33 المبحث الثاني: الدولة الإسلامية أولاً: نشأة الدولة الإسلامية اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم منذ نزول ال وحي بتربية الأفراد والجماعة المؤَ منة التي تكون في المستقبل نواة الدولة الجديدة وقد خضعت مسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في تربية الأفراد وبناء الدولة وتبليغ الرسالة لتوجيهات القرآن الكريم وكذلك التعامل مع سنن الله في المجتمعات والشعوب وبناء الدول، فكانت دعوته قد مرت بمراحل ومعالم وسنن وقوانين من أهمها: 1ـ المرحلة السرية: استمر النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته السرية يستقطب عدداً من الأ تباع، والأنصار من أقاربه، وأصدقائه وخاصة الذين يتمكن من ضمهم في سرية تامة بعد إقناعهم بالإسلام وهؤلاء كانوا نعم العون والسند للرسول صلى الله عليه وسلم، لتوسيع دائرة الدعوة في نطاق السرية، وهذه المرحلة العصيبة من حياة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ظهرت فيها الصعوبة والمشقة في تحرك الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن آمن معه بالدعوة، فهم لا يخاطبون إلا من يأمنون من شره، ويثقون به، فمن معالم هذه المرحلة الكتمان والسرية حتى عن أقرب الناس، وكانت الأوامر النبوية على وجوب المحافظة على السرية واضحة وصارمة، وكان صلى الله عليه وسلم يكوا ن من بعض المسلمين أسراً "خلايا"، وكانت هذه الأ سر تختفي اختفاء استعداد وتدريب، لا اختفاء جبن، وهروب، حسب ما تقتضيه الخطة الربانية، فبدأ الرسول صلى الله عليه وسلم ينظم أصحابه من أسر وخلايا صغيرة، فكان الرجل يجمع الرجل والرجلين، إذ أسلما عند الرجل به قوة، وسعة من المال، فيكونان معه ويصيبان منه فضل، ويجعل منهم حلقات، فمن حفظ شيئاً من القرآن، علَّ م من لم يحفظ، فيكون من هذه الجماعات
عدد الصفحات ٣٣34 أسر أخوة وحلقات تعليم، وكان المنهج الذي سار عليه رسول الله في تربية أتباعه هو القرآن الكريم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصح ابه تربية شاملة في العقائد والعبادات والأخلاق، والحس الأمني وغيرها. ونجد النواة الأولى للتربية الأمنية كانت في مكة، وتوسعت مع توسع الدعوة ووصولها إلى دولة، ومن الآيات المكية التي أشارت إلى هذا المعنى: ـ قوله تعالى:﴿يَا بَنِيَّ اذ هَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَي أَسُوا مِن رَّو حِ اللهِّ إِنَّهُ لاَ يَي أَسُ مِن رَّو حِ اللهِّ إِلاَّ ال قَو مُ ال كَافِرُونَ ﴾ (يوسف، آية : 87.) وجه الاستدلال أن يعقوب عليه السلام قد طلب من أبنائه أن يتحسسوا، ويبحثوا عن يوسف وأخيه، وفي هذا إقرار من أحد أ نبياء الله في جمع المعلومات عن الآخرين، ويعتبر جمع المعلومات من العناصر الأساسية في علم الاستخبارات ويؤكد على مبدأ جمع المعلومات قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَي أَسُوا ﴾1، ولا شك: أن الصحابة كانوا يجمعون المعلومات عمان يريدون دعوته للإسلام، وكانت القيادة تشرف على ذلك، ولذلك قام النبي صلى الله عليه وسلم بترتيب جهاز أمني رفيع، يشرف على الاتصال المنظم بين القيادة والقواعد، ليضمن تحقيق مبدأ السرية. 2ـ مقر القيادة "دار الأرقم بن أبي الأرقم": كان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم بالتخطيط الدقيق المنظم، ويحسب لكل خطوة حسابها، وكان مدركاً تماماً أنه سيأتي اليوم الذي يؤمر فيه بالدعو علناً وجهراً، وأن هذه المرحلة سيكون لها شدتها وقوتها، فحاجة المسلمين المنظمة تقتضي أن يلتقي الرسول المربي مع أصحابه، فكان لابد من مقر لهذا الاجتماع، فقد أصبح بيت خديجة رضي الله عنها لا يتسع لكثرة الأتباع، فوقع اختيار النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه رضي الله عنهم على دار الأرقم 1 السيرة النبوية للصلابي1 /105.)
عدد الصفحات ٣٤35 بن أبي الأرقم، إذ أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم: أن الأمر يحتاج إلى الدقة المتناهية في السرية، والتنظيم ووجوب التقاء القائد المربي بأتباعه في مكان بعيد عن الأنظار ذلك أن استمرار اللقاءات الدورية المنظمة بين القائد وجنوده هو خير وسيلة للتربية العملية والنظرية، وبناء الشخصية القيادية الدعوية ومما ا يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعد أتباعه ليكونوا بناة دولة وحملة الدعوة وقادة الأمم، حرصه الشديد على هذا التنظيم السري الدقيق، فلو كان مجرد داعية لما احتاج الأمر إلى كل هذا ولو كان يريد مجرد إبلاغ الدعوة للناس، لكان خير مكان في الكعبة حيث منتدى قريش كلها، ولكن الأمر غير ذلك، فلابد من السرية التامة في التنظيم وفي المكان الذي يلتقي فيه مع أصحابه، وفي الطريقة التي يحضرون بها إلى مكان اللقاء1. وتذكر كُ تب السيرة أن اتخاذ دار الأرقم مقراً لقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم كان بعد المواجهة الأولى التي برز فيها سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال ابن اسحاق: وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا في الشعاب، فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينما سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليه نفر من المشركين وهم يصلون فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلاً من المشركين بلَحَي 2 بعير فشجه فكان أول دم أريق في الإسلام3. وأصبحت دار الأرقم مركزاً جديداً للدعوة يتجمع فيها المسلمون ويتلقون عن رسول الله كل جديد من الوحي، ويستمعون له صلى الله عليه وسلم وهو يذكرهم بالله، ويتلو عليهم القرآن، ويضعون بين يديه كل ما في نفوسهم وواقعهم فيربيهم صلى الله عليه وسلم على عينه كما تربى هو على عين الله ـ عز وجل ـ وأصبح هذا الجمع هو قراة عين النبي صلى الله عليه وسلم4. 1 دولة الرسول من التكوين إلى التمكين، كامل سلامة، ص218. 2 اللحي: العظم الذي تنبت عليه اللحية 3 سيرة ابن هشام1 /281 ـ282.) 4 التربية القيادية، منير الغضبان1 /198.)
عدد الصفحات ٣٥36 وكانت أهم خصائص الذين تربوا على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم هي ـ الاستجابة الكاملة للوحي، وعدم التقديم بين يديه. ـ التأثر الوجداني العميق بالوحي والإيمان. كان خريجي مدرسة الأ رقم من عظماء الرجال في العالم، وهم الذين قامت عليهم الدعوة والجهاد، والدولة والحضارة فيما بعد، فكان من أكابر الخريجين أبو بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص ..إلخ. 3ـ شخصية النبي صلىالله عليه وسلم وأثرها في صناعة القادة: لقد استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم المربي الأعظم أن يربي في تلك المرحلة السرية وفي دار الأرقم أفذاذ الرجال الذين حملوا راية التوحيد والجهاد والدعوة، فدانت لهم الجزيرة، وقاموا بالفتوحات العظيمة في نصف قرن. كانت قدرة النبي صلى الله عليه وسلم فائقة في اختيار العناصر الأولى للدعوة في خلال السنوات الثلاثة الأولى من عمر الدعوة وتربيتهم وإعدادهم إعداداً خاصاً ليؤهلهم لتسليم القيادة، وحمل الرسالة، فالرسالات الكبرى، والأهداف الإنسانية العظمى لا يحملها إلا أفذاذ الرجال، وكبار القادة، وعمالقة الدعاة وكانت دار الأرقم مدرسة من أعظم مدارس الدنيا وجامعات العالم، التقى فيها الرسول المربي بالصفوة المختارة من السابقين الأولين، فكان اللقاء الدائم تدريباً عملياً لجنود المدرسة على مفهوم الجندية والسمع والطاعة، والقيادة وآدابها، وأصولها وي شحذ فيه القائد الأعلى جنده وأتباعه بالثقة بالله، والعزيمة والإصرار، ويأخذهم بالتزكية والتهذيب، والتربية والتعليم، كان هذا اللقاء المنظم يشحذ العزائم، ويقوي الهمم، ويدفع إلى البذل والتضحية والإيثار1. 1 دولة الرسول صلى الله عليه وسلم من التكوين إلى التمكين، ص220.
عدد الصفحات ٣٦37 4ـ المادة الدراسية في دار الأرقم كانت المادة الدراسية التي قام بتدريسها الن بي صلى الله عليه وسلم في دار الأ رقم، القرآن الكريم، فهو مصدر التلقي الوحيد، فقد حرص الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم على توحيد مصدر التلقي، وتفرده وأن يكون القرآن الكريم وحده هو المنهج، والفكرة المركزية التي يتربى عليها الفرد المسلم والأسرة المسلمة، والجماعة المسلمة، وكان روح القدس ينزل بالآيات غضة طرية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسمعها الصحابة من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، فتسكب في قلوبهم وتتسرب في أرواحهم وتجري في عروقهم مجرى الدم وكانت قلوبهم وأرواحهم تتفاعل مع القرآن، وتنفعل فيتحول الواحد منهم إلى إنسان جديد، بقيمه، ومشاعره وأهدافه وسلوكه وتطلعاته، لقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم حرصاً شديداً على أن يكون القرآن الكريم وحده هو المادة الدراسية، والمنهج الذي تتربى عليه نفوس أصحابه، وألا يختلط تعليمهم بشيء من غير القرآن1. 5ـ انتشار الدعوة في بطون قريش كان ا نتشار الإسلام في المرحلة السرية، في سائر فروع قريش بصورة متوازنة، دون أن يكون ثقل كبير لأي قبيلة، وهذه الظاهرة مخالفة لطبيعة الحياة القبلية آنذاك، وهي إذا أفقدت الإسلام الاستفادة الكاملة من التكوين القبلي، والعصبية لحماية الدعوة الجديدة ونشرها، فإنها في الوقت نفسه لم تؤلب عليه العشائر الأخرى، بحجة: أن الدعوة تحقق مصالح العشيرة التي انتمت إليها، وتعلي من قدرها على حساب العشائر الأخرى، ولعل هذا الانفتاح المتوازن على الجمع أعان على انتشار الإسلام في العشائر القرشية العديدة دون تحفظات متصلة بالعصبية، فأبو بكر الصديق من "تيم" وعثمان بن عفان من "بني أمية" والزبير بن العوام من "بني أسد" ومصعب بن عمير من "بني عبد الدار وعلي بن أبي طالب من "بني هاشم" وعبد الرحمن بن عوف من "بني زهرة" وسعيد بن زيد من "بني عدي" وعثمان ابن مظعون من "بني جُمح"، 1 السيرة النبوية للصلابي (1 /113)
عدد الصفحات ٣٧38 بل إن عدداً من المسلمين من هذه المرحلة لم يكونوا من قريش، فعبد الله بن مسعود من هُذيل، وعتبة بن غزوان من مازن وعبد الله بن قيس من الأشعريين، وعمار بن ياسر من عنس من مذجح، وزيد بن حارثة من كلب، والطفيل بن عمرو من دوس، وعمرو بن عبسة من سليم، وصهيب النمري من بني قاسط، لقد كان واضحاً أن الإسلام لم يكن خاصاً بمكة 1. لقد شق النبي صلى الله عليه وسلم طريقه بكل تخطيط ودقة وأخذ بالأسباب مع التوكل على الله تعالى، فاهتم بالتربية العميقة، والتكوين الدقيق، والتعليم الواسع، والاحتياط الأمني، والانسياب الطبيعي في المجتمع، والإعداد الشامل للمرحلة التي بعد السرية لأنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ يعلم أن الدعوة إلى الله لم تنزل لتكون دعوة سرية، يخاطب بها الفرد بعد الفرد، بل نزلت لإقامة الحجة على العالمين، وإنقاذ من شاء الله إنقاذه من الناس، من ظلمات الشرك والجاهلية إلى نور الإسلام والتوحيد، ولذلك كشف الله تعالى عن حقيقة هذه الدعوة وميدانها منذ خطوتها الأولى، حيث إن القرآن الكريم المكي بين شمول الدعوة وعالميتها. ـ قال تعالى: ﴿إِن هُوَ إِلاَّ ذِك ر لِّل عَالَمِينَ ﴾ (ص، آية : 87.) ـ وقال تعالى ﴿وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِك ر لِّل عَالَمِينَ ﴾ (القلم، آية : 52.) 6ـ فقه النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع السنن إن بناء الدول، وتربية الأمم، والنهوض بها يخضع لقوانين وسنن، ونواميس تتحكم في مسيرة الأفراد والشعوب والأمم والدول، وعند التأمل في سيرة الحبيب المصطفي صلى الله عليه وسلم نراه قد تعامل مع السنن، والقوانين بحكمة وقدرة فائقة. إن السنن الربانية هي أحكام الله تعالى الثابتة في الكون على الإنسان في كل زمان ومكان، وهي كثيرة جداً، والمتدب ر لآيات القرآن الكريم يجدها حافلة بالحديث عن سنن الله تعالى، التي لا تتبدل ولا تتغير، ويجد عناية ملحوظة بإبراز تلك السنن، وتوجيه النظر إليها، واستخراج العبرة منها، والعمل بمقتضياتها لتكوين المجتمع المسلم المستقيم على أمر الله. 1 السيرة النبوية الصحيحة للعمري1 /133.)
عدد الصفحات ٣٨39 والقرآن الكريم حينما يوجه أنظار المسلمين إلى سنن الله تعالى في الأرض، فهو بذلك يردهم إلى الأصول التي تج ري وفقها، فهم ليسوا بدعاً في الحياة، فالنواميس التي تحكم الكون والشعوب والأمم والدول والأفراد جارية لا تتخلف والأمور لا تمضي جزافاً، والحياة لا تجري في الأرض عبثاً، وإنما تتبع هذه النواميس، فإذا درس المسلمون هذه السنن وأدركوا مغازيها تكشفت لهم الحكمة من وراء الأحداث، وتبينت لهم الأهداف من وراء الوقائع واطمأنوا إلى ثبات النظام التي تتبعه الأحداث، أو إلى وجود الحكمة الكامنة وراء هذا النظام واستشرفوا خط السير على ضوء ما كان في ماضي الطريق، ولم يعتمدوا على مجرد كونهم مسلمين، لينالوا النصر والتمكين بدون الأخذ بالأسباب المؤدية إليه.1 إن حركة الإسلام الأولى التي قادها النبي صلى الله عليه وسلم في تنظيم جهود الدعوة وإقامة الدولة، وصناعة الإنسان النموذجي الرباني الحضاري خضعت لسنن وقوانين، منها، كأهمية القيادة في صناعة الحضارات وأهمية الجماعة المؤمنة المنظمة في مقاومة الباطل، وأهمية المنهج التي تستمد منه العقائد، والأخلاق والعبادات والقيم والتصورات، ومن سنن الله الواضحة فيما ذكر: أ ـ سنة التدرج: وهي من سنن الله تعالى في خلقه وكونه، وهي من السنن المهمة التي يجب على الأمة أن تراعيها، وهي تعمل للنهوض والتمكين لدين الله عز وجل ومنطلق هذه السنن: أن الطريق طويل لاسيما في هذا العصر الذي سيطرت فيه الجاهلية وأخذت أهبتها واستعدادها، كما أن الشر والفساد قد تجذر في الشعوب واستئصاله يحتاج إلى تدرج، وبدأت الدعوة الإسلامية الأولى مندرجة تسير بالناس سيراً دقيقاً، حيث بدأت بمرحلة الاصطفاء والتأسيس ثم مرحلة المواجهة والمقاومة، ثم مرحلة النصر والتمكين، وما كان يمكن أن تبدأ هذه جميعها في وقت واحد، وإلا كانت المشقة والعجز، وما كان يمكن كذلك أن نقدم واحداً منها على الأخرى، وإلا كان الخلل والإرباك2. 1 في ظلال القرآن1 /478.) 2 التمكين للأمة الإسلامية لمحمد السيد يوسف، ص227.
عدد الصفحات ٣٩40 فالتغيير المنشود لا يكون بين عشية وضحاها، والواقع لا يتبدل في طرفة عين، دون النظر في العواقب، ودون فهم للظروف والملابسات المحيطة بهذا الواقع، ودون إعداد جيد للمقومات أو للأساليب والوسائل1. وقد وجه الله تعالى أنظارنا إلى هذه السنة في أكثر من موقع، فالله تعالى خلق ا لسماوات والأرض في ستة أيام، يعلمها سبحانه وتعالى ويعلم مقدراها، وكان جل شأنه قادراً على خلقها في أقل من لمح البصر، وكذلك لأطوار خلق الإنسان والحيوان والنبات، كلها تتدرج في مراحل حتى تبلغ نموها وكمالها ونضجها، وفق سنة الله تعالى الحكيمة. وسنة التدرج مقررة في التشريع الإسلامي بصورة واضحة ملموسة، وهذا من تيسير الإسلام على البشر، حيث أنه راعى معهم سنة التدرج فيما شرعه لهم إيجاباً وتحريماً، فتجده حين فرض الفرائض كالصلاة والصيام والزكاة فرضها على مراحل ودرجات ح تى انتهت إلى الصورة الأخيرة التي استقرت عليها2. إننا إذا درسنا القرآن الكريم، والسنة المطهرة، دراسة عميقة علمنا كيف وبأي تدرج وانسجام تم التغيير الإسلامي في بلاد العرب، ومنها إلى العالم كله على يد النبي صلى الله عليه وسلم، ولقد كانت الأمور تسير رويداً رويداً على حسب مجراها الطبيعي، حتى تست قر في مستقرها الذي أراده الله رب العالمين3. وهذه السنة الربانية في رعاية التدرج ينبغي أن تتبع في سياسة الناس، وعندما يراد تطبيق الإسلام في الحياة واستئناف حياة إسلامية متكاملة، يكون التمكين ثمرتها، فإذا أردنا أن نقيم مجتمعاً إسلامياً حقيقياً فلا نتوهم: أن ذلك يمكن أن يتحقق بقرار يصدر من رئيس أو ملك أو مجلس قيادي أو برلماني، وإنما يتحقق ذلك بطريقة التدرج ، أي بالإ عداد والتهيئة الفكرية والنفسية والاجتماعية، وذلك هو المنهج الذي سلطه النبي صلى الله عليه وسلم لتغيير الحياة الجاهلية إلى الحياة الإسلامية، فقد ظل ثلاثة عشر عاماً في مكة، كانت مهمته الأساسية فيها تنحصر في تربية الجيل المؤمن، الذي يستطيع أن يحمل عبء الدعوة، وتكاليف الجهاد، 1 السيرة النبوية للصلابي1 /121.) 2 التمكين للأمة الإسلامية، ص227. 3 المصدر نفسه، ص229.
عدد الصفحات ٤٠41 لحمايتها ونشرها في الآفاق، ولهذا لم تكن المرحلة المكية مرحلة تشريع بقدرما كانت مرحلة تربية وتكوين1. ب ـ سنة تغيير النفوس من السنن المهمة على طريق النهوض السنة التي يقررها قول الله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَات مِّن بَي نِ يَدَي هِ وَمِن خَل فِهِ يَح فَظُونَهُ مِن أَم رِ اللهِّ إِنَّ اللهَّ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَو م حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَن فُسِهِم وَإِذَا أَرَادَ اللهُّ بِقَو م سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَال ﴾ (الرعد ، آية : 11.) إن التغيير الذي قادهالنبي صلى الله عليه وسلم بمنهج الله تعالى بدأ بالنفس البشرية، وصنع منها العظماء، ثم انطلق بهم ليحدث أعظم تغيير في شكل المجتمع حيث نقل الناس من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن التخلف إلى التقدم، وأنشأ بهم أروع حضارة عرفتها الحياة، لقد قام النبي صلى الله عليه وسلم ـ بمنهجه القرآني ـ بتغيير في العقائد والأفكار والتصور، وعالم المشاعر والأخلاق في نفوس أصحابه، فتغير ما حوله وفي دنيا الناس، فتغيرت المدينة ثم مكة ثم الجزيرة ثم بلاد فارس والروم في حركة عالمية تسبح وتذكر خالقها بالغدو والآصال. كان اهتمام المنهج ا لقرآني في العهد المكي بجانب العق يدة، فكان يعرضها بشتى الأساليب، فغمرت قلوبهم معاني الإيمان وحدث لهم تحول عظيم، قال تبارك وتعالى موضحاً ذلك الارتقاء العظيم: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَي تًا فَأَح يَي نَاهُ وَجَعَل نَا لَهُ نُورًا يَم شِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَي سَ بِخَارِج مِّن هَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِل كَافِرِينَ مَا كَانُوا يَع مَلُونَ ﴾ (الأنعام ، آية : 122.) حقاً أنه تصوير رائع عجيب تقف الأقلام حائرة في وصفه، وكذلك الأسلوب الإسلامي في كل حين تنهل منه الألباب وتصدر عنه الأساليب، وتعجز عن إيفائه حقه في التعبير، من الموت 1 الخصائص العامة بالإسلام، يوسف القرضاوي، ص: 168.
عدد الصفحات ٤١42 إلى الحياة، ومن الظلمات إلى النور، هل يستويان مثلاً؟ مسافة هائ لة ونقلة عظيمة لا يعرف عظمتها ويدرك مقدارها إلا من تغرس في حالهم في ضوء هذا البيان القرآني المعجز1. لقد جاء القرآن الكريم لترسيخ العقيدة الصحيحة، وتثبيتها في قلوب المؤمنين وإيضاحها للناس أجمعين، وذلك ببيان توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، والإيمان بكل ما أخبر الله به من الملائكة، والكتاب والنبيين، والقدر خيره وشره واليوم الآخر وإثبات الرسالة للرسل ـ عليهم لسلام ـ والإيمان بكل ما أخبروا به2. فقد عراف القرآن المكي الناس من هو الإله الذي يجب أن يعبدوه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يربيهم على تلك الآيات العظيمة، فقد حرص صلى الله عليه وسلم منذ اليوم الأول على أن يعطي الناس التصور الصحيح عن ربهم، وعن حقه عليهم مدركاً: أن هذا التصور سيورث التصديق واليقين عند من صفت نفوسهم واستقامت فطرتهم3. وركز القرآنُ الكريم المكي على اليوم الآخر غاية التركيز، فَ قلَّ أن توجد سورة مكية لم يذكر فيها بعض أحوال يوم القيامة وأحوال المنعمين، وأحوال المعذبين، وكيفية حشر الناس ومحاسبتهم حتى لكأن الإنسان يرى يوم القيامة رؤي العين، قال تعالى:﴿وَمَا قَدَرُوا اللهََّ حَقَّ قَد رِهِ وَالأ َر ضُ جَمِيعًا قَب ضَتُهُ يَو مَ ال قِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَط وِيَّات بِيَمِينِهِ سُب حَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُش رِكُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأ َر ضِ إِلاَّ مَن شَاء اللهَُّ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخ رَى فَإِذَا هُم قِيَام يَنظُرُونَ * وَأَش رَقَتِ الأ َر ضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ال كِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَي نَهُم بِال حَقِّ وَهُم لاَ يُظ لَمُونَ * وَوُفِّيَت كُلُّ نَف س مَّا عَمِلَت وَهُوَ أَع لَمُ بِمَا يَف عَلُونَ * وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَت أَب وَابُهَا وَقَالَ لَهُم خَزَنَتُهَا أَلَم يَأ تِكُم رُسُل مِّنكُم يَت لُونَ عَلَي كُم آيَاتِ رَبِّكُم وَيُنذِرُونَكُم لِقَاء يَو مِكُم هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِن حَقَّت كَلِمَةُ ال عَذَابِ عَلَى ال كَافِرِينَ * قِيلَ اد خُلُوا أَب وَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئ سَ مَث وَى ال مُتَكَبِّرِينَ * وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَو ا رَبَّهُم إِلَى ال جَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَت أَب وَابُهَا وَقَالَ لَهُم خَزَنَتُهَا سَلاَم عَلَي كُم طِب تُم 1 الانحرافات العقدية والعلمية، علي الزهراني1 /25،26.) 2 أهمية الجهاد في نشر الدعوة لعلي العلياني، ص125. 3 السيرة النبوية للصلابي1 /125.)
عدد الصفحات ٤٢43 فَاد خُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا ال حَم دُ للهَِِّ الَّذِي صَدَقَنَا وَع دَهُ وَأَو رَثَنَا الأ َر ضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ال جَنَّةِ حَي ثُ نَشَاء فَنِع مَ أَج رُ ال عَامِلِينَ * وَتَرَى ال مَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِن حَو لِ ال عَر شِ يُسَبِّحُونَ بِحَم دِ رَبِّهِم وَقُضِيَ بَي نَهُم بِال حَقِّ وَقِيلَ ال حَم دُ للهَِِّ رَبِّ ال عَالَمِينَ ﴾ (الزمر، الآيات : 67-75.) ـوقد جاءت الآيات الكريمة مبينة واصفة للجنة فأثر ذلك في نفوس الصحابة أياما تأثير، فمِ مَّا جاء في وصف الجنة: أنها لا مثيل لها، وأن لها أبواباً، وفيها درجات وتجري من تحتها الأنهار، وفيها عيون وقصور وخيام وفيها أشجار متنوعة، كسدرة المنتهى، وشجرة طوبى، وتحدث القرآن الكريم عن نعيم أهلها وطعامهم وشرابهم وخمرهم وآنيتهم ولباسهم وحلياهم وفرشهم وخدمهم وأحاديثهم ونسائهم، وعن أفضل ما يُعطاه أهلها، وعن آخر دعواهم، بحيث أصبح الوصف القرآني للجنة مهيمناً على جوارح وأحاسيس، وأذهان وقلوب المسلمين1. ـ وكان الصحابة يخافون الله تعالى ويخشونه ويرجونه، وكان لتربية الرسول صلى الله عليه وسلم أثر في نفوسهم عظيم، وكان المنهج القرآني الذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل الأفاعيل في نفوس الصحابة، لأن القرآن الكريم وصف أهوال يوم القيامة، ومعالمها من قبض الأرض ودكها وطي السماء، ونسف الجبال، وتفجير البحار، وتسجيرها ومور السماء وانفطارها وتكوير الشمس، وخسوف القمر، وتناثر النجوم، وصوَّ ر القرآن الكريم حال الكفار وذلتهم وهوانهم وحسرتهم، ويأسهم وإحباط أعمالهم، وتخاصم العابدين والمعبودين، وتخاصم الأتباع وقادة الضلالة، وتخاصم الضعفاء والسادة، وتخاصم الكافر وقرينه الشيطان، ومخاصمة الكافر أعضاءه، وتخاصم الروح والجسد، وتحدَّ ث القرآن الكريم عن الشفاعة وبيَّ ن شروطها، والمقبول منها والمرفوض، والمراد بالحساب والجزاء، وعن مشهد الحساب، وهل يسأل الكفار ولماذا يسألون، وتحدث القرآن الكريم عن الاقتصاص في المظالم بين الخلق، وكيف يكون الاقتصاص في يوم القيامة، وبيان المولى عز وجل في القرآ ن الكريم عظم شأن الدماء، وبيان: أن هناك يوم القيامة توضع الموازين التي توزن بها الأعمال، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الحوض ومن الذين يردون عليه، والذين يُذادون عنه، 1 السيرة النبوية1 /129.)
عدد الصفحات ٤٣44 وتحدث القرآن الكريم عن حشر الكفار إلى النار، ومرور المؤمنين والمنافقين على الصراط، وخلاص المؤمنين وحدهم1. ـ واهتم القرآن الكريم في الفترة المكية بقضية القضاء والقدر، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَي ء خَلَق نَاهُ بِقَدَر ﴾ (القمر، آية : 49.) وكان صلى الله عليهوسلم يغرس في نفوس الصحابة مفهوم القضاء والقدر واستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في تربية أصحابه وتعليمهم أركان الإيمان الستة، وصحح عندهم كثيراً من المفاهيم والتصورات والاعتقادات عن الإنسان، والحياة والكون، والعلاقة بينهما، ليسير المسلم عن نور من الله، ويدرك هدف وجوده في الحياة ويحقق ما أراد الله منه غاية التحقيق ويتحرر من الوهم والخرافات2. ـ وكان البناء التعبدي مبني على تزكية أرواح الصحابة بأنواع العبادات، كالصلاة وتلاوة القرآن، وذكر الله تعالى، والتسبيح له سبحانه وكل أنواع العبادات المفروضة والعبادات بمعناها الواسع الذي يشمل كل عمل يعمله الإنسان أو يتركه بل كل شعور يقبل عليه الإنسان تقرباً إلى الله تعالى، بل يدخل فيها كل شعور يطرده الإنسان عن نفسه تقرباً به إلى الله تعالى مادامت نية المتعبد بهذا العمل هي إرضاء الله سبحانه وتعالى، فكل الأمور مع نية التقرب إلى الله تعالى سبحانه وتعالى عبادة يثاب صاحبها، وتربي روحه تربية حسنة3. وكانت تربية رسول الله لأصحابه شاملة لأنها مستمدة من القرآن الكريم الذي خاطب الإنسان ككل يتكون من الروح، والجسد والعقل، فقد اهتمت التربية النبوية بتربية الصحابي على تنمية قدرته في النظر والتفكر والتدبر، لأن ذلك هو الذي يؤهله لحمل أعباء الدعوة إلى الله، وهذا مطلب قرآني أرشدنا إليه ربنا. ـ قال تعالى: ﴿كِتَاب أَنزَل نَاهُ إِلَي كَ مُبَارَك لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو لُوا الأ َل بَابِ ﴾ (ص، آية : 29.) 1 السيرة النبوية1 /136.) 2 المصدر نفسه1 /143.) 3 المصدر نفسه1 /160.)
عدد الصفحات ٤٤45 فالعقل نعمة منالله على الإنسان يتمكن بها من قبول العلم، واستيعابه ولذلك وضع القرآن الكريم منهجاً لتربية العقل ومن أهم نقاط هذا المنهج، تجريد العقل من المسلمات المبنية على الظن والتخمين، أو التبعية والتقليد، فقد حذر القرآن الكريم من ذلك في الآية الكريمة التالية قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِن عِل م إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغ نِي مِنَ ال حَقِّ شَي ئًا ﴾ (النجم ، آية : 28.) ــ وألزم العقل بالتحري والتثبيت، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُم فَاسِق بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَو مًا بِجَهَالَة فَتُص بِحُوا عَلَى مَا فَعَل تُم نَادِمِينَ ﴾ (الحجرات ، آية : 6.) ــ دعوة العقل إلى التدبر والتأمل في نواميس الكون، قال الله تعالى: " وَمَا خَلَق نَا السَّمَاوَاتِ وَالأَر ضَ وَمَا بَي نَهُمَا إِلاَّ بِال حَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَة فَاص فَحِ الصَّف حَ ال جَمِيلَ " (الحجر ، آية : 85.) ــ دعوة العقل إلى التأمل في حكمة ما شرع الله لعباده من عبادات ومعاملات، وأخلاق، وآداب، وأسلوب حياة كامل، في السلم والحرب، في الإقامة والسفر، لأن ذلك ينضج العقل، وينميه وبتعرفه على تلك الحكم يعطيه أحسن الفرص، ليطبق الشرع الرباني في حياته، ولا يبغي عنه حولاً، لما فيه من السكينة والطمأنينة، والسعادة للبشرية، ولأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ إنما شرع ما شرع لذلك. ــ دعوة العقل إلى النظر إلى سنة الله في الناس عبر التاريخ البشري ليتعظ الناظر في تاريخ الآباء والأجداد والأسلاف ويتأمل في سنن الله في الأمم والشعوب والدول، قال تعالى: ﴿أَوَلَم يَسِيرُوا فِي الأ َر ضِ فَيَنظُرُوا كَي فَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَب لِهِم كَانُوا أَشَدَّ مِن هُم قُوَّةً وَأَثَارُوا الأ َر ضَ وَعَمَرُوهَا أَك ثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءت هُم رُسُلُهُم بِال بَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهَُّ لِيَظ لِمَهُم وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُم يَظ لِمُونَ ﴾ (الروم ، آية : 9.)
عدد الصفحات ٤٥46 ــ وحرص النبي صلى الله عليه وسلم على تربية أصحابه جسدياً، واستمد أصول تلك التربية من القرآن الكريم، بحيث يؤدي الجسم وظيفته، التي خلق لها دون إسراف أو تقطير، ودون محاباة لطاقة من طاقاته على حساب طاقة أخرى1. لقد ربى النبي صلى الله عليه وسلم صحابته على المنهجالكريم، منهج تزكية الأرواح وتنوير العقول، والمحافظة على الأجساد وتقويتها، لإعداد الشخصية الربانية المتوازنة. ولقد نجحت تربيته صلى الله عليه وسلم في تحقيق أهدافها المرسومة وإعداد أفراد الأمة رجالاً ونساءً لتبليغ رسالات الله بين الناس من خلال دولة العدالة وا لمساواة والحرية والقانون، وحقوق الإنسان، والكرامة التي تم تأسيسها على أسس متينة وقيم راسخة، وعقيدة صحيحة، وأخلاق حميدة بالمدينة. ولقد اهتم المنهج الرباني الذي سار عليه رسول الله بالأخلاق الرفيعة، فالعقيدة الصحيحة لا تكون بغير خلق، وقد ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته على مكارم الأخلاق، بأساليب متنوعة، وكان صلى الله عليه وسلم يتلو عليهم ما ينزل من قرآن فإذا سمعوه وتدبروه عملوا بتوجيهاته، والمتدبر للقرآن الكريم يجده مليئاً بالحث على مكارم الأخلاق وعلى تنقية الروح وتصفيتها من كل ما يعوق سيرها إلى الله تعالى، ورسول الهدى صلى الله عليه وسلم القدوة الكاملة والمربي الناصح للأمة كان على خلق عظيم2. ــ قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيم ﴾ (القلم ، آية : 4)، ومعنى الآية واضح، أي: ما كان يأمر به من أمر الله وينهي عنه من نهي الله، والمعنى: إنك على الخلق الذي آثرك الله به في القرآن3. وعن عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: "إن خلق النبي صلى الله عليه وسلم كان القرآن"4. 1 السيرة النبوية1 /166،167.) 2 أهمية الجهاد في نشر الدعوة، ص64،65. 3 تهذيب مدارج السالكين، عبد المنعم العربي2 /653.) 4أخرجه مسلم، الحديث رقم746.
عدد الصفحات ٤٦47 وقد جمع الله لنبينا مكارم الأخلاق في قوله تعالى﴿خُذِ ال عَف وَ وَأ مُر بِال عُر فِ وَأَع رِض عَنِ ال جَاهِلِينَ ﴾ (الأعراف ، آية : 199.) قال مجاهد في معنى الآية: يعني: خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تخصيص، مثل قبول الأعذار والعفو والمساهلة، وترك الاستقصاء في البحث والتفتيش عن حقائق مواطنهم. لقد سار النبي صلى الله عليه وسلم على المنهج القرآني في تربية أصحابه على الأخلاق الكريمة، وكانت الأخلاق تعرض مع العبادة، والعقائد في وقت واحد، لأن العلاقة بين الأخلاق والعقيدة واضحة في كتاب الله تعالى، وقد بين سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين الأخلاقيات الإيمانية التي ينبغي أن يكون عليها المؤمنون بـ"لا إله إلا الله"، والأخلاقيات الجاهلية التي ينبغي أن ينبذها المؤمنون، والحقيقة: أن التنديد بأخلاقيات الجاهلية قد بدأ منذ اللحظة الأولى مع التنديد بفساد تصوراتهم الاعتقادية، واستمر معه حتى النهاية. أن الأخلاق ليست شيئاً ثانوياً في الإسلام، وليست محصورة في إطار معين من نطق السلوك البشري، إنما هي ركيزة من ركائزه، كما أنها شاملة للسلوك البشري كله، كما أن المظاهر السلوكية كلها ذات الصبغة الخلقية الواضحة هي الترجمة العملية للاعتقاد، والإيمان الصحيح لأن الإيمان ليس مشاعر مكنونة في داخل الضمير، فحسب إنما هو عمل سلوكي ظاهر كذلك، بحيث يحق لنا حين لا نرى ذلك السلوك النظري أو حين نرى عكسه أن نتساءل أين الإيمان إذن؟ وما قيمته إذا لم يتحول إلى سلوك1. ولذلك نجد القرآن الكريم يربط الأخلاق بالعقيدة ربطاً قوياً، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها ــ قوله تعالى: ﴿قَد أَف لَحَ ال مُؤ مِنُونَ * الَّذِينَ هُم فِي صَلاَتِهِم خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُم عَنِ اللَّغ وِ مُع رِضُونَ * وَالَّذِينَ هُم لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُم لِفُرُوجِهِم حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَز وَاجِهِم أو مَا مَلَكَت أَي مَانُهُم فَإِنَّهُم غَي رُ مَلُومِينَ * فَمَنِ اب تَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُو لَئِكَ هُمُ ال عَادُونَ * وَالَّذِينَ هُم لأَِمَانَاتِهِم وَعَه دِهِم رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُم عَلَى صَلَوَاتِهِم يُحَافِظُونَ * أُو لَئِكَ هُمُ ال وَارِثُونَ * الَّذِينَ 1 دراسات قرآنية لمحمد قطب، ص130.
عدد الصفحات ٤٧48 يَرِثُونَ ال فِر دَو سَ هُم فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ (المؤمنون ، آية : 1 ـ11)، فالسورة تبدأ بتقرير الفلاح للمؤمنين بهذا التوكيد ﴿قَد أَف لَحَ ال مُؤ مِنُونَ ﴾ ثم تصف هؤلاء المؤمنون بذلك الوصف المطول المفصل، الذي يعني بإبراز الجانب الخلقي لأولئك المؤمنين، موحياً إيحاءً واضحاً أن هذه الأخلاقيات ـ من جهة ـ هي ثمرة الإيمان، وأن الإيمان ـ من جهة أخرى ـ هو سلوك ملموس يترجم عن العقيدة المكنونة إنهم بادىء ذي بدء خاشعون في صلاتهم، فذلك أوال مظهر للمؤمن الصادق: أن تكون صلاته ـ وهي اللحظة التي يقف فيها متعبداً لربه ذاكراً له في قلبه، متصلاً به بروحه ـ صلاة خاشعة بما ينبئ عن صدق الصلة بالله، التي يرتفع نبضها وحرارتها في أثناء الصلاة، ثم تثني السورة بصفة سلوكية أخرى ذات دلالة، هي: أنهم عن اللغو معرضون، فاللغو لا ينبى ء عن نفس جادة ، والإيمان الصحيح يورث النفس الجد بما يشعرها من ثقل التكاليف، وحديتها والجد ليس تقطيباً دائماً ولا عبوساً، ولكن اللغو ـ من جانب آخر ـ لا يستقيم مع جدية الشعور بعظم الأمانة التي يحملها الإنسان أمام خالقه، ثم إن هؤلاء المؤمنين لابد أن تكون في قلوبهم الحساسية لحق الله في أموالهم وهو الزكاة، ولابد أن يكونوا ملتزمين بأوامر الله في علاقات الجنس، فلا يتعدون حدود الله، وملتزمين بأوامره في علاقتهم الاجتماعية، فيحفظون الأمانة، ويرعون العهد، وبهذا نفهم فهم الصحابة للأخلاق فهي ثمرة طبيعية للعقيدة الصحيحة، وكذلك العبادة الحية الخاشعة لله، هكذا تعلموا من القرآن الكريم ومن هدي حبيبهم الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم. إن الأخلاق في التربية النبوية شيء شامل، يعمُّ كل تصرفات ا لإنسان، وكل أحاسيسه ومشاعره وتفكيره، فالصلاة لها أخلاق هي الخشوع، والكلام له أخلاق هي الإعراض عن اللغو، والجنس له أخلاق هي الالتزام بحدود الله وحرماته، والتعامل مع الآخرين له أخلاق هي التوسط بين التقتير والإسراف، والحياة الجماعية لها أخلاق هي أن يكون الأمر شورى بين الناس، والغضب له أخلاق هي العفو والصفح ووقوع العدوان من الأعداء تتبعه أخلاق هي
عدد الصفحات ٤٨