيمة، كعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وأبي ذر، وجعفر بن أبي طالب، وغيرهم رضي الله عنهم، وكان من هذا الرعيل أعظم نساء الأمة خديجة رضي الله عنها، ونماذج عالية أخرى، مثل أم الفضل بنت الحارث، وأسماء ذات النطاقين، وأسماء بنت عميس وغيرهن. 1 المنهاج القرآني في التشريع، ص433.
عدد الصفحات ٥٠51 لقدأُتيح للرعيل الأول أكبر قدر من التربية العقدية والروحية والعقلية والأخلاقية على يد مربي البشرية الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، فكانوا هم حداة الركب وهداة الأمة1، فقد كان رسول الله صلى الله عليه ولم يزكيهم ويربيهم وينقيهم أوضار الجاهلية، فإذا كان السعيد الذي فاز بفضل الصحبة من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو مرة واحدة في حياته، وآمن به، فكيف بمن كان الرفيق اليومي له، ويتلقى منه، ويعبق من نوره وتغذى من كلامه، ويتربى على عينه2. جـ ـ سنة الابتلاء بعد الاعداد العظيم الذي قام به النبي صلى الله عليه وسلم لتربية أصحابه وبناء الجماعة المسلمة المنظمة الأولى على أسس عقدية وتعبدية، خلقية رفيعة المستوى حان موعد إعلان الدعوة بنزول قول الله تعالى: ﴿وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ الأ َق رَبِينَ * وَاخ فِض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ ال مُؤ مِنِينَ * فَإِن عَصَو كَ فَقُل إِنِّي بَرِيء مِّمَّا تَع مَلُونَ ﴾ (الشعراء ، آية : 214 ـ216.) فجمع قبيلته صلى الله عليه وسلم وعشيرته، ودعاهم علانية إلى الإيمان بإله واحد، وخوفهم من العذاب الشديد، إن عصوه، وأمرهم بإنقاذ أنفسهم من النار، وبيَّ ن لهم مسؤولية كل إنسان عن نفسه3. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت﴿وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ الأ َق رَبِينَ ﴾ صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي: «يا بني فهر، يا بني عدي» ـ لبطون قريش ـ حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج، أرسل رسولاً ينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم: أن خيلاء بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟» قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، فقال أبو 1 التربية القيادية للغضبان1 /201.) 2 رسالة الأنبياء، عمر أحمد3 /46.) 3 المصدر نفسه
عدد الصفحات ٥١52 لهب: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت ﴿تَبَّت يَدَا أَبِي لَهَب وَتَبَّ * مَا أَغ نَى عَن هُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾ (المسد ، آية : 1 ـ2). البخاري رقم4971، مسلم رقم208. وفي رواية: "ناداهم بطناً بطناً، ويقول لكل بطن «أنقذوا أنفسكم من النار..» ثم قال«يا فاطمة انقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من ا لله شيئاً، غير أن لكم رحماً سأب لها ببلالها»1. كان القرشيون واقعيين عمليين، فلما رأوا محمداً صلى الله عليه وسلم ، وهو الصادق الأمين ـ قد وقف على جبل يرى ما أمامه، وينظر إلى ما وراءه، وهم ما يرون إلا ما هو أمامهم، فهداهم إنصافهم، وذكاؤهم إلى تصديقه، فقالوا: نعم. ولما تمت هذه المرحلة الطبيعية البدائية، وتحققت شهادة المستمعين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» وكان ذلك تعريفاً بمقام النبوة، وما ينفرد به من علم بالحقائق الغيبية، والعلوم الوهبية، وإنذاراً في حكمة وبلاغة لا نظير لهما في تاريخ الديانات، والنبوءات، فلم تكن طريق أقصر من هذ ه الطريق، وأسلوب أوضح من هذا الأسلوب، فسكت القوم2. ولكن أبا لهب قال: تباً لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا؟ وجاءت مرحلة أخرى بعدها، فأصبح يدعو فيها كل من يلتقي به من الناس على اختلاف قبائلهم، وبلدانهم، ويتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم وفي الموسم ومواقف الحج، ويدعو من لقيه من حُر وعبد، وقوي وضعيف، وغني وفقير، حين نزول قوله تعالى: ﴿فَاص دَع بِمَا تُؤ مَرُ وَأَع رِض عَنِ ال مُش رِكِينَ * إِنَّا كَفَي نَاكَ ال مُس تَه زِئِينَ * الَّذِينَ يَج عَلُونَ مَعَ اللهِّ إِلـهًا آخَرَ فَسَو فَ يَع لَ مُونَ * وَلَقَد نَع لَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَد رُكَ بِمَا يَقُولُونَ ﴾ (الحجر، آية : 94 ـ97.) 1 أخرجه البخاري، الحديث رقم4771، وأخرجه مسلم، الحديث رقم204. 2 السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي، ص138.
عدد الصفحات ٥٢53 كانت النتيجة لهذا الصدع هي الصد، والإعراضوالسخرية والإيذاء والتكذيب والكيد المدبر المدروس، وقد اشتد الصراع بين النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه وبين شيوخ الوثنية وزعمائها، أصبح الناس في مكة يتناقلون أخبار ذلك الصراع في كل مكان، وكان هذا في حد ذاته مكسباً عظيماً، ساهم فيه أشد وألد أعدائها، ممن كان ي شيع في القبائل قالت السوء عنها، فليس كل الناس يسلمون بدعاوى زعماء الكفر، والشرك. كانت الوسيلة الإعلامية في ذلك العصر، تناقل الناس للأخبار مشافهة، وسمع القاصي والداني بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، صار هذا الحدث العظيم حديث الناس في المجالس، ونوادي القبائل، وفي بيوت الناس1. وكانت أهم اعتراضات زعماء الشرك موجهة نحو وحدانية الله، والإيمان باليوم الآخر، ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم الذي أنزل عليه من رب العالمين2. وكان لضعف تأثير النبوءات في جزيرة العرب، وللعصبية لتراث الآباء والأجداد،وموقف أهل الكتاب المساند للوثنية، وسيطرة الأعراف والعوائد القبلية، وحرصهم على مصالحهم ومكانتهم وتأثيرهم على العرب، سبب في إنكار دعوة الإسلام في العهد المكي. ولقد تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، لأشكال وأنواع، وأصناف متعددة من الابتلاء، كمحاولة قريش لإبعاد أبي طالب عن مناصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتشويه الدعوة وإيذائه صلى الله عليه وسلم وإيذاء أصحابه، وعرض المغريات، والمساومات لترك الدعوة، ومطالبته بجعل الصفا ذهباً، والا ستعانة باليهود في مجادلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدعاية الإعلامية في الموسم ضد الدعوة وشخص الرسول صلى الله عليه وسلم، والحصار الاقتصادي الذي تعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنو هاشم، وبنوعبد المطلب من قبل كفار مكة، والإيذاء الجسدي، وغير ذلك من أنواع الابتلاء. والابتلاء مرتبط بالتمكين ارتباطاً وثيقاً، فلقد جرت سنة الله ألا يُمكن لأمة إلا بعد أن تمر بمراحل الاختيار المختلفة، وإلا بعد أن ينصهر معدنها في بوتقة الأحداث فيميز الله الخبيث من 1 الغرباء الأوالون، سلمان العودة، ص 167 . 2 السيرة النبوية للصلابي1 /185.)
عدد الصفحات ٥٣54 الطيب، وهي سنة جارية على الأمة الإسلامية لا تتخلف، فقد شاء الله تعالى أن يبلي المؤمنين، ويختبرهم ليمحص إيمانهم، ثم يكون لهم التمكين في الأرض بعد ذلك، ولذلك جاء هذا المعنى على لسان الإمام الشافعي رضي الله عنه حين سأله رجل: أيهما أفضل للمرء أن يمكان أو يبتلى؟ فقال الإمام الشافعي: لا يمكان حتى يبتلى، فإن الله تعالى ابتلى نوحاً وإبراهيم وم وسى وعيسى ومحمداً ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ فلما صبروا مكنهم فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة1. وابتلاء المؤمنين قبل التمكين أمر حتمي من أجل التمحيص ليقوم بنيانهم بعد ذلك على تمكان ورسوخ، وهذا الابتلاء للمؤمنين ابتلاء الرحمة، لا ابتلاء الغضب، وابتلاء الاختبار لا مجرد الاختبار2. إن طريق ابتلاء سنة الله في الدعوات، كما أنه الطريق إلى الجنة، وقد حُفت الجنة بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات 3. ولبتلاء حكم كثيرة من أهمها: تصفية النفوس وتربية الجماعة المسلمة، و الكشف عن خبايا النفوس، والإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة، ومعرفة حقيقة النفس ورفع المنزلة والدرجة عند الله، وتكفير السيئات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها، إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة»4. وقد قابل رسول الله صلى الله عليه وسلم الابتلاء بسنة الأخذ بالأسباب وكانيربي أصحابه على: ـ التأسي بالسابقين من الأنبياء والمرسلين وأتباعهم في تحمل الأذى في سبيل الله ويضرب لهم الأمثلة في ذلك. ـ التعلق بما أعده الله في الجنة للمؤمنين الصابرين من النعيم، وعدم الاغترار بما في أيدي الكافرين من زهرة الحياة الدنيا. 1 الفوائد لابن القيم، ص195. 2 التمكين للأمة الإسلامية، ص235. 3أخرجه مسلم، الحديث رقم2822. 4 السيرة النبوية للصلابي1 /195 ـ197.)
عدد الصفحات ٥٤55 ـ التطلع للمستقبل، الذي ينصر الله به الإسلام في هذه الحياة الدنيا، ويذل فيه أهل الكفر والعصيان، وثمة أمر آخر كبير، ألا وهو أنه صلى الله عليه وسلم مع هذه الأشياء كلها كان يخطط ويستفيد من الأسباب المادية المتعددة لرفع الأذى والظلم عن أتباعه، وكف المشركين عن فتنتهم وإقامة الدولة التي تجاهد في سبيل الدين، وتتيح الفرصة لكل مسلم أن يعبد ربه حيث شاء، وتزيل الحواجز والعقبات التي تعترض طريق الدعوة إلى الله1. د ـ سنة الأخذ بالأسباب: إن من أهم السنن في بناء الدول وفي حركة الحياة سنة الأخذ بالأسباب ولقد تعامل معها رسول الله صلى الله عليه وسلم في تربية المجتمع وبناء الدولة، كما أن الإيمان بالقدر لا يعارض الأخذ بالأسباب المشروعة، بل الأسباب مقدرة أيضاً كالمسببات فمن زعم أن الله تعالى قدر النتائج والمسببات من غير مقدماتها وأسبابها، فقد ذهل عن حقيقة القدر، فالأسباب مقدرة كالمسببات، وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانت قائمة على الأخذ بالأسباب وسيرته تشهد بأنه كان يتخذ كل الوسائل والتدابير وأسباب العمل2. إن من سنن ا في كونه وشرعه تحتم علينا الأخذ بالأسباب كما فعل ذلك أقوى الناس إيماناً بالله وقضائه وقدره وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد قاوم الفقر بالعمل، وقاوم الجهل بالعلم، وقاوم المرض بالعلاج، وقاوم الكفر والمعاصي بالجهاد، وكان يستعيذ بالله من الهم والحزن، والعجز والكسل، وتعاطي أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوت سنه، ولم ينظر أن ينزل عليه الر زق من السماء، وقال للذي سأ له، أيعقل ناقته أم يتركها ويتوكل؟ قال: «أعقلها وتوكل»3، وقال«فر من المجذوم فرارك من اسد»4، وما غزواته المظفرة صلى الله عليه وسلم إلا مظهر من مظاهر إرادته العليا التي تجري حسب مشيئة الله وقدره، فقد أخذ الحذر وأعد الجيوش، وبعث الطلائع والعيون، وظاهر بين درعين، ولبس المغفر على رأسه، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، 1 السيرة النبوية للصلابي1 /228.) 2 الإيمان بالكتب السماوية والرسل والقدر2 /599.) 3 رواه ابن حيان بإسناد صحيح عن عمرو بن أمية 4 البخاري، ك الطب، باب19 (5 /5380.)
عدد الصفحات ٥٥56 وهاجر بنفسه واتخذ أسباب الحيطة في هجرته، أعد الرواحل التي يمتطيها والدليل الذي يصحبه وغير ذلك الطريق واختبأ في الغار1. وكان إذا سافر في جهاد أو عمرة حمل الزاد والمزاد وهو سيد المتوكلين وحركة النبي صلى الله عليه وسلم ترجمان وتفسير عملي للقرآن الكريم الحافل بالآيات التي توجب على المسلمين الأخذ بالأسباب في شتى مناحي الحياة والعمل على استقصاء تلك الأسباب للوصول إلى المراد، خاصة في تلك المواقف الصعبة التي تواجه الأمم والأفراد ومن النماذج القرآنية في هذا الصدد2. ــ قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اس تَطَع تُم مِّن قُوَّة وَمِن رِّبَاطِ ال خَي لِ تُر هِبُونَ بِهِ عَد وَّ اللهِّ وَعَدُوَّكُم وَآخَرِينَ مِن دُونِهِم لاَ تَع لَمُونَهُمُ اللهُّ يَع لَمُهُم وَمَا تُنفِقُوا مِن شَي ء فِي سَبِيلِ اللهِّ يُوَفَّ إِلَي كُم وَأَنتُم لاَ تُظ لَمُونَ ﴾ (الأنفال ، آية : 60.) إن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالإعداد الشامل في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اس تَطَع تُم مِّن قُوَّة وَمِن رِّبَاطِ ال خَي لِ ﴾ (الأنفال ، آية : 60.) وإعداد القوة في حقيقته الأخذ بالأسباب الشاملة، كقوة العقيدة والإيمان وقوة الصف والتلاحم وقوة السلاح والساعد، إن الآية الكريمة تضع أذهان المسلمين على الإعداد الكامل المعنوي والمادي، والعلمي والفقهي على مستوى الأفراد والجماعات ويدخل في طياتها، الإعداد التربوي والسلوكي، والإعداد المالي، والإعداد الإعلامي والسياسي والأمني والعسكري3. إن النبي صلى الله عليه وسلم أخذبسنن الله تعالى منذ البعثة حتى وفاته، ولم يفرِّط في أي منها، فتعامل مع سنة الله في تغيير النفوس، وسنة الله في التدافع مع الباطل، وسنة التدرج في بناء الجماعة، ثم الدولة، وسنة الابتلاء، واستفرغ صلى الله عليه وسلم جهده في الأخذ بالأسباب التي توصل للتمكين فكانت هجرتا الحبشة وذهابه للطائف وعرضه للدعوة على القبائل، ثم هجرته إلى المدينة، فأقام الدولة وحافظ عليها وسار أصحابه من بعده على نهجه، 1 عقيدة التوحيد سعاد ميبر، ص212. 2 الإيمان بالكتب السماوية والرسل والقدر2 /600.) 3 فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم، ص214.
عدد الصفحات ٥٦57 وتعاملوا مع السنن بوعي وبصيرة، وصنعوا حضارة لم يعرف التاريخ البشري مثلها حتى يومنا هذا. إن حركة النبي صلى الله عليه وسلم في تربية الأمة، وإقامة الدولة نور يهتدي، وسنة يقتدي بها في البحور المتلاطمة، والمناهج المتغايرة، والظلام البهيم، وإنها ليسيرة على من يسَّرها الله عليه. هـ ـ الطواف على القبائل طلباً للنصرة: بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من الطائف بدأ يعرض نفسه على القبائل في المواسم، يشرح لهم الإسلام، ويطلب منهم الإيواء والنصرة، حتى يبلغ كلام الله ـ عز وجل ـ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرك في المواسم التجارية، ومواسم الحج التي تجتمع فيها القبائل وفق خطة سياسية دعوية واضحة المعالم، ومحددة الأهداف، وكان يصاحبه أبو بكر الصديق الرجل الذي تخصص في أنساب العرب، وت اريخها، وكانا يقصدان "غُرر الناس ، ووجوه القبائل، وكان أبو بكر رضي الله عنه، يسأل وجوه القبائل، ويقول لهم: كيف العدد فيكم؟ وكيف المنعة فيكم؟ وكيف الحرب فيكم؟ وذلك قبل أن يتحدَّث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعرض دعوته1. وكان طلبالرسول صلى الله عليه وسلم للناص رة من خارج مكة إنما بدأ ينشط بشكل ملحوظ بعد أن اشتدَّ الأذى عليه عقب وفاة عمه أبي طالب، الذي كان يحميه من قريش وذلك لأن من يحمل الدَّعوة، لن يستطيع أن يتحرَّك التحرك الفعال لأجلها، وتوفير الاستجابة لها، في جوٍّ من العنف والضغط، والإرهاب. ــ وحصر رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب النصرة في زعماء القبائل، وذوي الشرف، والمكانة، ممَّن لهم أتباع يسمعون لهم، ويطيعون، لأن هؤلاء هم القادرون على توفير الحماية للدعوة وصاحبها. 1 الأنساب، للسعماني1 /36.)
عدد الصفحات ٥٧58 ــ ويلاحظ في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، بخصوص طلب النَّصرة: أنه كان يطلبها لأمرين اثنين: كان يطلب النصرة من أجل حماية تبليغ الدعوة، حتى تسير بين الناس محمية الجانب، بعيدة عن الإساءة إليها، وإلى أتباعها. كان يطلب النصرة، من أجل أن يتسلم النبي صلى الله عليه وسلم مقاليد الحكم والسلطان على أساس تلك الدعوة وهذا ترتيب طبيعي للأمور. ــ ومن صفة النصرة، التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبها لدعوته من زعماء القبائل، أن يكون أهل النصرة غير مرتبطين بمعاهدات تتناقض مع الدعوة، ولا يستطيعون التحرر منها، وذلك لأن احتضانهم للدعوة ـ والحالة هذه ـ يُعرِّضها لخطر القضاء عليها من قبل الدولة التي بينهم وبينها تلك المعاهدات، والتي تجد في الدعوة الإسلامية خطراً عليها، وتهديداً لمصالحها. إن الحماية المشروطة، أو الجزئية لا تحقق الهدف المقصود، فلن يخوض بنو شيبان حرباً ضد كسرى، لو أراد القبض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسليمه، ولن يخوضوا حرباً ض د كسرى، لو أراد مهاجمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتباعه، وبذلك فشلت المباحثات1. ــ إن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، هذا الردُّ من النبي صلى الله عليه وسلم على المثنى بن حارثة حين عرض على النبي صلى الله عليه وسلم حمايته على مياه العرب دون مياه الفرس، فمن يسبر أغوار السياسة البعيدة يرى بعد النظر الإسلامي النبوي الذي لا يُسامي 2. و ـ بيعة العقبة الأولى: من الحقائق التي لا يقع عليها أي ـ خلاف ـ أن هذا المجتمع السياسي أو (الدولة) قد بدأ حياته الفعلي ة وأخذ يؤدي وظائفه، ويحول المب ادئ النظرية إلى أعمال، بعد أن استكمل 1 التحالف السياسي في الإسلام لمنير الغضبان، ص53. 2 المصدر نفسه، ص64.
عدد الصفحات ٥٨59 حريته وسيادته، وضم إليه عناصر جديدة ووجد له موطناً، على إثر "بيعة العقبة الأولى والثانية" بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفود المدينة، والواقع أن هاتين البيعتين كانتا نقطة التحول في حياة الإسلام، ولم تكن الهجرة إلا إحدى النتائج التي ترتبت عليهما والنظرة الصحيحة إليهما أن ينظر إليهما على أنهما حجر الزاوية في بناء الدولة الإسلامية ومن ثم تتضح أهميتهما، وما أشبههما بالعقود الاجتماعية التي بدأ لبعض فلاسفة السياسة في العصور الحديثة أن يفترضوا ح دوثها معتبرين أنها الأساس الذي قامت عليه الدول والحكومات، ولكن "العقد الاجتماعي" الذي تحدث عنه "روسو" وأمثاله كان مجرد نظرية، أما العقد الذي حدث هنا مرتين عند العقبة، وقامت على أساسه الدولة الإسلامية، فهو عقد تاريخي: هو حقيقة يعرفها الجميع تمَّ فيه الاتفاق بين إرادات إنسانية حرة وأفكار واعية ناضجة، من أجل تحقيق رسالة سامية. فقد ولدت الدولة الإسلامية إذن في وضح النهار، وتم تكونها في ضوء التاريخ، وإذ بدأت عملها لم تكن هناك أية وظيفة من الوظائف التي يمكن أن يقال عنها إنها سياسية: من إعداد الأداة لتنفيذ العدالة، أو تنظيم للدفاع أو بث للتعلم، أو جباية للمال، أو عقد معاهدات أو إنفاذ سفارات إلا كانت هذه الدولة تؤديها، ومن المجال أن ينكرها أحد، إلا إذا كان يباح له أن يجحد أية حقيقة أو حقائق تاريخية وقعت في أي عصر من العصور، وأجمع عليها الناس قاطبة، ومن هذه الحقائق التي ذكرنا يتألف البرهان التاريخي الذي رأينا على الطبيعة السياسية للنظام الإسلامي1. كانت بيعة العقبة الأولى بعد عام من المقابلة الأولى، التي تمت بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل يثرب عند العقبة، وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً، فلقوه صلى الله عليه وسلم بالعقبة، وبايعوه العقبة الأولى، عشرة من الخزرج، واثنان من الأوس، مما يشير إلى أن نشاط وفد الخزرج الذين أسلموا في العام الماضي، تركز على وسطهم القبلي 1 النظريات السياسية الإسلامية، د. محمد ضياء الدين الرئيسي، ص: 31.
عدد الصفحات ٥٩60 بالدرجة الأولى، لكنهم تمكنوا في الوقت نفسه من اجتذاب رجال الأوس وكان بداية ائتلاف القبيلتين تحت راية الإسلام1. وقد تحدث عبادة بن الصامت الخزرجي عن البيعة، في العقبة الأولى، فقال: كنت فيمن كان حضر العقبة، وكنا اثني عشر رجلاً، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفرض علينا الحرب، على ألا نشرك بالله، ولا نسرق، ولا نزني، لانقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا، وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً، فأمركم إلى الله ـ عز وجل - إن شاء غفر، وإن شاء عذب2. وبنود هذه البيعة، هي التي بايع الرسول صلى الله عليه وسلم عليها النساء فيما بعد، ولذلك عرفت باسم بيعة النساء3، وقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم مع المبايعين مصعب بن عمير يعلمهم الدين، ويقرئهم القرآن، فكان يسمى بالمدينة "المقرئ" وكان يؤمهم في الصلاة، وقد اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علم بشخصيته من جهة، وعلم بالوضع القائم في المدينة من جهة أخرى، حيث كان بجانب إلمامه لما نزل من القرآن يملك من اللياقة والهدوء، وحسن الخلق، والحكمة قدراً كبير اً فضلاً عن قوة إيمانية، وشدة حماسه للدين، ولذلك تمكن خلال أشهر أن ينشر الإسلام في معظم بيوتات المدينة، وأن يكسب للإسلام أنصاراً من كبار زعمائها، كسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وقد أسلم بإسلامهما خلق كثير من قومهم4، واستطاع السفير مصعب رضي الله عنه أن يهيىء البيئة الصالحة، لانتقال الدعوة والدولة إلى مقرها الجديد، حيث استطاع ترجمة روح بيعة العقبة الأولى عملياً وسلوكياً والتي تعني الالتزام التام بنظام الإسلام 5. 1 السيرة النبوية الصحيحة للعمري1 /197.) 2 أخرجه البخاري، الحديث رقم18،92، وأخرجه مسلم، الحديث رقم1709. 3 الغرباء الأولون، ص185. 4 المصدر نفسه، ص186،187. 5 النظرية السياسية الإسلامية، ص339.
عدد الصفحات ٦٠61 وبذل الرسول صلى الله عليه وسلم كل ما يملك من جهد لتعبئة الطاقات الإسلامية في المدينة، ولم يكن هناك أدنى تقصير للجهد البشري الممكن في بناء القاعدة الصلبة، التي تقوم على أكتافها الدولة الجديدة، واحتل هذا الجهد سنتين من الدعوة والتنظيم. ـ ونجحت التعبئة الإيمانية في نفوس من أسلم من الأنصار، وشعرت الأنصار بأنه قد آن الأوان لقيام الدولة الجديدة وكما يقول جابر رضي الله عنه، وهو يمثل هذه الصورة الرفيعة الرائعة، حتى متى نترك، رسول الله صلى الله عليه وسلم يُطرد في جبال مكة ويخاف. ـ وصل مصعب رضي الله عنه إلى مكة قبيل موسم الحج، من العام الثالث عشر للبعثة، ونقل الصورة الكاملة التي انتهت إليها أوضاع المسلمين هناك، والقدرات والإمكانات المتاحة، أو كيف تغلغل الإسلام في جميع قطاعات الأوس والخزرج، وأن القوم جاهزون لبيعة جديدة، قادرة على حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنعته1. ز ـ بيعة العقبة الثانية كان اللقاء الذي غيَّ ر مجرى التاريخ، في موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من البعثة، حيث حضر لأداء مناسك الحج بضع وسبعون نفساً من المسلمين، من أهل يثرب، فلما قدموا مكة، جرت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم اتصالات سرية، أدت إلى اتفاق الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق في الشعب الذي عند العقبة، حيث الجمرة الأولى من منى، وأن يتم هذا الاجتماع في سرية تامة في ظلام الليل2. قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: ... فقلنا: حتى متى يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُطرد في جبال مكة، ويخاف، فرحل إليه منا سبعون رجلاً حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجل، ورجلين حتى توافينا فقلنا: يا رسول الله، على ما نبايعُ ك؟ قال: «تبايعوني على الس مع والطاعةِ في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن 1 التحالف السياسي، ص71. 2 المصدر نفسه، ص37.
عدد الصفحات ٦١62 تقولوا في ا يأخذكم في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم، وتمنعوني ما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبنائكم، ولك م الجنة»1. قال: فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة ـ وهو من أصغرهم ـ فقال: رويداً يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم، وأ ن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصرون على ذلك، وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم جُبينة، فبينوا ذلك، فهو أعذر لكم عند الله، قالوا: أمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة أبداً، ولا نسليها "أي: نتركها" قال: فقمنا إليه فبايعناه، فأخذ علينا وشرط ويعطينا على ذلك الجنة2. وهكذا بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطاعة والنصرة والحرب، لذلك سماها عبادة بن الصامت بيعة الحرب3، أما رواية الصحابي كعب بن مالك الأنصاري ـ وهو أحد المبايعين في العقبة الثانيةـ ففيها تفصيلات مهمة، قال: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين وقد صلينا وفقهنا، ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة، من أوسط أيام التشريق، وكنا نكتم من بايعنا من المشركين أمرنا، فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نتسلل تسلل القطا "الحمام" مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب، وأسماء بنت عمرو، فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه العباس ابن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له، فلما جلس، كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب، فبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم في منعه من قومه بني هاشم ولكنه يريد الهجرة إلى المدينة، ولذلك فإن العباس يريد التأكد من حماية الأنصار له، وإلا فليدعوه، فطلب الأنصار أن يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأخذ لنفسه، ولربه ما يجب من الشروط. 1 صحيح ابن حبان، الحديث رقم7012. 2 السيرة النبوية الصحيحة1 /199.) 3 مستند الإمام أحمد5 /316) بإسناد صحيح لغيره
عدد الصفحات ٦٢63 قال«أبايعكم على أنتمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبنائكم»، فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق، لنمنعناا مما نمنع 1منه أُزُرنا، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحرب وأهل الحَلقة " السلاح" ورثناها كابراً عن كابر، فقاطعه أبو الهيثم بن التيهان متسائلاً: يا رسول الله، إن بيننا وبين القوم حبالاً، وإنا قاطعوها "يعني: اليهود" فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك، وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم، وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم». ثم قال«أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً، ليكونوا على قومهم بما فيهم »، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس. وقد طلب الرسول صلى الله عليه وسلم منهم الانصراف إلى رحالهم وقد سمعوا الشيطان يصرخ منذراً قريشاً، فقال العباس بن عبادة بن نفلة: والله الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلنا على أهل منى غداً بأسيافنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم ن ؤمر بذلك، ولكن أرجعوا إلى رحالكم»، وفي الصباح جاءهم جمع من كبار قريش، يسألونهم عماا بلغهم من بيعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ودعوتهم له للهجرة فحلف المشركون من الخزرج والأوس، بأنهم لم يفعلوا والمسلمون ينظرون إلى بعضهم. قال: ثم قام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي وعليه نعلان جديدان، قال: فقلت له كلمة ـ كأني أريد أن أشرك بها القوم فيما قالوا: يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ، وأنت سيد من سادتنا، مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ قال: فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه، ثم رمى بها إليا، وقال: والله لتنعلناه ما، قال: يقول أبو جابر: مه أحفظت " أي: أغضبت" والله الفتى، فأردد إليه نعليه، قال: قلت: لا والله لا أردهما، فأل والله صالح لئن صدق الفأل لأسلبنه2. 1 السيرة النبوية للصلابي1 /342.) 2 مسند أحمد (3 /460 ـ462.)
عدد الصفحات ٦٣64 ـ كانت هذه البيعة العظمى بملابساتها وبواعثها وآثارها وواقعها التاريخي، فتح الفتوح، لأنها كانت الحلقة الأولى في سلسلة الفتوحات الإسلامية التي تتابعت حلقتها في صور متدرجة، مشدودة بهذه البيعة، منذ اكتمل عقدها، بما أخذ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من عهود ومواثيق على أقوى طليعة من طلائع أنصار الله الذين كانوا أعرف الناس بقدر مواثيقهم وعهودهم، وكانوا أسمح الناس بالوفاء بما عاهدوا الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم، من التضحية مهما بلغت متطلباتها من الأرواح والدماء والأموال، فهذه البيعة في بواعثها هي بيعة الإيمان بالحق ونصرته، وهي ملابساتها قوة تناضل قوى هائلة تقف متألية عليها ولم يغيب عن أنصار الله قدرها ووزنها، في ميادين الحروب والقتال، وهي آثارها تشمير ناهض بكل ما يملك أصحابها من وسائل الجهاد القتالي في سبيل إعلاء كلمة الله، على كل عال مستكبر في الأرض، حتى يكون الدين كله لله، وهي في واقعها التاريخي صدق، وعدل ونصر واستشهاد وتبليغ لرسالة الإسلام1. ـ ويظهر التخطيط العظيم في بيعة العقبة، حيث تمت في ظروف غاية في الصعوبة وكانت تمثل تحدًّيا خطيراً وجريئاً لقوى الشرك في ذلك الوقت، ولذلك كان ال تخطيط النبوي لنجاحها في غاية الإحكام والدقة على النحو التالي: ـ سرية الحركة والانتقـال لجماعة المتابعين، حتـى لا ينكشف الأمـر، فقـد كان وفد المبايعة المسلم سبعين رجلاً و امرأتين من بين وفد يثربي قوامه نحو خمسمائة مما جعل حركة هؤلاء السبعين صعبة، وانتقالهم أمراً غير ميسور، وقد تحدد موعد اللقاء في ثاني أيام التشريق، بعد ثلث الليل، حيث النوم قد ضرب أعين القوم، وحيث قد هدأت الراجل كما تم تحديد المكان في شعب الإيمان، بعيداً عن عين من قد ي ستيقظ من النوم لحاجة2. ـالخروج المنظم لجماعة المبايعين إلى موعد ومكان الاجتماع، فقد خرجوا يتسللون مستخفين، ورجلاً رجلاً، أو رجلين رجلين. 1 محمد رسول الله، لمحمد صادق عرجون2 /400.) 2 الهجرة النبوية المباركة، عبد الرحمن البر، ص61.
عدد الصفحات ٦٤