385 وأما غير هؤلاء ممن لا تربطهم بالمسنين إلا صلة الإسلام والإنسانية، فواجب عليهم أيضاً بذل المودة والإكرام والتوقير، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم»1، وقوله«ليس منا من لا يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا»2. *ـ حقوق اج تماعية: في الزيارة والمؤانسة وقضاء حاجاتهم وتفقد أحوالهم، خاصة عند حصول المرض والضعف عن الحركة، وقد كان ضمن الثلاثة الذين سُد عليهم الغار، ففراج الله عنهم لأعمالهم الصالحة رجل سهر الليل كله ليقدم لوالديه شراب الغبوق قبل أن يسمح لنفسه أن ينال منه شيئاً. *ـ حقوق مادية: في النفقة على المسنين من قبل أبنائهم بصفة أساسية، في الصحة والمرض، والإعسار إلى نهاية العمر، وقد نص الفقهاء على أن النفقة التي تجب على الأبناء نحو والديهم المسنين تتخطى مستوى الملاطفة والبر والمجاملة، لتدخل في نطاق الحقوق المفروضة التي يأثم من يغفل عنها، وقد ثبت وجوب النفقة بالكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا ال قُر بَى حَقَّهُ ﴾ (الإسراء، آية : 26.) قال ابن القيم: إذا لم يكن ذلك حق النفقة فلا ندري أي حق هو: ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: «ابدأ بمن تعول أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك حق واجب ورحم موصولة»3، وقد أجمع علماء المسلمين من عهد الصحابة حتى عصرنا على أن نفقة المعسر تجب على قريبه الموسر أصلاً كان أم فرعاً، ولا يوجد بين الفقهاء من هذا الإيجاب خلاف وإنما تختلف الآراء في تفسير القرابة ومدى ما تشمل عليه من أفراد سعة وضيقاً ومن أبواب النفقة على المسنين ما قد ينالهم من ميراث، لأن الأب يرث ابنه كما أن الابن يرث أباه كما هو مفصل في كتب الفقه4. فإذا لم تف أموال الأبناء والأقارب بحق المسنين المعسرين، فعلى ولي الأمر أن يلبي حاجاتهم من بيت مال المسلمين، خاصة فيما يتعلق بالضرورات وهي الغذاء والكساء والمأوى والعلاج 1 سنن أبي داود، السنوات المتأخرة من العمر، عز الدين إبراهيم، ص47. 2 سنن أبي داود والترمذي 3 سنن أبي داود، السنوات المتأخرة من العمر، ص48. 4 السنوات المتأخرة من العمر، ص49.
عدد الصفحات ٣٨٥386 عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم «من خلف مالاً أو حقاً فلورثته، ومن خلف كلاً أو ديناً فكله إليّ دينه علي »1. وللقاعدة الفقهية«الحاكم ولي من لا ولي له»2. وللدولة في سبيل توفير الأموال اللازمة لهذه الرعاية المادية للمسنين، أن توظف ما قد يوجد من أوقاف أو وصايا أو زكوات، وقد استوعبت قوانين الأحوال الشخصية في البلاد الإسلامية هدي الشريعة في النفقة فأوردت أحكاماً مفصلة تؤكد دور الدولة في رعاية حقوق رعاية المسنين3، والدولة ذات المرجعية الإسلامية تعمل على ـ تأهيل كبار السن ذوي الاحتياجات الخاصة للاحتفاظ بالحد الأقصى من القدرات الوظيفية طيلة حياتهم والعمل على مشاركتهم في المجتمع وتوفير الرعاية المناسبة لهم. ـ التأكد من وصول الخدمات الطبية والتمريضات للمسنين. ـ تحسين صحة المسن والتأكد من نمط حياته، بما يؤدي إلى راحته الاجتماعية والنفسية. ـ تأمين تحسن متواصل للحالة الغذائية للمسن. ـ إعادة تأهيل كبار السن ذوي الحاجات الخاصة. وضع خطة شاملة لرعايا كبار السن في منازلهم على أن يقوم فريق متكامل بالإشراف على كبار السن في منازلهم لإجراء الكشف الدوري عليهم ومساعدة القائمين على خدماتهم وتدريبهم على اتباع طرق الرعاية الصحية. ـ إقامة وتحديث قواعد شاملة للبيانات الخاصة بالمسنين في كل مناطق وبلديات الدولة. ـ إقامة تواصل على المستوى الوطني والإقليمي بين المنظمات والمؤسسات والأفراد النشيطين في مجال رعاية المسنين. ـ دمج الرعاية الصحية للمسنين في مستويات الرعاية الصحية الأولية، ووضع برامج تدريبية للعاملين في هذا المجال. ـ توفير المعلومات والمهارات المناسبة للمسنين وأسرهم والمجتمع بأكمله للعناية بأنفسهم والحفاظ على صحتهم وتنميتهم. 1 البخاري ومسلم، والكل: الضعيف الذي يحتاج إلى من يعوله 2 السنوات المتأخرة من العمر، ص: 49. 3 المصدر نفسه، ص43 ـ50.
عدد الصفحات ٣٨٦387 ـ زيادة عدد العيادات التي تقدم الرعاية الصحية للمس نين وبخاصة في المناطق النائية والمحرومة. ـ العمل على رفع نسبة المسنين المراجعين للعيادات الخاصة. ـ تفعيل دور كافة الجهات المعنية حكومية وغير حكومية في مجال رعاية المسنين. ـ توفير الرعاية الصحية والاجتماعية والنفسية. ـ مد مظلة التأمينات والمعاشات لتشمل كافة المواطنين المحتاجين. ـ كفالة إنشاء النقابات التي تعبر عنهم وتسعى لتفعيل دورهم والاستفادة من خبرتهم. ـ بناء دور المسنين في المناطق المحتاجة وتحمل الدولة لكافة مصروفات إيوائهم ورعاية وعلاج ومعيشة من تقطعت بهم السبل. ـ سن التشريعات التي تكفل حسن الرعاية والمعاملة، وتغلظ العقوبة حيال أي فرد، أو مؤسسة تنتهك حقوق كبار السن وأرباب المعاشات بوجه خاص. 7 ـ رعاية الفئات الخاصة إن تعاليم الإسلام أحدثت انقلاباً في المفاهيم الجاهلية التي كانت لا تحترم إلا الأقوياء، وبالتالي نظرت إلى أصحاب العاهات نظرة ازدراء واحتقار فعاشت تلك الفئات مهمشة بائسة حزينة تشعر بالإحباط، فجاء الإسلام وأعاد إليها اعتبارها وإنسانيتها وأخذ بيدها لتواصل مشوارها في الحياة في جو مفعم بالحب والرحمة، قال تعالى: ﴿ لَقَد جَاءكُم رَسُول مِّن أَنفُسِكُم عَزِيز عَلَي هِ مَا عَنِتُّم حَرِيص عَلَي كُم بِال مُؤ مِنِينَ رَؤُوف رَّحِيم ﴾ (يونس، آية : 128.) لقد نظر الإسلام للفئات الخاصة أصحاب العاهات واللقطاء، وكبار السن والزمن، نظرة تقدير واحترام تنبع من الأساس وهو تكريم الإنسان : ﴿وَلَقَد كَرَّم نَا بَنِي آدَمَ ﴾ (الإسراء، آية : 70). وهذا التكريم اقتضى عدم إهمال أي شريحة من شرائح المجتمع مهما كان وضعها لذا نجدها تقدم برامجها الإنسانية للأخذ بأيدي هذه الفئات، لإعادة تأهيلها لمواصلة مسيرتها في
عدد الصفحات ٣٨٧388 الحياة، خاصة أن قطاعاً كبيراً من هذه الفئات الخاصة لديه طاقات مذخورة لا ينبغي الاستهانة بها في دفع المسيرة الحضارية للإسلام. إن الدستور الحضاري الإسلامي الخالد "القرآن والسنة" لم يترك أمر الفئات الخاصة للاجتهادات الفردية، بل نص بكل وضوح على ضرورة العناية بها ديانة وإنسانية، واعتبر الاحتفاء بها ورعايتها من الطرق الموصلة إلى مرضاة الله ورسوله، ودخول الجنة، فنصت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على واجب رعاية هذه الفئات رعاية شمولية من خلال دمجهم ومعاملتهم على قدم المساواة مع غيرهم من عناصر المجتمع وقد صدق الكاتب الإيرلندي الشهير برنارد شو حين أكد على صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان ومقدرته على حل أعقد المشاكل بكل سهولة ويسر حين قال: أعتقد أن رجلاً كمحمد لو يسلم زمام الحكم في العالم بأجمعه، لتم النجاح في حكمه، ولقاده إلى الخير وحل مشكلاته على وجه يكفل للعالم السلام والسعادة المنشودة1. إن الحضارة الغربية المعاصرة لم تلتفت لرعاية هذه الشريحة الاجتماعية إلا في فترة متأخرة جداً، ورغم صدور العديد من القوانين والتشريعات في العديد من الدول المتقدمة لصالح الفئات الخاصة إلا أنها مازالت دون المستوى الذي وصلت إليه الحضارة الإسلامية، والسبب في ذلك أن الحضارة الإسلامية ربطت بين هذه الرعاية وبين الدين، فغدا حب هذه الفئات وخدمتها ينطلق من دافع إيماني، جعل أفراد المجتمع من حكام ومحكومين يتسابقون في تقديم المساعدات لهذه الفئات ليس من باب الشفقة والمنة بل من باب الواجب المقدس المفروض على المسلم، بينما نجد هذه الخدمات في الغرب تقدم مجردة خالية من الروح، وبالتالي نجد الابن لا يجد بأساً حين يدفع والديه إلى أحد الملاجئ للتخلص من عبء النفقة والعناية بهما، على العكس تماماً مما هو كائن في تعاليم الإسلام التي جعلت من عقوق الوالدين والتخلص من رعايتهما كبيرة من الكبائر، لا بل إن هذه النظرة الإنسانية الرفيعة للوالدين حرامت على الابن أن يجرح شعورهما ولو بكلمة أف، قال جلا من قائل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَع بُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ 1 رعاية الفئات الخاصة، د. سلامة الهرفي، ص11.
عدد الصفحات ٣٨٨389 وَبِال وَالِدَي نِ إِح سَانًا إِمَّا يَب لُغَنَّ عِندَكَ ال كِبَرَ أَحَدُهُمَا أَو كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَن هَر هُمَا وَقُل لَّهُمَا قَو لاً كَرِيمًا * وَاخ فِض لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّح مَةِ وَقُل رَّبِّ ار حَم هُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ (الإسراء، آية : 23 ـ24)1. وإليك الحديث عن بعض هذهالفئات: أ ـ رعاية الأرامل: جعلت الشريعة الإسلامية من ضمن أولوياتها المحافظة على كرامة هذه الشريحة الاجتماعية "الأرامل" فتكفلت بتغير نظرة المجتمع إليها فضلاً عن توفير العيش الكريم لها، وإحاطتها بالعطف والحنان للتخفيف من مصيبتها بفقد زوجها، بل ذهبت إلى أبعد من هذا، حين جعلت من خدمة هذه الشريحة قربة من القربات العظيمة تتساوى مع أجر المجاهد في سبيل الله، وأجر من واظب على قيام الليل وصيام النهار، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الساعي على الأرملة 2 والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل»3. ولم يكتف المصطفى صلى الله عليه وسلم بالتوجيه القولي، بل قام بكفالة بعض أبناء وأرامل المسلمين الذين استشهدوا في حركة الجهاد، فقد جاء في البخاري ومسند الإمام أحمد أنه بعد استشهاد جعفر بن أبي طالب في غزوة مؤتة جاءت زوجته أسماء بنت عميس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بولديهما عبد الله ومحمد ابني جعفر، وجعلت تذكر ترملها ويتم ابنيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «العيلة تخافين عليهم، وأنا وليهم في الدنيا والآخرة»4. وانطلاقاً من هذا التوجيه النبوي الشريف أخذت الأمة تعمل على إيجاد آليات لتجسيد رعاية الأرامل في الواقع الملموس من خلال حركة اجتماعية مؤسسية تقوم على مبدأ التكافل الاجتماعي، لمساعدة هذه الشريحة في المجتمع، وقد كان حكام الدولة الإسلامية على رأس 1 المصدر نفسه، ص12. 2 الأرملة: المرأة التي فقدت زوجها 3 أخرجه البخاري، الحديث رقم5660. 4 أخرجه البخاري، الحديث رقم5660.
عدد الصفحات ٣٨٩390 الرواد في مباشرة هذاالعمل الاجتماعي السامي، فهذا الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يخطط قبل اغتياله لتقديم إعانة دائمة للأرامل، إلا أن استشهاده حال دون تحقيقه لهذا الهدف في حياته، فعن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يصاب بأيام بالمدينة يقول: لئن سلمني الله، لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبداً 1. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد بدأ بتقديم المعونات للأرامل في المدينة المنورة، فعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى السوق، فلحقت عمر امرأة شابة فقالت: يا أمير المؤمنين، هلك زوجي وترك صبية صغاراً والله ما ينضجون كراعاً ولا لهم زرع ولا ضرع وخشيت أن تأكلهم الضبا ع وأنا بنت خفاف ابن إيماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم فوقف معها عمر ولم يمض، ثم قال: مرحباً بنسب قريب، ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطاً في الدار، فحمل عليه غرارين ملأها طعاماً وحمل بينها نفقة وثياباً، ثم ناولها خطامه ثم قال: اقتاديه، فلن يفنى حتى يأتيكم الله بخير، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين أكثرت لها، قال عمر: ثكلتك أمك، والله إني لأرى أبا هذه وأخاها حاصرا حصناً زماناً ففتحاه2. ويعد الصحابي الجليل الزبير بن العوام رضي الله عنه أول من أوقف وقفاً لصالح الأرامل والمطلقات من بناته، فقد جاء في صيغة وقفه لبعض دوره: وللمردودة من بناته أن تسكن غير مُضِرَّة ، ولا مُضَ رٍّ بها3. وكان القائد المظفر صلاح الدين الأيوبي يدرك بأن توفير الأمن الاجتماعي لهذه الشريحة "الأرامل" من العوامل المهمة لتحصين الجبهة الداخلية، وبالتالي تحقيق النصر في الجبهات الخارجية، فعندما يعلم الجندي أن زوجه وأطفاله بعد استشهاده سوف يعيشون حياة كريمة، يزداد حماساً في جهاده، وتقل توتراته النفسية ـ التي هي من طبيعة النفس البشرية ـ حين 1 أخرجه البخاري، الحديث رقم3497. 2 فتح الباري7 /510.) 3 السنن الكبرى للبيهقي6 /165.)
عدد الصفحات ٣٩٠391 يتوجه لجبهات القتال، لذا نجد صلاح الدين يوقف الأوقاف الكثيرة لخدمة الأرامل والأيتام1، والتي منها على سبيل المثال: قرية نسترو بين دمياط والإسكندرية والتي كانت قيمة ضمانها خمسون ألف دينار2. وقد تطور العمل الجماعي في الحضارة الإسلامية لخدمة هذه الشريحة الاجتماعية إلى درجة إنشاء مؤسسات اجتماعية متخصصة لرعاية الأرامل والنساء المطلقات، أو اللواتي هجرن من قبل أزواجهن، أو اللواتي تقدم بهن السن وليس لهن من ينفق عليهن وكانت رائدة هذه اللمسات الإنسانية السيدة تذكار خاتون ابنة الظاهر بيبرس، التي شيدت في عام 684هـ1258م رباط البغدادية للشيخة الفاضلة زينب ابنة أبي البركات المعروفة ببنت البغدادية، وأنزلت فيها مجموعة من النساء، وظل هذا الرباط قائماً إلى زمن المؤرخ المقريزي 766هـ ـ 845هـ /1441م الذي أوضح بأن لهذا الرباط شيخة تعظ النساء وتفقههن، على أن أهم من هذا قوله وأدركنا هذا الرباط، وتودع فيه النساء اللاتي طلقن أو هجرن، حتى يتزوجن أو يرجعن إلى أزواجهن صيانة لهن، كما كان فيه من شدة الضبط وغاية الاحتراز والمواظبة على وظائف العبادات.. حتى أن خادمة الفقيرات.. تؤدب من خرج على الطريق بما تراه3. ويبدو أن فكرة إنشاء مؤسسة خاصة لرعاية النساء من الفئات الخاصة بمصطلح اليوم انتشرت من مختلف أرجاء الدولة الإسلامية على مر فترات التاريخ الإسلامي، فكان هناك على سبيل المثال رباطاً مخصصاً للنساء والعجائز في بغداد ومثله في مصر للأرامل والعجائز، فضلاً عن النساء المطلقات وفي القرافة بمصر عدة دور يقال للدار منها رباط لإقامة العجائز والأرامل والمنقطعات، وكانت لها مرتبات للصرف على المقيمات بها، وكان لهن مجالس وعظ مشهورة، وكان يختار لهذه الربط سيدات مثقفات لتهذيب وتعليم المقيمات فيه، منهن الشيخة زينب بنت عباس البغدادية والتي كانت تحضر مجالس ابن تيمية وكان يستعد لها لكثرة مسائلها4. 1 رعاية الفئات الخاصة، ص20. 2 المرأة والمؤسسات الاجتماعية في الحضارة العربية، ص77. سعيد عبد الفتاح عاشور، رعاية الفئات الخاصة، ص20. 3 الخطط للمقريزي2 /428.) 4 رعاية الفئات الخاصة، ص22.
عدد الصفحات ٣٩١392 ويذكر أنه كان في مدينة فاس ملجأ خاصاً بالنساء الشريفات الفقيرات، ويتكون هذا الملجأ من دارين تقع إحداهما من الماشطين قرب ساحة الصفارين، والأخرى في وادي الرشاشة جوار دار عديل. وقد استمرت العناية بهذه الفئة من المجتمع في أحلك الفترات التي كانت تمر بها الحضارة الإسلامية، فها هو آخر خلفاء الدولة العباسية المستعصم والذي قتل على يد التتار سنة 656هـ / 1258م يوقف داراً لرعاية النساء المسنات رغم ما كان يتهدد الدولة من مخاطر التتار 1. وهكذا تبلورت التوجيهات النبوية بشأن هذه الشريحة الاجتماعية إلى عمل اجتماعي مؤسسي2. ب ـ تزويج وتجهيز البنات الفقيرات من طبيعة الإسلام وتعاليمه الاهتمام بالجانب الإنساني وتوفير الاحتياجات لأفراد المجتمع، سواء بواسطة الدولة أو من الأفراد القادرين على فعل الخير والتقرب به إلى الله. ولذلك نجد أن الدولة الإسلامية تصدر المراسيم التي تلزم الدولة بنفقات زواج الفقراء ولعل الأوامر التي أصدرها الخليفة الأموي الزاهد عمر بن عبد العزيز" 99 ـ101 /717 ـ719 " إلى واليه على العراق عبد الحميد بن عبد الرحمن بهذا الشأن خير دليل وشاهد على حرص حكام المسلمين على رعاية الشباب الفقراء في الدولة الإسلامية لما يترتب على عجزهم عن الزواج من مفاسد اجتماعية تهدد الأمن الاجتماعي للأمة، فقد جاء توجيهه لواليه: أن أنظر كل بكر ليس له مال فشاء أن تزوجه فزوجه وأصدق عنه، فكتب إليه: إني قد زوجت كل من وجدت3. ولم يكتف هذا الخليفة العادل بذلك، بل طلب أن ينادي في كل مصر في كل يوم: أين المساكين، أين الغارمون، أين الناكحون4. وقد قرر الفقهاء منذ فترة مبكرة على أن الالتزامات الإنسانية على الأمة التكفل بتزويج الفقراء في المجتمع1، ويحدثنا الرحالة الشهير ابن بطوطة: أنه كان في مدينة دمشق أوقاف خاصة 1 المصدر نفسه، ص23. 2 المصدر نفسه، ص23. 3 الطبقات لابن سعد5 /374.) 4 البداية والنهاية9 /220.)
عدد الصفحات ٣٩٢393 لتجهيزالبنات إلى أزواجهن مما لا قدرة لأهلهن على تجهيزهن2. كما وجد في فلسطين أوقاف مخصصة لتوفير مهور للفتيات اليتيمات كي يتسنى لهن الزواج3. ووجدفي أكثر بلدان العالم الإسلامي و قفاً لإعارة الحلي والزينة في الأعراس والمناسبات السعيدة، بحيث أن العامة والفقراء ينتفعون بهذا الوقف الخيري، فيستعيرون منه ما يلزم من الحلي لأجل التزيين في المناسبات العامة، ومن ثم يعيدونه إلى مكانه بعد انتهائها4، فقد وجد على سبيل المثال في مدينة تطوان المغربية وقف لأسرة بلحاج خاص بزينة العروس ولباسها5، وكانت ملكة الهند المسلمة نورجهانتساعد المحتاجين وتزوج الأيتام، وتدفع المهور عنهم، وكانت أول من أنشأت سوقاً خيرية أطلقت عليها اسم "سوق الشفقة" يذهب ريعه لخدمة الفقراء وتزويج الأيتام، فكانت تجتمع بالأميرات وزوجات الأعيان في قصرها، ثم يذهبن إلى السوق، توزع وارداته على فقراء المملكة، و التي ك ان يصرف بعضها في تزويج الأ يتام ومساعدة المحتاجين، وقد بقيت هذه الملكة تمارس هذه الخدمة الجليلة حتى انتقل زوجها عام 1056هـ1646م إلى الرفيق الأعلى، حيث اعتزلت الحكم ثم توفيت بعد قليل ودفنت في جانبه في حديقة سليمان6 وكانت الأميرة عزيزة بنت أحمد بن محمد بن عثمان ت 1080هـ 1669م محبة للضعفاء والمساكين، فأوقفت الأوقاف الخيرية الكثيرة في تونس، منها ما هو مخصص لتجهيز الأبكار اللاتي يثقلهن الفقر ويحول دون زواجهن صيانة لهن عن الابتذال وترغيباً في الزواج بهن 7. ومن أجل مساعدة المرأة على القيام بوظيفة الأمومة على أكم ل وجه وجدت أوقافاً للنساء المرضعات، تسمى أوقاف نقطة الحليب يوزع منها الحليب على النساء المرضعات في أيام محدودة في كل أسبوع، إلى جانب الماء المذاب فيه السكر، فقد كان من مبرات القائد المظفر صلاح الدين الأيوبي في أحد أبواب القلعة في دمشق ميزاباً يسيل منه الحل يب، وميزاباً يسيل 1 رعاية الفئات الخاصة، ص28. 2 الرحلة لابن بطوطة، ص55. 3 رعاية الفئات الخاصة، ص28. 4 الحضارة العربية الإسلامية، شوقي أبو خليل، ص636. 5 معطيات الحضارة المغربية، عبد العزيز بن عبد ا2 /33 ـ34.) 6 نساء فاضلات، عبد البديع صقر، ص117 ـ118. 7 رعاية الفئات الخاصة، ص29.
عدد الصفحات ٣٩٣394 منه الماء المذاب فيه السكر، تأتي إليه الأمهات المرضعات يومين في كل أسبوع ليأخذن لأطفالهن وأولادهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر1. ج ـ رعاية اللقطاء نص الفقهاء على أن رعاية اللقيط واجب مقدس على الأمة، فإن لم تقم به وقعت في الإثم، ولذا قالوا: إن من وجد صغيراً منبوذاً، ففرض على من بحضرته أن يقوم به.. ولا إثم أعظم من إثم من أضاع نسمة ولا ذنب لها حتى تموت جوعاً أو برداً أو تأكلها الكلاب وهو قاتل نفس عمداً لا شك2، وإن امتنع أهل القرية أو البلدة على أن ينفقوا على اللقيط وجب على الإمام قتالهم3 . لأنهم تقاعصوا عن القيام بواجبهم الاجتماعي المقدس الذي كلفهم به الشارع، فالقاعدة تقول إنه من قتل نفساً فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، يقول الله تعالى: ﴿مِن أَج لِ ذَلِكَ كَتَب نَا عَلَى بَنِي إِس رَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَف سًا بِغَي رِ نَف س أَو فَسَاد فِي الأَر ضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ (المائدة، آية : 32.) إنإهمال هذه الفئة الاجتماعية "اللقطاء" يعني فتح باب مفسدة عظيمة على المجتمع ومخالفة صريح لروح الإسلام التي جاءت رحمة للعالمين ﴿وَمَا أَر سَل نَاكَ إِلاَّ رَح مَةً لِّل عَالَمِينَ ﴾ (الأنبياء، آية : 107). وصح عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قوله «من لا يَرحم ي رحم »4. وعليه فقد نص الفقهاء على إلزام الدولة بالإنفاق على اللقيط، وإن عز ذلك، كلفت مجموعة تعاونية بمساعدة الدولة للإشراف على الإنفاق عليه5. وكان عمر بن الخطاب الخليفة الراشد13 ـ23هـ634 ـ643م كان من أوائل حكام الدولة الإسلامية الذين خصصوا أموالاً من بيت مال المسلمين لرعاية اللقطاء وتوفير الجو الأسري 1 من روائع حضارتنا، مصطفى السباعي، ص98 ـ99. 2 المحلى لابنحزم (5 /273.) 3 المجموع للنووي15 /291.) 4 أخرجه البخاري في الأدب، رقم2318. 5 رعاية الفئات الخاصة، ص42.
عدد الصفحات ٣٩٤395 المناسب لهم، فقد روى الصحابي سنين أبو جميلة1، قال: أخذت منبوذاً على عهد عمر رضي الله عنه، فذكره عريف لعمر رضي الله عنه فأرسل إليا فدعاني والعريف عنده فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قلت: وجدت نفساً بمضيعة فأحببت أن يأجرني الله فيه، فقال عمر: هو حر، ولاؤه لك، وعلينا رضاعته2. وفي حادثة أخرى رفع لقيط إلى الفاروق رضي الله عنه أثناء خلافته، فدفعه إلى امرأة صالحة لتتولى إرضاعه وتربيته مقابل أجر يدفع لها من بيت مال المسلمين وفي نفس الوقت قام بالتحريات اللازمة حتى تعرَّ ف على أمه، التي اعترفت للخليفة بأنه ثمرة زنا أجبرت عليه مما جعلها تقتل الشاب الذي اغتصبها، ومن ثم طرح هذا الطفل على قارعة الطريق3. وعندما تعددت حالات وجود اللقطاء استشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصحابة في نفقة اللقيط، فقالوا: لم يكن له مال وجبت نفقته من بيت مال المسلمين4. فكان رضي الله عنه إذا أتى بلقيط فرض له مائة درهم وفرض لوليه رزق يصله كل شهر، وجعل رضاعته، ونفقته وما يلزمه من بيت المال، على أن يزيد عطاؤه سنة فسنة، وكان يوصي بهم خيراً 5، وقد سار الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه على هذا النهج6. وحفظت الشريعة الإسلامية حقوق هذه الشريحة في الحرية والكرامة، والرعاية والتربية وحق النفقة، بل إن الدول الإسلامية كالعباسية، والأيوبية، والمماليك والعثمانية، كانت تشتري هؤلاء الأطفال من أسواق الرقيق من مختلف العالم، ومن ثم تربيتهم تربية عسكرية إسلامية، حولتهم إلى حراس للحضارة الإسلامية بعدما أصبحوا جنوداً مدربين يؤمنون بالإسلام ديناً وعقيدة، ومنهج حياة7. 1 من الصحابة الذين شهدوا حجة الوداع وروا عن أبي بكر وعمر وروى عنه الإمام الزهري 2 رعاية الفئات الخاصة، ص49. 3 تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي، ص78 إلى79. 4 المجموع النووي15 /288.) 5 أخبار عمر، علي طنطاوي، ص124 ـ125. 6 الأموال، أبو عبيد القاسم بن سلام، ص339. 7 رعاية الفئات الخاصة، ص50.
عدد الصفحات ٣٩٥396 د ـ رعاية ذوي العاهات والأمراض المزمنة: نرى عتاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في آيات تتلى إلى يوم القيامة، وكان هذا العتاب في شأن رجل فقير أعمى من الصحابة عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه، أعرض عنه الرسول صلى الله عليه وسلم مرة واحدة، ولما يجبه عن سؤاله لانشغاله بدعوة بعض أشراف مكة1. فنزل قول الله تعالى ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الأ َع مَى * وَمَا يُد رِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَو يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّك رَى * أَمَّا مَنِ اس تَغ نَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَي كَ أَلاَّ يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَس عَى * وَهُوَ يَخ شَى * فَأَنتَ عَن هُ تَلَهَّى * كَلاَّ إِنَّهَا تَذ كِرَة ﴾ (عبس، آية : 1 ـ11.) لقد باشر المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد ما تلقى العتاب من ربه في سورة عبس إلى توجيه أنظار الأمة لأهمية رعاية هذه الشريحة من المجتمع فكان على سبيل المثال، يعهد لعبد الله بن أم مكتوم الذي عاتبه فيه ربه ليصلي بالناس أثناء غيابه عن المدينة المنورة في بعض غزواته2. وكان ابن عباس يؤم الناس بعدما فقد بصره وروى البخاري والنسائي أيضاً أن عتبة بن مالك كان يؤم قومه وهو أعمى3. وبعد تعددت صور توجيهات المصطفى صلى الله عليه وسلم لهذه الشريحة "العميان" وللأمة، فكان دوماً يعرض على رفع معنوياتها ويحثها على العمل من خلال تعظيم الأجر لها إذا صبرت واحتسبت ومارست دورها في الحياة دون أن تجعل من هذه العاهة عائقاً وعقبة أمام أخذها لدورها المناسب في المجتمع، فقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم من فقد إحدى عينيه أو كلاهما بالجنة، فقال: «إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبته فصبر عوضته عنهما الجنة»4. 1 السيرة النبوية للصلابي1 /239.) 2 البداية والنهاية لابن كثير (3 /260.) 3 نيل الأوطار3 /160.) 4 أخرجه البخاري، الحديث رقم5221.
عدد الصفحات ٣٩٦397 وكعادة الصحابة الكرام ما إن رأوا سلوك النبي صلى الله عليه وسلم تجاه هذه الفئة الاجتماعية حتى بدأوا يتسابقون في مد يد العون لها، فقد روى الإمام الأوزاعي رحمه الله عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خرج في سواد الليل فرآه الصحابي طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه فذهب عمر فدخل بيتاً ثم دخل آخر، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت، فإذا بعجوز عمياء مقعدة، فقال لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟، قالت: إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى، قال طلحة: ثكلتك أمك يا طلحة، أعثرت عمر تتباع 1، وكان عمر رضي الله عنه شديد البر لأصحاب العاهات، خاصة العميان، وسار على هذا النهج حكام المسلمين وأهل الخير في الأمة فها هو الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك "86 ـ96هـ705 ـ715م" يصدر مرسوماً حضارياً راقياً يعبار عن احترامه لهذه الفئات، فقد أعلن بأن رعاية الفئات الخاصة في المجتمع هي من واجبات الدولة، لذا نجده يأمر بتخصيص قائد لكل أعمى يسهر على راحته، فضلاً عن راتب شه ري يغطي نفقاته2، كما ثبت عن الخليفة عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أمصار الشام: أن ارفعوا إلى كل أعمى في الديوان أو مقعد أو من به فالج، أو من به زمانة "داء مزمن" يحول بينه وبين القيام إلى الصلاة فرفعوا إليه، فأمر لكل أعمى بقائد، وأمر لكل اثنين من الزمن بخادم3. ويروي الرحالة المسلم الشهير ابن بطوطة في رحلته أنه شاهد في بغداد جماعة من العميان يؤمر لكل واحد منهم بكسوة وغلام يقوده ونفقة تجري عليه4. ولعل تسابق أهل الخير حكاماً ومحكومين على وقف الأوقاف لصالح هذه الفئات الاجتماعية خير شاهد على نضج الحس الاجتماعي للأمة الإسلامية وسمو حضارتها إذ يندر أن نرى بقعة معمورة كانت تفيء بظلال الحضارة الإسلامية لا يوجد فيها وقف لأصحاب العاهات5. وقد خصصت الدولة الإسلامية مستشفيات لرعاية المحتاجين، وأفردت غرفاً خاصة في المستشفيات العامة لمداواتهم سريرياً ونفسياً 1، كما ذكر المؤرخون أنه جاء في نفقات الخليفة 1 صفة الصفوة لابن الجوزي1 /107.) 2 الخطط2 /405) للمقريزي 3 سيرة عمر ابن عبد العزيز لابن الجوزي، ص154 ـ155. 4 رحلة ابن بطوطة، ص: 107. 5 رعاية الفئات الخاصة، ص61.
عدد الصفحات ٣٩٧398 العباسي المعتضد بالله أنه خصص لمستشفى الصاعدي الذي كان قد أسسه القائد صاعد بن مخلد أموالاً للنفقة عليه، لأثمان الأدوية والأطعمة والأشربة لخدمة المغلوبين على عقولهم 2. وجاء في وقف أحد المستشفيات المخصصة للأمراض العقلية أن: كل مجنو ن خصص له خادمان يخدمانه فينزعان عنه ثيابه كل صباح، ويحممانه بالماء البارد ثم يلبسانه ثياباً نظيفة ثم يفسحانه في الهواء الطلق ويسمع في الآخر الأصوات الجميلة3. وقدانتشرت مستشفيات المجانين في كل المدن الإسلامية في بغداد والقاهرة ودمشق وفاس وغيرها، وفي العصر المريني اهتم أبو يوسف يعقوب عبد الحق "656 ـ685هـ1258 ـ 1286م" برعاية المجانين، فقد كان ـ حسب ما ورد عن ابن أبي زرع ـ كثير الخير، والرأفة على الضعفاء والمساكين، صنع المارستان للمرضى والمجانين، وأجرى عليهم النفقات، وجميع ما يحتاجون إليه من الأغذية والأشربة، وأمر بتفقد أحوالهم في الصباح والمساء4. واستمرت عناية الدولة الإسلامية المتعاقبة بالمجانين حتى فترة متأخرة من الدولة العثمانية، فنرى على سبيل المثال بمارستان السلطان العثماني سليمان بن السلطان سليم عاشر سلاطين آل عثمان "ت هـ 22 صفر974 هـ1566م" في القسطنطنية، قد خصص لمداواة المرضى وتربية المجانين بأنواع الأشربة والأطعمة والمعاجين5، علماً بأنه كان يخصص لكل مجنون في معظم المستشفيات مرافقاً خاصاً يأخذه باللين والرفق ويصحبه بين الزهور والرياض الخضراء، ويسمعه ترتيلاً هادئاً من آيات الذكر الحكيم 6. وتؤكدالمصادر أن المسلمين أدركو ما للترويح والتسلية من أثر في إدخال البهجة على المرضى والمصابين بالأمراض النفسية، فكان في بعض المستشفيات على سبيل المثال فرقاً للإنشاد تقوم بإنشاد الأناشيد الجميلة للترفيه عن المرضى الذين لا يستطيعون النوم7. 1 الخطط والآثار للمقريزي2 /405.) 2 الوقف ودوره في التنمية عبد الستار الهيتي، رعاية الفئات، ص70. 3 خطط الشام/ محمد كرد علي6 /165،166.) 4 روض القرطاس لابن أبي زرع، ص298. 5 من روائع حضارتنا، مصطفى السباعي، ص112. 6 المصدر نفسه، ص112. رعاية الفئات الخاصة، ص: 72. 7 من روائع حضارتنا، ص112.
عدد الصفحات ٣٩٨399 وفي بعض الأحيان كان يع زل المؤرقين في قاعات منفردة عن بقية المرضى حيث تشنف آذانهم بالأصوات الندية فضلاً عن تسليتهم بالأقاصيص التي يلقيها عليهم القصاص، إلى جانب مشاهدة بعض التمثيليات المضحكة، وكان أيضاً المؤذنون في المسجد الملاصق للمستشفى يؤذنون في السحر قبل ميعاد الفجر بساعتين، وينشدون الأذكار بأصوات ندية من أجل تخفيف الألم عن المرضى الذين يضجرهم السهر وطول الوقت1. وكان المسلمون يهتمون بأثر العوامل النفسية في معالجة المرضى، وخاصة المصابين بالأمراض النفسية، لذا نجد أهل الخير والإحسان يبادرون إلى وقف الأوقاف لخدمة هذا الهدف الإنساني الس امي، فقد أوقف أحد المحسنين في مدينة طرابلس اللبنانية وقفاً يخصص ريعه لتوظيف اثنين يمران بالمستشفيات يومياً فيتحدثان بجانب المرضى حديثاً خافتاً ليسمعه المريض بما يوحي له بتحسن حالته واحمرار وجهه وبريق عينيه2. وكما هو معلوم فقد ثبت علمياً اليوم ب أن روح المعنوية لها أثر كبير على حالة المريض، فالمريض الذي يتمتع بروح معنوية عالية يتعافى أسرع من المريض الذي يتصف بضعف المعنوية3. وأما أصحاب الأمراض المزمنة والخطيرة، ممن ليس لهم أقارب يقومون بأمرهم، فقد وجدت الكثير من الأوقاف في مختلف المدن الإسلامية لخدمة هذه الشريحة الاجتماعية فقد خصص الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك على سبيل المثال مصحات لمرض الجذام لرعايتهم والإنفاق عليهم ومنعهم من الاحتكاك بالناس4. وأوقف في تونس أبو فارس عبد العزيز بن السلطان أبي العباس الحفصي 796هـ 1393م" بيمارستان للضعفاء والغرباء وذوي العاهات من المسلمين وأوقف على ذلك أوقافاً كثيرة5. وكان الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، يفرض للزمني من بيت مال المسلمين فريضة الصحيح لكفاية حاجته، وقد بدأ لأحد ولاة عمر في دمشق ألا يكون لهؤلاء فريضة كاملة 1 المصدر نفسه، ص112. 2 المصدر نفسه، ص113. 3 رعاية الفئات الخاصة، ص73. 4 تاريخ البيمارستانات، أحمد عيسى بك، ص278. 5 تاريخ البيمارستانات، ص280.
عدد الصفحات ٣٩٩400 كفريضة الصحيح، فقال في رده على الخليفة : الزمن ينبغي أن يحسن إليه، فأما أن يأخذ فريضة رجل صحيح فلا، فكتب عمر بن عبد العزيز: إذا أتاك كتابي هذا فلا تعنت الناس ولا تعسرهم ولا تشق عليهم1، ويستند عمر بن عبد العزيز في فعله هذا على ما كان في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي كتب إلى عامله المعين على مصر الأشتر النخعي بوصية بأن يعتني بأهل الزمانة والمرضى، حيث قال: ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمني، فإن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً، وأحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم، و اجعل لهم قسماً من بيت مالك وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد، فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى وكل قد استرعيت حقه ولا يشغلنك عنهم بطر ولا تصعر خدك لهم وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم، ممن تقتحمه العيون، وتحقره الرجال، ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم ثم اعمل فيهم بالأعذار إلى الله سبحانه يوم تلقاه، فإن هؤلاء من بين الرعاية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم، وكل فأعذر إلى الله في تأدية حقه2. وتعهد أهل اليتيم، وذوي الرمة في السن ممن لا حيلة له.. ثم احتمل الخرق منهم والعيي وانح عنهم الضيق والأنف يبسط عليك الله بذلك أكناف رحمته3 إن التعاليم الإسلامية قدمت برنامجاً شمولياً لرعاية الفئات الخاصة، فقد جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية واضحة جلية في إلزام الأمة برعايتهم والأخذ بيدهم ودمجهم في المجتمع. ذوي الاحتياجات الخاصة في الدولة الحديثة ذات المرجعية الإسلامية: الدولة الحديثة تهتم بمواطنيها من ذوي الاحتياجات الخاصة وتوفر الرعاية الصحية والاجتماعية والنفسية لهم وتعمل على: ـ تتبنى إستراتيجية وطنية بهدف تطوير سياسات وخدمات الرعاية والتأهيل وذلك بالتعاون مع المنظمات الدولية والإقليمية ذات الصلة. 1 الطبقات الكبرى5 /380.) 2 شرح نهج البلاغة نقلاً عن رعاية الفئات الخاصة، ص 75. 3 رعاية الفئات الخاصة، ص75.
عدد الصفحات ٤٠٠