17 بل حثهم على أن يحسنوا العمل، ويبلغوا به درجة الإتقان والإحكام، وجعل ذلك فريضة دينية مكتوبة عليهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة»"1. والإحسان هو: الإتقان الذي يحبه الله، فهوتعالى يحب المحسنين، ويحب من أحدنا إذا عمل عملاً أن يتقنه 2. ـ علاقة السياسة بالشريعة من المعلوم أن لكل فعل بشري حكماً شرعياً حسب نوعه، وأن الفعل السياسي نوعان: صحيح وفاسد وأن الصحيح هو السياسة العادلة والفاسد هو السياسة الظالمة. ومن البدِ هِي أن حكم السياسة العادلة الوجوب، وحكم السياسة الظالمة الحرمة، وهو ما يقطع بأن العلاقة بين السياسة والشريعة قائمة على كل حال، فهي إما علاقة اتصال وتلاحم، وإما علاقة انفصال وتعارض بحسب ما تتصف به هذه السياسة أو تلك من عدل أو ظلم، فإذا كانت سياسة عادلة فهي من الشريعة وإليها وإذا كانت سياسة ظالمة فليست من الشريعة ولا تمت إليها بصلة، وبناءً على هذه القاعدة، فإن كل ما له علاقة بالسياسة من خلافة ودولة وحكم وإمارة ورئاسة ووزارة، وكل ولاية عامة كيفما كانت طبيعتها العملية من حيث صلاحها أو فسادها، فهي مشمولة بأحكام الشريعة كما قال ابن خلدون: اعلم أن الوظائف السلطانية في هذه الملة الإسلامية مندرجة تحت الخلافة لاشتمال منصب الخلافة على الدين والدنيا كما قدمناه. .فالأحكام الشرعية متعلقة بجميعها، وموجودة لكل واحدة منها في سائر وجوهها، لعموم تعلق الحكم الشرعي بجميع أفعال العباد3. وما فتئ علماؤنا يؤكدون من قديم على ضرورة التلاحم بين الدين والسلطان كما قال الإمام الغزالي: الدين والسلطان توأمان، الدين أسس والسلطان حارس، وما لا أسس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع4. 1 أخرجه مسلم، الحديث رقم1955. 2 الدين والسياسة، ص: 130. 33 مقدمة ابن خلدون2 /635.) 4 الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي، ص148 ـ149.
عدد الصفحات ١٧18 وتأسيساً على هذه العلاقة العض وية بين الدين والدولة في الإسلام ، أصبحت الدولة هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن تنفيذ أحكام الشريعة كما قال ابن خلدون: فاعلم أن الخطط الدينية الشرعية، من الصلاة والإفتاء والقضاء والجهاد والحسبة، كلها مندرجة تحت الإمامة الكبرى1. وأعتبرت الشريعة الولايات العامة من أعظم الواجبات الشرعية التي قيام للدين ولا الدنيا إلا بها2، الشيء الذي جعل ولاة العدل أعظم أجراً، وولاة الجور أعظم وزراً، كما قال العز بن عبد السلام: أجمع المسلمون على أن الولايات من أفضل الطاعات، فإن الولاة المقسطين أعظم أجراً وأجلا قدراً من غيرهم، لكثرة ما يجري على أيديهم من إقامة الحق ودرء الباطل، فإن أحدهم يقول الكلمة الواحدة فيدفع بها مائة ألف مظلمة فما دونها، أو يجلب بها مائة ألف مصلحة فما دونها، فيا له من كلام يسير وأجر كبير. أما ولاة السوء وقضاة الجور، فمن أعظم الناس وزراً وأحطهم درجة عند الله، لعموم ما يجري على أيديهم من جلب المفاسد العظام ودرء المصالح الجسام، وإن أحدهم ليقول الكلمة الواحدة فيأثم بها ألف إثم وأكثر على حسب عموم مفسدة تلك الكلمة، وعلى حسب ما يدفعه بتلك الكلمة من مصالح المسلمين، فيا لها من صفقة خاسرة وتجارة بائرة، وعلى الجملة، فالعادل من الأئمة الولاة والحكام، أعظم أجراً من جميع الأنام بإجماع أهل الإسلام، لأنهم يقومون بجلب كل صالح كامل، ودرء كل فاسد شامل، فإذا أمر الإمام بجلب المصالح العامة ودرء المفاسد العامة كان له أجر بحسب ما دعا إليه من المصالح العامة وزجر عنه من المفاسد ولو بكلمة واحدة لأجر عليها بعدد متعلقاتها كما ذكرنا3. وهو ما يقطع بأهمية الدولة والسياسة والحكم وجميع الولايات والوظائف العامة في حياة الشعوب أكثر من أي وقت مضى، فقد ازدادت هذه الأهمية بشكل كبير في عصرنا الحاضر، بحيث ما عاد هناك شيء، إلا وللدولة تدخل فيه من قريب أو بعيد، فهي صاحبة الحق في وضع الدساتير وتعديلها حسب رغبتها وتسطير القوانين، وإصدار المراسيم والقرارات والدوريات، والمذكرات وتنظيم الحياة العامة ومراقبة الحياة الخاصة من شهادة الميلاد إلى 1 المقدمة ابن خلدون2 /603.) 2 مجموع الفتاوى لابن تيمية28 /390 ـ397.) 3 قواعد الأحكام1 /120 ـ121.)
عدد الصفحات ١٨19 الوفاة، وهي تعدد طبيعة التعليم الذي يتلقاه وطبيعة الطعام الذي تأكله وطبيعة المسكن الذي نسكنه، وطبيعة الطريق الذي نعبره، وطبيعة الجريدة التي نقرؤها وطبيعة الخطبة التي نتلقاها وطبيعة التلفاز الذي نشاهده، وكمية الدراهم التي نتقاضاها1، وطبيعة الأجواء العامة التي نؤدي فيها شعائرنا التعبدية، من صلاة وصيام وزكاة وحج...الخ، فنحن مادة القرار السياسي التي تتخذه الدولة، ونحن المعنون به بالأساس، فهو إما أن يكون في صالحنا وإمَّا ضد مصالحنا، ما دام القصد من الولايات العامة والمناصب العامة تدبير المصالح العامة، كما هو معلوم، وبهذا تظهر قيمة الوازع السلطاني وأهميته في منظومة التشريع الإسلامي وضرورته لحفظ مقاصد الشارع ومصالح العباد، غير أن إعمال هذا الوازع لا يعني بالضرورة الاعتماد على السلطة، بكل ما تحمله من معاني الفرض والقهر والزجر والإكراه البدني أو المعنوي، بل العكس هو الصحيح. إن الأصل في السياسة الشرعية.. الراشدة، أن يكون الوازع بمنهج القرآن قبل قوة السلطان، وهو المسلك الذي سلكته القيادة السياسية الشرعية في عهد الدولة النبوية والخلافة الراشدة، ومن سار على نهجها في إقامة الدين وتوسيع دائرة التدين والصلاح والإصلاح العام بمختلف الوسائل التربوية التعليمية الهادفة أكثر من الوسائل الزجرية الرادعة، وإلى اللجوء إليها، إلا في حالات الضرورة القصوى التي لم ينفع معها نصح أبوي ولا إرشاد تربوي. وفيما يلي خلاصة أهم النقاط التي ينبغي استحضارها باستمرار أثناء النظر في الموقع الحقيقي للسياسة والدولة من الشريعة. ـ لا مجال للمقارنة بين التجربة الإسلامية وتجربة الغرب المسيحي في مسألة العلاقة بين الدين والدولة، فلكل تجربته المميزة له، فإذا كان الغ رب قد انقطع عن مؤسساته الدينية لأسباب موضوعية خاصة به، فليس لنا من تلك الأسباب ما يدعونا إلى الانقطاع عن ديننا، بل العكس هو الصحيح، كما برهنا عليه أعلاه. 1 مصالح الإنسان مقاربة مقاصدية، عبد النور بزا، ص328 ـ330.
عدد الصفحات ١٩20 ـ الإسلام ليس مجرد اعتقاد سلبي، لا دخل له في الحياة الخاصة والعامة للإنسان، بل هو عقيدة تنبثق منها شريعة يجني عليها سلوك ونظام عام يحكم الشأن الخاص، ويدبر الشأن العام. ـ السياسة الشرعية هي كل ما يوافق مقاصد الشرع، ويحقق مصالح الإنسان في الدنيا والآخرة، وإن لم يرد فيها نص شرعي، ولم يسبق بشأنها اجتهاد عقلي. ـ السياسة العادلة من صميم الشريعة، أما السياسة الظالمة فلا تمت إليها بصلة وإن أضيف إليها بأي شكل من أشكال التأويل. ـ السياسة فعل من الأفعال البشرية، تعتريها الأحكام الشرعية الخمسة، فقد تكون واجبة أو محرمة أو مندوبة أو مكروهة أو مباحة بحسب نوعها ومرجعيتها ومقاصدها ونتائجها والحاجة إليها. ـ علاقة السياسة والدولة بالإسلام علاقة عضوية بحيث لا يتصور أحدهما حقيقة دون الآخر، فهما أشبه ما يكونان بعلاقة القلب أو الدماغ بالجسم، فلا حياة لجسم بدون قلب ولا قيمة له بدون دماغ، كما أنه لا قلب ولا دماغ بدون جسم، ولذلك فلا يمكن لهما إلا أن يكونا متلازمين أحدهما مع الآخر، وإلا وقع الخلل فيهما معاً، كما هو واقع حال الأمة اليوم. ـ ليس في الإسلام متحدث وحيد باسمه بعد الرسو صلى الله عليه وسلم، ولذلك فهو لا يعرف ولا ي عترف بما يسمى التفويض الإلهي أو النظام الثيوقراطي، أو التوريث السياسي، أو الكهنوتي للسلطة، ومن ثم فإن مقولة أحقية الحاكم وحده في الجمع بين الدين والسياسة دون غيره من الناس، بدعة من المبتدعات السياسية المعاصرة التي لا أصل لها في الإسلام، ولم يقل بها أحد من أهل العلم. ـ كل من يتصور إقامة الدين بكل ما في الكلمة من معاني الإسلام والإيمان والإحسان، والتقوى والعبادة والتقرب إلى الله، والحرية والعدالة والمساواة والكرامة، والمحافظة على أرواح الناس وأعراضهم وعقولهم وممتلكاتهم، وجميع مصالحهم وأوطانهم وكل شُعب إيمانهم.. دون قيام سلطة سياسة مدنية عادلة منتخبة من أغلبية الأمة، ذات مرجعية إسلامية، فهو واهم أشد
عدد الصفحات ٢٠21 الوهم، وأقل ما يقال عنه: إنه بحاجة ماسة إلى تج ديد النظر في معرفته بحقيقة الإسلام ومقاصده ووسائله. وبالجملة فإن السلطات السياسية الشرعية العادل ة، والوظائف الحكومية الراشدة، والولايات العامة الصالحة، من أهم المقاصد الكفائية التي تتحقق بها مقاصد الشارع، وتحفظ بها مصالح الخلق على الوجه الأكمل. وبدون هذا النوع من المقاصد العامة، تهدر أغلب المقاصد الشرعية وتضيع معظم المقاصد الإنسانية1. هذا الكتاب محاولة جادة للاستجابة للتغييرات الكبرى التي تمر بها شعوبنا مع اندلاع ثورات الربيع العربي، فالشعوب لديها مطالب وتسعى لتحقق أهداف اً ومبادى ء أعلنتها، كالحرية والعدالة والمساواة والشورى، ومحاربة الفساد، والتعددي ة والتداول السلمي، فعكفت رغم الا نشغال عن البحث والتنقيب وسبر التجارب الإنسانية، والغوص في أعماق التاريخ القديم، والحديث لاستخراج ال نافع والمفيد من التراث الإنساني والإسلامي، مسترشداً بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، ومتعلماً من سيد البرية من سيرته الشاملة والتي لا يستغني عنها طالب علم، ولا باحث عن الحقيقة، ولا مصلح ا جتماعي، ولا مفكر إستراتيجي، ولا قائد سيا سي، ولا زعيم نهوض حضاري يؤمن بالقيم والمبادىء الإنسانية الرفيعة. فقد رأيت من خلال سيرته قول الشاعر في مدح النبي صلى الله عليه وسلم: وأجمل منك لم تر قط عيني وأفضل منك لم تلد النساء خلقت مبرأ من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاء 1 مصالح الإنسان مقاربة مقاصدية، ص430 ـ432.
عدد الصفحات ٢١22 وهذا المشروعالفكري المستمد من الرؤية الإسلامية للمبادىء والقيم والمفاهيم والسنن لا أدري كم يستغرق من الزمن، هل أصل إلى المبتغى أم أدفن في قبري قبل تحقيقه، إلاا أن أملي في الله كبير ورجائي فيه بلا حدود، إنه سميع قريب.وقد مكنني الله من الاطلاع الواسع وجمعت المادة المرادة بعد أن يسَّ ر لي الأسباب، وأتضرع إلى العليم الحكيم والتواب الرحيم أن يوفقني لخدمة بني الإنسان، ويمدني بعون من عنده وتوفيق وتأييد والوصول إلى المراد الذي يحبه ويرضاه سبحانه وتعالى. إنني على يقين لا يتزعزع وإيمان لا تؤثر فيه الأمواج العاتية، بأن الشهود الحضاري لأمتنا قد بدأ في الشروق مع هذه الثورات الربانية، وأنه مهما كان المكر والكيد والبغي فالعاقبة للمتقين، وسنن الله ماضية لا تحيد ولا تجامل ولا تتبدل ولا تتغير. فالسعيد من استخدمه الله لطاعته وجعله من مفاتيح العقول والقلوب والخيرات المادية والمعنوية، وفتح له أبواب العمل والقبول وامتثل قول الله تعالى: ﴿قُل إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَح يَايَ وَمَمَاتِي للهِِّ رَبِّ ال عَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِر تُ وَأَنَا أَوَّلُ ال مُس لِمِينَ ﴾ (الأنعام ، آية : 162 ـ163.) إن الشعوب الإسلامية تمر بمرحلة جديدة في تاريخها المعاصر، فقد أذن الله لها بالنهوض والتخلص من الاستبداد والنظم الجبرية الديكتاتورية، وبدأت نقطة الانطلاق من تونس الحبيبة العزيزة التي أذاقها نظام بن علي سوء العذاب، فعمل على تجفيف منابع الهدى والإيمان والتقى وأوقع البلاد في الفقر والذل والبطالة والضنك، فكانت البداية من هذا الشعب الحر، وبدأنا نرى قول الله تعالى يتحقق في حياتنا: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اس تُض عِفُوا فِي الأ َر ضِ وَنَج عَلَهُم أَئِمَّةً وَنَج عَلَهُمُ ال وَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُم فِي الأ َر ضِ وَنُرِي فِر عَو نَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِن هُم مَّا كَانُوا يَح ذَرُونَ ﴾ (القصص ، آية : 5 ـ6.)
عدد الصفحات ٢٢23 إن شعوب الربيع تريد أن تخرج من نفق الظلم وتُ لملم جراحها وتبني مستقبلها وتعمر بلادها وتحافظ على الحريات العامة، وذلك بمراعاة أحكام الشريعة الإسلامية والمواثيق والمعاهدات الدولية للحقوق والحريات والقيم وعادات وتقاليد هذه الشعوب الأصيلة ، وتتطلع إلى تحقيق طموحاتها في الحرية والتنمية والعدالة والشورى، وأن يتأسس اقتصاد حر مستدام قادر على الاندماج في الاقتصاد العالمي، ومتنوع كفيل بأن يلبي احتياجات مواطنيها الآنية والمستقبلية، وتأمين فرص أفضل للجميع ومستوى معيشي مرتفع، مع تقريب الفوارق بين الطبقات، وأن ترى مؤسسات قضائية مستقلة تكون بمثابة صمام الأمان لمجتمعاتها بكافة مؤسساتها وأفرادها وضمانة جوهرية لاستقرارها، وحفظ حقوق أفرادها وأن يكون لها ن ظام متكامل للرعاية الصحية تقدم خدمات صحية وقائية وعلاجية عالية الجودة، ولائقة لكل مواطنيها، وأن تبني دول هذه الشعوب إستراتيجية وطنية للرعاية الصحية يكون من أولى أولوياتها تحسين خدمات المستشفيات وضمان تطوير الرعاية المستمرة، وخدمات ال صحة النفسية وتقديم خدما ت الطوارىء، ورفع كفاءتها وتتمنى الشعوب بناء نظام تعليمي يواكب المعايير العالمية المعاصرة ويضاهي أفضل النظم التعليمية في العالم، ويرسخ مبادى ء الحرية، وتنشر ثقافة قبول الآخر، وتدعو للحوار، وتؤمن بالعمل الجماعي وروح الفريق، والإيجابية المبادرة، وترعى القيم والتقاليد والثوابت، وأن تحل أزمة السكن والعمل وتطور الرياضة، وتعد بناء المنظومات الرياضية تنظيماً وتشريعاً بشكل احترافي علمي مدروس، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الاهتمام بالنشاط الرياضي في كافة مراحل التعليم، مع نشر الوعي الرياضي ومكافحة التعصب بالنشىء وغير ذلك من الأهداف التي تسعى الشعوب لتحقيقها، وهذا يحتاج إلى ثقافة واسعة وأفكار مبدعة وتربية رصينة، وعلوم نافعة لتحقيق آمال وطموحات الشعوب. ولذلك كانت فكرة هذه الموسوعة التي صدر منها: ـ العدالة والمصالحة الوطنية ضرورة دينية وإنسانية. ـ الشورى فريضة إسلامية. ـ الحريات من القرآن الكريم، حرية التفكير والتعبير والاعتقاد والحريات الشخصية.
عدد الصفحات ٢٣24 ـالدولة الحديثة المسلمة، دعائمها ووظائفها. وبإذن الله ستكون دراسات حول: ـ مفهوم المواطنة. ـ التكافل الاجتماعي. ـ دولة الكرامة والمساواة. ـ العلاقة بين الشريعة والدستور والقانون. ـ العدالة. ـ حقوق الإنسان. ـ السلطة التشريعية (البرلمان). ـ السلطة التنفيذية (الحكومة). ـ السلطة القضائية (القضاء). ـ المعارضة والتعددية والأحزاب. وأما هذا الكتاب الذي أقدم له الآن فهو يتحدث عن الدولة الحديثة دعائمها ووظائفها برؤية إسلامية، مستحضراً فكر الدولة عن النبي صلى الله عليه وسلم والتوجيهات القرآنية في هذا المجال. يجد القارىء في هذا الكتاب دراسة عن مفهوم الدولة ونشأة الدولة الإسلامية، وعن المراحل التي مر بها الرسول صلى الله عليه وسلم للوصول للدولة منذ المرحلة السرية، ودار الأرقم ابن أبي الأرقم، وأثر شخصيته صلى الله عليه وسلم في صناعة القادة والمادة الدراسية التي اعتمدها في تربية الأفراد، ومرحلة الإعداد والبناء، وانتشار الدعوة في بطون قريش، وعن فقه النبي صلى الله عليه وسلم في التعاون مع السنن، كسنة التدرج، وتغيير النفوس والابتلاء والتمكين، والأخذ با لأسباب، وعن حركة الطواف على القبائل طلباً للنصرة، وبيعة العقبة الأولى والثانية والهجرة إلى المدينة.
عدد الصفحات ٢٤25 وعن دع ائم الدولة في المدينة، كبناء المسجد، والدستور وحركة السرايا وسنة التدافع، والاهتمام بالأمن والتخطيط والإدارة والاقتصاد والإعلام، والبناء التربوي والعلمي، والقانون والسلطة القضائية، والسلطة التشريعية والتنفيذية والمفاوضات السياسية والعلاقات الخارجية، وسياسة كسب الأعداء، وحاولت في الحديث عن الدعائم الجمع بين الأصالة والمعاصرة وبين الماضي والحاضر. وشرحت وظائف الدولة والاهتمام بالمواطن وتقديم الخدمات له والتي من أهمها السكن والعمل والرياضة والاهتمام بالمرأة والأسرة والطفولة والشباب، ورعاية الفئات الخاصة، كالأرامل وذوي العاهات والأمراض المزمنة والاهتمام بالبيئة والصحة والسياحة، وموارد الدولة ومحاسبة الموظفين والوزراء وغير ذلك من الأمور. فهذا الكتاب ضمن مجموعة من الدراسات الفكرية والثقافية التي تحاول أن تساهم وتترك بصمة نافعة للمشروع النهضوي الحضاري للأمة الإسلامية، يقول الثعالبي: لا يكتب أحداً كتاباً فيبيت عنده ليلة إلا أحب في غيرها أن يزيد فيه أو ينقص منه، هذا في ليلة، فكيف في سنين معدودة؟ وقال العماد الأصبهاني: إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا، لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر. هذا، وقد أنهيت هذا الكتاب "الدولة الحديثة المسلمة دعائمها ووظائفها " في يوم 26/5/2013م الساعة الرابعة عصراً الموافق 16/7/1434هـ ، والفضل لله من قبل ومن بعد، وأسأله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل عملي لوجهه خالصاً ولعباده نافعاً، وأن يثيبني على كل حرف كتبته ويجعله في ميزان حسناتي وأن يثيب إخواني الذين أعانوني بكل ما يملكون من أجل إتمام هذا الجهد المتواضع ونرجو من كل مسلم يطلع على هذ ا الكتاب ألا ينسى العبد الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه من
عدد الصفحات ٢٥26 دعائه﴿رَبِّ أَو زِع نِي أَن أَش كُرَ نِع مَتَكَ الَّتِي أَن عَم تَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَن أَع مَلَ صَالِحًا تَر ضَاهُ وَأَد خِل نِي بِرَح مَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ (النمل، آية : 19.) وقال تعالى﴿مَا يَف تَحِ اللهَُّ لِلنَّاسِ مِن رَّح مَة فَلاَ مُم سِكَ لَهَا وَمَا يُم سِك فَلاَ مُر سِلَ لَهُ مِن بَع دِهِ وَهُوَ ال عَزِيزُ ال حَكِيمُ ﴾ (فاطر، آية : 2.) وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين". الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه علي محمد محمد الصَّلاَّبي
عدد الصفحات ٢٦27 المبحث الأول: مفهوم الدولة. أولاً: الدولة لغة وإصطلاحاً 1ـ الدولة لغة بالعودة إلى معاجم اللغة العربية تجد أن كلمة الدولة مشتقة من مادة "الدال والواو واللام" "دول" وهي تطلق بمعان عدة، ومنها: بالضم: انقلاب الزمان، والعقبة، وبالفتح: في الحرب، أو هما سواء أو الضم في الآخرة، والفتح في الدنيا. والدولة: الحوصلة، والشقشقة وشيء مثل المزادة، وا لقانصة. والإدالة: الغلبة، ودالت الأيام: دارت، والله تعالى يداولها بين الناس. والدول: لغة في الدَلو، وانقلا ب الدهر من حال إلى حال، وبتحريك "الدول": النبل المتداول1. وفي "الصحاح" للجوهري: الدولة في الحرب أن تدال إحدى الفئتين على الأخرى، والدولة "بالضم" في المال والجمع دُو لات ودُوَل ، وقال أبو عبيدة: الدُولةُ بالضم: اسم الشيء الذي يُتداول به بعينه، وبالفتح الفعل، وقيل: هما لغتان بمعنى واحد 2. وبهذا نلحظ أن لفظة الدولة في اللغة تطلق بإزاء الأمور التالية ـ تغير الزمان، ودورانه، وتحوله من حال إلى حال. ـ عاقبة الأمر ومآله ومنتهاه. ـ الغلبة والانتصار على العدو. 1 القاموس المحيط للفيروزآبادي، ص1293. 2 الصحاح لأبي اسماعيل الجوهري الفارابي4 /1390 ـ1391.)
عدد الصفحات ٢٧28 ـ اسم لعدة أشياء يتداولها الناس، كالمزادة ضيقة الفم، والقانصة، وجانب البطن، والدلو، والنبل وغيرها1. 2ـ الدولة اصطلاحاً يذكر بعض أساتذة السياسة أن ثمة ما يقارب مائة وخمسين تعريفاً للدولة 2، ويعتبر هذا المفهوم الدولة من المفاهيم القديمة التي وجدت على أرض الواقع وصارت حقيقة معاينة، قبل أن يتم الاصطلاح على هذه الكلمة "الدولة" للدلالة على ذلك المفهوم. وقد جرى استخدام مصطلح "الدولة" عند الكثير من التيارات والمذاهب المعاصرة، واختلف معناها بحسب الدائرة الفكرية التي استخدم فيها، ولعلنا نجول في معاني هذا المصطلح من خلال الدوائر الفكرية التالية3: أ ـ الدولة في الفكر الإسلامي أشار الإمام الطبري إلى أن أول مرة استعمل فيها العرب هذا المصطلح كانت فيما ورد في خطبة الحسن بن علي وهو يدعو أهل الكوفة إلى بيعته بقوله: وأن لهذا الأمر مدة والدنيا دول4. وكذلك ما جاء في قول أبي العباس السفاح مخاطباً أهل الكوفة أيضاً: أنتم محل محبتنا...، وأتاكم الله بدولتنا5. ثم توسع استخدام هذا المصطلح عند العرب إجمالاً في كتاباتهم التاريخية والأدبية، حتى جاء العلامة عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته مقرراً لهذا المفهوم في كثير من عباراته. ومن ذلك قوله:" فالإنسان مدني بطبعه، أي: لابد له من الاجتماع الذي هو المدينة،..." وتم عمران العالم، فلابد من وازع يدفع بعضهم عن بعض، فيكون ذلك الوازع واحداً منهم، تكون 1 الدولة المدنية، د. ماجد علي الزميع، ص32. 2 المصدر نفسه، ص: 33. 3 الدولة المدنية، د. ماجد الزميع، ص33. 4 تاريخ الأمم والملوك للطبري4 /124.) 5 المصدر نفسه6 /83.)
عدد الصفحات ٢٨29 له الغلبة،والسلطان، واليد القاهرة، حتى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان وهذا هو معنى الملك، وأنه لابد للبشر من الحكم الوازع وذلك الحكم يكون بشرع مفروض1. فهو هنا يشير رحمه الله إلى أهم مكونات الدولة من الشعب الذي أشار إليه بقوله:" الإنسان مدني بطبعه، أي لابد له من الاجتماع الذي هو المدينة، وكذلك الحاكم الذي وصفه بأنه "تكون له الغلبة والسلطان، واليد القاهرة". ثم الدستور أو المنهج الذي يحتكمون إليه، والذي سماه "بالشرع المفروض" ثم شاع استعماله بعد ذلك لدى الكثير من الباحثين والعلماء. فهذه العبارات تدلنا على أن هذا المعنى كان معروفاً عند العرب، ومستقراً في استعمالاتهم اللغوية، وإن لم تشكل حدوده النهائية بصفتها النهائية2. وربما غلب على الحكم في هذه الدول أن يكون وراثياً، يخلف الأبناء فيه الآباء، وهو الملك العضوض الوارد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشير، أنه عليه الصلاة والسلام قال: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله تعالى، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله تعالى، ثم تكون ملكاً عاضاً، فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله تعالى، ثم تكون ملكاً جبرية، في كون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها الله تعالى، ثم تكون خلافة على منهاج نبوة3. والخلافة على منهاج النبوة لها معالم وملامح، منها إقامة المبادئ الإنسانية بين الناس، كالعدل، والشورى، والمساواة والحرية، واحترام الكرامة.. إلخ وقد جاء في دائرة المعارف بهذا المعنى: "الدولة سلسلة الملوك المتتابعة في مملكة ما، من عائلة واحدة ثم بعد ذلك شاع استخدام هذا المصطلح في كتابات الكثير من الباحثين، متأثرين بالمدارس الفكرية التي ينتمون 1 مقدمة ابن خلدون1 /46.) 2 الدولة المدنية، ص34. 3 مشكاة المصابيح حسنة، الألباني، رقم: 5306.
عدد الصفحات ٢٩30 إليها، وهكذا كانت بداية نشوء مصطلح "الدولة" وشيوع استعماله وانتشاره بعد ذلك في الفكر العربي والإسلامي1. ب ـ الدولة في الفكر الغربي: وفي الفكر الغربي، فيمكن القول بأن بداية هذا المفهوم كانت مع كتابات الفيلسوف اليوناني أفلاطون: الذي كان يرى بأن الدولة هي جماعة من الناس الأحرار المتساوين يرتبطون فيما بينهم بأواصر الأخوة، ويطيعون ـ لبقاء النظام في المدينة ـ الحكام المستنيرين أولي الرعاية والحزم، الذين اتخذوهم رؤساء ويخضعون للقوانين التي ليست إلا قواعد العدل ذاته2. ثم درج بعد ذلك استعمال هذا المصطلح في كتابات الكثير من الفلاسفة والمؤرخين الغربيين، وعند التأمل في كتابات الفكر الغربي الحديث، فإن مفهوم الدولة في الفكر الليبرالي يختلف عنه في الفكر الشيوعي الاشتراكي وذلك بناءً على النظرة العامة لكل من التيارين. ـ الدولة في الفكر الشيوعي الاشتراكي: أما مفهوم الدولة في الفكر الشيوعي الاشتراكي يقوم على فكرة الصراع الطبقي، "ولذلك فالدولة في رأي إنجلز هي الخلاصة الرسمية للمجتمع، أيًّ ا ما كان ذلك المجتمع، ومن هنا جاء عدم اعتراضه بالدولة في شكلها التقليدي البرجوازي، سواء كان شكل هذه أو ليجارشيا3، أو ديمقراطياً رأسمالياً باعتبار أنه لا يُقر هذه الأشكال جميعاً. وفي هذا السياق جاء في دائرة المعارف الاجتماعية في مفهوم ا لدولة بأنها: أداة السلطة السياسية في المجتمع الطبقي، وأما الدولة الاشتراكية فهي دولة عموم الشعب وهي الهيئة 1 الدولة المدنية، ص35. 2 النظم السياسية، ثروت بدوي، ص: 24. 3 حكم القلة التي تتميز بالمال والنسب أوالسلطة العسكرية
عدد الصفحات ٣٠31 السياسية للشعب بأسره، وأداة لبناء الشيوعية وجعل الطبقة العاملة هي القاعدة العامة لعموم الشعب1. والخلاصة هي أن الفكر الاشتراكي يرى أن الدولة شكل تاريخي للتنظيم السياسي للمجتمع، وأنها نشأت مع ظهور الملكية الخاصة، وانقسام المجتمع إلى طبقات يستغل بعضها بعضاً 2. فهذا هو مفهوم الدولة في الفكر الشيوعي الاشتراكي وهو مفهوم يستبعد البعد الديني والعقدي وذلك راجع إلى موقف الشيوعية أصلاً من الأديان عموماً والتي ترى أنها أفيون الشعوب، وسبب التخلف للعقل البشري، وغير ذلك من عبارات الشيوعية والاشتراكية في موقفها المعادي والمحارب للدين، كما هو معروف سلفاً 3. ـ الدولة في الفكر الليبرالي وأما الدولة عند التيار الليبرالي فإنها تتميز بخمس خصائص: ـ أن الدولة مجموعة مؤسسات منفصلة يمكن التمييز فيها بين العام والخاص. ـ أن تتمتع بالسيادة والسلطة العليا في أراضيها. ـ السيادة شاملة ومتساوية لكل الذين يشغلون مناصب رسمية في الجهاز الحاكم. ـ يتم تجنيد العاملين فيها وتدريبهم. ـ قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات لتمويل انشطتها. فهذه الخصائص هي السمات التي يتفق المؤرخون، ومعظم علماء الاجتماع على أنها تميز الدولة الحديثة4. 1 الدولة المدنية، ص37. 2 المصدر نفسه، ص37. 3 المصدر نفسه، ص38. 4 الدولة المدنية، ص38.
عدد الصفحات ٣١32 فالدولة في أوسع معانيها في الفكر الليبرالي الحديث هي عبارة عن مفهوم قانوني يصف جماعة ما تقيم في رقعة جغرافية محددة، وتنظم جه ودها وإمكانياتها في إطار مؤسسات سياسية تديرها هيئة حاكمة فعالة تسيطر على دفة الأمور1. 1 المصدر نفسه، ص38.
عدد الصفحات ٣٢